فقد اكتشفت البشرية منذ وقت مبكر أن هذا الاقتصاد العيني وحده لا يكفي بل لابد أن يزود بأدوات مالية تسهل عمليات التبادل من ناحية، والعمل المشترك من أجل المستقبل من ناحية أخرى. هنا ظهرت الحاجة إلي"أدوات"أو"وسائل"تسهل التعامل في الثروة العينية. لعل أولى صور هذه الأدوات المالية هي ظهور فكرة"الحقوق"علي الثروة العينية، وهكذا بدأ ظهور مفهوم جديد اسمه"الأصول المالية"Financial assets باعتبارها حقًا على الثروة العينية، وأصبح التعامل يتم على"الأصول المالية"باعتبارها ممثلًا للأصول العينية.
وبشكل عام تأخذ هذه الأصول المالية عادة أحد شكلين، فهي إما تمثل حق الملكية على بعض الموارد (أرض زراعية أو مصانع أو غير ذلك) ، أو تأخذ شكل دائنية على مدين معين (فرد أو شركة) . وقد تطورت أشكال الأصول المالية الممثلة للملكية (الأسهم) مع ظهور الشركات المساهمة، كما تطورت أشكال الأصول المالية الدائنة (أو المديونية) مع تطور الأوراق التجارية والسندات.
ولكن الأمر لم يقتصر على ظهور هذه الأصول المالية الجديدة (أسهم وسندات وأوراق تجارية) ، بل ساعد على انتشار تداولها ظهور مؤسسات مالية قوية تصدر هذه الأصول باسمها وحيث تتمتع بثقة الجمهور مما أدى إلي زيادة تداول هذه الأسهم والسندات بين الجمهور.
وهكذا لعب القطاع المصرفي -والقطاع المالي بصفة عامة- دورًا هائلًا في زيادة حجم الأصول المالية المتداولة وزيادة الثقة فيها، ومن هنا بدأت بوادر أو بذور الأزمات المالية وهي بدء انقطاع الصلة بين الاقتصاد المالي والاقتصاد العيني، وزاد التوسع المالي بإصدار أنواع متعددة من الأصول المالية المتنوعة بشكل مستقل عن الاقتصاد العيني، وأصبحت للأسواق المالية حياتها الخاصة بعيدًا عما يحدث في الاقتصاد العيني.
ومن هنا تظهر حقيقة الأزمة المعاصرة باعتبارها أزمة"مالية"بالدرجة الأولي نجمت عن التوسع الكبير في الأصول المالية علي نحو مستقل -إلى حد كبير- عما يحدث في"الاقتصاد العيني".