فقال: «إننا بحملنا المجتمع الزنجي على النظام قبل الأوان سنحصد حربًا طاحنة مستمرة
يشترك فيها وثنيو الزنوج ومسلموهم ضدنا.»
ولا تكون الحرب مستمرة في السنغال ومستعمراتنا الأخرى ما دمنا عظيمي القوة
والجبروت، وهذا لا يمنعنا من القول إننا نحن الذين نوقد نار الغيظ في قلوب رعايانا
فندفعهم إلى الانتقاض مهما يكن شأنه.
وقال طبيب البحرية السابق الموسيو (پواتودوبليسي) - وقد أقام زمنًا كبيرًا في
مستعمراتنا «ينشأ عن تطبيق طريقة الانتخاب في المستعمرات قبل الأوان وتحويل -
جميع الوظائف الرئيسة إلى وظائف انتخابية تسلم الزنوج السلطة، وجعل إقامة البيض
في مستعمراتنا شيئًا مستحيلًا، ثم لو بحثنا عن عدد ناخبي المستعمرات الذين يمثلهم
نواب في برلماننا للاشتراك في أمورنا الاشتراعية لوجدنا أن للزنجي الذي ينتسب إلى
مستعمرة (الانتيل) شأن ثمانية فرنسويين في تسيير دفة الوطن.»
تلك نتائج تطبيق نظمنا الأوربية على سكان المستعمرات، والآن بقي عليَّ أن أبحث في
تأثير معتقداتنا الدينية:
ليس من الإنصاف أن نتهم ولاة أمورنا الحاليين باتباع سياسة الدعوة والتبشير،
فقد مضى الزمن الذي ندافع فيه بقوة السلاح عن المبشرين الذين يزعجون بمواعظهم
مبادئ الشرق الاجتماعية، ثم إننا تركنا أبناء مستعمراتنا أحرارًا في عباداتهم الدينية،
وإني أدرس هذا الأمر لأتم بياني بأنه لا يمكن تطبيق عناصر إحدى الحضارات الراقية
على الشعوب المتأخرة.
تكفي بضعة أرقام لإثبات تأثير معتقداتنا الدينية القليل في الشرقيين، ولكن هذه
الأرقام لا تذكر بجانب اعتراف المبشرين أنفسهم بعجزهم عن تحويل الشرقيين إلى ديننا.
فأما ما يختص بالعرب فقد استشهدت بقصة أربعة الآلاف يتيم الذين تولى أمرهم
الكردينال (لافيجيري) ، فعلى رغم تربية هؤلاء تربية مسيحية بعيدة من كل تأثير عربي،
رجع أكثرهم إلى الإسلام بعد أن بلغوا سن الرشد.
والتجارب في الشرق ولا سيما في الهند الإنكليزية أوسع من تلك، ففي مؤتمر عقدته
كنيسة الانغليكان اضطر القسيس القانوني (إسحق طيلر) إلى التصريح بفشل مبشري
الإنكليز الذين لم يقدروا بعد نفقات عظيمة وسعي سنين كثيرة وحماية دولة قوية
لهم إلا على تحويل عدد يسير من سفلة الناس إلى دينهم، ويكون فشل المبشرين أعظم
من ذلك في بلاد الإسلام، حيث لا يأملون معونة من دولتهم، فمع أن المبشرين أنفقوا
في جزيرة العرب وبلاد فارس وفلسطين نصف مليون، وأتوا بمجهودات استمرت عشر
سنوات لم يستطيعوا أن ينصروا سوى قليل من أجرائهم وفتاة ظهر أنها بلهاء مختلة
الشعور، وإذا أضفنا هذه الأمثلة إلى الأمثلة الأخرى تبين لنا تعذر تأثيرنا في الشرقيين
بآرائنا ومبادئنا وحضارتنا.
ولا تقولن إني عدو المبشرين، فإني من الذين يحترمون ثباتهم وخيالاتهم، ومن
الذين يقدرون خدماتهم العالية في البلدان المتأخرة كسورية، حيث ينشرون لغتنا بما
يؤسسونه من المدارس فيها.