فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 145

أولئك أن يسألوا باريس لتسمح لهم بإنجاز أصغر الأمور كتأسيس سوق وإنشاء ينبوع

... إلخ.»

نظام الدولة الحاضر يحاكي نظام الملكية المطلق السابق، وهو أشد وطأة منه؛ لأن

المشترع في هذا الوقت - وهو يرى دور حكمه مؤقتًا - لا تهمه نتائج القوانين التي

يسنها بتأثير ضغط الجموع المتقلبة ولا ينظر إلا إلى نفع تلك القوانين الظاهري الراهن

غير مدرك ما سوف ينشأ عنها من عواقب سيئة في المستقبل، ولقد اشتهر (عيسو) بعَدِّهِ

صحن عدس عتيد خيرًا من حق البكورية البعيد، فما أشد اقتداء مشترعي الأمم اللاتينية

بعيسو!

والحكومة لتذبذبها المتواصل واشتراعها اتفاقًا واضطهادها كثيرًا من طبقات الأمة

أصبحت ثقيلة شديدة الوطأة ممقوتة من الذين بغت عليهم، وهي إن استطاعت - مع

خرقها حرمة المعتقدات وإرهاقها مصالح الناس وسخرها من الشعب بما تلقيه فيه من

أوهام يتعذر تحقيقها - أن تبقى صاحبة الأمر والنهي قلما توجبه بين صنوف الأمة

من منافسة ومزاحمة؛ فلذا نرى سلطانها الواسع في الظاهر والمناقض بالحقيقة لأي مثل

أعلى تحت رحمة المصادفات والطوارئ.

توضح المبادئ النفسية العامة المذكورة كثيرًا من الأمور التي يظل أمرها غامضًا إذا لم

ينظر إلى عللها، ومنها فضائح المطبعة الأميرية وفضائح بحريتنا التي لا تزال لجان

التحقيق تبحث عن أسبابها.

قيل إن تجديد المطبعة الأميرية الذي لا احتياج إليه يكلف ميزانية الدولة 442350

فرنكًا، فجاءت لجنة المراقبة وبينت أن هذا التجديد يستلزم إنفاق عشرة ملايين من

الفرنكات، ومع قولهم إنه يتم في أربع سنوات مضى سبع سنوات على الشروع فيه، ولا

شيء يدل على أنه يكمل في وقت قريب.

يثبت ما دلت عليه اللجنة من الأمور مقدار عدم المبالاة التي بها يدير الموظفون

مشاريع الدولة، فلو أن المشاريع الخاصة أديرت بمثل ذلك الإهمال لأصابها الإفلاس

في وقت قصير، فلما أنشئت درج لبناء المطبعة ظهر أنها قليلة التزويق، فهدمت لإعادة

إنشائها، ولما بلطت أرضية البناء ووصل بين أجزائها بملاط محكم قال مدير ديوان

المطبعة - وهو مبتلى بالرثية: -1 إن ذلك الملاط يقرس الأرجل ويوجب التهابًا في قصبة

الرئة، فنقضت الأرضية على الفور وفرشت بخشب لم يلبث أن ظهر أنه من جنس رديء

فبدل به غيره، ثم لما ابتيعت آلات بثمن غالٍ وغاب عن الفكر إحداث خنادق لها هدم

قسم من البناء، وهكذا خسر بيت المال ملايين كثيرة من الفرنكات على مرأى فريق من

الموظفين من غير أن يحرك ذلك ساكنهم.

والأمثلة التي هي من هذا النوع كثيرة جدٍّا، ولا ريب في أنها لا تردع الاشتراكيين

عن تسليم مثل ذلك المشروع إلى الحكومة بدلًا من تفويضه إلى الصناعة الخاصة التي لا

تغض الطرف عن إهمال الموظفين.

وليس مثال تضييع المال في إنشاء المطبعة الأميرية شيئًا يذكر بجانب ما أثبته

التحقيق في بحريتنا الحربية، فقد لاحظ الجمهور بدهش أن سوء حال بحريتنا أوجب

هبوطها من الدرجة الثانية إلى الدرجة الخامسة في بضع سنين، وجاء في تقرير اللجنة

العام» أنه لا وحدة في النظر ولا ارتباط في الجهود، ولا تبعة معينة في بحريتنا، وأن

الغفلة وقلة النظام والبلبلة هي السائدة لها. «

قدر الموسيو (أجام) - وهو من أعضاء تلك اللجنة - ذلك الإسراف بسبعمئة مليون

فرنك، ويتضاعف هذا المبلغ إذا أضفنا إليه ال 693 مليونًا من الفرنكات التي منحتها

بحريتنا التجارية منذ سنة 1899 حتى سنة 1909 كجوائز حسب رواية الموسيو (كايو)

الذي قال في مجلس النواب»:إننا امتطينا متن الخطأ والزلل بسلوكنا تلك الطريق. «

1 وجع المفاصل واليدين والرجلين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت