الصفحة 38 من 45

غيره، أو كما قال الجاحظ هي الفهم والإفهام، لكن ذلك لا يقتضي أن يكون كل كلام أبان عن المعنى وأفهمه يسمى بليغا، من قبل أنه قد يكون الكلام على عي وفساد ويبين عن المعنى المقصود"كقول السوادي وقد سئل عن أتان معه فقيل له: ما تصنع بها، فقال أحبلها وتولد لي" (169) . فهذا كلام قبيح فاسد، وإن كان قد فهم به المعنى وأبان عن المقصود، فحسن الإفهام شرط في البيان، لا مجرد الإفهام مع عي وفساد، لأنه لو اقتصر تعريف البيان على ما يظهر به تميز الشيء من غيره لكان كلام (السوادي) بيانا، لأنه قد عبر عن غرضه في إمساك (الأتان) وهو الحبل الذي يطلبه، والولاد الذي ينتظره. والبيان الحسن هو ما جمع أسباب البلاغة وأبان عن المعاني بأحسن الألفاظ وأقربها تناولا، وأخفها مؤونة على القائل والسامع. يقول الرماني"وحسن البيان في الكلام على مراتب: فأعلاها مرتبة ما جمع أسباب الحسن في العبارة، من تعديل النظم حتى يحسن في السمع ويسهل على اللسان وتتقبله النفس تقبل البرد، وحتى يأتي على مقدار الحاجة فيما هو حقه من المرتبة" (170) . ويفهم من كلام الرماني أنه يشترط تحقق أربعة أمور لعلو مرتبة البيان وهي: حسن الوقع في السمع، والخفة على اللسان، وحسن التقبل في النفس، وأن يكون المقال على قدر المقام. وهذا الرأي يدل على مذهب كان الجاحظ أول من نادى به في تاريخ النقد والبلاغة، وهو مذهب الصنعة والافتنان في الصياغة، فقيمة البيان أو الأدب في رأي الجاحظ ترجع إلى إقامة الوزن وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وإلى صحة الطبع وجودة السبك، لأن الأدب أو الشعر صناعة وضرب من الصبغ وجنس من التصوير (171) . والرماني من أنصار هذا المذهب، فالشأن كل الشأن للصياغة والانسجام الصوتي، لذلك نجده يشترط في حسن التأليف، أن يكون اللفظ خفيفا على اللسان، عذبا في الأسماع، بريئا من التعقيد، مشاكلا للمعنى، موافقا لمقتضى الحال، مقبولا في النفوس، لكن ذلك لا يعني أن الرماني يهدر قيمة المعاني، أو يفصل بين اللفظ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت