نتائج البحث عن (أولى) 50 نتيجة

أولى: وألاء: اسم يشار به إلى الجمع، ويدخل عليهما حرف التنبيه، تكون لما يَعْقِلُ ولِما لا يَعْقِل، والتصغير أُلَيّاو أُلَيَّاء؛ قال: يا ما أُمَيْلَحَ غِزْلاناً بَرَزْنَ لنا مِنْ هَؤلَيّائكُنَّ الضَّالِ والسَّمُرِ قال ابن جني: اعلم أَن أُلاء وزنه إذاً مثل فُعال كغُراب ، وكان حكمه إذا حَقَّرْتَه على تحقير الأَسماء المتمكنة أَن تقول هذا أُلَيِّئٌ ورأَيت أُلَيِّئاً ومررت بأُلَيِّئ، فلما صار تقديره أُلَيِّئا أَرادوا أَن يزيدوا في آخره الأَلف التي تكون عوضاً من ضمة أوّله، كما قالوا في ذا ذَيّا، وفي تا تَيَّا، ولو فعلوا ذلك لوجب أَن يقولوا أُلَيِّئاً، فيصير بعد التحقير مقصوراً وقد كان قبل التحقير ممدوداً، أَرادوا أَن يُقِرُّوه بعد التحقير على ما كان عليه قبل التحقير من مدّه فزادوا الألف قبل الهمزة، فالألف التي قبل الهمزة في أُلَيّاء ليست بتلك التي كانت قبلها في الأصل إِنما هي الأَََلف التي كان سبيلها أَن تلحق آخراً فقدمت لما ذكرناه، قال: وأَما أَلف أُلاء فقد قلبت ياء كما تقلب أَلف غلام إِذا قلت غُلَيِّم، وهي الياء الثانية والياء الأُولى هي ياء التحقير. الجوهري: وأَما أُلُو فجمع لا واحد له من لفظه واحده ذُو، وأُلات للإِناث واحدتها ذاتٌ، تقول: جاءَني أُلُو الأَلْبْاب وأُلات الأَحْمال،قال: وأَما أُلَى فهو أَيضاً جمع لا واحد له من لفظه، واحده ذا للمذكر وذه للمؤنث، ويُمد ويُقصر، فإِن قَصَرْتَه كتبته بالياء، وإِن مددته بنيته على الكسر، ويستوي فيه المذكر والمؤنث، وتصغيره أُلَيَّا، بضم الهمزة وتشديد الياء، يمدّ ويقصَر لأن تصغير المبهم لا يُغَيَّرُ أَوَّله بل يُتْرَك على ما هو عليه من فتح أَو ضم، وتدخل ياءُ التصغير ثانيةً إِذا كان على حرفين، وثالثة إِذا كان على ثلاثة أَحرف، وتدخل عليه الهاءُ للتنبيه، تقول: هؤلاءِ؛ قال أَبو زيد: ومن العرب مَن يقول هؤلاءِ قَوْمُك ورأَيت هَؤُلاءِ، فيُنَوِّن ويكسر الهمزة، قال: وهي لغة بني عُقَيْل، ويَدخل عليه الكاف للخطاب، تقول أُولئك وأُلاك، قال الكسائي: ومن قال أُلاك فواحِدُه ذاك، وأُلالِك مثل أُولئك؛وأَنشد يعقوب: أُلالِكَ قَوْمي لم يَكُونُوا أُشابةً، وهَلْ يَعِظُ الضِّلِّيلَ إِلاَّ أُلالِكا؟ واللام فيه زيادةٌ، ولا يقال: هؤلاءِ لك، وزعم سيبويه أَن اللام لم تُزَدْ إِلاَّ في عَبْدَل وفي ذلك ولم يذكر أُلالِك إِلاَّ أَن يكون استغنى عنها بقوله ذلك، إِذ أُلالِك في التقدير كأَنه جَمْع ذلك، وربما قالوا أُولئك في غير العقلاء؛ قال جرير: ذُمّ المَنازِِلَ، بَعْدَ مَنْزِلة اللِّوَى، والعَيْشَ، بَعْدَ أُولئكَ الأَيّامِ وقال عز وجل: إِنَّ السَّمْع والبَصَر والفُؤادَ كلُّ أُولئكَ كان عنه مسؤُولاً؛ قال: وأَما أُلى، بوزن العُلا، فهو أَيضاً جمع لا واحد له من لفظه، واحده الذي. التهذيب: الأُلى بمعنى الذين؛ ومنه قوله: فإِنَّ الأُلى بالطَّفِّ مِنْ آلِ هاشِمٍ تآسَوْا، فسَنُّوا للكِرامِ التَّآسِيا وأَتى به زياد الأَعجم نكرة بغير أَلف ولام في قوله: فأَنْتُمْ أُلى جِئتمْ مَعَ البَقْلِ والدَّبى فَطارَ، وهذا شَخْصُكُم غَيْرُ طائر قال: وهذا البيت في باب الهجاءِ منَ الحماسة، قال: وقد جاءَ ممدوداً؛ قال خَلَف بن حازم: إِلى النَّفَرِ البِيضِ الأُلاءِ كأَنَّهُمْ صََفائحُ، يَوْمَ الرَّوْعِ، أَخْلَصَها الصَّقْلُ قال: والكسرة التي في أُلاءِ كسرة بناء لا كسرة إِعراب؛ قال: وعلى ذلك قول الآخر: فإِنَّ الأُلاءِ يَعْلَمُونَكَ مِنْهُمُ قال: وهذا يدل على أَن أُلا وأُلاء نقلتا من أَسماءِ الإِشارة إلى معنى الذين، قال: ولهذا جاءَ فيهما المد والقصر وبُنِيَ الممدود على الكسر، وأَما قولهم: ذهبت العرب الأُلى، فهو مقلوب من الأُوَل لأَنه جمع اولى مثل أُخرى وأُخَر،وأَنشد ابن بري: رأَيتُ مَواليَّ الأُلى يَخْذُلُونَني على حَدَثانِ الدَّهْرِ، إِذ يَتَقَلَّبُ قال: فقوله يَخْذُلونَني مفعول ثان أَو حال وليس بصلة؛ وقال عبيد بن الأَبْرَص: نَحْنُ الأُلى، فاجْمَعْ جُمو عَكَ، ثمَّ وجِّهْهُمْ إِلَيْنا قال: وعليه قول أَبي تَمَّام: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كانَتِ العَرَبُ الأُلى يَدْعُونَ هذا سُودَداً مَحْدُودا رأَيت بخط الشيخ رَضِيِّ الدين الشاطبي قال: وللشريف الرَّضِيِّ يَمْدَحُ الطائع: قد كان جَدُّكَ عِصْمةَ العَرَبِ الأُلى، فالْيَوْمَ أَنت لَهُمْ مِنَ الأَجْذام قال: وقال ابن الشجري قوله الأُلى يحتمل وجهين أَحدهما أَن يكون اسماً بمعنى الذين، أَراد الأُلى سَلَفُوا، فحذف الصلة للعلم بها كما حذفها عبيد بن الأَبرص في قوله: نحن الأُلى، فاجمع جموعك أَراد: نحن الأُلى عَرَفْتَهم، وذكر ابن سيده أُلى في اللام والهمزة والياءِ، وقال: ذكرته هنا لأَن سيبويه قال أُلى بمنزلة هُدى، فمَثَّله بما هو من الياءِ،وإِن كان سيبويه ربما عامل اللفظ.
أولى: الأَوْلَى بالشَيء: الأَحْقّ به من غيره، وهم الأَوْلَوْنَ، والاثنان: الأَوْلَيان، وكذلك كلّ كلمة في آخرها ألف إذا جمعته بالنون كان اعتماد الواو والياء اللّتين قبل النّون على نصبه، نحو: مُثنَّى. وأَوْلَى: معروفٌ، وهو وعيد وتهدّد وتَلَهُّف.
  • أولى
(أولى) على الْيَتِيم أوصى وَفُلَانًا الْأَمر جعله واليا عَلَيْهِ وَفُلَانًا مَعْرُوفا صنعه إِلَيْهِ وَيُقَال فِي التهديد والوعيد أولى لَك قد وليك أَي قاربك الشَّرّ فاحذر
(أولى أولاء أُولَئِكَ)اسْم إِشَارَة للْجمع مذكرا ومؤنثا
(الأولى) مؤنث الأول (ج) الأول
(الأولى) أفعل تَفْضِيل بِمَعْنى الأحق والأجدر وَالْأَقْرَب وَفِي الحَدِيث (ألْحقُوا الْفَرَائِض بِأَهْلِهَا فَمَا أبقت السِّهَام فَلأولى رجل ذكر) أقرب فِي النّسَب إِلَى الْمُورث (مثناه) الأوليان (ج) الْأَولونَ) والأوالي وَهِي الوليا (ج) الولييات والولى
أوّلى: (من باب افتعل): أدار (معجم الطرائف، معجم الجغرافيا).
أوّلى: لعلها تعني: لامس، لاصق، جاور، تاخم (معجم الجغرافيا).
الأولى والآخرة: قال شيدله في قوله تعالى (الجاهلية الأولى) أي الآخرة وفي قوله: (في الملة الآخرة) أي الأولى بالقبطية، والقبط يسمون الآخرة بالأولى والأولى بالآخرة، حكاه الزركشي في البرهان.
أُولَى

أَوَّلُ fem. of أَوَّلُ: see the latter in art. وأل.

A2: أُولَى as a pl., and its var. أُولَآءَ; and أُولٰئِكَ, or أُولَآئِكَ; &c.: see أُلَى, in art. الى.
المعقولات الأولى: مَا يكون مصداقه وَمَا يحاذيه مَوْجُودا فِي الْخَارِج كالإنسان وَالْحَيَوَان فَإِنَّهُ يتَصَوَّر أَولا ويحاذيه أَمر فِي الْخَارِج.
أَوْلَى .. لـالجذر: و ل ي

مثال: أَوْلَى اهتمامه لابنهالرأي: مرفوضةالسبب: لتعدِّي الفعل «أوْلَى» بحرف الجرّ «اللام»، وهو متعدٍّ بنفسه.

الصواب والرتبة: -أولى ابنه اهتمامه [فصيحة]-أَوْلَى اهتمامه لابنه [صحيحة] التعليق: أوردت المعاجم الفعل «أوْلَى» متعديًا بنفسه إلى المفعول الثاني، كما جاء أيضًا كذلك في كلام الفصحاء، كقول الإمام عليّ (ض): «أولاه الله رضوانه»، وقول ابن قتيبة: «اختر لنا رجلاً نوليه القضاء». ويمكن تصحيح المثال المرفوض على تضمين الفعل «أوْلَى» معنى الفعل «قدَّمَ».
الأَوْلَىالجذر: و ل ي

مثال: الدولة الأَوْلى بالرعايةالرأي: مرفوضةالسبب: لعدم المطابقة بين أفعل التفضيل المحلى بـ «أل» وموصوفه.

الصواب والرتبة: -الدَّولة الأَوْلى بالرعاية [صحيحة] التعليق: اشترط معظم النحاة في أفعل التفضيل المحلَّى بـ «أل» المطابقة لما قبله في التذكير والتأنيث، والإفراد والتثنية والجمع، ويمكن تصحيح الاستعمال المرفوض اعتمادًا على إجازة مجمع اللغة المصري- في دوراته: السادسة والخمسين، والرابعة والستين، والخامسة والستين- الإفراد والتذكير في استعمال أفعل التفضيل المحلَّى بـ «أل»، وذلك أخذًا برأي ابن مالك وابن يعيش وغيرهما. ويرجِّح عدم المطابقة ما انتهى إليه بعض الباحثين من عدم إلف «فُعْلى» للتفضيل تأنيثًا لأفعل فيما لم يُسْمَع، مما كان داعيًا لظهور تعبيرات حديثة خرجت عن المطابقة، مثل: «القضية الأخطر»، و «الحياة الأفضل»، و «الوجبة الأطيب» .. إلخ. ويمكن اعتبار «أل» موصولة في هذه التعبيرات ويكون التقدير في هذا المثال المرفوض: الدولة التي هي أَوْلى.

الأوابد والمنهى، في وفيات أولى النهى

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

الأوابد والمنهى، في وفيات أولى النهى
للشريف، عز الدين: حمزة بن أحمد الحسيني، الدمشقي.
المتوفى: سنة أربع وسبعين وثمانمائة.

أولى الأسباب، في الرمي بالنشاب

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

أولى الأسباب، في الرمي بالنشاب
للشيخ، عز الدين: محمد بن أبي بكر، المعروف: بابن جماعة.
المتوفى: سنة تسع عشرة وثمانمائة.

العِلَّةُ الأُولَى

معجم مقاليد العلوم للسيوطي

العِلَّةُ الأُولَى: هِيَ المفردة فَوق كل صفة عقلية، ومنطقية.

الهجرة الأولى إلى الحبشة ثم الثانية

سير أعلام النبلاء

الهجرة الأولى إلى الحبشة ثم الثانية:
قال يعقوب الفسوي في "تاريخه": حدثني العباس بن عبد العظيم، قال: حدثني بشار بن موسى الخفاف، قال: حدثنا الحسن بن زياد البرجمي -إمام مسجد محمد بن واسع- قال: حدثنا قتادة, قال: أول من هاجر إلى الله بأهله عثمان بن عفان. قال: سمعت النضر بن أنس يقول: سمعت أبا حمزة يعني أنس بن مالك، يقول: خرج عثمان برقية بِنْتِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الحبشة، فأبطأ خبرهم، فقدمت امرأة من قريش, فقالت: يا محمد قد رأيت ختنك ومعه امرأته، فقال: "على أي حال رأيتهما؟ " قالت: رأيته حمل امرأته على حمار من هذه الدبابة، وهو يسوقها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صحبهما الله، إن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط".
ورواه يحيى بن أبي طالب، عن بشار.
عن عبد الله بن إدريس، قال: حدثنا ابن إسحاق، قال: حدثني الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعروة، وعبد الله بن أبي بكر، وصلت الحديث عن أبي بكر، عن أم سلمة, قالت: لما أمرنا بالخروج إلى الحبشة، قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين رأى ما يصيبنا من البلاء: "الحقوا بأرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، فأقيموا ببلاده حتى يجعل الله مخرجا مما أنتم فيه". فقدمنا عليه فاطمأننا في بلاده ... الحديث.
قال البغوي في تاسع "المخلصيات": وَرَوَى ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ عُمَيْرِ بنِ إِسْحَاقَ، عن عمرو بن العاص بعض هذا الحديث.
وقال البكائي: قال ابن إسحاق: فَلَمَّا رَأَى رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية بمكانة من الله، ومن عمه، وأنه لا يقدر أن يمنعهم من البلاء، قال لهم: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة, فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه" فخرج عند ذلك المسلمون مخافة الفتنة، وفرارا بدينهم إلى الله. فخرج عثمان بزوجته، وأبو حذيفة ولد عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بزوجته سهلة بنت سهيل بن عمرو فولدت له بالحبشة محمدا، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير العبدري، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وزوجته أم سلمة أم المؤمنين، وعثمان بن مظعون الجمحي، وعامر بن ربيعة حليف آل الخطاب، وامرأته ليلى بنت

ذكر مبدأ خبر الأنصار والعقبة الأولى

سير أعلام النبلاء

ذكر مبدأ خبر الأنصار والعقبة الأولى:
قال أحمد بن المقدام العجلي: حدثنا هشام بن محمد الكلبي، قال: حدثنا عبد الحميد بن أبي عيسى بن خير، عن أبيه، قال: سمعت قريش قائلا يقول في الليل على أبي قبيس:
فَإِنْ يَسْلَمِ السَّعْدَانِ يُصْبِحْ مُحَمَّدٌ ... بِمَكَّةَ لاَ يخشى خلاف المخالف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان: من السعدان؟ سعد بن بكر، سعد تميم؟ فلما كان في الليلة الثانية سمعوا الهاتف يقول:
أيا سَعْدَ الأَوْسِ كُنْ أَنْتَ نَاصِراً ... وَيَا سَعْدُ سعد الخزرجين الغطارف
أَجِيْبَا إِلَى دَاعِي الهُدَى وَتَمَنَّيَا ... عَلَى اللهِ فِي الفِرْدَوْسِ مُنْيَةَ عَارِفِ
فَإِنَّ ثَوَابَ اللهِ لِلطَّالِبِ الهُدَى ... جِنَانٌ مِنَ الفِرْدَوْسِ ذَاتُ رَفَارِفِ
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: هُوَ وَاللهِ سَعْدُ بنُ معاذ، وسعد بن عبادة.
وقال البكائي، عن ابن إسحاق: لما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيه، خَرَجَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الموسم الذي لقيه فيه الأنصار، فعرض نفسه على القبائل، كما كان يصنع، فبينا هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما لقيهم قال: "من أنتم"؟ قالوا: نفر من الخزرج. قال: "أمن موالي يهود"؟ قالوا: نعم. قال: "أفلا تجلسون أكلمكم"؟ قالوا: بلى. فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، وكان مما صنع الله به في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا أهل شرك وأوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا: إن نبيا مبعوث الآن، قد أظل زمانه، نتبعه، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلموا والله إنه للنبي الذي تواعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه. فأجابوه وأسلموا، وقالوا: إنا تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك, ونعرض عليهم الذي أجبناك به، إن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا.
قال ابن إسحاق: وهم فيما ذكر ستة من الخزرج: أسعد بن زرارة، وعوف بن عفراء، ورافع بن مالك الزرقي، وقطبة بن عامر السلمي، وعقبة بن عامر. رواه جرير بن حازم عن

السنة الأولى من الهجرة

سير أعلام النبلاء

السنة الأولى من الهجرة:
روى البخاري في صحيحه1 من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة أن المسلمين بالمدينة سمعوا مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكانوا يغدون إلى الحرة ينتظرونه، حتى يردهم حر الشمس، فانقلبوا يوما، فأوفى يهودي على أطم فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فأخبرني عُرْوَةَ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام فكسا الزبير -رضي الله عنه- رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض.
قال: فلم يملك اليهودي أن صاح، يا معشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون. فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوه بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل في بني عمرو بن عوف يوم الإثنين مع ربيع الأول. فقام أبو بكر للناس فطفق من لم يعرف رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أبي بكر حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر يظله بردائه، فعرف الناس عند ذَلِكَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فلبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس مسجدهم. ثم ركب راحلته وسار حوله الناس يمشون، حتى بركت به مكان المسجد، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين -وكان مربدا لسهل وسهيل- فدعاهما فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله. ثم بناه مسجدا، وكان ينقل اللبن معهم ويقول:
هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر
ويقول:
اللهم إن الأجر أجر الآخره ... فارحم الأنصار والمهاجره
وخرج البخاري من حديث أبي إسحاق عن البراء حديث الهجرة بطوله.
وخرج من حديث عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ صُهَيْبٍ عَنِ أَنَسٍ قَالَ: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو مردف أبا بكر. وأبو بكر شيخ يعرف، والنبي صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: من هذا بين يديك؟ فيقول: رجل يهديني الطريق، وإنما يعني طريق الخير إلى أن قال:
__________
1 صحيح: أخرجه البخاري "3906" من طريق ابن شهاب، به.
وقال الحافظ في "الفتح": هو موصول بإسناد حديث عائشة، وقد أفرده البيهقي في "الدلائل" وقبله الحاكم في "الإكليل" من طريق ابن إسحاق "حدثني محمد بن مسلم هو الزهري، به" وكذلك أورده الإسماعيلي منفردا من طريق معمر والمعافى في الجليس من طريق صالح بن كيسان كلاهما عن الزهري.
بدر الأولى:
وخرج في جمادى الآخرة في طلب كرز بن جابر الفهري، وكان قد أغار على سرح المدينة، فبلغ صلى الله عليه وسلم وادي سَفَوان من ناحية بدر، فلم يلق حربا، وسميت بدرا الأولى، ولم يدرك كُرْزا.
سرية سعد بن أبي وقاص:
وبعث سعد بن أبي وقاص في ثمانية من المهاجرين، فبلغ الخوار، ثم رجع إلى المدينة.
بعث عبد الله بن جحش:
قال عروة: ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم -في رجب- عبد الله بن جحش الأسدي، ومعه ثمانية، وكتب معه كتابا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين. فلما قرأ الكتاب وجده: إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل بين نخلة والطائف، فترصد لنا قريشا، وتعلم لنا من أخبارهم. فلما نظر عبد الله في الكتاب قال لأصحابه: قد أَمَرَنِي رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أمضي إلى نخلة، ونهاني أن أستكره أحدا منكم. فمن كان يريد الشهادة فلينطلق، ومن كره الموت فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله. فمضى ومضى معه الثمانية، وهم: أبو حذيفة بن عتبة، وعكاشة بن محصن، وعتبة بن غزوان، وسعد بن أبي وقاص، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله التميمي، وسهيل بن بيضاء الفهري، وخالد بن البكير.
فسلك بهم على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن فوق الفُرْع يقال له بحران، أضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيرا لهما، فتخلفا في طلبه. ومضى عبد الله بمن بقي حتى نزل بنخلة. فمرت بهم عير لقريش تحمل زبيبا وأدما، وفيها عمرو بن الحضرمي وجماعة. فلما رآهم القوم هابوهم. فأشرف لهم عكاشة؛ وكان قد حلق رأسه؛ فلما رأوه أمنوا، وقالوا: عمار لا بأس عليكم منهم.

الطبقة الأولى: الصحابة وكبار التابعين

سير أعلام النبلاء

بسم الله الرحمن الرحيم
سير الخلفاء الراشدين:
2- أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيْقُ خَلِيْفَةِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
اسمه عبد الله -ويقال: عتيق- بنِ أَبِي قُحَافَةَ عُثْمَانَ بنِ عَامِرِ بنِ عَمْرِو بنِ كَعْبِ بنِ سَعْدِ بنِ تَيْمِ بنِ مُرَّةَ بنِ كَعْبِ بنِ لُؤَيٍّ القرشي التيمي رضي الله عنه.
روى عنه خلق من الصحابة وقدماء التابعين، من آخرهم: أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، وَطَارِقِ بنِ شِهَابٍ، وَقَيْسِ بن أبي حازم، ومرة الطيب.
قال ابن أبي مليكة وغيره: إنما كان عتيق لقبا له.
وعن عائشة، قالت: اسمه الذي سماه أهله به "عبد الله" ولكن غلب عليه "عتيق"1.
وقال ابن معين: لقبه عتيق لأن وجهه كان جميلا، وكذا قال الليث بن سعد.
__________
1 أخرج الترمذي "3679"، والطبراني في "الكبير" "9" من طريق إِسْحَاقُ بنُ يَحْيَى بنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَمِّهِ إسحاق بن طلحة، عن عائشة أن أبا بكر دَخَلَ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: أنت عتيق الله من النار، فيومئذ سمي عتيقا".
وأشار الترمذي إلى ضعفه بقوله: هذا حديث غريب.
وله طريق أخرى: رواه صالح بن موسى الطلحي، عَنْ مُعَاوِيَةَ بنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المؤمنين أن أباب بكر -رضي الله عنه- مر بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "
من أراد أن ينظر إلى عتيق من النار، فلينظر إلى هذا".
أخرجه الطبراني في "
الكبير" "10"، والحاكم "3/ 61"، وابن عبد البر في "الاستيعاب" "3/ 964".
وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ورده الذهبي بقوله: "
قلت: صالح ضعفوه، والسند مظلم" وقال الحافظ في صالح هذا: متروك.
وله شاهد من حديث عبد الله بن الزبير قال: كان اسم أبي بكر: عبد الله بن عثمان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "
أنت عتيق الله من النار". فسمي عتيقا.
أخرجه ابن حبان "
2171"، وابن الأعرابي في "معجمه" "41/ 2"، والدولابي في "الكنى" "1/ 7"، والطبراني في "الكبير" "7"، والبزار "2483" كشف الأستار من طريق حامد بن يحيى، حدثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، به.
قلت: إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، خلا حامد بن يحيى، وهو ثقة.

بقية الطبقة الأولى من كبراء التابعين

سير أعلام النبلاء

بَقِيَّةُ الطَّبَقَةِ الأُوْلَى مِنْ كُبَرَاءِ التَّابِعِيْنَ:
404- ابْنُ الحنفية وَابْنَاهُ 1: "ع"
السَّيِّدُ، الإِمَامُ أَبُو القَاسِمِ، وَأَبُو عبد الله محمد بن الإِمَامِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ عَبْدِ مَنَافٍ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ شَيْبَةَ بنِ هَاشِمٍ عَمْرُو بنِ عَبْدِ مَنَافٍ بنِ قُصَيِّ بنِ كِلاَبٍ القُرَشِيُّ, الهَاشِمِيُّ, المَدَنِيُّ, أَخُو الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ.
وَأُمُّهُ: مِنْ سَبْيِ اليَمَامَةِ زَمَنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيْقِ, وَهِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ جَعْفَرٍ الحَنَفِيَّةُ.
فَرَوَى الوَاقِدِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ, عَنْ أَسْمَاءَ, قَالَتْ: رَأَيْتُ الحَنَفِيَّةَ وَهِيَ سَوْدَاءُ مُشْرَطَةٌ حَسَنَةُ الشَّعْرِ اشْتَرَاهَا عَلِيٌّ بِذِي المَجَازِ مَقْدَمَهُ مِنَ اليَمَنِ فَوَهَبَهَا لِفَاطِمَةَ فَبَاعَتْهَا فَاشْتَرَاهَا مُكَمَّلٌ الغِفَارِيُّ فولدت له عونة.
وَقِيْلَ: بَلْ تَزَوَّجَ بِهَا مُكَمَّلٌ, فَوَلَدَتْ لَهُ عَوْنَةَ وَقِيْلَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَهَبَهَا عَلِيّاً.
وُلِدَ فِي العَامِ الَّذِي مَاتَ فِيْهِ أَبُو بَكْرٍ.
وَرَأَى عُمَرَ، وَرَوَى عَنْهُ، وَعَنْ: أَبِيْهِ, وَأَبِي هُرَيْرَةَ, وَعُثْمَانَ, وَعَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ, وَمُعَاوِيَةَ, وَغَيْرِهِم.
حَدَّثَ عَنْهُ: بَنُوْهُ عَبْدُ اللهِ, وَالحَسَنُ, وَإِبْرَاهِيْمُ, وَعَوْنٌ, وَسَالِمُ بنُ أَبِي الجَعْدِ, وَمُنْذِرٌ الثَّوْرِيُّ, وَأَبُو جَعْفَرٍ البَاقِرُ وَعَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَقِيْلٍ, وَعَمْرُو بنُ دِيْنَارٍ, وَمُحَمَّدُ بنُ قَيْسِ بنِ مَخْرمَةَ, وَعَبْدُ الأَعْلَى بنُ عامر الثعلبي, وآخرون.
__________
1 ترجمته في طبقات ابن سعد "5/ 91"، التاريخ الكبير "1/ ترجمة 561"، الجرح والتعديل "8/ ترجمة 116"، حلية الأولياء "3/ 174"، الكاشف "3/ ترجمة 5145"، تهذيب التهذيب "9/ 354- 355". خلاصة الخزرجي "2/ ترجمة 6521".

الصهيونية - تاريخ الصهيونية - الإرهاصات الصهيونية الأولى حملات الفرنجة الصليبيين

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الصليبيون (الفرنجة)
‏The Crusaders
«الصليبيون» ترجمة لكلمة «كروسيدرز Crusaders» المشتقة من كلمة «كروس cross» ، ومعناها «صليب» . وهي عبارة تُستخدَم في الخطاب السياسي والتاريخي في الغرب للإشارة إلى الفرنجة الذين شنوا عدة حملات على العالم العربي والإسلامي في القرن الثاني عشر، وقد تَبنَّى كثير من العرب المحدثين هذا المصطلح. ونحن نستخدم في هذه الموسوعة عبارة «حروب الفرنجة» للإشارة إلى الحملات الغربية التي جُرِّدت ضد الشرق الإسلامي لنهبه، ولم تكن المسيحية سوى ديباجة سطحية استخدمها الغزاة ولا علاقة لها برؤيتهم للكون، ونستخدم عبارة «حملة صليبية» للإشارة إلى الحملات التي كانت تُجرِّدها الكنيسة ضد فرق المهرطقين في جنوب فرنسا وغيرها من المناطق، فهذه حملات كانت تتم باسم المسيحية ولصالحها. ونحن نعتبر حملات الفرنجة تعبيراً عن الإرهاصات الصهيونية الأولى.
حملات الفرنجة والجماعات اليهودية في غرب أوربا وفلسطين
‏The Crusades and the Jewish Communities in Western Europe and Palestine
تُسمَّى «حروب الفرنجة» في الخطاب الغربي «الحروب الصليبية» نسبة إلى الصليب. وهو مصطلح يُطلَق على الحروب التي شنها حكام أوربا المسيحية الإقطاعية لاحتلال فلسطين إبان العصور الوسطى. وهي حروب كانت تساندها حركة سياسية واجتماعية ضخمة قادتها النخبة الحاكمة (الكنيسة والنبلاء) ووجدت صدى عميقاً لدى الجماهير الشعبية التي انضمت إليها بأعداد ضخمة لم تضعها النخبة الحاكمة نفسها في الحسبان.

ويرى د. سعيد عاشور أن الفرنجة أو من يقال لهم «الصليبيون» هم من جموع المسيحيين الغربيين الكاثوليك الذين خرجوا من بلادهم في شتى أنحاء الغرب الأوربي، واتخذوا الصليب شعاراً لهم لغزو ديار الإسلام، وبخاصة منطقة الشرق الأدنى وبلاد الشام حيث الأراضي المقدَّسة. ومعنى هذا أن المسيحيين الشرقيين من روم وأرمن وسريان وأقباط ونحوهم لا يدخلون في دائرة مصطلح «الصليبيين» لأن هؤلاء من أهل البلاد (وليسوا وافدين عليها من الخارج) ربطتهم بالأرض التي ينتمون إليها روابط أصيلة جذرية ترجع إلى ما قبل الإسلام. وعاش معظمهم قبل الحركة الصليبية تحت مظلة الإسلام يتمتعون بما كفلته لهم هذه الديانة من حقوق ويؤدون ما فرضته عليهم من واجبات. ومن ثم نفضل استخدام مصطلح «فرنجة» في هذه الموسوعة بدلاً من «الصليبيين» . ولكننا نستخدم مصطلح «صليبيين» أحياناً للإشارة إلى الحملات الصليبية التي جرَّدتها الكنيسة ضد الهرطقات المختلفة، أو للتعبير عن المنظور الغربي لحملات الفرنجة.
وتشير المصادر المعاصرة إلى الصليبيين باعتبارهم «الفرنجة» أو «الفرنج» . وهذا يعود إلى أن المكون البشري لهذه الحركة الاستيطانية الغربية لم يكن متجانساً عرْقياً، ورغم هذا فإن الفرنجة سكان بلاد الغال (غاليا) التي عُرفت فيما بعد باسم «فرنسا» كانوا أكثر إقبالاً من غيرهم على المشاركة في الحركة الاستيطانية. وتشير بعض المصادر اليهودية إلى الفرنجة بكلمة «إشكناز» وهي الكلمة التي استُخدمت فيما بعد للإشارة إلى يهود أوربا، خصوصاً ألمانيا وبولندا.

وحروب الفرنجة جزء من المواجهة التاريخية العامة بين الحضارة الغربية وحضارة الشرق الأدنى والتي تعود بجذورها إلى بداية ظهور الحضارة الغربية نفسها حين وصلت شعوب البحر (الفلستيون) من كريت وبحر إيجة إلى ساحل مصر، ثم استقروا في ساحل أرض كنعان بعد أن صدهم المصريون. وحينما هيمن الفرس على الشرق الأدنى، أخذت المواجهة شكل اشتباك عسكري بينهم وبين الدول المدن اليونانية التي صدت الغزو الفارسي. ثم قام الإسكندر الأكبر بغزو الشرق وأسس الإمبراطورية اليونانية التي انقسمت إلى ثلاث امبراطوريات بعد موته. كما هيمن الرومان بعد ذلك على معظم الشرق الأدنى القديم. وقد انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين: الإمبراطورية الشرقية (البيزنطية) ، والامبراطورية الغربية. ومع وصول الإسلام وقيامه بفتح المنطقة وتوحيدها، وتحويله البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة عربية إسلامية، انحسر نفوذ العالم الغربي وأصبح محصوراً داخل القارة الأوربية. بل إن الجيب البيزنطي المتبقي على أرض الشرق في آسيا الصغرى كان قد بدأ يقع تحت هجمات السلاجقة وهي الهجمات التي أدَّت في نهاية الأمر لسقوط الدولة البيزنطية، وكذلك القسطنطينية، على يد العثمانيين. وقد هُزم جيش بيزنطي بقيادة الإمبراطور رومانوس ديجينيس هزيمة ساحقة على يد السلاجقة بقيادة ألب أرسلان في مانزيكريت في أرمينيا. ثم استمر التوسع السلجوقي، فتم الاستيلاء على أنطاكية عام 1085، الأمر الذي اضطر الإمبراطور أليكسيوس كومنينوس إلى أن يطلب العون من الغرب حيث لم يجد آذاناً صاغية وحسب بل شهية مفتوحة. ويعود هذا إلى مركب من الأسباب المادية والمعنوية:

1 ـ يُلاحَظ أن الاقتصاد الغربي بمعظم مؤسساته تساقط على أثر سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية وتردَّى إلى حالة من الاقتصاد البدائي والطبيعي. ولكنه بدأ يصحو من كبوته ابتداءً من القرن التاسع الميلادي، فشهدت الفترة التي سبقت حروب الفرنجة شيئاً من الانتعاش الاقتصادي، وكانت هناك محاولات ترمي لزيادة الرقعة الزراعية عن طريق اجتثاث الأشجار وتسهيل حركة التجارة وتنظيم الأسواق الدولية والمحلية. وقد ساعدت تلك الحروب بدورها على هذا الانتعاش الاقتصادي، ذلك أن التاجر المسيحي تبع المقاتل الفرنجي بعد أن ترك كثيراً من خوفه من الطرق المجهولة وعاد بالسلع من الشرق بعد أن كان التاجر اليهودي يحتكر هذه العملية تقريباً من خلال شبكة الاتصالات الدولية اليهودية الخاصة به. كما أن الملوك والنبلاء والفرسان العائدين استعذبوا مذاق السلع الترفيهية الشرقية وهو ما كان يعني ظهور سوق لها في الغرب ونشاط للتجارة الدولية.

2 ـ تزايد نفوذ المدن الإيطالية التجارية بخاصة البندقية وجنوا وبيزا، وأصبح لها أساطيلها التجارية الضخمة التي فكت الهيمنة الإسلامية على البحر الأبيض المتوسط. وقام الجنويون والبيزيون بطرد المسلمين من قواعدهم في جنوب إيطاليا وجزيرة كورسيكا في القرن العاشر الميلادي، وهيمنوا على غربي المتوسط في القرن الحادي عشر الميلادي. بل حاولت المدن الإيطالية تأمين موطئ قدم لها على ساحل المتوسط ذاته، فعبأت كل من جنوة وبيزا أسطولاً هاجم تونس عام 1087، واضطر أمير تونس بعدها إلى أن يفرج عن الأسرى المسيحيين وأن يدفع تعويضاً ويعفي التجار الجنويين والبيزيين من ضرائب الاستيراد. وكان لمدينة البندقية نشاطها أيضاً، فقد هيمنت على البحرين الأدرياتيكي والإيجي في بداية القرن الحادي عشر الميلادي ووصلت إلى البحر الأسود. ولا شك في أن حروب الفرنجة ساهمت في العملية المتصاعدة الهادفة إلى فك الحصار الذي فرضه المسلمون على تجارة الشرق، وأعطت المدن الإيطالية موطئ قدم في مواقع مهمة من شرق المتوسط. وقد حصلت هذه المدن على امتيازات وتسهيلات تجارية ضخمة داخل الممالك الخاضعة للفرنجة في الشام وفلسطين.
3 ـ يُلاحَظ أن أوربا شهدت تزايداً في عدد السكان مع نهاية القرن العاشر الميلادي واستمر التزايد حتى القرن الثالث عشر الميلادي وهو تزايد لم تواكبه بالضرورة زيادة في الرقعة الزراعية، ومن هنا بدأت السلطات الدنيوية في تحريم امتلاك اليهود للأراضي الزراعية وهو حظر طُبِّق على الكنائس والأديرة.

4 ـ يدور النظام الإقطاعي الغربي حول نشاطين أساسيين: الزراعة والقتال. وكما بيَّنا، كان النظام الإقطاعي يواجه تَناقُص الرقعة المزروعة. ومن القواعد الأساسية في الإقطاع الغربي أن الابن الأكبر وحده هو الذي يرث الضيعة، أما بقية إخوته فلم يكن أمام أيٍّ منهم فرصة سوى محاولة البحث عن وريثة غنية يقترن بها، أو أن ينخرط في سلك الكنيسة أو يتوجه إلى المهن الأخرى مثل القتال.
5 ـ كان هناك ما يشبه المجاعة في غرب أوربا، وخصوصاً في فرنسا، من القرن العاشر حتى أواخر القرن الحادي عشر الميلاديين. وربما كانت هذه المجاعة وراء النشاط الاقتصادي الذي شهدته الفترة، وكذلك سوء حال الفلاحين والأقنان. وتُشكِّل الحروب والمشاريع الاستيطانية وسيلة تقليدية للتخلص من العناصر المشاغبة التي لا مكان لها في المجتمع (من نبلاء بلا أرض، إلى تجار يبحثون عن مزيد من الأرباح، وفلاحين جوعى ومجرمين ولصوص) وذلك حتى يحقق المجتمع الغازي استقراراً اجتماعياً داخلياً. ويبدو أن عدد الأطفال غير الشرعيين كان يتزايد في أوربا، وكانت حروب الفرنجة وسيلة للتخلص منهم، وقد أخذت إحدى الحملات التي خرجت من أراجون عام 1269 اسم «حملة الأطفال غير الشرعيين» .
6 ـ تمتعت أوربا بشيء من الاستقرار السياسي، وتزايدت إمكاناتها ومقدرتها على تجريد حملات ضخمة كما بدا بوضوح مع الفتح النورماندي لإنجلترا وإيطاليا وصقلية في بدايات القرن الحادي عشر، وقد تزايدت حدة حركة استرداد إسبانيا في القرن الحادي عشر الميلادي حين قام ألفونسو السادس (من ليون) بالاستيلاء على طليطلة عام 1085. وابتداءً من القرن العاشر الميلادي، بدأ التوسع الألماني نحو الشرق والشمال وهي حركة لم تتوقف إلا في القرن الثالث عشر الميلادي.

7 ـ حدث بَعْث ديني حقيقي في بداية القرن العاشر الميلادي. ويمكن القول بأن حروب الفرنجة تعود إلى ما يُسمَّى «الإصلاح الكلوني» وهي حركة إحياء دينية بدأت عام 910 في مدينة كلوني بفرنسا، وأكدت تَفوُّق سلطة الكنيسة على السلطة الدنيوية. وقد تزامنت حروب الفرنجة مع المجامع اللاترانية الأربعة في أعوام 1123، 1139، 1179، 1215 على التوالي. وهي المجامع التي بلورت موقف الكنيسة من عدة قضايا، منها تحريم الربا وتحديد وضع اليهود وكثير من علاقات الكنيسة بالسلطة الدنيوية. ولعبت الكنيسة دوراً أكثر نشاطاً في الحياة الدنيوية، وأخذت تؤكد نفسها بشكل أكثر جرأة. وقد أُعيدت صياغة البنية الكهنوتية وهو ما سمح للبابوات بأن يلعبوا دوراً أكثر فعالية. ووجدت الكنيسة في حروب الفرنجة فرصة مواتية لزيادة نفوذها وتسريب طاقة الأمراء والملوك القتالية إلى الشرق، ولتحقيق السلام والاستقرار في الغرب المسيحي. ومما له دلالته أن مجلس كليرمون (عام 1095) ، الذي اتخذ القرارات التي بدأت حملات الفرنجة على الشرق، جدد ما يُسمَّى «هدنة الرب» في الغرب! وقد وجدت الكنيسة الرومانية أن تجريد حملة تحت سلطتها، لمساعدة الدولة البيزنطية، قد يسرع بتحقيق حلم روما القديم بإخضاع الكنيسة البيزنطية.

8 ـ شهدت الفترة التي سبقت حروب الفرنجة تزايد حركة الحج. وكانت أهم المزارات روما حيث يُوجد ضريح لكلٍّ من بطرس وبولس، وكذلك ضريح سنتياجو دي كومبوستلا في شمال غربي إسبانيا. ولكن أهم المزارات جميعاً كانت هي القدس حيث تضم كنيسة القيامة. ولم يكن الحج عملاً من أعمال التقوى وحسب، وإنما أصبح وسيلة للتكفير عن الذنوب. بل كان القساوسة يوصون، في بعض الأحيان، بالحج لمن يرون أنه اقترف إثماً فاحشاً. وكان الحجاج يرجعون بقصص عن مدى ثراء الشرق، كما أنهم كانوا يتحدثون أيضاً عن المتاعب التي تجشموها والأهوال التي لاقوها. ولا شك في أن حديثهم هذا كان له أساس من الصحة حيث إن المنطقة لم تكن تنعم بالهدوء أو الاستقرار، وخصوصاً أن السلاجقة كانوا قد بدأوا في شن هجومهم على الدولة البيزنطية. ولكن مما لا شك فيه أنه كان هناك عنصر مبالغة، فالعائدون كانوا يريدون إبراز بطولتهم، وكان الوجدان الشعبي يتلقف هذه القصص ويضخمها، وخصوصاً أن المستوى الثقافي لجماهير أوربا آنذاك كان متدنياً إلى أقصى حد.
9 ـ يبدو أن حركة استرداد إسبانيا من المسلمين، وتَفاعُل المسيحيين مع المسلمين إبان حرب الاسترداد، قد تركا أثرهما في الرؤية المسيحية للحرب، إذ تأثر العالم المسيحي بفكرة الجهاد الإسلامي، فبدا أن الحرب للدفاع عن المجتمع المسيحي، ولاسترداد القدس، ليست حرباً عادلة وحسب وإنما حرب مقدَّسة أيضاً. ويبدو أن نشوء جماعات من الرهبان المحاربين مثل فرسان الهيكل وفرسان الإسعاف (الداوية والإسبتارية) هو صدى لفكرة المرابطين الإسلامية.

10 ـ من الأفكار المسيحية الشعبية الراسخة، ما يُطلَق عليه العقائد أو الأحلام الألفية، وتتمثل هذه الأفكار في الإيمان بأن الدورة الكونية أو التاريخية تستغرق ألف عام في العادة، وأن عام ألف أي بداية القرن الحادي عشر الميلادي سيشهد نهاية العالم والتاريخ، كما سيشهد عودة المسيح. وقد سادت هاتان الفكرتان أوربا في العصور الوسطى، وهما من الأفكار التي ازدادت شيوعاً إبان تفاقم الأزمات الاجتماعية وازدياد البؤس بين الجماهير. ويقول العلماء إن تاريخ نهاية العالم لم يكن محدداً بهذه الدقة، وأن الأحلام الألفية استمرت خلال القرن الحادي عشر الميلادي كله وحتى بعد ذلك التاريخ. ومن الأساطير الألفية التي شاعت أن الإمبراطور الأخير سيكون هو ملك الفرنجة خليفة شارلمان، وأنه هو الذي سيقود المؤمنين إلى القدس لينتظر العودة الثانية للمسيح ليؤسس مملكة السلام والعدل ويحكم العالم من صهيون، أي القدس، وما القدس الدنيوية سوى رمز للقدس الأخروية!
11 ـ واجهت الكنيسة، ابتداءً من القرن الحادي عشر الميلادي، ظهور هرطقات في جنوب فرنسا، فظهر الكاثاري في بداية الأمر ثم تبعهم أصحاب الهرطقة الألبيجينية. وهذه الجماعات كانت جماعات ثنوية تؤمن بوجود إلهين: إله الخير وإله الشر. وكان بعضهم يذهب، شأنه شأن الغنوصيين، إلى أن هذا العالم من خلق الإله الصانع (الشرير) ، كما كانوا ينزعون منزعاً واحدياً روحياً ينكر أية حقيقة للمادة. وقد جردت الكنيسة أول حملة صليبية ضدهم عام 1208، وتبع ذلك تأسيس محاكم التفتيش الرومانية (مقابل محاكم التفتيش الإسبانية) عام 1233. ولا شك في أن أحساس الكنيسة بأنها مهددة ساهم في تصعيد حمى الحرب.

وقد استخدمنا كلمة «مركب» للإشارة إلى الأسباب التي أدَّت إلى حروب الفرنجة حتى لا نتوهم أن هناك بنية تحتية من الدوافع الاقتصادية والاجتماعية تغطيها قشرة من الأكاذيب أو التبريرات الدينية. فالنفس البشرية لا تتحرك بهذه الطريقة الآلية إذ تتداخل في عقل الإنسان أنبل الدوافع وأكثرها خسة في آن واحد، فالفلاح المسيحي الذي حمل صليبه وفأسه كان مدفوعاً برغبة دينية حقيقية، وإن كان هذا لا ينفي أيضاً وجود دوافع مادية. فهو حين كان يفعل ذلك، كان يهرب من الفاقة والدَّيْن ويحمل في وجدانه أحلام الثراء والخلاص.
وحين دعا البابا إربان الثاني (1088 ـ 1118) ، وكان فرنسياً (أي من الفرنجة) لمجلس في كليرمون في 18 نوفمبر 1059، حضره أساقفة من جنوب فرنسا، كما حضره آخرون من شمالها ومن أماكن أخرى. وألقى البابا خطاباً أشار فيه إلى بؤس الكنيسة البيزنطية، وتهديد الحجاج المسيحيين، وتدنيس الأماكن المقدَّسة. وحث هؤلاء الذين يعكرون السلام في الغرب على أن يوجهوا قواهم القتالية لخدمة غرض مقدَّس، كما أشار إلى إمكانات الحصول على الثروة من أرض تفيض باللبن والعسل، فصاح الجميع باللاتينية «ديوس وولت deus volt» ، أي «الله يريد ذلك» . ثم تتالت الأحداث وجاء المتطوِّعون من كل أنحاء أوربا، ولكنهم جاءوا أساساً من الأراضي الفرنسية وشبه الفرنسية مثل اللورين وجنوب إيطاليا وصقلية. ولكن، لماذا كان أعضاء الجماعات اليهودية بالذات هدفاً أساسياً لهجمات الفرنجة؟

لا يمكن تفسير هذه الظاهرة إلا بالعودة لمركب آخر من الأسباب. وقد أسلفنا الإشارة إلى الطابع الشعبي لحملات الفرنجة وكيف انضم إليها المعدمون والفقراء. فهذه العناصر الشعبية لم يكن من الممكن التحكم فيها وضبطها كما هو الحال مع الجيوش النظامية. ولكن، وهذا هو الأهم، لابد أن نتذكر أن وجود الجماعات اليهودية داخل التشكيل الحضاري الغربي الوسيط كان يستند إلى مواثيق تمنحهم الكثير من المزايا باعتبارهم أقناناً تابعين للخزانة الملكية. فهم، إذن، كانوا جزءاً من الطبقة الحاكمة أو جماعة وظيفية وسيطة تابعة للحاكم تمتص الأموال الزائدة في المجتمع عن طريقها. ورغم أن اليهود لم يراكموا ثروات حقيقية إذ أن الأموال التي كانوا يجمعونها كانت تصب كلها في الخزانة الملكية (باعتبار أنهم وكل ما يملكون ملكية للملك) ، إلا أن آليات الاستغلال في المجتمع الوسيط لم تكن واضحة، على الأقل بالنسبة إلى الجماهير الشعبية، وكان اليهودي هو الجزء الواضح والمباشر والمتعيِّن في عملية الاستغلال. كما أن اليهودي، على عكس النبيل الإقطاعي أو الإمبراطور، كان قريباً من هذه الجماهير حيث يمكنها الوصول إليه في الجيتو رغم أنه كان موضوعاً تحت الحماية الملكية. كما أنه كان أحياناً مباحاً، بمعنى أن الحماية الملكية كانت تُرفَع عنه ويُلقَى به كبش فداء للجماهير. ويُلاحَظ أن اليهود كانوا يشكلون أحياناً عنصراً غريباً لا من الناحية الطبقية أو الدينية وحسب وإنما من الناحية الإثنية أيضاً.

وكما أسلفنا، فقد سبقت حروب الفرنجة بعث اقتصادي، وظهور الجمهوريات الإيطالية وقوى بورجوازية مسيحية أخرى (دولية ومحلية) بدأت تُزاحم اليهود وتحاول الحد من قوتهم. فمنعت البندقية، قبل حروب الفرنجة، نَقْل التجار اليهود على سفنها، كما اتخذت العصبة الهانسية إجراء مماثلاً للحد من التجارة اليهودية. وقبل أن يحل القرن الثاني عشر الميلادي سُنَّت قوانين تحد من نشاط اليهود التجاري في الداخل.
ومن الحقائق التي تستحق الذكر أن كبار المموِّلين اليهود قد اشتركوا في تمويل بعض حملات الفرنجة عن طريق إقراض الملوك أو النبلاء الإقطاعيين الذين اشتركوا في تلك الحملات أو قاموا بتجريدها. وقد اضطر هؤلاء إلى رهن ضياعهم لدى المرابين اليهود لتدبير الأموال اللازمة. كما أن كثيراً من صغار النبلاء بل بعض الحرفيين والتجار كانوا مدينين لليهود. لكل هذا، كان من مصلحة كثير من القطاعات الاقتصادية الهجوم على اليهود كوسيلة للتخلص من الأعباء المالية، ويرجع ذلك إلي أن الكنيسة كانت إما تجمد الفوائد على الديون أو تلغيها كليةً بالنسبة لمن يشترك في الحملة وذلك كنوع من المساهمة في عملية التعبئة. ومن هنا، كان الشعار الذي طرحه الفرنجة هو أن حملاتهم لابد أن تبدأ في أوربا ضد اليهود.

وقد أشرنا إلى الصراع بين الكنيسة والسلطة الحاكمة الدنيوية من قبل. ورغم أن علاقة الكنيسة بالطبقة الحاكمة كانت وثيقة، ورغم أن الكنيسة كانت تُزوِّد اليهود بالحماية، فإن ثمة مسافة كانت تفصل بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية، وكثيراً ما كان اليهود يشكلون رقعة الصراع. فكانت الكنيسة، لتزيد من شرعيتها وتقوِّض شرعية السلطة الدنيوية، تهاجم اليهود برغم حمايتها لهم. وهذا لا يتناقض بتاتاً مع موقف الكنيسة الذي كان ينبع من مفهوم الشعب الشاهد الداعي إلى ضرورة حماية بقاء اليهود كجماعة دينية عاصرت منشأ الكنيسة وتحمل العهد القديم الذي يتنبأ بمقدم المسيح، وبذلك تقف شاهداً على صدق الكنيسة. ولكن أعضاء هذه الجماعة يجب أن يظلوا، مع ذلك، أو ربما بسبب ذلك، في حالة ضعة دائمة ليقفوا شاهداً على عظمة الكنيسة. لكن الهجوم المسيحي الحقيقي قاده صغار رجال الدين من رهبان فقراء ووعاظ جائلين، أي قادة المسيحية الشعبية الذين كانوا يتصرفون حسبما يمليه عليهم المنطق المطلق للخطاب الديني الذي صاغته المسيحية الحاكمة، ومن هنا سادت فكرة أنه إذا كان الهدف من الحملات هو استعادة القدس والقضاء على الكفرة في أقصى بلاد الأرض، فلم لا نبدأ بتنظيف منزلنا من قتلة المسيح؟

وثمة عنصر مهم مرتبط بسابقه لا تذكره الأدبيات الغربية في الموضوع، وهو ارتباط اليهود بالمسلمين في الوجدان الغربي آنذاك، فأكثر من نصف يهود العالم كانوا موجودين داخل التشكيل الحضاري الإسلامي. كما أن ثقافة الجماعات اليهودية داخل هذا التشكيل كانت ثقافة عربية إسلامية، وكان الفكر العقلاني الإسلامي قد ترك أثراً عميقاً في الفكر الديني اليهودي الذي وصل إلى قمته في أعمال موسى بن ميمون. وقد وجدت هذه الأفكار طريقها إلى كتابات اليهود في الغرب ومنها إلى الفكر الديني المسيحي، وقامت مناظرات بشأنها حتى قبل موسى بن ميمون. وقد اعتبرت الكنيسة أن هذه العقلانية تهدد الإيمان الديني من أساسه، وبالتالي كان يُنظَر إلى اليهود على أنهم أداة الفكر الإسلامي. كما أنه إبَّان عملية فَتْح الأندلس، ثم بعد ذلك إبَّان استردادها على يد الإسبان (وهي عملية بدأت قبل حروب الفرنجة واستمرت بعدها) ، كانت هناك قطاعات كبيرة من الجماعة اليهودية تقف إلى جوار المسلمين، سواء مع الفتح الإسلامي أو ضد الغزو المسيحي، وتعمل كجواسيس لصالح المسلمين (والعكس صحيح أيضاً) . كما أن من الثابت الآن أن بعض أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب كانوا يعملون جواسيس لصالح العالم الإسلامي، وكانوا يزودونه بالمعلومات عن حجم التجهيزات العسكرية الفرنجية. لكن الوجدان الشعبي يروِّج دائماً لجزء من الحقيقة. وانتشرت الاتهامات بأن اليهود يخونون المسيحيين لصالح المسلمين منذ القرن التاسع المبلادي. وبالإضافة إلى كل هذا، كان يُنظَر إلى كلٍّ من المسلم واليهودي، من منظور مسيحي مطلق، على أنهما كافران لأنهما يرفضان عقيدة التثليث. بل إن هناك كتابات مسيحية وسيطة تتهم المسلمين بصلب المسيح. وهناك رسوم لحادثة الصلب وقد وقف النبي محمد (عليه الصلاة والسلام) وهو يضرب المسيح. ويجب أن نضيف أن محاولة الكنيسة القضاء على الهرطقات في جنوب فرنسا زادت الحمية والغيرة ضد اليهود

واليهودية.
لكل هذا، كان من المتوقع أن تهاجم قوات الفرنجة الجماعات اليهودية في الغرب، وهذا ما حدث بالفعل في فرنسا واللورين وحوض الراين، ثم في بوهيميا وأخيراً إنجلترا. وقد جُرِّدت الحملة الأولي (1096 ـ 1099) التي دعا إليها إربان الثاني في مؤتمر كليرمون، وهي الحملة الوحيدة التي حققت بعض النجاح لأنها أخذت المسلمين على حين غرة. وقد بدأت الحملة بما يُسمَّى «حملة الفلاحين الشعبية» التي قادها بطرس الراهب والفارس ولتر المفلس، وقد ضمت في صفوفها حشداً كبيراً من الفلاحين وصغار الفرسان بلغ ما بين 15 و 20 ألفاً اتجهوا إلى القسطنطينية ومنها إلى الأراضي المقدَّسة. ولكن جيشاً تركياً تصدى لهم في آسيا الصغرى وسحقهم عام 1096 وقتل أعداداً كبيرة منهم وأسر أعداداً أخرى بيعت رقيقاً. وقد جُرِّدت بعد ذلك حملة الأمراء التي استفادت من حملة الفلاحين حيث تَوهَّم الأتراك، بناءً على تجربتهم مع جيش الفلاحين، أن قدرات أوربا القتالية متدنية. وقد نجحت الحملة الأولى في تأسيس أربع ممالك للفرنجة على النمط الإقطاعي الغربي.

وقد قام الإقطاعيون والأساقفة بحماية يهود فرنسا. أما في ألمانيا، فقد شعر أعضاء الجماعة اليهودية بالخطر المحدق بهم وأرسلوا إلى الإمبراطور هنري الرابع الذي كان يزور روما آنذاك يستغيثون به، ولكن الغوث لم يصلهم. ووقع الهجوم عليهم في عدة أماكن من بينها مينز وورمز وكولونيا. ويُقال إنه قُتل اثنا عشر ألف يهودي، وهو رقم مبالغ فيه جداً، وأنه تم تحطيم كثير من مراكز تَجمُّعهم ونُهبَت ممتلكاتهم، كما فُرض على كثير منهم التنصر في ألمانيا وبوهيميا. ولكن، حينما عاد الإمبراطور، فرض عقوبات على المشتركين في أحداث الشغب وعلى المسئولين الذين لم يزوِّدوا اليهود بالحماية الكافية، وصرح لمن عُمِّد من اليهود قسراً بالعودة لدينه، وأعاد إليهم ممتلكاتهم. بل إنه اتخذ خطوة حاسمة عام 1103 حين أصدر قراراً بأن يتمتع اليهود بالحماية نفسها التي يتمتع بها القساوسة. أما في فلسطين، فقد قام الفرنجة بذبح اليهود الحاخاميين والقرائين (بل المسيحيين الشرقيين) بعد استيلائهم على القدس، وإن كان قد سُمح لليهود بعد ذلك بأن يعيشوا داخل حدود ممالك الفرنجة.

أما الحملة الثانية (1146 ـ 1147) التي جُرِّدت لغوث ممالك الفرنجة واسترجاع ما استولى عليه عماد الدين زنكي عام 1044، والتي بشر بها القديس برنارد وقادها الإمبراطور كونراد الثالث، فقد بدأت بالهجوم على تجمعات يهود فرنسا. وأعلن البابا إيوجنياس الثالث إلغاء الفوائد على ديون المتطوعين للقتال، الأمر الذي أضر بالوضع المالي لأعضاء الجماعات اليهودية. ويمكن القول بأن الطبقة الحاكمة نجحت هذه المرة في تزويد الجماعات اليهودية بالحماية المطلوبة، ولم تقع سوى عدة مذابح قليلة راح ضحيتها أعداد صغيرة لا تُذكَر. وقد فشلت الحملة فيما كانت تهدف إليه. وبعد الحملة الثانية، شهدت المنطقة فترة توازن استمرت طوال أعوام 1131 ـ 1174. ولكن بعد ذلك التاريخ، أخذ المسلمون بزمام المبادرة إلى أن قضوا على جيوب الفرنجة.
أما الحملة الثالثة (1189 ـ 1192) ، فكان على رأسها فريدريك الأول (بارباروسا) إمبراطور ألمانيا، وفيليب الثاني ملك فرنسا، وريتشارد قلب الأسد ملك انجلترا. وكان الحماس لها كبيراً في إنجلترا وأدَّت إلى هجمات على أعضاء الجماعة اليهودية فيها. أما بالنسبة إلى الحملات الأخرى التي تم تجريد آخرها عام 1250، فلم تُصب أعضاء الجماعات اليهودية بأذى كبير. ويعود هذا إلى تزايد سلطة الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة، وخصوصاً في زمن فريدريك الثاني، فنجحت في فرض سلطتها وحماية أعضاء الجماعات اليهودية، وإن كانت حملة 1320 التي يُقال لها «حملة الرعاة» قد هاجمت اليهود في شمال إسبانيا وجنوب فرنسا.

ولا يُعرَف عدد الضحايا من أعضاء الجماعات اليهودية على وجه الدقة لأن التقارير المعاصرة تميل إلى المبالغة والتهويل، ولكن يمكن القول بأنه كان بين خمسة آلاف واثنى عشر ألفاً، وهو ليس بالعدد الذي يُستهان به برغم صغر حجمه بمقاييس أيامنا هذه. ففي بعض التقديرات، لم يكن يزيد عدد يهود إنجلترا بأسرها على أربعة آلاف، ولم يكن يزيد عدد يهود أوربا المسيحية كلها على نصف مليون يهودي وربما أقل، وقد كانوا متمركزين أساساً في المدن أو في البقاع التي كانت تكتسب طابعاً حضرياً. وربما لم تكن المبالغة مقصودة وإنما راجعة إلى خلل في طريقة الرصد والملاحظة. فقد «اختفت» أعداد من اليهود بعض الوقت، فحُسبوا في عداد القتلى، بينما كان اختفاؤهم في واقع الأمر مؤقتاً، إذ أنهم كانوا قد تركوا أماكن إقامتهم أثناء الاضطرابات، ثم عادوا إليها بعد سكونها. وعاد أعضاء الجماعة اليهودية في سبير ومينز وكولونيا وغيرها من المدن الألمانية بعد أن كانوا قد تركوها. والوضع نفسه ينطبق على يهود إنجلترا.
بل يُلاحَظ تزايد العدد الكلي ليهود أوربا خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين. ومع حلول القرن الثالث عشر الميلادي، كانت أغلبية يهود العالم تعيش في أوربا لأول مرة في التاريخ. وربما يعود هذا إلى أن نتائج المذابح لم تكن بالضخامة التي تنسبها إليها روايات المعاصرين (وإن كان آرثر كوستلر يُفسِّر ظاهرة تزايد أعداد اليهود بالإشارة إلى ما يسميه «الشتات الخزري» في أرجاء أوربا) .

وتميل التواريخ الصهيونية إلى تسجيل المذابح التي تعرض لها أعضاء الجماعات اليهودية دون وضعها في سياقها التاريخي السليم، ودون ذكر المذابح الأخرى التي ارتُكبت ضد قطاعات إثنية وطبقية أخرى في المجتمع، فيبدو الأمر وكأن الشر مُوجَّه ضد اليهود وحدهم. وهذا ما فعلته التواريخ الصهيونية بالهولوكوست، أي إبادة اليهود على يد النازي، حيث تُغفل الدراسات إبادة الغجر والسلاف ويتم التركيز على اليهود وحدهم. ولكن من الثابت تاريخياً أن عُنْف حملات الفرنجة لم يكن قط مقصوراً على اليهود، فقد قتل الفرنجة سبعين ألف مسلم في الحملة الأولى وحدها. أما بالنسبة إلى المسيحيين الشرقيين الذين جاء الفرنجة لتحريرهم، فقد حوَّلهم الفرنجة إلى ما يشبه أرقاء أرض، وفرضوا عليهم سلطة إقطاعية أشد قسوة مما كان سائداً وقتئذ في أوربا، حتى أخذ سكان البلاد المسيحيون ينظرون بعين الحسرة إلى حكم المسلمين ويعدونه من العصور الذهبية التي مرَّت بالبلاد. وقد نهب الفرنجة القسطنطينية ثم استولوا عليها. بل يُقال إنهم أنهكوا قواها تماماً وهو ما سهَّل سقوطها في نهاية الأمر في يد العثمانيين. ولم تَسلَم مدن أوربا المسيحية ذاتها من هجماتهم ونهبهم وانتهاكاتهم. بل نجد أن الفرنجة أنفسهم وقعوا ضحية العنف السائد في تلك الحقبة الزمنية، ففي حملة الأطفال عام 1212 (بعد الحملة الرابعة) ، تجمَّع نحو ثلاثين ألف طفل في حملة للفرنجة، وتطوَّع تاجران من مارسيليا بنقلهم إلى الأرض المقدَّسة، ولكنهم بدلاً من ذلك باعوهم لتجار العبيد!
ويجب أن نبحث عن الأثر الحقيقي لحروب الفرنجة في الجماعات اليهودية لا في المذابح التي ارتُكبت ضدهم، أياً كانت قسوتها، وإنما في بعض التطورات الأخرى ذات الطابع البنيوي التي لحقت بالمجتمع الغربي. والواقع أنها وإن لم تمس أعضاء الجماعات اليهودية مباشرة، فقد كان لها أعمق الأثر في السنوات والقرون التي أعقبت حملات الفرنجة.

