هذا الفرع مساوٍ للأصل في الحكم وأنَّ كلَّ الأغراض المتحقِّقِ وجودها من حكم الأصل هي حاصِلةٌ بدرجةٍ مُساوِيَةٍ أو قريبةٍ جدًَّا من حكم الفرع.
وتأسيسا على هذا، فإنَّ كثيرا من المناهج الاجتهادية المعاصرة التي دعا إليها بعضهم كـ (( قياس المصالح ) ) [1] ، و (( تحكيم المقاصد العامَّة في النُّصوص ) )، أو ما سمَّاه بعضهم بـ (( المغزى ) )من الحكم [2] ، والتي تهدف في نهاية المطاف إلى التَّحرُّر من كلِّ أو جُلِّ الشروط التي وضعها الأصوليون للعلة القياسية الصحيحة، هي ـ من وجهة نظري ـ مناهجُ قاصرةٌ بل هي غايةٌ في السذَّاجَة والتَّسطيح للعملية الاجتهادية، وتنطلق من منطلق قياس الغائب (أغراض الأحكام الشرعية) على الشاهد (أغراض البشر من أفعالهم) ، وهو قياس مع الفارق الكبير كما أوضحنا. ومع استعدادنا، من حيث المبدأ، لقبول مناقشة هذه الآراء والاجتهادات المعاصرة في الميدان الأصولي فنحن لا نبرِّئ بعض أصحاب هذه المقالات والمناهج ـ وجُلُّهم ليس من ذوي الاختصاص ـ من دعوتهم إليها، لا بقصد فهم النصوص الشرعية والكشف عن المراد الحقيقي للشارع منها، وإنما بقصد الالتفاف عليها بتحريف معناها وتعطيل ظاهرها، أو كما قال ابن تيمية، رحمه الله تعالى في مناهج اجتهادية مشابهة: (( هذا عندي اصطلامٌ للدين، ونسخٌ للشريعة بالرأي ) ) [3] .
(1) وقد دعا إلى ذلك الأستاذ حسن الترابي في كتابه المشهور: تجديد أصول الفقه.
(2) يرى د. أبو زيد أنه: (( بدلا من الاعتماد على آلية القياس لنقل الحكم من أصل إلى فرع لاتفاقهما في العلة ـ التي هي مسألة اجتهادية أيضا ـ فإننا نعتمد هنا على التفرقة بين (( المعنى ) )و (( المغزى ) )... فـ (( المعنى ) )يمثِّل الدلالة التاريخية للنصوص في سياق تكونها وتشكلها ... أما (( المغزى ) )فذو طابع معاصر، بمعنى أنه محصِّلة لقراءة عصر غير عصر النص ... والذي ندعو إليه هو عدم الوقوف عند (( المعنى ) )... وضرورة اكتشاف (( المغزى ) )الذي يمكن لنا أن نؤسس عليه الوعي العلمي التاريخي )) . ثم لا يعدم أبو زيد مثالا يسوقه لتوضيح آليته الاجتهادية الجديدة فيقول: (( المعاني الواردة في النصوص عن المرأة ـ بما في ذلك توريثها نصف نصيب الذكر ـ ذات مغزى يتحدَّد بقياس طبيعة الحركة التي أحدثها النص ... وهي حركة تتجاوز الوضع المتردي للمرأة وتسير في اتجاه المساواة المضمرة، والمدلول عليها في نفس الوقت ... وليس من المقبول أن يقف الاجتهاد عند حدود المدى الذي وقف عنده الوحي، وإلا انهارت دعوى الصلاحية لكل زمان ومكان من أساسها ... ) ). نقلا عن كتابه: الخطاب الديني. انظر: عمارة، التفسير الماركسي للإسلام، ص 67.
(3) ابن تيمية، المسوَّدة، ص 205.