يقول:"هذا الأسلوب في الخط والكتابة هو نفسه ما كان يجري به العمل في التفسير، يبدأ المفسر - بعد البسملة - بكلمة من سورة يخطها، مميزة بعض التمييز عن كلامه هو، ثم يستمر في شرحها بإيجاز"لا يسمن ولا يغني من جوع"إن كان يكتب تفسيرا موجزا، أما إن كان تفسيره عن الطوال ... وهكذا .... بعض المفسرين يسلك طريقة مختلفة، طريقة"التفسير بالجملة"بدل"التفسير بالتقسيط"..."
وغني عن البيان القول إن هذا الفقر الهائل الذي عانت منه الكتابة عندنا وعند غيرنا، قد عمق الهوة بين الناس وبين ممارسة عملية الفهم لنصوصهم الدينية، وذلك إلى درجة انتقلت معها قداسة النص الديني إلى ما كتب عليه. وأمام غياب الفهم وانتشار الأمية صار المقدس ليس هو النص مستقلا عن المكتوب فيه، بل هو المكتوب فيه نفسه، تماما كما أن الاحترام للشخص المتوفى ينتقل منه، ككائن حي، إلى قبره وضريحه" [1] ."
وإذا كان الجابري يقدم تصورا خاصا به فيما سماه"علامات الإفهام"فكان من الضروري أن يتوجه النقد إلى أسلوب الكتابة والطباعة التي لم تستثمر هذه العلامات، وقد بينت سابقا أنها ليست من اختراع الجابري.
أما أن يتعدى النقد إلى المضمون الذي دُوّن في فهم النص القرآني، بحيث يرى أنه لا يسمن ولا يغني من جوع، أو أنه تفسير بالجملة أو بالتقسيط تشبيها لها بالسلعة التجارية فغير مقبول، وهو استهزاء واضح ... يشير في جانب من جوانبه إلى ذلك البعد النفسي الذي جعله يقدم كتابه على أنه الأول، ولا مثيل له في فهم القرآن الكريم وفق هذا المنهج.
(1) - الجابري، فهم القرآن الحكيم، ص 14 - 15.