حقٍّا لا تستند سلطة جمعية اتحاد العمال إلى غير ضعف الحكومة، وهي لا تنمو إلا
في بلاد مثل فرنسا، ولا تعرف إنكلترة وأميركا نظير الحادثات التي ألمعنا إليها آنفًا، ففي
الولايات المتحدة يحكم على مقترفيها بسجن سنوات كثيرة لا يصيبهم في أثنائها رحمة
عفو، وفي إنكلترة لما كانت النقابات مسؤولة عن الضرر الذي يوجبه أعضاؤها مسؤولية
مالية لا عهد لها بسياسة الهدم والتخريب.
وجمعية اتحاد العمال لاعتقادها أنها مصونة من الجزاء تجاوزت أيام اعتصاب
(درافي) الحدود كثيرًا، فلما علمت المحاكم أن المعتصبين في أثنائه يخربون الآلات وينهبون
أبناء السبيل ويهجمون على العربات لم يسعها سوى مقاضاتهم، فهددت جمعية اتحاد
العمال الحكومة بإعلان الاعتصاب العام إذا لم تمنع القضاء عن الحكم، وبما أن نهب
العربات وحرق المصانع أمران لم ينص عليهما قانون العقوبات قضت المحاكم على
بعض المعتصبين بأحكام خفيفة لم يمضِ على تنفيذها بضعة أسابيع حتى عفا البرلمان
عمن حكموا بها.
غير أن الحكومة وإن لم تدافع ضد جمعية اتحاد العمال ترى هذه الجمعية نفسها
أمام عدو أشد بأسًا من الشرطة والجيش، فلقد اجتمع جمع الفوضويين، وليس في
إمكانها إنكارهم لما بين برنامجهم وبرنامجها من الشبه في تقويض المجتمع وإقامة
الشيوعية.
لا يعرف الفوضويون طريقة معقولة غير طريقة التخريب والحرق، ويود هؤلاء
المجاذيب أن يقضوا على المجتمع دفعة واحدة، وأن يقتلوا ما يقدرون على قتله من الملوك
ريثما يمكنهم ذلك.
وأما العمال الذين هم أرقاء كثيرو الخضوع، فلا شيء يربحونه في السبيل الذي
يساقون إليه، وإنما ينالهم فيه خسران كبير، وبيان الأمر أن أجورهم تكون بحسب
الأحوال الصناعية في البلاد، فإذا لحق تجارة البلاد نقصان لا ينفعهم انتسابهم إلى نقابة
في زيادة أجورهم دانقًا واحدًا، وقد أخذ هذا النقصان يحدث، وسيزيد عندما يلجئ
الخوف رؤوس الأموال إلى الهجرة إلى بلاد لا تذعر فيها باعتصابات شديدة، وتخريبات
عنيفة وقوانين ظالمة كالتي ما فتئ البرلمان يسنها.
ويجتنب مدافعو طبقات العمال الاعتراف بهذه الحقائق، وهم يعلمون على
الخصوص أن العمال لا يحسنون حالهم بامتلاكهم ثروة الغير، بل بإتقان معرفتهم
الفنية، فالكفاءة هي قوة الجيل الحاضر ولا شيء يعادلها، فليزد العامل قيمته المهنية،
وليسع في الصعود إلى مستوى زملائه الأميركيين الذين - كما قال (پول آدم) - يجيئون
إلى المصنع في كل صباح مرتدين ثيابهم الأنيقة، فيلبسون فيه دراعة والذين يغتسلون
بعد أن يقضوا نهارهم بالشغل، فيذهبون في المساء إلى المنتدى حيث لا تجد بينهم وبين
أكابر الناس فرقًا في الأوضاع، وبجانب هؤلاء العمال الذين ينال كل واحد منهم خمسة
وعشرين فرنكًا أجرة يومية فعلة أغبياء جاهلون ذوو أجور يومية لا تتجاوز أربعة
فرنكات، فهل مقصد الحضارة الأسمى أن ترفع الفاعل البسيط إلى درجة النبيل، أو
أن تخلق مجتمعًا مصنوعًا يخفض النبيل إلى مستوى الفاعل البسيط؟ أعلم ماذا يجيب
الاشتراكيون عن ذلك، ولكنني أعلم أيضًا ماذا يكون جواب العقل الرشيد، فلنحتقر
الكلام المبهم الباحث في الإنسانية، والذي لم يملله بالحقيقة سوى الحسد، ولتكن جهودنا
متجهة إلى تقوية مزاج الأمة النفسي لا إلى خفض هذا المزاج فليس الرقي بالحقد على
الطبقات كما يدعي المتمذهبون بل باتحاد الطبقات.
والاشتراكيون الآن يرون النقابات قلبت لهم ظهر الِمجنِّ بعد أن كانوا من أهم
العوامل في تأليفها، وما أتوا به من المساعي لاتقاء خصومتها ذهب عبثًا، فعلى ما يبدونه
من تذلل نرى جمعية اتحاد العمال ترفضهم بازدراء، وقد امتنعت في مؤتمراتها الحديثة
عن قبول نائب اشتراكي واحد فيها.
ولا يزال مقصد النقابيين الأسمى مبهمًا بدليل أنهم لم يسعوا حتى الآن في غير
التخريب، على أن كُتَّابهم صوروا لنا المجتمع النقابي في المستقبل فقالوا إنه سيتألف من
نقابات إنتاج ذات مصالح متبادلة، فهذا النظام يفوق النظام الحكومي الذي يبشر به