ومعناه، فهما مترابطان أشد الارتباط، ومتلازمان أشد التلازم، وقيمة اللفظ الكبرى فيما تضمنه من المعنى وما يؤديه من دلالة عليه، ونحن إذا تجاوزنا القيمة الصوتية للألفاظ والكلمات، أو (ما عبر عنه الرماني بتعديل النظم حتى يحسن في السمع، ويسهل على اللسان) فستبقى قيمته في معناه ودلالته. وقد مر بنا سابقا أن الرماني يجعل الغاية من البيان، إظهار المعنى الخفي والإعراب عما في النفس من خواطر وأفكار. ويستحسن أن يكون هذا الإظهار، وهذا الإيضاح للمعنى، بألفاظ مختارة بعناية لمواقعها اللائقة بها، وأن تكون موافقة للمعاني المعبرة عنها. لأن اللفظ متى وافق معناه وأعرب عنه، ووافق الحال وخرج عن التكلف والاستكراه، حبب إلى النفوس، ومتى كان كريما متخيرا وسليما من الفضول بريئا من التعقيد، حبب إلى النفوس وخف على ألسن الرواة، وشاع في الآفاق ذكره (172) . فالسر كله إذن، في القدرة على الصياغة الجميلة، فإذا استطاع المتكلم أن يصوغ المعاني صياغة رائعة، وقدر على أن يبرزها في أسلوب عذب، كان التأليف في أعلى مراتب الحسن والبيان. ومثل هذا البيان في حسن التأليف ورقة التأليف وتمام الإحكام، لا نجده إلا في الأسلوب القرآني، الذي يهتز له ويتأثر به كل من تطرق سمعه آيات هذا الكتاب العزيز، فهو كله في نهاية الحسن والبيان، ولذلك بلغ مرتبة الاعجاز.
وبهذا الباب ينتهي حديث الرماني عن أبواب البلاغة العشرة، التي ارتضاها وجها للإعجاز القرآني، وهي وجوه كلها تعبر عن الخلفية المذهبية للرماني. فإعجاز القرآن يجب أن يلتمس في الجانب التعبيري، أي في نظم ألفاظه وحسن تلاؤمها، وفي التشبيه والاستعارة، وفي حسن البيان، وفي الإيجاز وفي غير ذلك من وسائل التعبير البلاغي، وهي كلها أساليب تدخل في مجال الصنعة والصياغة اللفظية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