ومن أهم نتائج حملات الفرنجة، أنها زادت قوة السلطة الدنيوية، وخصوصاًَ قوة الملوك. فقد تم تحويل الطاقة العسكرية للبارونات والنبلاء إلى حملات الفرنجة الأمر الذي أنهك قواهم وأضعفهم داخل أوربا نفسها. كما أن السلطات الدنيوية نجحت في فرض ضرائب مباشرة على النبلاء ورجال الدين والطبقة الوسطى، واستمرت في ذلك بعد انتهاء الحملات الأمر الذي كان يُعَدُّ تعزيزاً لنفوذ الملك على حساب الكنيسة وعلى حساب النبلاء. ومن العوامل الأخرى التي زادت نفوذ السلطة الدنيوية، تزايد الحس القومي بين القطاعات البشرية المختلفة ممن يتحدثون اللغة نفسها ولهم الثقافة نفسها، وكان هذا يُعدُّ تطوراً جديداً في تاريخ مجتمعات القارة الأوربية.
ومن النتائج المهمة الأخرى أن حملات الفرنجة أدَّت إلى تشجيع التجارة واتساع نطاقها، فقد أصبح لأوربا قواعد تجارية وموانئ جديدة في البحر الأبيض المتوسط تَصلُح نقطة انطلاق لتجارة دولية كبيرة. كما طورت أوربا مقدرتها على بناء سفن أكبر حجماً، فالطريق البحري هو الطريق الأساسي الذي كان يربط بين الفرنجة وأرض المعركة. ومن خلال حروب الفرنجة زاد التعامل بالأوراق والاعتمادات المالية، الأمر الذي شجع على نشوء نظام مصرفي دولي. ويمكن القول أيضاً بأن أفق الإنسان الغربي قد اتسع جغرافياً وتاريخياً نتيجة الانتقال من قارة إلى أخرى، وازدادت البورجوازيات المسيحية المحلية الوليدة جرأة، كما تزايد نشاط الجمهوريات المدن الإيطالية بشكل ملحوظ.

وقد أدَّت كل هذه التطورات الاقتصادية المهمة إلى انسحاب أعضاء الجماعات اليهودية تدريجياً من التجارتين الدولية والمحلية اللتين كانتا مرتبطتين إلى حدٍّ كبير وإلى اتجاهها نحو الاشتغال بالربا، وهو الأمر الذي زاد من كراهية الطبقات الشعبية لهم وزاد من هامشيتهم داخل المجتمع الغربي الوسيط. ولكن السلطة الدنيوية كانت تزداد قوة كما بيَّنا، وأدَّى ذلك إلى تَزايُد اعتماد اليهود على النخبة الحاكمة، والملك بالذات، إذ أصبح وجودهم يستند إلى الحماية التي تدعمهم بها هذه الطبقة، فتحوَّلوا من جماعة وظيفية وسيطة تخدم معظم أعضاء المجتمع إلى جماعة وظيفية عميلة معزولة عن المجتمع تُستخدَم أداةً في يد الطبقة الحاكمة. وهذا الوضع يختلف عن وضع اليهود في الأعوام الألف الأولى بعد الميلاد، حيث كانت هناك درجة أعلى من الاختلاط بين اليهود والمسيحيين، وكان الجيتو مجرد مكان للإقامة، بل إنه كان يُعَدُّ إحدى المزايا التي كان يحصل اليهود عليها ضمن ما يحصلون عليه من حقوق ومزايا. ولكن، مع تغيُّر وضعهم، زادت العزلة بين الفريقين وأصبح الجيتو المكان الذي يُعزلون فيه. وقد كرست هذا الوضع قرارات مجمعي المجلس اللاتراني الثالث والرابع، وهي عزلة ظلت تتعمق حتى القرن الثامن عشر الميلادي ـ عصر الإعتاق. ويُقال إن صيحة «هب هب hep hep» التي كان يطلقها المعادون لليهود، في اضطرابات عام 1819 وبعدها، هي نفسها الصيحة التي كان يرددها الفرنجة وأن الكلمة اختصار للعبارة اللاتينية «يروشاليم إست برديتا Yerushal» أي: «لقد سقطت القدس» . ومن نتائج حروب الفرنجة على اليهود أيضاً، بداية الاستقرار اليهودي في شرق أوربا الذي ظل يتزايد إلى أن أصبحت الجماعة اليهودية هناك أضخم كتلة بشرية يهودية في العالم.

ومن الحقائق الأخرى التي ينبغي الإشارة إليها ما نسميه تصاعُد الحمَّى المشيحانية، أي الرغبة في العودة إلى صهيون (أي فلسطين) والاستيلاء عليها وتحويلها إلى وطن قومي يهودي. إذ من المعروف أن الشريعة اليهودية تحرِّم على اليهود العودة إلى فلسطين وعلى اليهودي أن ينتظر بصبر وأناة إلى أن يشاء الإله ويرسل الماشيَّح، فيحق له حينئذ أن يعود. ويرى كثير من المؤرخين أن حمَّى العودة ورَفْض الانتظار بدأت بين اليهود بحملات الفرنجة ووصلت إلى قمتها مع الحركة الصهيونية التي حققت النجاح لأنها جندت النزعة الاستعمارية في المجتمع الغربي وتحالفت معها ووضعت نفسها تحت تصرفها. وما يهمنا هنا من الحركات المشيحانية حركة الماشيَّح الدجال (داود الرائي) المولود عام 1135 إذ يبدو أن هجمات الفرنجة على فلسطين، والفوضى التي أعقبتها، طرحت إمكانية العودة وتحرير القدس في مخيلة بعض أعضاء الجماعات اليهودية. وقد تركزت دعوة داود الرائي هذا في آمد (في جبال كردستان) على الطريق الإستراتيجي الموصل بين مملكة الخزر اليهودية التركية وممالك الفرنجة. ولعل شيئاً من ذكرى إمبراطورية الخزر وأمجادهم كان لا يزال عالقاً بذهن داود الرائي وأتباعه.

وقد تصاعدت الحمَّى المشيحانية مرة أخرى في القرن السادس عشر الميلادي إذ يبدو أن البابا كليمنت السابع (1524) عاودته الأحلام الاستيطانية الاسترجاعية، وكان يتصوَّر أن بإمكانه دَعْم طريق الكنيسة مرة أخرى واستعادة شيء من نفوذها عن طريق تجريد حملة صليبية. وقد أدرك هذه الحقيقة ماشيَّح دجال آخر يُسمَّى ديفيد رءوبيني، فادَّعى أنه ابن ملك يُدعى سليمان وأخ لملك يُدعى يوسف يحكم بعض الجماعات والقبائل اليهودية في خيبر بالقرب من المدينة المنورة. وقد أخبر رءوبيني البابا أن أخاه يتبعه ثلاثمائة ألف جندي مدربين على الحرب وأنهم لسوء الحظ ينقصهم السلاح، وطلب إلى البابا تزويدهم بما ينقصهم حتى يمكنهم طَرْد المسلمين من فلسطين. وقد استقبله البابا استقبالاً حسناً في بادئ الأمر، بل نجح في مقابلة ملك البرتغال وفي التأثير عليه. وفي تصوُّرنا أن هذه هي أول مرة يتحول فيها المشروع الصليبي للفرنجة إلى مشروع صهيوني وتقبل فيها المؤسسات الغربية استخدام المادة البشرية اليهودية المقاتلة بدلاً من المادة المسيحية. وقد تركت حروب الفرنجة تأثيراً عميقاً في إدراك الوجدان الغربي لفلسطين أو العرب، فأصبحت فلسطين الأرض المقدَّسة التي لابد أن تُسترجَع ليُوطَّن فيها عنصر مسيحي غربي، وأصبح العرب (أهل فلسطين) هم الغرباء الذين يجب استبعادهم. وقد أصبحت هذه الصيغة هي الصيغة التي تمت علمنتها فيما بعد لتصبح الصهيونية.
التشابه بين حملات الفرنجة والمشروع الصهيوني
‏Similarity between the Crusades and the Zionist Project

رغم أن حروب الفرنجة ظاهرة مرتبطة بالتشكيل الحضاري الغربي في العصر الوسيط، فقد ساهمت هذه الحروب وبعمق في صياغة الإدراك الغربي لفلسطين والعرب. ولا يملك الدارس إلا أن يُلاحظ عمق التشابه بين المشروع الفرنجي والمشروع الصهيوني الإسرائيلي، وهذا أمر متوقع لأن كليهما جزء من المواجهة المستمرة بين التشكيلين الحضاريين السائدين في الغرب والشرق العربي، كما أن حملات الفرنجة هي نقطة انطلاق أوربا نحو التوسع والإصرار على بسط سيطرتها على الخارج. والواقع أن حملات الفرنجة احتوت بذور كل أشكال الإمبريالية الأوربية التي حكمت فيما بعد حياة جميع شعوب العالم (على حد قول أحد مؤرخي حملات الفرنجة الغربيين) . ولهذا، أصبحت حملات الفرنجة صورة مجازية أساسية في الخطاب الاستعماري الغربي، وأصبحت ديباجاتها هي نفسها ديباجة المشروع الاستعماري الغربي. وقد رأى كثير من المدافعين عن المشروع الصهيوني، من اليهود وغير اليهود، أنه استمرار وإحياء للمشروع الصليبي أي الفرنجي ومحاولة وَضْعه موضع التنفيذ من جديد في العصر الحديث. فقد ألَّف سي. آر. كوندر عام 1897، وهو صهيوني غير يهودي ومؤسس صندوق استكشاف فلسطين، كتاباً عن تاريخ المملكة اللاتينية في القدس أشار فيه إلى أن الإمبريالية الغربية قد نجحت فيما أخفقت فيه الحملات الصليبية أي حملات الفرنجة. والواقع أن تصوُّره هذا يشبه في كثير من الوجوه تصوُّر الصحافة البريطانية وكذلك تصوُّر بعض أعضاء النخبة الحاكمة في بريطانيا بأن هجوم أللنبي على القدس يساوي حملة صليبية أخرى. وقد صرح لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، والذي أصدرت وزارته وعد بلفور، أن أللنبي شن وربح آخر الحملات الصليبية وأعظمها انتصاراً. ويمكننا أن نقول إن المشروع الصهيوني هو نفسه المشروع الفرنجي بعد أن تمت علمنته، وبعد أن تم إحلال المادة البشرية اليهودية التي تم تحديثها وتطبيعها وتغريبها وعلمنتها محل المادة البشرية

المسيحية.
وقد لاحَظ روبرت برنارد سولومون، وهو ضابط إنجليزي رأس الاتحاد الصهيوني البريطاني، أوجه التشابه بين المشروعين الفرنجي والصهيوني في دراسة له نشرها في جويش ريفيو عام 1912 تحت عنوان "مستعمرات القرن الثاني عشر في فلسطين" حيث أكد أن المشكلات التي واجهها المستوطنون الفرنجة ونجحوا في التغلب عليها تشبه من نواح كثيرة تلك المشكلات التي تواجه المستوطنين الصهاينة في فلسطين ثم أخذ في تعداد هذه النواحي. كما أشار إلى العوامل التي أدَّت إلى انهيار ممالك الفرنجة بعبارة "المؤثرات الشرقية التي أدَّت إلى الانحلال" ليحذر المستوطنين الجدد منها. وسنحاول حَصْر جوانب الشبه بين التجربتين الفرنجية والصهيونية، وتصنيفها تحت رؤوس موضوعات قد تكون متداخلة ولكنها مع هذا تيسر لنا عملية تقسيم هذه الأوجه والتعامل معها.
ولعل نقطة التشابه الأساسية ذات طابع جغراسي ففلسطين هي النقطة المستهدفة في كل من المشروعين الفرنجي والصهيوني. ويبدو أن فلسطين مستهدفة دائماً من صناع الإمبراطوريات إذ أنها تُعَدُّ مفتاحاً أساسياً لآسيا وأفريقيا، وتُعدُّ معبراً على البحرين الأحمر والأبيض، وتقف على مشارف الطرق البرية التي تؤدي إلى العراق وإيران، وهي أيضاً معبر أساسي لشطري العالم الإسلامي. وفلسطين في واقع الأمر ليست سوى جزء من ساحل طويل يضم سوريا ومصر، يشكل فاصلاً بين البحر المتوسط في الغرب والمحيط الهندي في الشرق. ويُعد هذا الموقع، بالتالي، فاصلاً بين مراكز النشاط في أوربا الغربية والشرق الأقصى. كل هذا يبين تشابك المصير بين سوريا ومصر من جهة وفلسطين من جهة أخرى، وخصوصاً أن كثافة مصر السكانية جعلتها دائماً المرشحة لقيادة المنطقة بأسرها في صراعها ضد الغزوات الغربية. ويلاحظ أن كلاًّ من المشروعين الفرنجي والصهيوني اكتشف أنه لحسم الصراع لصالحه، فلابد من ضرب مصر أو على الأقل تحييدها.

والواقع أن الغزاة الاستيطانيين عادةً ما يسلكون طريق البحر، ثم تستقر الجيوب الاستيطانية على الساحل أو تحتفظ بركيزتها الأساسية فيه كما حدث في جنوب أفريقيا والجزائر. وكذلك، فإن الغزوتين الفرنجية والصهيونية سلكتا الطريق البحري نفسه واحتلتا أجزاء من نفس الشريط البحري، وإن كان الشريط الذي احتله الفرنجة أكثر طولاً من الشريط الذي احتله الصهاينة.
أما من الناحية التاريخية، فيمكن القول بأن ثمة تشابهاً بين وَضْع العالمين العربي والإسلامي في القرن الحادي عشر ووضعهما في أواخر القرن التاسع عشر، فقد كانا في حالة انقسام وتراجع وتجزئة. فالخلافة الفاطمية في مصر كانت في حالة مواجهة مع الخلافة العباسية في العراق، وقد اقتسمتا فيما بينهما العالم الإسلامي. وكان النظامان العباسي والفاطمي يعانيان من الصراعات الداخلية والمؤامرات. وهما، في هذا، يشبهان النظام السياسي العربي المعاصر، المتجزئ، المنقسم على نفسه، المتصارع مع ذاته.
والغزوتان الفرنجية والصهيونية تهدفان إلى حل بعض مشاكل المجتمع الغربي وتخفيف حدة تناقضاته. فالمجتمع الوسيط الغربي كان يخوض عملية بَعْث اقتصادي فتحت شهيته للاستيلاء على طرق التجارة المتجهة إلى الشرق. وهذا يشبه من بعض الوجوه، وإن كان بدرجة أقل، انفتاح شهية رجل أوربا الشره في القرن التاسع عشر الميلادي الذي لم يهدأ له بال إلا بعد أن وقع العالم كله في قبضته. وقد استخدمت أوربا كلا المشروعين، الفرنجي والصهيوني، في التخلص مما أطلق عليه في القرن التاسع عشر الميلادي «الفائض البشري» ، أي العناصر التي لم تستطع أن تحقق الحراك الاجتماعي داخل مجتمعاتها ولذا كانت تهدِّد السلام الاجتماعي ولم يكن هناك مفر من تصديرها للشرق حتى يحقق الغرب سلاماً اجتماعياً داخلياً. فالمشروع الفرنجي كان يهدف أيضاً إلى تخليص أوربا من فائضها البشري الذي كان يهدد سلامها الاجتماعي حسب تصوُّر البعض على الأقل.

ومن نقط التشابه الأخرى أن المشروعين الفرنجي والصهيوني مشروعان استعماريان من النوع الاستيطاني الإحلالي. فالمشروع الفرنجي كان يهدف إلى تكوين جيوب بشرية غربية وممالك فرنجية تدين بالولاء الكامل للعالم الغربي. ولذا، لم تأت الجيوش وحسب، وإنما أتى معها العنصر البشري الغربي المسيحي ليحل محل العنصر البشري العربي الإسلامي. وهو في هذا لا يختلف عن المشروع الصهيوني إلا في بعض التفاصيل. فغزو فلسطين تم أولاً على يد القوات البريطانية، ثم حَضَر المستوطنون الصهاينة بعد ذلك بوصفهم عنصراً يقوم بالزراعة والقتال. وقد كانت المؤسسات الاقتصادية للفرنجة، مثلها مثل قرينتها الإسرائيلية، تتسم بطابع عسكري. كما أن التنظيم الاقتصادي التعاوني لم يكن مجهولاً لدى الفرنجة. ويمكن القول بأن دويلات الفرنجة، مثلها مثل الدولة الصهيونية، كانت ترسانات عسكرية في حالة تأهب دائم للدفاع عن النفس وللتوسع كلما سنحت لها الفرصة. ويُلاحَظ أن كلاًّ من ممالك الفرنجة والدولة الصهيونية، بسبب طبيعتها الإحلالية، خلقت مشكلة لاجئين. كما يُلاحَظ أن هؤلاء اللاجئين تحوَّلوا إلى وقود جنَّد سكان المنطقة ضد الدولة القلعة.

ومن المعروف أن الكيانات الاستيطانية لا تفقد صلتها قط بالوطن الأم بل تعتمد عليه اعتماداً يكاد يكون كاملاً لأنها، بسبب تناقضها الجوهري مع البيئة المحلية التي تلفظها، تستمد مقومات الحياة من دعم عسكري ومالي وهوية ثقافية ومادة بشرية من وطنها الأصلي. وهذه سمة أساسية في الكيانين الفرنجي والصهيوني، مع تنويعات فرعية تنصرف إلى التفاصيل لا الجوهر. فمثلاً اعتمدت ممالك الفرنجة على كل أوربا كمصدر للدعم، ولكن اعتمادها كان على فرنسا بالدرجة الأولى. وكذلك، فإن الدولة الصهيونية التي اعتبرت أوربا قاعدتها الإستراتيجية واعتمدت على معظم دول العالم الغربي الرأسمالي مع التركيز على بلد واحد هو إنجلترا ثم فرنسا لفترة قصيرة وأخيراً الولايات المتحدة منذ منتصف الستينيات. ومع سقوط الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي تطرح الدولة الصهيونية نفسها باعتبارها قاعدة للحضارة الغربية كلها في مواجهة العالم الإسلامي. ويشير أحد الدارسين الإسرائيليين إلى أنه كان هناك جباية فرنجية موحدة تماماً مثل الجباية اليهودية الموحَّدة.

وقد جاءت المادة البشرية لكلا المشروعين من العالم الغربي. ولكنهما، مع هذا، لم يحققا التجانس العرْقي المطلوب لتحقيق شيء من التوازن داخل التجمُّع الاستيطاني، فتولدت درجة عالية من التوتر. فممالك الفرنجة كانت تضم في بادئ الأمر عنصراً فرنسياً غالباً بالإضافة إلى عنصر إيطالي انقسم بدوره إلى جنوي وبندقي نسبة إلى جنوة والبندقية. ولكن عناصر أخرى انضمت إلى هذين العنصرين، مثل: الأرمن وبعض العناصر المسيحية المحلية والمسلمين الذين تنصروا. كما أن ممالك الفرنجة نفسها استوعبت، بمرور الزمن، العناصر الثقافية من البيئة المحلية. ولكن، ومع هذا، يمكن القول بأن ممالك الفرنجة احتفظت بقدر من التجانس أعلى كثيراً مما حققه الكيان الصهيوني. فهذه الممالك ظلت فرنجية (فرنسية) ، كما أن أعضاء النخبة الحاكمة التي كانت عناصرها الأساسية من الفرنجة ظلت متماسكة، وكذلك كانت الهوية الثقافية مستمدة من فرنسا. ويلاحظ أن أوربا في ذلك الوقت لم تكن قد انقسمت بعد إلى كيانات قومية لكل منها لغتها، وكانت اللاتينية لغة العبادة والفكر. وكان التشكيل الحضاري يتمتع بشيء من الوحدة الثقافية، على الأقل، بالقياس إلى فترة التفتت القومي التي بدأت بعصر النهضة.

وقد حاول التجمع الصهيوني أن يحتفظ بهوية إشكنازية متجانسة تستند إلى تجربة شرق أوربا. ولكن أوربا، في القرن التاسع عشر الميلادي، كانت ذات تشكيل حضاري مقسم إلى كيانات قومية مختلفة تتحدث لغات مختلفة، فجاء يهود من المجر ورومانيا وألمانيا وإنجلترا وفرنسا، كلٌّ يتحدث لغته. وجاء من شرق أوربا نفسها أنواع غير متجانسة، فثمة يهود جاءوا من بولندا يتحدثون البولندية، وآخرون جاءوا من رومانيا يتحدثون الرومانية، ومن روسيا جاء من يتحدث الروسية إلى جانب الأغلبية التي تتحدث اليديشية. كما كان النسق الديني اليهودي في حالة تفتُّت وتراجُع ومن ثم نجد أن هناك يهوداً أرثوذكس ويهوداً إصلاحيين أو محافظين أو قرّاءين ... إلخ. ثم اجتاحت التجمع الصهيوني الكثافة السكانية الوافدة من العالمين العربي والإسلامي التي غيَّرت بنيته السكانية وتوجُّهه الثقافي بحيث أصبحت أغلبية العنصر اليهودي شرقية تحكمها أقلية إشكنازية. ولكن الدولة الصهيونية تحاول مع هذا أن تحتفظ بالتوجه الإشكنازي للمجتمع، إذ يتضح هذا في تشجيع الهجرة من الاتحاد السوفيتي وفي المناخ الثقافي الذي تفرضه المؤسسة الحاكمة، وهذا الوضع يُولِّد الكثير من التوتر.
ويُلاحظ الصحفي الإسرائيلي يوري أفنيري أن كلاًّ من التجمعين الفرنجي والصهيوني تكوَّن من ثلاث طبقات ذات طابع عرْقي: الطبقة الحاكمة من المسيحيين الغربيين في دويلات الفرنجة يقابلها اليهود الإشكناز في الدولة الصهيونية. ثم يأتي في المرتبة الثانية مواطنو الدرجة الثانية من المسيحيين الشرقيين في دويلات الفرنجة يقابلهم اليهود الشرقيون في الدولة الصهيونية. وأخيراً يأتي مواطنو الدرجة الثالثة وهم المسلمون واليهود وبعض المسيحيين العرب في دويلات الفرنجة، والمسلمون والمسيحيون العرب في الدولة الصهيونية.

والمجتمع الاستيطاني مجتمع مزروع أو مشتول في العادة، فهو يأخذ شكل الدولة الجيتو أو الدولة القلعة. ونشير له الآن بأنه الدولة الشتتل. والشتتل هي المدن الصغيرة التي أسسها النبلاء البولنديون (شلاختا) في أوكرانيا لأعضاء الجماعات اليهودية ليقوموا بدورهم الذي أوكل إليهم في جمع الضرائب والإيجارات والإشراف على إدارة ضياع هؤلاء النبلاء حيث كانت تحميهم القوة العسكرية البولندية. وهذا المجتمع منعزل عن بيئته وينصرف جزء كبير من نشاطه إلى عملية القتال ضد السكان المحليين. وهذه مسألة ليست عرضية وإنما هي مسألة جوهرية وتنبع من الوظيفة نفسها. والعالم الغربي يزود الجيوب الاستيطانية بالعون ومقومات الحياة حتى تظل ركيزة لنشاطاته الإمبريالية والتوسعية. وينطبق هذا الوضع على الجيبين الفرنجي والصهيوني، وإن كان يبدو أن الدعم الغربي للجيب الصهيوني يفوق الدعم الغربي للجيب الفرنجي. ولعل هذا يعود إلى أن الغرب أدرك وظيفة الجيب الصهيوني كاستثمار إستراتيجي يأتي بعائد اقتصادي غير مباشر عن طريق تهدئة المنطقة وليس كاستثمار اقتصادي يأتي بعائد اقتصادي مباشر. وربما لم تكن لدى أوربا في العصور الوسطى الرؤية الإستراتيجية الشاملة التي يمتلكها الغرب في الوقت الحاضر.

ويبدو أن أزمة التجمُّع الفرنجي لا تختلف عن أزمة التجمع الصهيوني. فيُلاحَظ أن الكيان الفرنجي كان يعاني من أزمة سكانية لا تختلف كثيراً عن أزمة المستوطن الصهيوني، وذلك نظراً لانخفاض عدد سكان أوربا عام 1300 بعد انتهاء فترة تزايد السكان، الأمر الذي أدَّى إلى عدم مجيء المزيد من المادة البشرية، كما كان الكيان الفرنجي يعاني من تناقص نسبة المواليد. وكان كثير من الأراضي التي ضمها الفرنجة يزرعها سكانها الأصليون العرب. بل إن بعض الأقنان الذين جاءوا مع حملات الفرنجة اشتغلوا بأعمال أخرى غير الزراعة، نظراً لعدم درايتهم بالتربة وربما لتفتُّح فرص اقتصادية أخرى بحيث أمكنهم العمل في التجارة. ويشبه هذا زحف العرب التدريجي على الزراعة داخل المُستوطَن الصهيوني وضمن ذلك الكيبوتسات، وتحوُّل المستوطنين الصهاينة إلى مهام أخرى غير الزراعة.

ولا تنحصر نقاط التشابه بين المشروعين الفرنجي والصهيوني في الظروف الاجتماعية والجغرافية المحيطة بكل منهما، ولا في بنية الكيانين فقط، وإنما تمتد نقاط التشابه هذه لتضم الديباجات والقصد. فقد قُدِّمت تبريرات للمشروعين وتم الدفاع عنهما عن طريق ديباجات دينية تستخدم الرموز الدينية وتوظفها في عملية التعبئة العسكرية. والرموز الدينية المستخدمة هي في واقع الأمر رموز عرْقية أو إثنية أو قومية رغم طلائها الديني اللامع. ويتبدَّى هذا في واقع أنه لا حملات الفرنجة ولا الحملة الصهيونية تحتكم إلى القيم الأخلاقية المسيحية أو اليهودية، ولا يوجد لدى أيٍّ منهما استعداد لأن يُقيِّم سلوك المقاتلين التابعين لها من منظور مسيحي أو يهودي. فلم يكن الصليب في الحروب التي يُقال لها «صليبية» رمزاً للنسق الديني المسيحي وإنما كان رمزاً للهوية الإثنية الغربية المغرقة في الدنيوية، كما أن نجمة داود كان يستخدمها الصهاينة الذين لا يعرفون إلا القليل عن الدين اليهودي والذين لا علاقة لهم بالنسق الديني اليهودي. فالحملات التي يُقال لها «صليبية» ، أو تلك التي يُقال لها «صهيونية» ، هي إذن تعبير عن قوى غير دينية استولت على الرموز الدينية ووظفتها مثلما استولت فيما بعد على الأراضي وقتلت أصحابها.
ومن هنا كانت عنصرية الديباجات الصليبية والصهيونية. ومن هنا أيضاً كان تمييزها الحاد بين البشر وتقسيمهم إلى أدنى وأعلى، أو حاضر وغائب، أو فئة لها كل الحقوق وفئة لا حقوق لها على الإطلاق ... إلخ. وهذا مختلف تماماً عن إيمان الديانات التوحيدية الثلاث بالمساواة بين البشر والتي تصدُر عن الإيمان بأننا نولد جميعاً من آدم وآدم من تراب.

ويُلاحَظ أن ديباجات الفرنجة والصهاينة ترى غزو فلسطين في إطار فكرة أن الغزاة شعب مقدَّس أو مختار. وكان يسيطر على كل من الفرنجة والصهاينة تفكير نخبوي يجعل زعماءهم ينظرون إلى أنفسهم على أنهم طلائع شعوبهم التي ستحمل السلام لتخلِّص الأرض المقدَّسة، وأن هذه الحملة العسكرية إن هي إلا خروج ثان يشبه خروج العبرانيين من مصر إلى كنعان. وقد ارتبطت الديباجات في كلا المشروعين بالأحلام الألفية في استرجاع فلسطين بعد عودة المسيح أو تمهيداً لعودته.
مركزية حملات الفرنجة في الوجدان الصهيوني/الإسرائيلي
‏Centrality of the Crusades in the Israeli Zionist Imagination

نظراً للتشابه بين المشروعين الفرنجي والصهيوني، ونظراً لأن كليهما اتخذ فلسطين ساحة لتنفيذ أحلامه، نجد أن الوجدان الصهيوني منشغل إلى أقصى حد بالمشروع الفرنجي، وخصوصاً أن الفرنجة قد رحلوا ولم يتركوا شيئاً خلفهم سوى بعض القلاع التي يزورها السائحون ويدرسها علماء الآثار من الإسرائيليين والعرب. ويحاول الدارسون الصهاينة أن ينظروا إلى مشروع الفرنجة من منظور ما يسمونه «التاريخ اليهودي» وكأن حملات الفرنجة جُرِّدت بالدرجة الأولى ضد اليهود، تماماً مثلما يمنحون الجماعات اليهودية مركزية في كل الأحداث التاريخية. وتتحدث الكتابات الصهيونية الإسرائيلية عن ضحايا حملات الفرنجة وكأنهم الضحايا الوحيدون، بل تدَّعى بعضها دوراً يهودياً مستقلاًّ في صد الفرنجة، وهو الأمر الذي يتنافى تماماً مع حقائق التاريخ، ومع ما ورد في كتابات بعض الرحالة اليهود المعاصرين مثل بنيامين التويطلي، فإن مدينة صور كانت (في عام 1170) تضم خمسمائة يهودي على حين كانت كلٌّ من عكا وقيصرية تضم مائتين، وكانت عسقلان تضم مائتي يهودي حاخامي. وتشير موسوعة التاريخ اليهودي إلى أن هذه هي الجماعات اليهودية الكبيرة! ويذكر العالم اليهودي الإسباني موسى بن نحمان (نحمانيدس) أنه وجد في القدس عام 1267 يهوديين اثنين فقط.
ولكن أهم جوانب الاهتمام الصهيوني الإسرائيلي بالكيان الفرنجي هو دراسته من منظور الصراع العربي الإسرائيلي، بمعنى عَقْد الدراسات المقارنة في مشاكل الاستيطان ومشاكل الموارد البشرية والعلاقات الدولية فضلاً عن محاولة فَهْم عوامل الإخفاق والفشل التي أودت بالكيان الفرنجي. وهناك من يهتم بدراسة المقومات البشرية والاقتصادية والعسكرية للكيان الفرنجي، ومن يهتم برصد العلاقة بين هذا الكيان والكيان الأوربي المساند له. وقد وجَّه فريق من الباحثين اليهود اهتمامه لدراسة مشكلات الاستيطان والهجرة.

