الثانية:
لا يشترط في الضرورة هنا أن تكون واقعة ً فعلًا، بل يكفي أن تكون متوقعة ً بغلبة الظن، مع ملاحظة الفرق الشاسع بين الضرورة القائمة والضرورة المنتظرة، فالمنتظرة هي التي لم تقع أصلًا، ولم يَلُح في الأفق علامات ٌ لها، بل هي من نسج الخيال ووسوسة الشيطان، أما القائمة فهي التي ظهرت معالمها واضحة ً، كمن فقد عمله، وأوشك على استنفاذ ما عنده من رصيد وهو جاد ّ في البحث والتنقيب عن عمل آخر، ولكنه يعلم عدم إمكانية الحصول عليه سريعًا، وعدم إمكانية الاقتراض من الغير إلى حين الحصول على عمل، ففي تلك الحالة، لا يطلب منه أن ينتظر حتى يستنفذ كل رصيده، ويجوع وزوجته وأطفاله، ويُطرد من بيته لعدم دفع إيجاره الشهري، بل يباشر ماتيسر من الأعمال فورًا ً قبل الوصول الى هذه الحالة، فإن القول بخلاف ذلك فيه تحميل ٌ للناس مالا يطيقون.
وقد تبنى ذلك الزرقاني رحمه الله في شرحه بقوله - في معرض حديثه عن المباح من الأطعمة - ( ... وحدّ الاضطرار أن يخاف على نفسه الهلاك علما ً أو ظنا ً، ولا يُشترط أن يصير إلى حال ٍ يُشرف معها على الموت) [1] ، وهو فقه ٌ رشيد ٌ لمن تأمّله. ولاشك أن الظن الغالب هو المقصود هنا بحسب علم المكلف وخبرته وتجربته.
الثالثة:
إذا باشر المسلم عملًا محرمًا فلا ينبغي أن يركن إليه ويتوقف عن البحث عن البديل المباح، بل يجب الاستمرار في البحث
الرابعة:
إذا كان المسلم على رأس عمله المحرّم وأراد أن يتوب بالإقلاع عنه، فلا يُطلب منه ترك العمل فورًا إذا لم يكن له دخل غيره وكان بحاجة ماسة إليه، وما سوى ذلك فيجب عليه ترك العمل.
الخامسة:
إذا جاز للمسلم العمل في هذا القطاع للضرورة، فلا بأس أن ينفق على نفسه ومن يعول مما يتقاضاه من هذا العمل بقدر ما ترتفع به الضرورة، وبقدر ما ترتفع به الحاجة أيضًا، ولا يزيد عن ذلك أبدا ً، لما تقرر فقهًا ً من أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة في إباحة المحظور، مع ملاحظة أن المقصود بهذه القاعدة هو اشتراط حدوث الضرورة أولا ً حتى تلحق بها الحاجة ثانيا ً، وذلك أننا نتكلم عن أمر ٍ محرمٍ قصدا ً لا تبيحه إلا الضرورة.
ويبسط القول في هذه المسألة الإمام الجويني رحمه الله - في شرح ما يحل للمسلم أخذه إذا أطبق الحرام وانحسر الحلال فيقول: (وهذ الفصل مفروض فيه إذا عم ّ التحريم، ولم يجد أهل الأصقاع والبقاع متحولًا عن ديارهم إلى مواضع مباحة .... ثم يتعين الاكتفاء بقدر الحاجة ويحرم ما يتعلق بالترفه والتنعم .... فإن تعذر ذلك عليهم [انتفال أهل بلد ٍ معين إلى مكان آخر] وهم جم ّ ٌ غفير وعدد كبير، ولو اقتصروا على سد الرمق وانتظروا انقضاء أوقات الضرورات لانقطعوا عن مطالبهم،
(1) الزرقاني - شرح الزرقاني، 3 - 125 دار الكتب العلمية- بيروت؛ ط 1 عام 1411 هـ