فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 145

الأجانب من إنكلترة. وقد أذعنت حكومة روسيا لرغبات الشعب الذي يكون في الغالب ذا

إرادة أشد من إرادة الملوك المطلقين، فطردت اليهود من المدن الكبيرة، وفي ألمانيا حزب

كبير يطالب الحكومة بطرد اليهود، وما تأخرت حكومة بروسيا عن إخراج البولونيين

والإيطاليين المستخدمين في خطوطها الحديدية، وبعد أن رفضت حكومة سويسرة سنة

1892 لائحة القانون القائلة بعدم استخدام العمال الأجانب أخذت تشترط على ملتزمي

الحربية أن لا يستخدموا غير عمال سويسريين، ومثل هذه المساعي تشاهد في فرنسا

وفي غيرها من البلدان؛ ولذلك نرى اعتبار القرن العشرين قرن إخاء ليس من الصواب،

فالإخاء بين مختلف الشعوب لا يكون إلا إذا جهل بعضها البعض الآخر، ولا يؤدي

التقريب بين الشعوب بتقصير المسافات التي تفصل بينها إلا إلى تعارفها، ومن ثم إلى

قلة تساهلها.

ومن جهة أخرى نرى حركة الشعوب العامة ضد الغزو الأجنبي لا تزال في المرحلة

الأولى، وإذا توصلت الحكومات القائمة على مبادئ متناقضة إلى اتخاذ وسائل واحدة

كتلك فلأن الضرورة هي التي تمليها عليها، فتأثير الأجانب يؤدي إلى انحلال الدول

وقتما يزيد حدة، ويقضي على روح الأمة، خذ الإمبراطورية الرومانية مثلًا ترها غابت عن

الوجود عندما كثر عدد الأجانب فيها، وانظر كذلك إلى أمة كالأمة الفرنسوية يتناقص

عدد سكانها في زمن يزيد فيه سكان الأمم المجاورة لها لتعلم أن ما يفيض من سكان

هذه الأمم الأجنبية يهاجر حتمًا إلى فرنسا حيث لا يكرهون على التجنيد ولا على دفع

ضرائب فادحة، وينالون أجورًا أحسن مما في بلادهم الأصلية، وكيف يترددون في الهجرة

إلى فرنسا وهم يرون جميع البلدان أوصدت دونهم أبوابها؟ ومع أن هجرة هؤلاء خطرة

لأنهم بحكم الطبيعة من الطبقات الدنيا التي ليس عندها ما يسد رمقها تقودنا مبادئنا

في الإنسانية إلى عدم منع دخولهم إلى بلادنا، من أجل ذلك أصبحت مرسيليا مستعمرة

إيطاليا بسكانها، وليس لإيطاليا مستعمرة تحتوي على عدد من الطليان كمرسيليا، فإذا

لم تحل دون الغزوات أصبح ثلث سكان فرنسا من الطليان وثلث آخر من الألمان، وماذا

يكون كيان الأمة ووحدتها إزاء هذه الغزوات؟ أسوأ الملاحم في ميادين القتال أفضل لها

منها.

نستنتج مما تقدم أن مبتكرات الحضارة عاجزة عن تخفيف تنازع الشعوب، ويظهر

هذا العجز على وجه أوضح إذا علمنا أن الحضارة تضيف إلى علل التنازع النفسية

التي أشرنا إليها عللًا اقتصادية؛ فلهذا حُقَّ للفلاسفة ومحبي البشر أن يبكوا مقدمًا من

المصائب التي ستصيب الحروب بها البشر، على أنه يخف غمهم إذا علموا أن السلم العام

يقضي في الحال على كل حضارة وكل تقدم ويسوق البشر إلى التوحش، فتوطيد السلم

-كما قال الموسيو) دوفوغويه» - (ينشر بين البشر في أقل من نصف قرن ما لا تقدر

عليه أقسى الحروب من فساد وانحطاط. «

لا جرم أن الحروب لا تخلو من مساوئ، ولكن إذا وضعنا مساوئ ها في كفة ميزان

ووضعنا فوائدها في الكفة الأخرى فأيتهما ترجح؟

مساوئ الحرب ثلاث: ضياع المال وفقد الرجال وضعف الشعب، فأما ضياع المال

فأهميته طفيفة، فالتاريخ يثبت لنا أن ظل أغنى الشعوب يتقلص أمام الشعوب الفقيرة،

ولا يعني إفقار الشعب إيذاءه، فقد ذكر المحصون أن ألمانيا اضطرت إلى إنفاق أكثر من

مليار فرنك في المحافظة على الإلزاس واللورين، وأن دول أوربا تنفق قسمًا عظيمًا من

ماليتها على جيوشها، وليس لتلك النفقات نتيجة غير تحريك نشاط الشعوب وتعودها

التقشف ووقايتها من غزو الأجنبي وتعديه، وهل في أوربا دولة تقدر على البقاء يومًا

واحدًا بدون جيش؟ فلو تخلت دولة أوربية عن جيشها لاتفق بعض الأمم القوية على

اقتسامها، ولأرهقت بضرائب أثقل من الضرائب التي يتطلبها تسلحها.

تمدح الحكومات والشعوب محاسن السلم وينطق رؤساؤها بخطب ممجدة له، ولا

أحد يعتقد وجود ذلك السلم الذي يلهج بذكره الناس أجمعون، فكل يعلم أنه متى

يظهر ضعف أمة تصبح فريسة الأمم القوية المجاورة لها، وقد شاهدنا مصداق ذلك في

اليوم الثاني من معركة (موكدن) التي أصيبت فيها قوة حليفتنا روسيا بشلل كبير، فقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت