-وهو يرى نفسه يمثل جزءًا من الدولة - يعتقد أنه من فصيلة الملوك فيعامل
الجمهور حسبما يقتضيه هذا الاعتقاد، وما أفضل الناس عنده سوى فرد،» خضوع «
ففي المراسلات الرسمية يلقبه ب «السي فلان» وإذا قابله خلف كوة أو فاوضه فإنه
يستصغره.
وما يجب أن يعمل لتحسين الحالة هو أن تسير الحكومة على عكس ما تقاد إليه
الآن، فلنحجم عن سن نظام يجعل الموظفين دائمين لا يُعزَلون ويضع الوزراء ورجال
البرلمان في حال لا يستطيعون بها أن يكونوا ذوي تأثير فيهم، وليس على الحكومة -
إذا أرادت أن تبقى صاحبة السيادة على موظفيها - إلا أن تقتدي بأرباب الصناعات
الخاصة، فهل من مخزن كبير أو مصنع عظيم يمنح مستخدميه نظامًا يضمن لهم
بعض الامتيازات؟ إنه يحافظ عليهم ما داموا أكفاء وإلا فإنه يقصيهم عن العمل.
وعلى الحكومة أن تعاقد المستخدمين إلى مدد لا تزيد على بضع سنوات في الأمور
الفنية وحدها كمسائل الهندسة والبرق ... إلخ، وقد يعترض على ذلك بأن الحكومة بعدم
ضمانها شيئًا من الديمومة والقرار لموظفيها لا تجعل سوى أولي الكفاءات المتوسطة
يعرضون خدمتهم عليها، فإذا صح هذا الاعتراض فالبلاد هي التي تستفيد من تحقيق
ما يفرضه؛ لأن أذكياء الشبان يولون حينئذ وجوههم شطر الصناعة والتجارة.
وإنا لنأسف على بعد ذلك الاحتمال، فالمرشحون للوظائف يكونون وقتئذ مثلهم في
هذه الأيام من حيث العدد، فمع أن راتب الموظف الصغير في دواوين الحكومة لا يتجاوز
ستة فرنكات كل يوم ترى خمسين مرشحًا من حملة البكالوريا يعرضون أنفسهم على
الحكومة عندما تصبح إحدى الوظائف الحقيرة شاغرة في تلك الدواوين.
تقودنا الحكومية التي هي مصدر الاشتراكية إلى استعباد نفسي عظيم، والاستبداد
الحكومي من الجور والإرهاق بحيث تأتلف ضده جميع المنافع المتضررة، فقد أخذ الناس
يعلمون أنه ليس من وظائف الحكومة أن تدير الصناعة وتظهر بمظهر الإنسان المحب
للبشر وتفرض على أبناء الوطن يقينها وجحودها وأدبها وثقافتها، وأن واجبها الحقيقي
أن تكون حكمًا بين مختلف الأحزاب وتسهر على راحة الأهالي وسلامتهم بواسطة الشرطة
في الداخل وبواسطة الجيش في الخارج.
تلك الحقائق مسلم بها، ولكنها قليلة الانتشار فلنرج تحريرنا من ربقة الاستبداد
الحكومي بالتدريج، ولكن لا نقف عند حد هذا الرجاء، فإن يسهل تعديل قوانين الأمة
على الورق يصعب تبديل روحها.