فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 145

قلوب نقابيِّي فرنسا هي الكلمة القائلة: «لا تظنوا أن من الرقي إلغاء رأس المال، فينطوي

تحت هذا الإلغاء رجوع إلى دور الرق والاستعباد.»

ويسمع نقابيونا نظير هذه النصائح في إنكلترة وألمانيا لو كانوا ذوي نفسية تسمح

لهم بإدراكها، والعامل القدير وحده هو الذي يعلم أن الأجور تكون بحسب قيمة أرباب

المصانع.

لم يسلم بهذا المبدأ رجال النقابات في البلدان اللاتينية، فلو سئلوا عن مقصدهم

الذي يسعون إليه لأجابوا»: مصانع بلا أرباب. «

تلك أوهام رجال النظر الذين لم يترددوا إلى المصانع ولم ينظروا إلى ما فيها بدقة،

فلو فحص هؤلاء الأمر عن كثب لرأوا أن المصنع بصحبه، وبعدما أتى العلم في الوقت

الحاضر بمبتكراته المعقدة صار أصعب شيء في الصناعات إيجاد رؤساء لها لا جمع

عمال يقومون بها، فسرعان ما يخرب المصنع الذي تم نجاحه على يد مدير ماهر إذا

تولت أمره أيدٍ غير مجربة، فالمصنع بلا رئيس كالسفينة بلا ربان، أي يقع اليوم في

فوضى وغدًا في انهيار.

وبيان هذه الحقائق لا يفيد الفوضويين الذين قبضوا على زمام النقابات، فهم

لا يتوخَوْن غاية غير نقض المجتمع وإقامة نظام شيوعي مبهم مقامه، وهم بدلًا من

أن يظلوا شاكرين للقوانين سماحَها لهم بالبقاء تراهم اليوم يقاتلونها، ومن السذاجة

احتمالهم أكثر مما سبق.

وقد بحثت في فصل سابق عن مساوئ بعض القوانين التي يصر المشترِعون على

الإكثار منها دون أن يدركوا ما تجر إليه من النتائج، ونذكر بجانبها قانون النقابات

المهنية الذي أوجب وضعه سنة 1884 وزير يجيد الخطابة على ما فيه من علم قليل

بأمور النفس، وما كانت الإنذارات التي أنذر بها هذا الوزير قليلة، غير أنه وقتما قال

أحد أعضاء مجلس الشيوخ»: إنه يخشى يومًا يصبح فيه البرلمان مسودًا من جمعية عمال

مطيعة أوامر نقابة عالية «اكتفى بالاستخفاف» بما يُعزَى إلى مجلس النقابات العام من

قوة تفوق قوة أكبر الجبابرة!

ومن العبارات النفسية التي قيلت في الخطر الذي ينجم عن ذلك القانون قول

عضو آخر في مجلس الشيوخ: «إنه لا بد من السيطرة المطلقة، فلا شيء يقال له مرحلة

متوسطة، أي إما أن لا تتألف جمعية نقابات، وإما أن يتكون اتحاد ذو سلطان مطلق

بين هذه النقابات، فلا نجهل الكيفية التي يتسلَّط بها الزعماء على العمال»، وقد ذكر أن

لائحة القانون تؤدي إلى مَقْتِ الوطن ونظام التجنيد فلم يُجْدِ ذلك نفعًا، إذ استحوذ عمى

القلب على أعضاء البرلمان فاقترعوا للائحة القانون الذي تزيد نتائجه كل يوم خطرًا،

وبفضله أصبحت جمعية اتحاد العمال تحارب الوطن والجيش والمجتمع، ورأس المال

دون أن يصيبها عقاب.

ويعيش أولئك المتعصبون شديدي الوهم، ففي حفلة افتتاح المدرسة الاشتراكية

بين الموسيو (جوريس) عندما فحص كتاب اثنين من رجال النقابية الثورية أن أولئك

المشاغبين المتمردين لا يقترحون سوى إقامة ما سوف يهدمونه بثورة عنيفة، وقد نشر

في عدد جريدة (الأومانيته) الصادر في 30 تشرين الثاني سنة 1909 مقالة جاء فيها ما

يأتي: «إن من أوصاف الثورة المقبلة التي تقص علينا هو السهولة التي لا حد لها، ففيها

تغيب الحكومة كطيف ويزول البرلمان كالدخان وينضم الجيش إلى الشعب فيلقي كل

إنسان سلاحه، وفيها يترك للفلاح حقله وللبائع الصغير دكانه، وإذا قبض على المصارف

فليعطي المودعون حوالات جديدة، ثم تبعث الدولة من مرقدها فيظهر البرلمان على شكل

مؤتمر اتحاد حيث لا تحل مشاكل العمال وحدها، بل مشاكل الزراع ومشكلة النقود

ومشاكل كثيرة أخرى أيضًا، وحينئذ تعود عناصر المجتمع إلى حيث كانت وتسود سنة

الديمقراطية.»

وريثما تمثل جمعية اتحاد العمال دورها في المستقبل تأتي اليوم بضروب التخريب،

وهي ترمي إلى تقويض كثير من الصناعات غير مبالية ببؤس العمال الذين يعيشون

منها، ولقد كان تأثيرها من العوامل التي أوجبت انحطاط بحريتنا التجارية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت