الصفحة 30 من 69

الفعل، فحضور المحاضرة يتطلب من الإنسان مثلا أن يلبس لبسا مناسبا لهذا الأمر ثم يمشي إلى مكان المحاضرة أو يقودَ سيارته إلى هذا المكان ثم يبحث عن المكان المناسب ويجلس فيه وربما يخرج قلما وورقة ليستعد لتعليق ما يراه مفيدا، فهذه الأفعال التي هي مقدِّمات للفعل المقصود لا تقع في بال الإنسان عند عزمه على هذا الفعل، لأنها أفعالٌ روتينيَّة يتولى تصريف شؤونها العقل الباطن. وهذه الأفعال هي التي سمَّاها بعضُ الأصوليين بالأفعال (( الضِّمْنية ) )رافضًا تعليل هذه الأفعال لعدم خطورها بالبال [1] . أما الباري، سبحانه وتعالى، فإنه إذا قرَّر حُكْمًا ما فإنه يعلم كلَّ الأغراض المترتبة على تشريع هذا الحكم والأفعال اللازمة له صغيرِها وكبيرها متقدِّمِها ومتأخِّرِها قريبها وبعيدها. وهذا فرقٌ أساسيٌّ بين قصد الشارع وقصد المكلف.

ومراعاة هذا الفرق مُهِمَّةٌ جِدًَّا عند الاجتهاد في تعليل أحكام الشريعة، لأن الطبع البشري ينحو في تعليل الأحكام إلى التركيز على الغرض الرئيس والمجمل للحكم، فيُقال مثلا الغرض من تحريم الزنا هو حفظ الإنساب، ومن تحريم الخمر حفظ العقل، ومن تحريم السرقة حفظ المال. وهذه التعليلات العامَّة والمجملة قاصرة عن بيان كل الأغراض التي يستهدفها الشارع من الحكم، ولذلك فهي وحدَها لا تصلح غالبا للقياس عليها أو التأثير بها في دلالة النصوص المنتجة أو المعارضة لها. ومن هنا فقد أحاط الأصوليون تعليل الأحكام بجملة هائلة من الشروط لضمان أن يصلوا بقدْر الطاقة إلى جميع الأغراض التي يستهدفها الشارع من الحكم، وأن يتجنَّبوا بقدْر الطاقة أيضا جميعَ المصالح والمفاسد التي لم يهدف إلى جلبها أو دفعها. وأفضل وسيلةٍ لضمان أن يصلوا إلى ذلك هو الالتفات إلى العِلل الأوَّليَّة ذات الصِّفات المنضبطة، لأنها ـ كما سنبيِّن لاحقًا ـ بوَّابةٌ لكل العلل التالية، والتحقُّق من تَوافرها في الفرع يؤدي إلى الاطمئنان بأن

(1) قال الزركشي، البحر المحيط، ج 7، ص 164: (( قال بعضهم: الأحكام الضمنية لا تُعلَّل، لأن الإنسان إذا سافر إلى بلد لزم منه نقل الأقدام وقطع المسافات، ثم إنه لا يُعلَّل لعدم خطوره بباله، وهذا صحيح في حق الإنسان، فأما في أحكام الشرع فلا؛ لأن الشارع للأحكام لا تخفى عليه خافية فتحقق شرائط الإضافة إلى المصالح مُضَافٌ ومُعَلَّل، لأن شرط الإضافة ليس إلا العلم والخطور بالبال ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت