خلص المطلب السابق إلى أن الربا الذي تتعامل به الشركات في قطاع الخدمات المالية في الولايات المتحدة هو ربا النسيئة المحرم قصدًا ً.
وسبب هذا النظر في نوع الحرمة، وما إذا كانت قصدا ً أو وسيلةً، هو إعمال قاعدة ٍفقهية ٍ يكثر تداولها بين أهل العلم، وهي أن (الحرام لذاته تبيحه الضرورة والحرام لغيره تبيحه الحاجة أو المصلحة الراجحة) [1] قال ابن تيمية (ثم إن ما نهي عنه لسد الذريعة يباح للمصلحة الراجحة) ، فأما الحاجة والمصلحة الراجحة، فسيكون الحديث عنهما في المطلب الخامس، وأما الضرورة المقصودة هنا فهي بالمعنى الأخصّ عند الفقهاء.
وبيان ذلك، أن الضرورة بالمفهوم الأصولي هي الضرورة الكليَة التي لايشترط تحققها في آحاد الناس لإباحة المحظورات، وإنما هي الأحكام الكلية التي تؤدي الى المحافظة على الدين والنفس والعقل والمال والنسل، وليست مقصودةً هنا، وهناك ضرورةْ بالمعنى العام عند الفقهاء ويقصد بها الحاجة، ولا يترتب عليها إباحة الحرام لذاته كما سيأتي، ثم الضرورة بالمفهوم الخاص عند الفقهاء وهي مدار الحديث في هذا المطلب [2] .
وقد عرف السيوطي الضرورة بالمفهوم الخاص بقوله (فالضرورة بلوغه حدًا إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب. وهذا يبيح تناول الحرام) [3]
وصورة تطبيق هذه القاعدة في موضوع العمل في قطاع الخدمات المالية، أن المسلم إذا اجتهد في البحث عن عملٍ مباح ٍ، واستنفذ جهده في التحري والسؤال، وكان مستعدًا للانتقال إلى بلدٍ آخر فيما لو وجد ضالته، ومع ذلك لم يجد إلى الحلال سبيلا ً، وكان في ضائقةٍ ماديةٍ يكاد معها أن يجزم بعدم قدرته على تغطية حاجاته الأساسية وحاجات من يعول، فعندئذٍ يجوز له أن يباشر أي عمل ٍ ربوي حتى تنقضي حاجته وتزول ضرورته.
ولابد من توضيح عددٍ من المسائل المتعلقة بهذا الأمر:
الأولى:
اعتبار الضرورة هنا بالمفهوم الفقهي الخاص يوجب تحققها في آحاد الناس. فلا يجوز تعميم الحكم والافتراض سلفًا أن أبواب الحلال مغلقةَ في وجه قاصدها، وأن الناس مضطرون إلى مباشرة الحرام والعمل في المؤسسات الربوية بل لابد من أخذ كل حالةٍ على حدة، والتأكد بسؤال من يثق المستفتي بعلمه وصلاحه، فإذا أفتاه جاز له العمل في هذا القطاع وإلا فلا.
(1) الفروق للقرافي - مرجع سابق - الفرق (58) ومجموع فتاوى ابن تيمية.
(2) انظر بحثًا قيمًا في التفريق بين الضرورة والحاجة عند:
الشيخ عبد الله بن بيه - الفرق بين الضرورة والحاجة تطبيقًا على بعض أحوال الأقليات المسلمة - المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، العددان الرابع والخامس، ومن هذا البحث تم اقتباس عدد ٍ من الأفكار في هذا المطلب.
(3) السيوطي - الأشباه والنظائر، ص 61 - طبعة مصطفى البابي الحلبي- القاهرة 1398 هـ