المطلب الأول: مفهوم التعامل مع النص القرآني حسب ترتيب النزول.
إن اصطلاح تفسير القرآن الكريم من الاصطلاحات التي شاعت حتى أصبح مفهومها لا يغيب عن عقل أحد من المثقفين فضلا عن المتخصصين. وأكثر ما أميل إليه في تحديد مفهوم هذا الاصطلاح ما ذكره ابن عاشور حيث قال:"التفسير اسم للعلم الباحث عن بيان معاني ألفاظ القرآن، وما يستفاد منها، باختصار أو توسع" [1] .
إلا أن تحديد مفهوم التعامل مع النص القرآني حسب ترتيب النزول يحتاج إلى جهد شخصي في توضيحه وتجليته، إذ هو ليس مصطلحا فنيا يتداوله أهل العلم، إنما هو اصطلاح إجرائي؛ أجراه بعض الدارسين لتفسير القرآن على جهدهم في تناول القرآن الكريم بالتفسير والبيان.
من هنا فيمكنني القول: إن تفسير القرآن حسب ترتيب النزول يقصد به تناول سور القرآن الكريم وآياته بالبيان والشرح والتوضيح حسب نزولها لا حسب ترتيبها في المصحف كما هو بين أيدينا.
وأنت ترى - من خلال هذا التوضيح - أنه يستلزم لتحقيق هذا المنهج في التفسير الوقوف على سور القرآن الكريم لتمييز مكيها من مدنيها، ثم ترتيبها زمانا حسب الأسبق نزولا، وسوف يأتي معنا توضيح ذلك وإمكانه.
والمستقرئ لجهود العلماء والمفسرين في تفسير القرآن الكريم يظهر له بوضوح أن هذا المنهج لم يظهر إلا متأخرا، أي في مرحلة التجديد في تفسير القرآن الكريم التي ظهرت في العالم الإسلامي من بدايات القرن الميلادي العشرين.
وتبقى مسألة التعامل مع النص القرآني دائرة أوسع من مجرد الحديث عن تفسيره، فهي تتعدى مسألة توضيح الألفاظ ودلالات الآيات إلى بحث القضايا التشريعية والإيمانية والإنسانية
(1) - ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، الدار التونسية، 1984 م، 1/ 11.