زادت مطاليبهم اضطرت الحكومة إلى التصريح بأنها لا تستمر على الإذعان.
ثم إن موظفي البريد لم يبدوا رغباتهم إلا بوقاحة مفرطة وبتهديدهم الحكومة
بالاعتصاب تهديدًا مكررًا، ولما رأى الموظفون الآخرون أن النجاح يكون حليف سياسة
التهديد رفعوا عقيرتهم وأبدوا مطاليبهم، وقد وجب لتنفيذها مضاعفة الميزانية ومن ثم
مضاعفة الضرائب.
لا جرم أن رجال البرلمان والوزراء لا يبالون بنتائج ضعفهم إلا قليلًا، فهم يعلمون
أنهم لا يكونون قابضين على زمام الحكم عند ظهورها، ولكن لما أخذت الرغائب والمطاليب
تزيد بسرعة اضطروا إلى إظهار شيء من المقاومة مداراة للرأي العام.
ولم يكن اعتصاب موظفي البريد الثاني خاليًا من الفائدة، فيجمل بالجمهور أن
يقاسي اعتصابات البريد والسكك الحديدية ليدرك ماذا ينطوي تحت النظام النقابي
ولينتصب أمام جميع الثوريين.
ينبغي أن نعلم كيف ندافع عن أنفسنا غير خائفين، فالخوف سبب جميع الفتن
الدامية وما ينشأ عنها من استبداد عسكري، وهل كان موظفو البريد والمعلمون يقولون
ما نشروه في الجرائد لو لم يكونوا واثقين بما توجبه خطبهم من هول؟ وهل يجوز
السماح لموظفي الدولة بأن ينشروا المبادئ اللاوطنية ويبذروا بين الناس المذهب القائل
بنزع السلاح وعدم التجنيد، أي بتقويض أركان المجتمع الذي يعيشون فيه؟ وهل يصح
السكوت عن كثير من المعلمين الذين يعبرون عمَّا في أنفسهم بمثل العبارة التي قالها
أحد مفوضيهم في مجلس عام، وهي»:إنني أطالب لتحرير الصعاليك بانتساب المعلمين
إلى جمعية اتحاد العمال، وبأن يطبع الحقد على الطبقة الوسطى على قلوب الأطفال؟ «
ومن العبث أن نجادل أناسًا ضالين أعمى قلوبهم بعض الزعماء، فأولئك الناس
الذين يكثرون من التظلم ينتسبون بالحقيقة إلى زمرة ممتازة بين أبناء الطبقة الوسطى،
ومن أغرب ما سمعناه ادعاء رئيس اعتصاب موظفي البريد بأنه من الصعاليك، مع أن
راتبه السنوي بلغ ستة آلاف فرنك، ومع أنه سينال راتب تقاعد مقداره ثلاثة آلاف فرنك
على الأقل، فلو تم النصر للمذهب النقابي لأصبحت رواتب أمثال هذا الموظف كرواتب
أصغر العمال.
لقد رأينا في أثناء اعتصاب موظفي البريد عجبًا، وهو أن قسمًا من الحكومة تمرد
على القسم الآخر، ومن أي شيء تتألف حكومة البلاد؟ إنها لا تتألف فقط من البرلمان
الذي يسن القوانين، ولا من الوزارة التي تأمر بتنفيذها، بل أيضًا من مليون من الموظفين
الذين ينفذونها مباشرة والذين توزعت بينهم السلطة الحقيقية، فإذا رفع هؤلاء الموظفون
راية العصيان اضمحلت الدولة، وإذا أمكن الاستغناء عن الوزراء فكيف يُستغنَى عن
موظفي الحكومة البالغ عددهم مليونًا؟ ليس من الصعب تبديلهم بآخرين، فإذا كان
المرء يحتاج إلى سعي سنوات كثيرة كي يكون ميكانيكيٍّا أو حدادًا فإنه لا يضطر إلا
إلى جهد بضعة أسابيع كي يصبح رئيس ديوان أو موظف بريد أو جابيًا، وإذا كان
بين جحفل الموظفين رجال - كموظفي البرق - يتطلب عملهم شيئًا من الوقوف على
الميكانيك فقليل عديدهم.
قال (إبيكتيت) : «إن الآراء التي تدور حول الأشياء لا الأشياء نفسها هي التي تقلق
الرجال.» وبمثل هذا القول يعبر عن أخطار الوقت الحاضر، فهذه الأخطار ليست في
الأمور نفسها، بل في الأوهام والأفكار التي تدور حول تلك الأمور.
إن الأوهام هي التي تقيم الأمم وتقعدها وقد أثبت لنا التاريخ أنه يُقتضَى لزعزعة
ما لبعض الأوهام من السلطان نشوب حروب تمتد قرونًا كثيرة وسيل الدماء كالأنهار.
وما صار نصيب العمال في زمن أحسن منه في هذا الزمن، وما تذمر العمال في وقت
تذمرهم في الوقت الحاضر، وليس من الصعب أن يوفق بين المصالح، وإنما الذي يظل
التوفيق بينه متعذرًا هو الحقد والحسد اللذان بذرهما الساسة في الجماعات، وقد أصبح
الاستياء عامٍّا بفعل العدوى النفسية، وصارت الاشتراكية والنقابية والفوضوية ترياقًا
لجميع الأمراض.
تتألف الجماعات المشبعة من هذه المذاهب من أخلاط الحراص المتهورين والمتعصبين