الحرام هو ما طلب الشارع الحكيم الكَفّ عنه على سبيل الحتم والإلزام، فهو الأمر الذي يثاب تاركه ويعاقب فاعله [1] .
ويقسمه الأصوليون والفقهاء، بالنظر الى درجة الحرمة فيه الى قسمين:
الحرام لذاته: وهو ما حرمه الشرع لما فيه من مفسدةٍ خالصةٍ أو مفسدةٍ غالبة لا تنفك عنه، كالزنى والقتل وشرب الخمر، ويسمى المحرم (تحريم مقاصد) أيضًا.
والحرام لغيره: وهو ما حرمه الشرع لعارض ٍ مع أنه في أصله مشروع، كنكاح التحليل (المحلّل) ، والنظر الى عورات الغير، والبيع وقت النداء لصلاة الجمعة، ويسمى المحرم (تحريم وسائل) أيضًا [2]
وبالنظر الى سبب الحرمة، يقسّم ابن تيمية الحرام الى قسمين: حرام لوصفه كالميتة والدم ولحم الخنزير (وهو كالحرام لذاته في التقسيم السابق) ، والحرام لكسبه، كالمال المغصوب أو المأخوذ بالعقود الفاسدة [3] .
والحرام لكسبه ليس درجة ً واحدة ً، بل ينطبق عليه التقسيم الأول، فمنه حرام ٌ لذاته، ومنه ما هو حرام لغيره تبعا ً لمقدار النهي الوارد في المعاملة المحرّمة.
والذي يعنينا في هذا البحث هو تحقيق القول في مسألة التعامل بالربا أخذًا وإعطاءً، أو العمل في المؤسسات الربوية عمومًا، وما إذا كان ذلك من قبيل الحرام لذاته أم من الحرام لغيره.
قال ابن القيم رحمه الله (الرّبا نوعان: جلي وخفي، فالجلي حُرّم لما فيه من الضرر العظيم، والخفي حرم لأنه ذريعة إلى الجلي، فتحريم الأول قصدًا وتحريم الثاني وسيلة. فأما الجلي فربا النسيئة، وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال، وكلما أخر زاده في المال حتى تصير المائة عنده ألوفة مؤلفة فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرم الربا ولعن آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه، وآذن من لم يدعه بحربه وحرب رسوله .... وأما ربا الفضل فتحريمه من باب سد الذرائع) . [4]
ووجه اعتبار ربا الفضل محرمًا من باب سد الذرائع أننا لو أجزنا بيع تسعين دولارًا بمائةٍ حَالّة ً وحرّمناها نسيئةً لاتخذ الناس البيع الحالّ ذريعةً الى النسيئة، ولتواطأ البيّعان على بيع التسعين بالمائة بيعًا حالًا منجزًا مع تأخير أحد البدلين، فيكون ربا الفضل بذلك ذريعة لربا النسيئة.
(1) علي الآمدي - الإحكام في أصول الأحكام، 1/ 135 وما بعدها، دار الكتاب العربي - بيروت، ط 1 عام 1404 هـ.
(2) انظر تفصيلًا لمراتب الحرام عند القرافي في الفروق، وذلك عند حديثه عن قاعدة الانتقال من الحرمة الى الإباحة، حيث أورد عددًا من مراتب الحرام ضمنًا، القرافي-الفروق (3/ 813) طبعة دار السلام، ط 1 عام 2001 م.
(3) ابن تيمية - الفتاوى الكبرى -29/ 320، دار المعرفة للطباعة والنشر-بيروت, عام 1978 م
(4) ابن قيم الجوزية - إعلام الموقعين عن رب العالمين، 2/ 154، 155 - دار الكليات الأزهرية- القاهرة 1388 هـ