• أحدها: الغنى الذاتي لله عزوجل والفقر الذاتي للإنسان، وبالتالي فإن الموازنة الإلهية ـ إن جاز لنا التعبير ـ هي محض فَضْلٍ وَجُودٍ من الله تعالى على الإنسان ولصالحه، ولا يعود منها على الله تعالى أيُّ نفعٍ أو ضرر، بخلاف موازنة الإنسان، إذ هو ينظر في هذه الموازنة للمصالح والمفاسد التي تعود عليه هو إنْ بطريقٍ مباشرة أو غير مباشرة.
• ثانيها: الإِحْكام المطلق في الموازنة الإلهية والخلل في الموازنة البشرية، وهذا ناجمٌ عن اتِّصافه سبحانه بالعلم والحكمة، {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (النساء:17) ، واتِّصاف الإنسان بالجهل والظلم {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} (الأحزاب:72) ، {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (البقرة:216) .
• ثالثها: عدم الكلفة أو استغراق الوقت في الموازنة الإلهية بخلاف الموازنة البشرية التي تحتاج إلى تكلُّفِ التَّفكير وترجيح الاحتمالات والتردُّد فيها غالبًا.
قولنا: المقصود من تشريع الحكم:
قَصْدُ الشارع من الحكم هو جلْب المصلحة أو دفْع المفسدة. وهذا القَصْد الإلهي يختلفُ عن القصد الإنساني من جهتين:
• إحداهما: القصد من وراء هذا القصد، فالشارع يشرع لصالح الإنسان، لا لمنفعةٍ تعود عليه سبحانه، وإنما هو في نهاية الأمر ـ كما أسلفنا قبل قليل ـ محضُ الفضل والجود والرحمة، بخلاف الإنسان الذي لا يقوم بفعل من الأفعال ـ مهما كان ـ إلا وهو يقصد في نهاية المطاف مصلحته الخاصة، أي أن الغرض النهائي للإنسان هو مصلحته الخاصة لا غير، وهذا هو مما جُبَل الإنسان عليه. ولذلك قالوا: (( لا يتحرَّكُ الإنسان إلا لحظ، والبراءة من الحظوظ صفةٌ إلهية ... ) ) [1] . وقد افترض الإمام الغزالي صورةً قد يُستبعَد
(1) قال الغزالي في كتاب الإخلاص من إحياء علوم الدين، ج 4، ص 381: (( وهو القائل(أي رويم الصوفي) : لا يتحرك الإنسان إلا لحظ، والبراءة من الحظوظ صفة الإلهية، ومن ادعى ذلك فهو كافر. وقد قضى القاضي أبو بكر الباقلاني بتكفير من يدعي البراءة من الحظوظ، وقال: هذا من صفات الإلهية. وما ذكره حق، ولكن القوم إنما أرادوا به البراءة عما يسميه الناس حظوظا وهو الشهوات الموصوفة في الجنة فقط، فأما التلذُّذ بمجرد المعرفة والمناجاة والنظر إلى وجه الله تعالى فهذا حظ هؤلاء، وهذا لا يعده الناس حظا بل يتعجبون منه. وهؤلاء لو عُوِّضوا عما هم فيه من لذة الطاعة والمناجاة وملازمة السجود للحضرة الإلهية سرًا وجهرًا جميعَ نعيم الجنة لاستحقروه ولم يلتفتوا إليه، فَحَرَكَتُهُم لحظّ وطاعتهم لحظّ، ولكنَّ حظَّهم معبودُهم فقط دون غيره )).