فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 145

عندها على وجه واحد أدت إلى نتائج متماثلة فيها، نعم، إن البربرية بدلت اسمها في أغلب

الأوقات، ولكن تجب مقاتلتها في الداخل والخارج، ثم إن هذه المقاتلة من عوامل الرقي،

ولا تكون خطرة إلا إذا كان حماة النظام الاجتماعي يتوقعون الهزيمة سلفًا، ولما كانوا

يصيرون حينئذ إلى الانكسار لا محالة فإنهم يستحقون الهلاك.

قد يتم اتفاق مسالمي اللاتين واشتراكييهم وخريجي جامعاتهم في بلاد» ضحى

النهار «التي تخيلها الموسيو (لافيس) ولكن معنى ذلك استعباد اللاتين ونهب أموالهم

من قبل الأمم المجاورة الطامعة في قبض المليارات والقضاء على مزاحمة المغلوبين.

تستند هذه الحقائق المؤلمة إلى مطامع لا تحول دونها أحلام الخياليين، فهي التي

حكمت العالم حتى اليوم وستحكمه إلى الأبد.

ولا تشاهد مناحي التطير والتسليم في أولئك الناس وحدهم بل تناولت تعليمنا

المدرسي أيضًا، فعندما لا يكون الأستاذ مسلمًا قائلًا بالقضاء والقدر ينضوي إلى جماعة

العصاة، على هذه الصورة أصبح كثير من الأساتذة في الوقت الحاضر على رأس الاشتراكية

الثورية.

مذهب القضاء والقدر تراث الماضي القديم، وقد خلدته الفلسفة والأديان، فهو الذي

بني عليه كثير من الفرق البروتستانية وقام عليه مذهب) جانسينوس (القائل إن لله

اختار من الأزل أناسًا للإحراق وآخرين للنجاة، وإذا كان المذهب الجبري القائم على

العلم الحديث يبرر في الظاهر مذهب الأجداد في القضاء والقدر فلالتباس بين المذهبين،

فالجبرية العلمية تقول إن الحادثة بنت علل سابقة وإنه كلما عادت هذه العلل ظهرت

تلك الحادثة من غير أن يكون لموجود علوي فعل في ذلك، وقد عزا القدماء جميع القوى

الطبيعية إلى موجود علوي جهلًا منهم ارتباط تلك القوى بعضها ببعض وطمعًا في

تغيير مجراها بإقامة الصلوات وقراءة العزائم.

ولنترك لعلماء ما بعد الطبيعة أمر البحث في نظرية الإرادة لتعذر حلها، ولننظر إلى

الأمر من الوجهة العلمية، حيث تثبت أن مصدر القدر جهلنا الحقائق وأنه يتبدد عندما

نعرف كيف نحلل العناصر التي يتألف منها.

للمقادير ثلاثة أنواع: النوع الأول هو المقادير الطبيعية الثابتة كالهرم وحوادث الجو

وسير الكواكب، فنحن وإن كنا لا نقدر على تبديلها نستطيع أن نعيِّن سننها ونخبر

عنها قبل وقوعها ونحافظ على أنفسنا إزاءها محافظة جزئية، والنوع الثاني هو المقادير

المتبدلة كالأوبئة والمجاعات التي كانت تودي بحياة ملايين من البشر، فهذه المقادير

تتبدد كلما تقدم العلم فحلل عناصرها وهاجم كل واحد من تلك العناصر على انفراد،

والنوع الثالث هو المقادير المصنوعة، فالتاريخ حافل بهذه المقادير، وبما أن العلة بعد

أن تتكون تأتي بنتائجها بحكم الضرورة كان من الصعب مقاتلة المقادير المصنوعة،

ويجب للسيطرة عليها مقاومتها بمقادير مصنوعة أخرى لا تقل عنا قوة، وهذا ما يفعله

أعاظم الرجال.

يدلنا البحث في تأثير العلم في الحوادث - التي عدت سابقًا مقادير ثابتة - على

الصورة التي تنحل بها بعض المقادير وتزول، فمنذ أربعين سنة كان كل امرئ يبتر

عضوه في مستشفيات باريس يرد مورد الهلاك في بضعة أيام، وكان سكان مختلف

البقاع يذهبون ضحايا الحمى الصفراء، وأما اليوم حين انحلت عرى هذه المقادير، فقد

ظهر أن المبتورين كانوا يهلكون بفعل بعض المكروبات وأنهم ما كانوا ليهلكوا لو كانت

دوافع التعفن مستعملة، وما قيل في البتر يقال مثله في الحمى الصفراء والطاعون.

وأمور مثل تلك كثيرة إلى الغاية، فقد استطاع الهولنديون أن يتخلصوا من الطوفان

بما بذلوه من الجهود الكبيرة، وقد حولت بروسيا رمال (پوميرانيا) وتربة (براندبرغ)

النفطية إلى غابات جميلة وحقول خصبة.

يطبق ما قلناه في بعض المقادير الطبيعية على المقادير التاريخية، فهذه المقادير على ما

هي عليه من استعصاء عند اشتقاقها من روح الشعب وماضيه السياسي لا تتفلت من

حكم الناموس القائل إن المقادير تتبدد بتحليل عناصرها.

وكل صفحة من صفحات تاريخنا تؤيد ذلك، فلو نظرنا إلى حرب سنة 1870

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت