فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 41

أحدها الحرام، فيقول الشافعي أكره كذا وكذا ويريد التحريم، وهو غالب إطلاق المتقدمين تحرّزًا عن قول الله تعالى"ولاتقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلالْ وهذا حرام"فكرهوا لفظ التحريم ... ) [1] ، ثم ذكر المعنيين الذين أوردهما الشوكاني، وهما: نهي التنزيه وترك الأولى.

والخلاصة أن المكروه إما أن يكون مباحًا أصلًا فيكره لعارضٍ، أو أن يكون حرامًا ويَسمى مكروهًا لعارض، وكل ٌمن الوصفين السابقين لاينطبق عن الوظائف محل البحث.

فأما الأعمال المباحة ابتداءً فقد وردت في المطلب السابق، وأما بقية الوظائف فهي إما أعمال ٌ تُباشر الربا أكلًا أو إطعامًا، أو تشرف أو تدعم أو تخطط أو تخدم الشركة بطريقةٍ تؤدي إلى محافظتها على استمرار تقديم خدماتها المالية بالطرق التقليدية الربوية. وقد سبق تفصيل الخدمات المالية الربوية المحضة من غير المحضة، والتي تفضي إلى الربا وتعين عليه، بل ومن غير الخدمات المالية التي تؤدي إلى الربا أيصًا.

ولذلك، يصعب بعد هذا كلّه إطلاق وصف الكراهة على هذه الأعمال، فلم يبقَ إلا القول بالحرمة، إلا أن تكون الكراهة على طريقة الإمام الشافعي- رحمه الله- في إطلاقها على الحرام تورعًا ً عن التقوُّل على الله بغير علم.

ويدعم الفقه السابق إعمال قاعدة الذرائع، وهي أن الوسائل تأخذ حكم المقاصد، فذريعة الواجب واجبةَ، وذريعة الحرام محرمةَ على تفصيل يطول في مدونات الأصول، ولكن يمكن الاكتفاء بقولٍ مختصرٍ مفيدٍ للقرطبي، نقله الشوكاني بقوله (فقال {أي القرطبي} : اعلم أن ما يفضي إلى الوقوع في المحظور إما أن يفضي إلى الوقوع قطعًا أو لا، الأول ليس من هذا الباب، بل من باب ما لا خلاص من الحرام إلا باجتنابه ففعله حرام ٌ من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والذي لا يلزم {أي افضاؤه إلى الوقوع قطعًا} إما أن يفضي إلى المحظور غالبًا، أو أن ينفك عنه غالبًا، أو يتساوى الأمران، وهو المسمًى بالذرائع عندنا، فالأول لابد من مراعاته، والثاني والثالث اختلف الأصحاب فيه، فمنهم من يراعيه، وربما يسميه التُّهمة الضعيفة والذرائع البعيدة) [2]

وبإعمال كلام القرطبي في مسئلتنا هذه، فإن العمل في قسم العمليات والإدارة الدنيا ... (Operation) والتي تباشر الاتصال المباشر مع الجمهور والعملاء وفتح الحسابات وتقديم القروض وغير ذلك كالتأمين والاستثمار في المحرمات تدخل في باب (ما لاخلاص من الحرام إلا باجتنابه ففعله حرام ) ، وبقية الأقسام كالاتصالات والعناية بالزبائن، والتمويل وحسابات المخاطرة، والقوى البشرية، وغيرها، كلها تفضي إلى الحرام قطعًا، لما ثبت بالبحث من تشابك هذه الأقسام جميعهًا وعدم استغنائها عن بعضها البعض. وعلى أضعف تقدير، فإنها تفضي الى المحظور غالبًا، فلا بد من مراعاتها - بعبارة القرطبي- وإلحاقها بما يفضي إلى الحرام دائمًا، فما أفضى إلى الحرام غالبًا ًفهو حرام دائما ً.

(1) علي السبكي - الإبهاج - 1/ 59 , دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 عام 1404 هـ

(2) إرشاد الفحول للشوكاني - مرجع سابق - 1/ 411،412.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت