فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 145

الاشتراكيون، وكلا النظامين من التباين بحيث يتعذر التوفيق بينهما.

يقول كثير من الناس إن النقابية فجر الأزمنة الحديثة، ويظهر أنهم لم يدركوا أن هذا

الفجر عبارة عن قهقرة نحو نظام قديم تركه الناس لشدته، فقد ظلت النقابية نظام

جمهوريات إيطاليا قرونًا كثيرة، أي إن تلك الجمهوريات لم تكن سوى اتحاد نقابات

صناعية كان يديره مجلس منتخب من قبل هذه النقابات.

وصف الموسيو (رينار) - وهو من أساتذة كلية فرنسا (كوليج دو فرانس) -

نتائج النظام النقابي في إيطاليا بما يأتي»: كانت جمهوريات إيطاليا ومنها جمهورية

فلورنسا الجميلة كناية عن خصام بين مدينة ومدينة وبين حي وحي وبين عشيرة

وعشيرة، وعن حركات انتقام وفتن وحرق وقتل ومتاريس ونفي ونزع أموال، وقد تفاقم

أمر هذه النوائب فصار الناس يعتقدون مع (دانتي) أنهم ينحدرون إلى مناطق جهنمية

حيث يهيم الجن والعفاريت والمجرمون «.

وبيَّن الموسيو) كنتان بوشار (في كتابه» الاشتراكية في البلدان الأجنبية «أن النظام

النقابي في إيطاليا كان كثير الجور، فكان العامل يرى من السعادة أن يتخلص منه

ولو سلط عليه حكم عسكري مطلق، وقد ظهر رجال الثورة الفرنسوية أنهم جديرون

بالشكر لإلغائهم طوائف العمال التي هي أقل حيفًا من نقابات الجمهوريات الإيطالية

المتجبرة.

ولا ريب في أن الحضارة تسعى - ومن سعيها ظهر دستور الدول الكبيرة -

في إقامة المصلحة العامة مكان مصلحة الفرد والطوائف المتخاصمة، وهذا ما يجعلنا

نعتبر النقابية نظام رجوع لا نظام تقدم، ومن الطبيعي أن تتعاون المصالح المتجانسة

على شكل نقابات، فذلك ما يشاهد في كل مكان، ففي ألمانيا نرى النقابات لا يحصيها

عد، فرجال الدولة وموظفوها والقصابون والأساتذة والقضاة ونزاحو البلاليع ... إلخ

ينتسبون فيها إلى نقابات سلمية، والأمر هنالك خلاف ما عليه في فرنسا التي تود نقاباتها

قلب الدولة؛ لتصبح سيدة البلاد ولتعيد إليها نظامًا قضى تقدم الحضارة عليه منذ عهد

طويل.

وإذا تم النصر للنقابية في أحد الأيام فإننا نرى فتح باب للفوضى لا يقدر على

مقاومته أي تدبير اجتماعي، ومتى تثر الشعوب على قوانينها تكابد أهواء بعض الظلمة

المستبدين الذين يظهرون أيام الفوضى ثم تقاسِ غزو الأجنبي بلادها، فلجهل هذا السر

دخلت الأمم الكبيرة القديمة في خبر كان، واستعبدت بلاد اليونان التي كانت مصدر النور

في القرون القديمة وغابت بولونيا عن التاريخ.

ولا يكون نجاح تلك الحركة سوى نتيجة انحلال نفسي، وإننا نعد تمرد موظفي

البريد دليلًا مخيفًا عليه. فقد دعا هؤلاء إلى عدم التجند والفوضى، ويثبت لنا اعتصابهم

الذي وقع أيام كانت مشاكل البلقان تدفع فرنسا إلى خوض غمار حرب طاحنة درجة

ترجيح كثير من النقابيين مصالحهم الفردية على المصلحة العامة واعتبارهم النقابة أنها

الوطن.

ويزيد الخصام بين النقابية الثورية والاشتراكية الحكومية، ولا فرق في فساد هذين

المذهبين، ولربما كانت النقابية أخف وطأة من الاشتراكية الحكومية؛ لتأديتها إلى تأليف

طوائف مستبدة صغيرة متوازنة.

وكلما ذهبت أخلاقنا وابتعدنا من فهم نواميس الكون العامة دنونا من معاناة أحد

الاستبداديين، فلنتدبر عواقب الأمور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت