فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 41

يرد ناسخًا لقاعدة الربا ولا هادمًا لها، لكن استثني للحاجة، فنقيس العنب على الرطب لأننا نراه في معناه ولولا أنا نشم منه رائحة المعنى لم نتجاسر على الإلحاق) [1] .

فهو- رحمه الله- يقرر بذلك عدم التوسع في قياس الحاجات غير المنصوص عليها على ماورد فيه نص، ويشترط أن (يتطرق إلى استثنائه معنى) ، أي علة متعدّية، ولذلك قاس العنب على الرطب في جواز بيعه بالزبيب متفاضلا ً لعلةٍ لم يصرح بها، لعلها الادخار، أو كون المتفاضل ثمراُ، وهذا ما صرح به ابن حجر عند شرحه لحديث العرايا بقوله ( ... واختلف السلف، هل يلحق العنب وغيره بالرطب في العرايا، فقيل لا، وهو قول أهل الظاهر، واختاره بعض الشافعية منهم المحب الطبري، وقيل يلحق العنب خاصة ً وهو مشهور مذهب الشافعي، وقيل يلحق كل مايدخر وهو قول المالكية، وقيل يلحق كل ثمرةٍ، وهومنقول ٌ عن الشافعي أيضًا) [2] . فكل علة ٍ ذكرها ابن حجر يصح نعتها بأنها وصف ٌ ظاهرٌ منضبط ٌ تناط به الأحكام، وليست (الحاجة) معتبرة هنا وحدها كعلة للحكم كما هو ظاهر.

ويلخّص المذهب السابق ابن قدامه في سياق حديثه عن الاستصلاح أو المصالح المرسلة، فبعد أن ذكر أمثلة على الحاجيات والتحسينيات قال (فهذان الضربان لانعلم خلافًا في أنه لايجوز التمسك بهما من غير أصلٍ، فإنه لو جاز ذلك كان وضعًا للشرع بالرأي، ولما احتجنا إلى بعثة الرسل، ولكان العامّيُّ يساوي العالِم في ذلك، فإن كل أحدٍ يعرف مصلحة نفسه) [3]

إذا تقرر ذلك، فإن قاعدة (الحرام لذاته تبيحه الضرورة، والحرام لغيره تبيحه الحاجة أو المصلحة الراجحة) هي -أيضا ً- أقرب للقواعد الأصولية منها إلى القواعد الفقهية، ولا يستثنى منها في حالة الحاجة إلا ما كان له أصل ٌ في الشرع يصح القياس عليه كما تقدم.

وفي الموضوع محل البحث والنقاش، وهوحكم العمل في قطاع الخدمات المالية، فإن المطلب السابق انتهى إلى أن الأعمال المتاحة في قطاع الخدمات المالية تندرج تحت ربا النسيئة في الأعم الأغلب، فلا تبيحها إلا الضرورة، فلم يبق إلا الحديث عن الأعمال المحرمة وسيلة ً أو التي خفّت مرتبة التحريم فيها، والتي قد تكون الحاجة مدخلًا للقول بإباحتها.

سبق القول في المبحث الأول أن ممارسة الشركات لأكثر من نوع ٍ من الخدمات المالية ليس مضطردًا ً، فإن من الشركات من تتخصص بنشاط واحدٍ فقط، كالتأمين مثلًا. وقد استفاض البلاغ عند أهل العلم بحرمة التأمين التجاري بكل أنواعه بما يغني عن إعادة عرض فتاوى المجامع الفقهية حول هذا الموضوع، إلا أن دخول ربا النسيئة على إطلاقه في هذه العقود مازال موضع نظرٍ وتأمل.

وعلى سبيل المثال: فإن مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في مؤتمره السنوي الثاني بجدة السعودية عام 1985 م. نص على: (أن عقد التأمين التجاري ذا القسط الثابت الذي تتعامل به شركات التأمين التجاري عقد ٌ فيه غررٌ كبيرٌ مفسد للعقد، ولذا فهو حرام شرعًا) ، فقد اناط القرارالحرمة بالغرر وليس بالربا، وإن كان الكثير من المجامع قد نصت على وقوع الربا بنوعيه: الفضل والنسيئة في عقود التأمين.

(1) الغزالي- المستصفى- ص 325 - 326، دار الكتب العلمية - بيروت ط 1 عام 1413 هـ.

(2) ابن حجر العسقلاني - فتح الباري - 4/ 384،مرجع سابق، وقد ذكر ذلك عند تتبعه لروايات بيع العرايا- باب: بيع المزابنة، رقم (2073) وحديث العرايا مشهور في الصحيحين بروايات مختلفة، ومفاده جواز بيع الرطب بالتمر خرصًا لحاجة الناس إليه

(3) ابن قدامه - روضة الناظر، 1/ 170، طبعة جامعة الإمام، ط 2 عام 1399 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت