وقوله"ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين"أي أنكم سوف تستقرون في الأرض , وتنتفعون بما أعطاكم الله وسخر لكم من النعم التي عليها , ولكن هذا ليس على وجه الدوام والخلود بل"إلى حين"أي إلى قيام الساعة (1) حيث ينتهي هذا الاستخلاف.
فمحل الاستخلاف العام: الأرض بما فيها وما عليها , وهو ليس خاصًا بفئة دون أخرى, أو بجنس دون آخر , بل يشمل ذرية آدم جميعها, مسلمهم وكافرهم , ذكرهم وأنثاهم , من دون تحديد بجنسٍ معين.
وبناءً على هذا الاستخلاف العام فإن الأصل اشتراك البشر جميعًا في الانتفاع مما أوجد الله في الأرض من خيرات وطيبات , فهم على حدٍ سواء فيها, إلا إذا كان هناك استخلاف خاص بنوعيه. استخلاف الدول أو الأفراد كما يُستفاد من نصوص الاستخلاف.
وهو أن تستقل أمة من الأمم أو فرد من الأفراد في ملكية شيء من الأشياء.
وهو ينقسم إلى نوعين:-
النوع الأول: استخلاف الدول:
بأن تستقل أمة من الأمم في إقليم من الأرض تحكم فيه نفسها ويكون لها سلطان يحمي مصالحها ويدبر شئونها. (2)
فهذا النوع من الاستخلاف قائم على الاستخلاف العام.
وقد أشار القرآن إلى هذا النوع من الاستخلاف في قوله تعالى عن داود عليه السلام"يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق" [ص:26] , حيث كان حاكمًا في أرض مملكته في الشام وما جاورها (3) .
ويقول تعالى عن بني إسرائيل"ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين * ونمَكِّنَ لهم في الأرض ..." [القصص:4 - 5] وهي أرض مصر والشام فيجعلها لهم مكانًا يستقرون عليها ويقيمون فيها دولتهم (4) .
(1) أنظر: تفسير ابن عثيمين 1/ 132 - 133 مرجع سابق.
(2) أنظر: السياسة الاقتصادية والنظم المالية في الفقه الإسلامي - د. أحمد الحصري صـ 136 دار الكتاب العربي - بيروت - الطبعة الأولى 1407 هـ.
(3) على قول من فسرها بذلك , وقيل أن داود خليفة في جميع الأرض, أنظر: تفسير التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور 23/ 242 - الدار التونسية للنشر - تونس.
(4) أنظر: تفسير البغوي 3/ 373.