لا يفقهونها إلا عند تربعهم على دست الأحكام، وهي لا تؤثر في الاشتراكيين الثوريين
الذين يعللون أنفسهم بنقض المجتمع الحاضر. نقول ذلك ونحن نعلم أن هؤلاء الرسل
المشاغبين يدركون بقليل من إنعام النظر أنه لا ينالهم شيء من تبديل الحكومة التي
يلعنونها، أي إن الذين يبقون منهم أحياء بعد المذابح التي تحدث لا يلبثون أن يروا طرز
الحكم لم يتبدل إلا قليلًا، فيصبحوا من الرجعيين، وهذا ما شوهد في كل مرة جاء فيها
القياصرة ليقضوا على الفوضى.
وعلى الثوريين المنتصرين أن يختاروا إحدى الطريقين، إما أن يبقوا ثوريين رافعين
أعلام الفوضى وحينئذ تتفق جميع الآراء ضدهم فلا يدوم سلطانهم، وإما أن يحكموا
البلاد بأسلوب مماثل لحكم الماضي، وهذا ما يفعله جميع المشاغبين المنتصرين، فكل من
يدعو الناس قبل أن يقبض على زمام الحكم إلى التمرد والاعتصاب العام واستعمال
العنف والقسوة لا يلبث أن يحارب هذه المنازع عندما يصير سيدًا لا لخيانة يخون بها
مبادئه بل لاكتشافه أن حياة الأمة قائمة على محافظة بعض القواعد التقليدية.
والخطر الحقيقي في ضعف أولي الأمر منا، لا في صولة رجال الثورة، فمتى تصبح
بلاد مشبعة من الفوضى ومصالح مهددة بالاعتداء عليها، ومتى أضحى لا يرى فيها
غير خطب هذرية، ووعود كاذبة وقوانين عقيمة يبحث سكانها عن حاكم مطلق قادر
على إعادة النظام وحماية العمل، على هذا الوجه غاب كثير من النظم الديمقراطية عن
الوجود.
نعم إن الحكم المطلق يوطد النظام حينًا من الزمن، إلا أنه مؤدٍّ لمعركة كمعركة
(واترلو) و (سيدان) ثم إلى افتتاح الأجنبي للبلاد، ولم يأسف الرومان على تسلم
(أغسطس) مقاليد الأمور، غير أن حكم (أغسطس) جعل ظهور أمثال (تيبريوس)
و (كاليغولا) ، ثم الانحطاط التدريجي وانقراضروما على يد البرابرة أمورًا ممكنة.
لقد تطلبت إعادة العالم الذي قضى عليه البرابرة ألف سنة لم تهدأ في أثنائها
الحروب والثورات، واليوم نرى البرابرة داخل أسوارنا تاركين إياهم يمعنون في تقويض
بنيان اجتماعي لم يبلغ ما بلغ إليه إلا بمصاعب عظيمة، ففي بعض الأحيان يزول
المجتمع سريعًا، ولكنه يجب مرور قرون كثيرة لإعادته.