الصفحة 37 من 45

فهو اسم جامع لكل شيء كشف القناع عن المعنى، سواء تم ذلك بالقول المنطوق أو المكتوب أو كان بالإشارة أو الهيئة التي يبدو عليها الشيء، والتي يطلق عليها دلالة الحال، لأن مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع، إنما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى فذلك هو البيان في ذلك الموضع (165) . وقد اقتفى الرماني أثر الجاحظ وحذا حذوه في فهمه وتعريفه للبيان، فهو عنده بمعنى الوضوح والانكشاف والإظهار للمعنى الغامض، والإعراب عما في النفس من خواطر وأفكار، بل لا تختلف دلالات هذا البيان عنده، عن تلك الدلالات التي يتحقق بها البيان عند الجاحظ. يقول الرماني:"البيان هو الإحضار لما يظهر به تميز الشيء من غيره في الإدراك، والبيان على أربعة أقسام، كلام وحال وإشارة وعلامة" (166) . ويقصد الرماني بالإحضار كل ما يظهر المعنى المقصود ويوصله إلى الذهن، سواء كان كلاما أو رسما أو رمزا أو إشارة.

فالرماني إذن حين استخدم كلمة (البيان) عنوانا للباب العاشر من أبواب البلاغة العشرة التي يعرف بها إعجاز القرآن، لم يكن يقصد معناه الاصطلاحي الذي تعارف عليه البلاغيون في ما بعد باسم (علم البيان) ثالث علوم البلاغة، إلى جانب (علم المعاني) و (البديع) الذي يعرفه القزويني قائلا"علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه" (167) . وإنما كان يقصد المعنى العام المطلق لكلمة (بيان) المشتمل على معايير القول وموازين الكلام. ومما يدل على ما ذهبنا إليه أنه جعل هذا البيان قسما من أقسام البلاغة العشرة، وجعل التشبيه والاستعارة اللذين هما جزءان من علم البيان قسيمين معادلين له وليس فرعين عنه.

والكلام عند الرماني على وجهين: كلام يظهر به تميز الشيء عن غيره فهو بيان، وكلام لا يظهر به تميز الشيء، فليس ببيان، كالكلام المخلط والمحال الذي لا يفهم له معنى (168) . فالغاية من البيان، الإبانة وتمييز الشيء عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت