فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 41

ويستدل عل تحريم النسيئة قصدًا ً والفضل وسيلة ًبقول النبي صلى الله عليه وسلم (لاتبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، فإني أخاف عليكم الرَّما) [1] .

وفي بعض روايات الحديث (الرّماء) والرما هو الربا.

فالنبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن ربا الفضل، وهو بيع الدينار بالدينارين والدرهم بالدرهمين خشية أن يؤدي ذلك إلى ربا النسيئة كما سبق بيانه.

ولا يزال العلماء يتناقلون الاتفاق على حرمة ربا النسيئة حرمة مقاصد، ومن أوائل المجامع الفقهية المصرِّحة بذلك مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة عام 1385 هـ. حيث نصّ في قراراته على (أن الإقراض بالربا محرم لاتبيحه حاجة ٌ ولا ضرورة، والاقتراض بالربا محرّم كذلك، ولا يرتفع إثمه إلا إذا دعت اليه الضرورة. وكل امرئ متروك ٌ لدينه في تقدير ضرورته) [2]

إذا علِم ذلك، فإن الخدمات المالية الربوية التي يقدمها هذا القطاع في الولايات المتحدة تندرج تحت ربا النسيئة، كخدمة الإقراض لشراء البيوت، وحساب التوفير، وحساب الاستثمار طويل الأمد، والتأمين بأنواعه المختلفة، وإعادة التمويل لشراء البيوت، والقروض بكل أنواعها السابق تفصيلها في مواضعها، وخدمة ضمان المرتب السنوي حتى الوفاة، وبطاقات الائتمان بأساليبها المتنوعة في أخذ مبلغٍ زائدٍ على أصل القرض، فكل هذه المعاملات وماشابهها لاتعدو أن تكون صورة معاصرة لربا الجاهلية المتفق على تحريمه تحريم مقاصد.

قال ابن رشد الحفيد رحمه الله (واتفق العلماء على أن الربا يوجد في شيئين: في البيع وفي ما تقرر في الذمة من بيع ٍ أو سلفٍ أو غير ذلك. فأما الربا فيما تقرر في الذمة فهو صنفان. صنف متفق عليه وهو ربا الجاهلية الذي نهي عنه، وذلك أنهم كانوا يتسلفون بالزيادة وينظرون فكانوا يقولون: أنظرني أزدك، هذا الذي عناه الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله في حجة الوداع: الا وإن ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب، والثاني ضع وتعجل، وهو مختلف فيه) [3] . فليس في أي من المعاملات والخدمات السابقة مافيه استبدال ٌ لنقدٍ بنقدٍ مع التفاضل حالا ًّ، بل كله نسيئةْ إلى إجل، فلم يبق إلا القول بأنه عين ربا الجاهلية.

والصنف الثاني المختلف فيه فيما تقرر في الذمة - بعبارة ابن رشد- وهو (ضع وتعجل) له صورة ٌ مشابهة ٌ في المعاملات المعاصرة، وذلك أن شركات الإسكان التقليدية تعطي الحق للمقترض أن يدفع مقدمًا، كلًا أو بعضًا من المطلوب منه، فإذا فعل ذلك أسقطت عنه فوائد رأس المال المدفوع مقدمًا ً، وتغرّمه مقابل ذلك مبلغًا من المال يسمى (Penalty) . لكن هذا الاختلاف الذي ذكره ابن رشد لا يؤثر فيما نحن بصدده من تقرير أن الربا الجاري عليه العمل في قطاع الخدمات المالية هو ربا النسيئة، لآن معاملة (ضع وتعجل) لا تنفي الزيادة الربوية على رأس المال المقترض، بل

(1) مسند الإمام أحمد 2 - 109 حديث رقم 5885، مؤسسة قرطبة-مصر. ذكره الزيلعي في نصب الراية 4 - 56، طبعة دار الحديث -مصر، ولم يضعّف الحديث، وكذلك فعل الإمام مالك في الموطأ 2 - 634، وقال عنه ابن جرير الطبري في مسند عمر 2 - 741:إسناده صحيح

وانظر عرضًا لموضوع التمييز بين نوعي الربا في:

د. صلاح الصاوي - وقفات هادئة مع فتوى إباحة القروض الربوية - ص 47 وما بعدها - من مطبوعات مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا، ومن الكتاب تم اقتباس بعض الأفكار الواردة في هذا المطلب.

(3) ابن رشد الحفيد - بداية المجتهد ونهاية المقتصد، 2/ 96 طبعة دار الفكر- بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت