فالقول فيهم كالقول في الناس كافة، فيأخذوا أقدار حاجاتهم كما فصلنا ... ) [1] ، وظاهر من كلام الإمام -رحمه الله- اشتراط الضرورة وجواز الترخص في أخذ ما يسد الحاجة فقط دون الترفه والتنعم.
السادسة:
والأخيرة، مادام الأمر مقتصرًا على دفع الضرورة والحاجة، فلا بد من التخلص من المال الزائد بإنفاقه في مصالح المسلمين العامة، ويرجى له الأجر على نية التخلص من المال الحرام , وقد سبق قول الجويني (ثم يتعين الاكتفاء بقدر الحاجة، ويحرم ما يتعلق بالترفه والتنعم) .
الحاجة عند الفقهاء هي ما يُفتقر إليها للتوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المصلحة، فإذا لم تراعى، دخل على المكلفين - على الجملة - الحرج والمشقة [2] .
وعادة ما يضرب الفقهاء لها أمثلة ً بالعقود التي أبيحت على خلاف القياس، كالإجارة والسلم والحوالة وغيرها، لما تحتويه هذه العقود - في الجملة- من بيع المعدوم والجهالة وغيرها، ومع ذلك جاء الشرع بإباحتها للحاجة العامة إليها، حيث أن منعها يوقع الناس في حرج ٍ وضيقٍ.
قال السيوطي شارحًا لقاعدة [الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة ً كانت أو خاصة] : من الأولى [العامة] : مشروعية الإجارة والجعالة والحوالة ونحوها، جوزت على خلاف القياس .... ومن الثانية: تضبيب الإناء بالفضة يجوز للحاجة .. ) [3] .
والذي يظهر من العرض السابق أن القول باعتبار الحاجة سببًا للتخفيف ليس على إطلاقه، بمعنى أنه لايجوز للمكلف أن يترخص في أمر ٍ محرمٍ بالنص بسبب المشقة المعتادة فقط، بل لا بد أن تأتي الرخصة من الشرع ذاته، إما بنص ّ أو بقياس ٍ جليّ. فالقاعدة (الحاجة تنزل منزلة الضرورة في إباحة المحظور) إنما جاءت في إطار التأصيل للأحكام وبيان التناسق في التشريع، ليس إلا.
و ما سبق يدعو إلى القول أن هذه القاعدة قاعدة أصولية ٌ وليست قاعدة فقهية ً [4] ، بمعنى أنه لايشترط تحقق الحاجة في احاد الناس لتباح لهم الإجارة أو السلم، بل هي أحكام ٌ ومعاملات ٌ مباحة ابتداءً، فالحاجة في هذه القاعدة أمرٌ كلي ٌ مستمرٌ رتب الشرع عليها بعض الأحكام والرخص، ولم يتركها عبثا ً.
وفي ذلك يقول الغزالي - رحمه الله- مقررًا لقاعدة (ما ثبت على خلاف القياس، فغيره عليه لا يقاس) :
(القسم الثاني ما استثني من قاعدةٍ سابقةٍ ويتطرق إلى استثنائه معنى، فهذا يقاس عليه كل مسألةٍ دارت بين المستثنى والمستبقى وشارك المستثنى في علة الاستثناء، مثاله: استثناء العرايا، فإنه لم
(1) عبد الملك الجويني-غياث الأمم في التياث الظلم- الشهير ب (الغياثي) ، الصفحات 486 - 488، مطابع الدوحة، عام 1400 هـ. كما وانظر مناقشة ً وتعقبا لارائه عند:
د. صلاح الصاوي-وقفات هادئة- مرجع سابق، ص 32 وما بعدها.
(2) الموافقات للشاطبي - مرجع سابق - المجلد الأول ج 2 ص 9، نقل بتصرف
(3) الأشباه والنظائر للسيوطي - مرجع سابق - ص 62 وما بعدها
(4) ذهب إلى ذلك: الشيخ عبد الله بن بيه- الفرق بين الضرورة والحاجة- مرجع سابق، ص 128