وُجُودُ حظِّ النفس فيها، وهي إنقاذ الملك المستولي على الأقاليم الذي لا يؤمن بالآخرة للرَّجل الضَّعيف المشرف على الهلاك. ثم كَشَفَ عن الدوافع الخفيَّة التي قد تكمن وراء مثل هذا الفعل، فقال:
(( إنما يترجَّح الإنقاذُ على الإهمال في حقِّ من لا يعتقد الشرائع لدفع الأذى الذي يلحق الإنسان من رِقَّة الجنسية وهو طبعٌ يستحيل الانفكاك عنه، وسببه أن الإنسان يقدِّر نفسَه في تلك البَلِيَّة ويقدِّر غيره معرضا عنه، وعن إنقاذه فيستقبحه منه بمخالفة غرضه، فيعود ويقدِّر ذلك الاستقباح من المشرف على الهلاك في حق نفسه فيدفع عن نفسه ذلك القبح المُتَوَهَّم. فإن فُرِضَ في بهيمة أو في شخص لا رِقَّة فيه فهو بعيدٌ تَصَوُّرُه. ولو تُصُوِّر فيبقى أمْرٌ آخر، وهو طلب الثناء على إحسانه. فإن فُرضَ حيث لا يعلم أنَّه المنقِذ فَيَتَوقَّع أن يُعلم فيكون ذلك التوقُّع باعثًا، فإن فُرض في موضعٍ يستحيل أن يُعلم فيبقى ميل النَّفس وترجُّحٌ يضاهي نَفْرة طَبْع السَّليم [1] عن الحَبْل المُبرقَش؛ وذلك أنه رأى هذه الصورةَ مقرونةً بالثَّناء فظنَّ أنَّ الثَّناء مقرونٌ بها بكلِّ حال، كما أنَّه لما رأى الأذى مقرونًا بصورة الحبل، وطبْعُهُ ينفِرُ عن الأذى فَنَفَرَ عن المقرون بالأذى، فالمقرون باللذيذ لذيذ، والمقرون بالمكروه مكروه ) ) [2] .
• والجهة الثانية في الفرق بين قصد الشارع للأغراض وقصد الإنسان: هو في درجة إحساس الإنسان وشعوره بالأغراض من فعله مقارنةً بعلم الله تعالى بالأغراض من حكمه عزوجل. فمِمَّا يتَّصف به الإنسان أنه لا يشعر تلقائيا بكثير من النتائج المضافة إلى فعله، فمثلا عندما يريد الإنسان أن يأكل فإن غالب الناس لا يخطر ببالهم سوى غرض واحد، وهو إجابة داعي الشهوة وتحقيق الشِّبع، أمَّا ماذا بعد الشبع من أغراض، فَقَلَّ من الناس من يضع لها حسابا. ثم إن الإنسان في كثيرٍ من الأحيان يعزم على فعلٍ ما ـ كحضور محاضرة مثلا ـ ولا يخطر بباله، أو يقصد مُقدِّماتِ هذا
(1) قال ابن الأثير، النهاية في غريب الأثر، ج 2، ص 985: (( السَّليمُ: اللَّديغ. يُقال سلَمَتْه الحيَّة أي لَدغَته. وقيل: إنما سُمِّيَ سليمًا تفاؤُلا بالسَّلامة كما قيل للفَلاة المُهْلكة: مفازة ) ).
(2) الغزالي، المستصفى، ص 48.