وتأسيس المرء لنفسه نفوذًا شخصيٍّا أمر كثير التعقيد، ويسهل إذا قامت به جماعة
فالناس، يجادلون في نفوذ الشخص ويعانون نفوذ الجماعة، وبهذا نفسر احترام الناس
للجان الانتخاب التي هي صاحبة القول والفصل في البرلمان، وقد بين القطب السياسي
(ريمون پوانكاره) في خطبة ألقاها حديثًا أن النواب الهائمين يصوتون وكل واحد منهم
ينظر إلى دائرته الانتخابية الصامتة سائلًا»: هل تصويتي يرضي اللجنة؟ «فأكثر نواب
الاشتراكيين شغبًا وأشدهم مقاطعة للوزراء هم صغار أذلاء أمام لجان الانتخاب المؤلفة
في الغالب من مدمني الخمرة المشاغبين، ومن يستند إلى لجان الانتخاب وإلى جريدة وإلى
عدد كافٍ من باعة المسكرات لا يمنعه مانع من أن يكون أحد سادة البلاد.
على أنه يحيط باللجان الانتخابية شيء من الأخطار، فلما أكرهت هذه اللجان النواب
على وضع قوانين منافية لرقي صناعتنا اضطر التجار إلى تأسيس جمعيات دفاع، وقد
جعلت جمعية تجار المفرق مجلس النواب يتردد أمام فرض كثير من الضرائب.
ومهما كان الأمر فإن مستقبل المصالح السياسية والمصالح المهنية غير منوط
بالمؤثرات الفردية، بل بلجان يقودها زعماء وما غابت هذه الحقائق عن بال جمعية
اتحاد العمال، فبرنامجهم - وإن كان يقول في الظاهر بتأليف نقابة شاملة تديرها لجنة
مجردة من سلطة منظورة - يقصد بالحقيقة إلزام الجمعيات المؤتلفة أوامر مطلقة لا
يجادل فيها.
وهنا يبدو أول محذور: أفلا يُدعَى العمال إلى انتخاب تلك اللجنة قبل أن تتمتع
بالسيطرة على شؤون العمال؟ لم يثن هذا المحذور الذي يثبط بسطاء الساسة عادةً
مؤسسي جمعية اتحاد العمال، فلما أيقن هؤلاء بأن الأكثرية لم تكن في جانبهم أقاموا
مقام سلطة الأغلبيات سلطة الأقليات، وهم لكي يبرروا عملهم قرروا على رغم المبادئ
الديمقراطية والمبادئ الاشتراكية أن الأقليات وحدها هي التي يحق لها أن تلزم الناس
رغباتها، قال أحد زعماء المذهب النقابي»: الفرق بين النقابية والديمقراطية هو أن
الديمقراطية تسلم بالانتخاب إدارة الأمور إلى فاقدي الشعور غير مكترثة للأقليات التي
يتوقف عليها أمر المستقبل، وأن النقابية تحمي بالعكس أرباب الشعور المتطرفين «.
وإلى ماذا تستند كفاءة أقلية متطرفة؟ تستند إلى الغريزة وحدها، فرؤساء الجمعية
يؤكدون» أن أقل واحد منهم يخوض غمار المعركة يبلي فيها أحسن من أي متمذهب «.
والمشورات التي تعطَى ذلك المنتسب هي كالتي تعطَى أحد الملوك المطلقين الذين
لا يبالون بالقوانين، قال أحد زعماء تلك الجمعية: «إن العامل الفرنسوي المنتسب إلى
الجمعية فوق كل سلطة وحرمة ورتبة، فهو لا يسأل قبل أن يسير عن سماح القانون له
بالسير، أي إنه يسير غير مبالٍ بشيء.»
وأما جموع العمال فلم يزدرها ملوك آسيا المستبدون ازدراء الولاة الجدد لها،
ويصيب هؤلاء بقولهم إنها تؤمن بكل ما تلقنه لعجزها عن التأمل والتفكير، ففي أيام
الثورة تميل إلى الجهة المتصفة أفرادها بالجرأة والإقدام، وفي الأيام الاعتيادية تلزم جانب
السكوت.
«وأولو الشعور وحدهم هم الذين يحق لهم أن يتكلموا باسم طبقة العمال» ، ومن
الطبيعي أن يكونوا كناية عن مديري جمعية اتحاد العمال، فهؤلاء لإدراكهم نذالة
الجموع يعاملونها كقطيع من الأرقاء، وقلما يعتني مفوضوهم بإيضاح الأوامر - كأمر
الاعتصاب مثلًا - للعمال، فإذا أبدى عامل شيئًا من المقاومة يقتله زملاؤه الذين يطيعون
أوامر اللجنة، فكأن أمر المفوض قام مقام سوط العريف الذي كان يراقب الزنوج ساعة
غرس الأشجار والنباتات.