ولكن الاهتمام لا يقتصر على الدوائر الأكاديمية، فنجد أن شخصيات سياسية عامة مثل رابين وديان وأفنيري يهتمون بمشاكل الاستيطان والهجرة. ففي سبتمبر 1970، عقد إسحق رابين مقارنة بين ممالك الفرنجة والدولة الصهيونية حيث توصَّل إلى أن الخطر الأساسي الذي يهدد إسرائيل هو تجميد الهجرة، وأن هذا هو الذي سيؤدي إلى اضمحلال الدولة بسبب عدم سريان دم جديد فيها. ويعقد أفنيري في كتابه إسرائيل بدون صهيونية (1968) مقارنة مستفيضة بين ممالك الفرنجة والدولة الصهيونية لا تختلف كثيراً عن المقارنة التي عقدناها في الجزء الخاص بهذا الموضوع والذي استفدنا فيه بتحليله الذكي. ولكن أفنيري يخلص إلى أن المقارنة درس لابد أن يتعلم منه الصهاينة، فإسرائيل مثل ممالك الفرنجة مُحاصَرة عسكرياً لا لأن هذا هو المصير الموعود (الذي لا مفر منه) كما يتصور بعض الصهاينة، وإنما هي مُحاصَرة عسكرياً لأنها تجاهلت الوجود الفلسطيني ورفضت الاعتراف بأن أرض الميعاد يقطنها العرب منذ مئات السنين.

وقد عاد أفنيري إلى الموضوع، عام 1983، بعد الغزو الصهيوني للبنان، في مقال نشر في هاعولام هزه بعنوان "ماذا ستكون النهاية" فأشار إلى أن ممالك الفرنجة احتلت رقعة من الأرض أوسع من تلك التي احتلتها الدولة الصهيونية، وأن الفرنجة كانوا قادرين على كل شيء إلا العيش في سلام، لأن الحلول الوسط والتعايش السلمي كانا غريبين على التكوين الأساسي للحركة. وحينما كان جيل جديد يطالب بالسلام كانت مجهوداتهم تضيع سدى مع قدوم تيارات جديدة من المستوطنين، الأمر الذي يعني أن ممالك الفرنجة لم تفقد قط طابعها الاستيطاني. كما أن المؤسسة العسكرية الاقتصادية للفرنجة قامت بدور فعال في القضاء على محاولات السلام، فاستمر التوسع الفرنجي على مدى جيل أو جيلين. ثم بدأ الإرهاق يحل بهم، وزاد التوتر بين المسيحيين الفرنجة من جهة وأبناء الطوائف الشرقية من جهة أخرى، الأمر الذي أضعف مجتمع الفرنجة الاستيطاني، كما ضعف الدعم المالي والسكاني من الغرب. وفي الوقت نفسه، بدأ بعث إسلامي جديد، وبدأت الحركة للإجهاز على ممالك الفرنجة، فأوجد المسلمون طرقاً تجارية بديلة عن تلك التي استولى عليها الفرنجة. وبعد موت الأجيال الأولى من أعضاء النخبة في الممالك، حل محلهم ورثة ضعفاء في وقت ظهرت فيه سلسلة من القادة المسلمين العظماء ابتداءً من صلاح الدين ذي الشخصية الأسطورية حتى الظاهر بيبرس. وظل ميزان القوى يميل لغير صالح الفرنجة، كما لم يكن هناك ما يوقف هزيمتهم النهائية. وقد ترك هذا الحدث التاريخي بصماته وآثاره في وعي شعوب المنطقة حتى اليوم.
والواقع أن اهتمام المستوطنين الصهاينة بممالك الفرنجة تعبير عن إدراك أوَّلي لطبيعة دورهم في المنطقة كدولة وظيفية تكون مجرد أداة في يد قوى عظمى خارجية، وهو إحساس يشوبه قسط كبير من القدرية والعدمية الناجمة عن إحساس الأداة بأنها لا تمتلك ناصية أمورها ولا تسيطر على مصيرها أو قدرها.

8 - 8:الاستعمار الأوربى فى الوطن العربى حتى الحرب العالمية الأولى

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

الفصل الثامن *الاستعمار الأوربى فى الوطن العربى حتى الحرب العالمية الأولى الاستعمار: هو السيطرة التى تفرضها دولة قوية على أخرى ضعيفة، وهذه السيطرة قد تأخذ أشكالا مختلفة، مثل السيطرة العسكرية على البلاد أو السيطرة الفكرية والاقتصادية على الأمم المقهورة.
وقد ادعت الدول الأوربية كذبًا أنها قامت بحركة التوسع الاستعمارى بهدف تحضير وتطوير العالم الثالث، وأن ذلك رسالة الرجل الأبيض تجاه شعوب العالم الثالث، وليس أبلغ فى الدلالة على كذب هذه الدعوى من رفض الكتاب والمفكرين الغربيين لها.
كانت الدولة العثمانية فى القرنين الخامس عشر والسادس عشر قوة عظمى تسيطر على غرب ووسط «آسيا» وشمال «إفريقيا»، وجنوب شرق «أوربا»، ثم أخذت الدولة العثمانية فى الضعف وطمعت دول «أوربا» فى ممتلكاتها.
الاستعمار البريطاني: أولا: الجنوب العربى: تعرض الجنوب العربى وبخاصة «عدن» لسيطرة الاستعمار المبكرة، ففى سنة (1214هـ= 1799م) احتلت «بريطانيا» «بريم»، وعين أول مندوب بريطانى فى اليمن سنة (1216هـ= 1801م)، ثم أنشأ الإنجليز مستودعًا للفحم سنة (1245هـ= 1829م)، وأرادت «إنجلترا» أن تشترى مرفأ «عدن» من السلطان العثمانى ولكنه رفض واستولت عليه بالقوة فى (1255هـ= 1839م).
وبعد افتتاح «قناة السويس» سنة (1286هـ= 1869م) امتد نفوذ «بريطانيا» إلى «حضرموت»، واخترعت نوعًا جديدًا للسيطرة الاستعمارية وهو فرض الحماية على كل زعماء ومشايخ المنطقة كل على حدة.
ثانيًا: وادى النيل: أراد «إسماعيل باشا» والى «مصر» أن يتشبه بالمدنية الأوربية، وأن يجعل «مصر» قطعة من «أوربا»، وعمل على أن تكون له إمبراطورية إفريقية امتدت جنوبًا إلى خط الاستواء؛ حيث ضمت «دارفور» ومنابع «نهر النيل»، كما ضمت «إريتريا» و «هرر» و «الصومال» فى شرق «إفريقيا»، ولكنه مع ذلك أغرق نفسه فى الديون التى شجعته عليها دول «أوربا» حتى وقع فى أزمة مالية، فانتهزت «إنجلترا» الفرصة
*الحملة الصليبية الأولى بدأت هذه الحملة عام (489 هـ = 1096م) بكتائب شعبية من المشاة والأطفال والنساء بقيادة بطرس الناسك إلا أنها فشلت بعد هزيمتها على يد السلطان السلجوقى قلج أرسلان فى مدينة نيقية عاصمة السلجوقيين.
أما الحملة الصليبية العسكرية الأولى فكانت تتكون من (700) ألف مقاتل، وانطلقت بأربعة جيوش: الأول: من جنوب فرنسا بقيادة ريموند دى ساى جيل.
والثانى: من شمال فرنسا بقيادة روبرت كورت هوذ.
والثالث: من أعالى فرنسا بقيادة جودفرى بويون.
والرابع: من جنوب إيطاليا بقيادة تنكريدو بوهيموند النورماندى.
واتفق القادة الأربعة أن يلتقوا فى القسطنطينية عام (1097م) فوصلوا إلى القسطنطينية، ولم يلبثوا فيها طويلاً حتى تجاوزوها إلى الأناضول واستولوا على نيقية سنة (1097م)، وهزموا السلاجقة فى دور يليوم واحتلوا أنطاكية عام (1098م)، وعسقلان والقدس سنة (1099م) وتأسست مملكة القدس اللاتينية، واختير جودفرى بويون حاكمًا لها، ولقب بحامى القبر المقدس.

ثورتا القاهرة الأولى والثانية

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

*ثورتا القاهرة الأولى والثانية ثورة القاهرة الأولى: أدَّتْ الضرائب والقروض الإجبارية، خاصة بعد كارثة الأسطول الفرنسى فى أبى قير، بالإضافة إلى العادات الاجتماعية (كتبرج النساء)، وما قام به نابليون من هدم بعض البيوت والمساجد لدواعى الأمن، وإعدام السيد محمد كريم، والتعرض لنفيسة هانم زوج مراد بك - وكانت ذات منزلة كبيرة فى قلوب الشعب - وفرض مبلغ من المال مصالحة.
وقد أدت الضريبة التى فرضت على المنازل إلى ثورة القاهرة فى وجه نابليون.
ولم تَدُمْ هذه الثورة سوى يومين، وبدأت فى يوم الأحد (11من جمادى الأولى 1213هـ = 21من أكتوبر 1798م) من الأزهر، واستعمل نابليون المدافع التى ركبت فوق جبل المقطم، وصبَّ القنابل فوق حى الأزهر والجامع ذاته.
وبلغ من قتلوا ثلاثة أو أربعة آلاف، ودخلت الخيل الأزهر، وعسكرت فيه، وأعدم ثلاثة عشر من مشايخ الأزهر، واتسعت الهوة بين نابليون والشعب المصرى.
وانتهت هذه الثورة فى (13من جمادى الأولى 1213هـ = 23 من أكتوبر 1798م).
ثورة القاهرة الثانية: أثناء معركة عين شمس بين الجيش العثمانى والجيش الفرنسى شرع القاهريون فى ثورتهم الثانية فى (17من شوال 1214 هـ = 15 من مارس 1800 م) ودامت سبعة وثلاثين يومًا بزعامة السيد عمر مكرم الذى أصبح رمزًا لمقاومة الشعب التى لاتقهر.
وفرضت الجيوش الفرنسية حصارًا حول المدينة، ومنعت عنها الأقوات، وعقد كليبر صلحًا مع مراد بك حاكم الصعيد، وشرع فى حرق القاهرة.
وكان حىُّ بولاق هو نقطة البداية؛ لقيامه بدور كبير فى الثورة، ولمع فيه اسم زعيم شعبى هوالحاج مصطفى البشتيلى، ونصبت المدافع، ففتحت دخل ثغرة منها الجنود الفرنسيون، لحرق كل شىء؛ من بيوت ومخازن ومحال تجارية.
وفى (25 من ذى القعدة 1214هـ = 21من أبريل 1800م) تم الاتفاق بين بقية الثوار وكليبر على جلاء الأتراك والمماليك وزعماء الثورة عن القاهرة، على أن يعلن كليبر العفو العام عن
*الحرب العالمية الأولى استمرت هذه الحرب أربع سنوات وخمسة عشر أسبوعًا؛ إذ بدأت سنة (1914م) وانتهت سنة (1918م)، واشترك فيها ثلاثون دولة، وجُنِّد فيها خمسة وستون مليون مقاتل، لقى مصرعه منهم ثمانية ملايين ونصف المليون، وجرح وأسر تسعة وعشرون مليونًا.
وكان السبب المباشر لنشوبها اغتيال فرانسيز فرديناند ولىُّ عهد النمسا فى سراييفو فى (28 من يونيو 1914م) بيد برنشيو الصربى، وفى نهاية صيف سنة (1914م) اشتبك الحلفاء (إنجلترا وفرنسا وروسيا وبلجيكا وصربيا واليابان) فى حرب عنيفة ضد قوات التحالف المكون من (ألمانيا والنمسا والمجر والإمبراطورية العثمانية).
وفى العام الأول من الحرب حققت ألمانيا انتصارات فى الجبهة الغربية؛ فاحتلت بلجيكا وتقدمت نحو باريس، أما فى الجبهة الشرقية فقد مُنيت القوات الروسية بهزائم كبيرة نجمت عن عدم فاعلية قيادتها.
واستمرت الحرب على الجبهة الغربية فى عام (1915م) ولم يحقق أى الطرفين انتصارات بارزة، وفى مايو (1915م) أعلنت إيطاليا الحرب على النمسا، وفى الجبهة الشرقية استمرت هزائم روسيا أمام قوات ألمانيا، كما شهد عام (1915م) عدة معارك بحرية غير حاسمة، غير أن عمليات الغواصة الألمانية اتسعت بشكل كبير.
ولم يشهد عام (1916م) تغيرات جوهرية على الجبهة الغربية باستثناء استخدام الدبابة لأول مرة إبان معركة السوم، كما استمرت عمليات الغواصة الألمانية، وقيام معركة جونلاند البحرية.
وقد شهد عام (1917م) عدة تحولات مهمة، أهمها إعلان الولايات المتحدة الأمريكية الحرب على ألمانيا فى (6من أبريل 1917 م)، وشهدت الجبهة الشرقية تحولاً أساسيًّا، تمثل فى الثورة الروسية فى (مارس 1917م) وتعهد النظام المؤقت الجديد بمتابعة الحرب ضد ألمانيا، واستمر البريطانيون فى تقدمهم فتمكنوا من احتلال القدس وبغداد.
وفى مطلع عام (1918م) حدد الرئيس الأمريكى ويلسون برنامجًا يحتوى على (14) بندًا للسلام ضمنه
*بدر الأولى (سفوان) (غزوة) بعد غزوة العشيرة التى كانت فى (جمادى الأولى سنة 2 هـ) لم يقم البنى - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة إلا نحو عشر ليالٍ حتى أغار كُرُز بن جابر الفهرى القرشى على إبل المدينة وغنمها؛ فخرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى طلبه حتى بلغ وادى سفوان ناحية بدر لكن كُرزًا هرب؛ فرجع النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة.
مَقْصُوراً بدُونَ مدِّ الواو - اسمُ موصولٍ لجمع المذكَّر العَاقِل كَثيراً، ولغيره قليلاً قال الشاعر:
رَأَيْتُ بَني عَمِّي الأُوْلَى يَخْذُلُونَني ... عَلى حَدَثانِ الدَّهْرِ إذْ يَتَقَلَّبُ
ومن وقوعها لغير العَاقِل قولُ الشَّاعر:
تُهَيِّجُني للوَصْلِ أَيَّامُنَا الأُولى ... مَرَرْنَ علينَا والزَّمانُ وَرِيقٌ

فضل الجماعة والتكبيرة الأولى

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* فضل الجماعة والتكبيرة الأولى:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق)). أخرجه الترمذي (¬1).
¬_________
(¬1) حسن بطرقه/ أخرجه الترمذي برقم (241)، صحيح سنن الترمذي رقم (200). انظر السلسلة الصحيحة رقم (2652).
* الأولى بأخذ الصدقة:
خير الصدقة وأفضلها ما كان عن ظهر غنى، وأن يبدأ بمن يعول، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فَضَلَ شيء فلأهلك، فإن فَضَلَ عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فَضَلَ عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا)). يقول: فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك. أخرجه مسلم (¬1).
¬_________
(¬1) أخرجه مسلم برقم (997).

أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس

لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)

التصحيف في الكلمات التي ليست بأسماء أعلام قد يكون الأمر فيها سهلاً ، أحياناً ، فإنه كثيراً ما يستدل الفطن إلى صوابها بالقياس ، أو بالسياق ووجه الكلام ، أو بغير ذلك ، وهذا بخلاف الأسماء فلا شيء من ذلك يدل عليها ؛ أسند العسكري في (أخبار المصحفين) (ص33) إلى علي بن المديني قال: (أشد التصحيف التصحيف في الأسماء).
وقال الخطيب في (الجامع) (1/416) تحت باب (تقييد الأسماء بالشكل والإعجام حذراً من بوادر التصحيف والإيهام) ما نصه:
(في رواة العلم جماعة تشتبه أسماؤهم وأنسابهم في الخط ، وتختلف في اللفظ ، مثل بِشْر وبُسر ، وبُرَيْد وبَرِيد وبِرِنْد ويزيد ، وعياش وعباس ، وحَيّان وحِبّان وحَنَان ، وعُبيدة وعَبيدة ، وغير ذلك مما قد ذكرناه في كتاب "التلخيص"(1) ، فلا يؤمَنُ على من لم يتمهَّر في صنعة الحديث تصحيفُ هذه الأسماء وتحريفُها ، إلا أن تُنقط وتُشْكَل ، فيؤمَن دخولُ الوهم فيها ، ويسلم من ذلك حاملها وراويها.
ثم ساق بعدئذ فيما ساقه هذه الآثار الثلاثة:
الأول: (أخبرني محمد بن علي بن عبدالله قال قرأت على أبي محمد عبد الغني بن سعيد بن علي الأزدي بمصر(2) ، قلت: حدثكم أبو عمران موسى بن عيسى الحنفي(3) ، قال: سمعت أبا إسحاق النجيرمي إبراهيم بن عبدالله(4) يقول: أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس ، لأنه شيء لا يدخله القياس ، ولا قبله شيء يدل عليه ، ولا بعده شيء يدل عليه).
والثاني: (انا أحمد بن محمد بن أحمد الاستوائي انا علي بن عمر الحافظ نا محمد بن مخلد بن حفص نا عبدالله بن أحمد بن حنبل حدثني أبو بكر بن أبي شيبة قال: سمعت ابن إدريس يقول: كتبت حديث أبي الحوراء فخفت أن أصحف فيه فأقول: "أبو الجوزاء" فكتبت أسفله "حور عين" ).
والثالث: (حدثت عن عبد العزيز بن جعفر الحنبلي انا ابو بكر الخلال أخبرني الحسن بن عبد الوهاب نا الفضل بن زياد قال: سمعت أبا عبدالله يعني أحمد بن حنبل يقول: من يفلت من التصحيف ؟! كان يحيى بن سعيد يُشكلُ الحرفَ إذا كان شديداً ، وغير ذاك لا ؛ وكان هؤلاء أصحاب الشكل والتقييد عفان وبهز وحبان ).
وانظر (إنما يشكل ما يُشكل).
قلت: وليس ذلك خاصاً بأسماء الرواة ، ولكن يدخل فيه أيضاً أسماع البلدان والأماكن.
__________
(1) يعني كتاب (تلخيص المتشابه في الرسم وحماية ما أشكل منه عن بوادر التصحيف والوهم).
(2) روى هذا الأثر الحافظ عبد الغني في مقدمة كتابه (المؤتلف والمختلف) ؛ وأخرجه من طريقه أيضاً السمعاني في (أدب الإملاء والاستملاء) (ص172).
(3) ذكر محقق الكتاب الدكتور محمد عجاج الخطيب أن هذه الكلمة وردت في أحد الأصلين الذي طبع عنهما الكتاب (الخمعي) وفي الثاني: (الحنيفي) ، ثم قال: (وليس في أنساب أو ألقاب الرواة أحد اللفظين المذكورين ، أو ما يقاربهما ، ولعلها "الحنفي" ، والله أعلم).
(4) هو مؤلف كتاب (أيمان العرب في الجاهلية) ، وترجمته في (معجم الأدباء) (1/198-201) و (معجم البلدان) (8/270) و (بغية الوعاة) (ص181). كذا في حاشية السيد أحمد صقر على (الإلماع) (ص154).

الهجرة الأولى إلى الحبشة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الهجرة الأولى إلى الحبشة.
8 ق هـ - 614 م
روى ابن إسحاق عن أم سلمة رضي الله عنها، أنها قالت: (لما ضاقت علينا مكة، وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتنوا ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في منعة من قومه وعمه، لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بأرض الحبشة ملكا لايظلم عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه، فخرجنا إليها حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أمنا على ديننا، ولم نخش منه ظلما ... ). وذهب الطبري وابن القيم وغيرهما إلى أن مخرجهم إلى الحبشة كان في رجب في السنة الخامسة من البعثة النبوية. قال ابن القيم: (فَهَاجَرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا وَأَرْبَعُ نِسْوَةٍ مِنْهُمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ وَهُوَ أَوّلُ مَنْ خَرَجَ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ رُقَيّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .. ).
بيعة العقبة الأولى.
2 ق هـ - 620 م
في البخاري عن عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: " بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ ".قال: فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ. وهناك رواية لابن إسحق توضح بعض ما أجمل في رواية البخاري، فعن محمد بن اسحاق قال حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي مرثد بن عبد الله اليزني عن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي عن عبادة بن الصامت قال: (كنت فيمن حضر العقبة الأولى وكنا اثني عشر رجلا فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف فإن وقيتم فلكم الجنة وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم الى الله عز وجل إن شاء عذب وإن شاء غفر).

البابا (أوربان الثاني) يعلن الحرب الصليبية الأولى على العالم الإسلامي (الأتراك).

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

البابا (أوربان الثاني) يعلن الحرب الصليبية الأولى على العالم الإسلامي (الأتراك).
488 - 1095 م
تلقى البابا أوربان الثاني نداء من الإمبراطور البيزنطي إلكسيس كومنين يطلب منه العون ضد السلاجقة الأتراك، فيعقد البابا مجمعا كنسيا في مدينة كليرمون فران في فرنسا ويعلن الحرب الصليبية الأولى على الأتراك ويدعو إلى وقف الحرب بين الملوك والأمراء المسيحيين في أوربا وتوجههم بأسلحتهم لحرب الكفرة على حد تعبيرهم، ويعلن أن كل من يشترك في هذه الحرب تغفر له ذنوبه وتتولى الكنيسة حماية مملكته وكان ريمون الرابع أمير تولوز أول من لبى النداء وتولى قيادة الحملة الصليبية الأولى، كما طلب البابا من أساقفة الكنيسة الكاثوليكية الدعوة للحرب الصليبية بين العامة وكان أبرز من تولى الدعوة الأسقف بطرس الناسك.

قيام الحملة الصليبية الأولى.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

قيام الحملة الصليبية الأولى.
489 - 1095 م
كان البابا الثاني قد دعا إلى الحرب الصليبية ضد المسلمين واستجاب أمراء أوربا لهذا النداء فأوقفوا الحروب بينهم وأعدوا حملة صليبية منظمة اشترك فيها فروا ده بويون أمير مقاطعة اللورين السفلى وأخوه بودوان وريمون أمير تولوز وبروفانس وبوهمند النورماندي أمير تارانت وابن أخته تانكرد وروبير أمير نورماندي وهو ابن وليم الفاتح وصهره اتيان أمير مقاطعة بلوا وشارتر، وبدؤوا بالمسير من مدينة كولونيا إلى بلاد البلقان.

المماليك يغتالون توران شاه بمصر وبه تنتهي الدولة الأيوبية في مصر وتقوم دولة المماليك الأولى بمصر.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

المماليك يغتالون توران شاه بمصر وبه تنتهي الدولة الأيوبية في مصر وتقوم دولة المماليك الأولى بمصر.
648 محرم - 1250 م
بعد أن تولى توران شاه ملك مصر بعد وفاة أبيه قرب أصحابه الذين جاؤوا مع من حصن كيفا، وصار مع هذا جميع الحل والعقد، والأمر والنهي لأصحابه الذين قدموا معه، فنفرت قلوب البحرية منه، واتفقوا على قتله، وما هو إلا أن مد السماط بعد نزوله بفارسكور، في يوم الاثنين سادس عشر المحرم، وجلس السلطان على عادته، تقدم إليه واحد من البحرية - وهو بيبرس البندقداري، وضربه بالسيف فتلقاه المعظم بيده فبانت أصابعه، والتجأ إلى البرج الخشب الذي نصب له بفارسكور وهو يصيح من جرحني، قالوا: الحشيشة، فقال: لا والله إلا البحرية! والله لا أبقيت منهم بقية، واستدعى المزين ليداوي يده، فقال البحرية بعضهم لبعض: تمموه وإلا أبادكم، فدخلوا عليه بالسيوف، ففر المعظم إلى أعلى البرج وأغلق بابه، والدم يسيل من يده، فأضرموا النار في البرج، ورموه بالنشاب فألقى نفسه من البرج، وتعلق بأذيال الفارس أقطاي، واستجار به فلم يجره، وفر المعظم هارباً إلى البحر، وهو يقول: ما أريد ملكاً، دعوني أرجع إلى الحصن يا مسلمين ما فيكم من يجيرني، هذا وجميع العسكر واقفون، فلم يجبه أحد والنشاب يأخذه من كل ناحية، وسبحوا خلفه في الماء، وقطعوه بالسيوف قطعاً، حتى مات جريحاً حريقاً غريقاً، وفر أصحابه واختفوا، وترك المعظم على جانب البحر ثلاثة أيام منتفخاً، لا يقدر أحد أن يتجاسر على دفنه، إلى أن شفع فيه رسول الخليفة، فحمل إلى ذلك الجانب فدفن، فكانت مدة ملكه أحدا وسبعين يوماً، وكان المباشر لقتله أربعة من مماليك أبيه، فكان اغتياله هو نهاية للدولة الأيوبية في مصر.

السلطان محمد الرابع يبدأ حملته الهمايونية السلطانية الأولى على بولونيا.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

السلطان محمد الرابع يبدأ حملته الهمايونية السلطانية الأولى على بولونيا.
1083 صفر - 1672 م
بدأ السلطان محمد الرابع حملته الهمايونية السلطانية الأولى على بولونيا، والتي استمرت 6 أشهر، تم خلالها افتتاح عدد من القلاع، وانتهت الحملة بتوقيع معاهدة بين الطرفين دفعت خلالها بولونيا ضريبة سنوية للعثمانيين.

بدء السلطان العثماني محمد الرابع حملته السلطانية الأولى على روسيا.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

بدء السلطان العثماني محمد الرابع حملته السلطانية الأولى على روسيا.
1089 ربيع الأول - 1678 م
بدأ السلطان العثماني محمد الرابع حملته السلطانية الأولى على روسيا، وكانت تلك الحملة الأولى لسلطان عثماني على روسيا، حيث كان يقوم بهذه المهمة في السابق خان القرم.

قيام الدولة السعودية الأولى بإمرة محمد بن سعود.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

قيام الدولة السعودية الأولى بإمرة محمد بن سعود.
1139 - 1726 م
تنسب هذه الدولة إلى سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان وكان جدهم الأعلى مانع المريدي يقطن الدرعية قرب القطيف ثم رحل إلى نجد فأقطعه ابن درع رئيس حجر اليمامة من أملاكه مرتفعا في وادي حنيفة فاستقر بها مانع وآله وبنوا مساكنهم وأطلقوا عليها الدرعية على اسم التي في القطيف، وكان ذلك عام 850هـ ثم توالى أبناء مانع وأحفاده على إمارة الدرعية والقرى التي حولها ولم يتجاوزوها إلى أن آلت الإمارة إلى محمد بن سعود بن محمد بن مقرن سنة 1139هـ فتمت المعاهدة التاريخية بينه وبين الإمام محمد بن عبدالوهاب الإمام المجدد المعروف ومنها بدأت الدولة السعودية بالتوسع والحركة حيث آزروا الشيخ محمد على تبليغ الدعوة وانتشرت حتى ضمت كل بلاد العارض عدا الرياض وأغلب منطقة الخرج وحائر والوشم والمحمل وسدير.

ثورة القاهرة الأولى ضد الفرنسيين وقيادة الأزهر لها.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ثورة القاهرة الأولى ضد الفرنسيين وقيادة الأزهر لها.
1213 - 1798 م
كان بونابرت وقت اندلاع المعركة خارج القاهرة، فعاد إليها مسرعاً ونصب المدافع على تلال المقطم لتعاون مدافع القلعة في إطلاق القنابل على حي الأزهر مركز حركة الجهاد وشعلتها المتأججة. ففي اليوم الثاني للثورة (22 أكتوبر) حين شرع الثوار في مهاجمة مقر القيادة الفرنسية العامة بحي الأزبكية كان الجنود الفرنسيون يهاجمون الجامع الأزهر ثم دخلوه وهم راكبون الخيول وسلبوا ماكان فيه من الودائع وألقوا الكتب والمصاحف على الأرض وداسوها بأرجلهم ونعالهم، وظل الجنود الفرنسيون يحتلون الأزهر حتى ذهب وفد من مشايخه إلى بونابرت يطلبون منه الجلاء عنه فكان ذلك نهاية للثورة التي استمرت ثلاثة أيام (21 - 23 أكتوبر) وانتقم الفرنسيون من المسلمين في القاهرة وضواحيها أبشع انتقام، فنهبوا ديار حي الأزهر والأحياء المجاورة وأعدموا صغار المشايخ الذين حرضوا على الثورة وصادروا ممتلكاتهم، وأحاطوا القاهرة وضواحيها بالحصون والقلاع والمعاقل، وهدموا في سبيل ذلك الشيء الكثير من المنازل والقصور.

استسلام عبدالله بن سعود لقوات إبراهيم باشا وسقوط الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

استسلام عبدالله بن سعود لقوات إبراهيم باشا وسقوط الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى.
1233 ذو القعدة - 1818 م
بالرغم من المواجهة التي وجدها محمد علي باشا من قبل الجيش السعودي، بقيادة عبد الله بن سعود، وانهزام المصريين، إلا أنه لم يستسلم، فجهز جيشا بقيادة ابنه الثاني إبراهيم باشا وكان هدفه في هذه المرة الدرعية نفسها لا امتداداتها الفرعية، فحاصر إبراهيم باشا الدرعية بعد أن أمد خطوط إمداده وعقد معاهدات مع القبائل التي تمر بأراضيها خطوط الإمداد، وأسقط عنهم الأموال التي كانت الدولة السعودية قد فرضتها عليهم لدعم وتمويل أنشطة الدولة التي كانت تحت قيادة عبدالله بن سعود خلفا لأبيه. وبعد مواجهات ومعارك بين جيوش إبراهيم باشا وقوات الدرعية، وباستخدام المدافع تمكن إبراهيم باشا من هزيمة القوات السعودية، واستسلم عبدالله بن سعود في 8 ذي القعدة من هذه السنة بعد حصار شديد دام ستة أشهر، واقتاد إبراهيم باشا، بعض أمراء آل سعود، وأفرادا من أسرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أسرى، وأرسلهم إلى مصر، ومن هناك أرسل عبد الله بن سعود إلى استانبول، حيث أعدم في صفر سنة 1234هـ. وبهذا انتهت الدولة السعودية الأولى التي امتد نفوذها إلى معظم أنحاء الجزيرة العربية.

محاصرة دير القمر والإيذان ببدء الحرب الأهلية الأولى في لبنان.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

محاصرة دير القمر والإيذان ببدء الحرب الأهلية الأولى في لبنان.
1257 شعبان - 1841 م
بادرت القوات الدرزية، بزعامة أولاد بشير جنبلاط إلى محاصرة "دير القمر"، إيذاناً ببدء الحرب الأهلية الأولى. وعلى الرغم من استعدادات الموارنة وادعاءاتهم بما سيفعلونه بالدروز، عندما تقع الحرب، تحوّل القتال إلى كارثة مروعة، نزلت بهم في دير القمر، إذ دبت فيهم الفوضى، فأصبحوا أهدافاً سهلة للقوات الدرزية. وما إن سمع البطريرك بما حدث لدير القمر، حتى أغلق الكنائس، وطلب من كل نصراني، أن يحمل السلاح. وهاجمت القوات المارونية بعض المواقع الدرزية المتفرقة، لينتشر لهيب الحرب الأهلية، بسرعة، في البلاد. وتبادل الطرفان إحراق القرى وسلْب الأموال، والتمثيل بالأسرى والقتلى. ولكن كفة الدروز كانت هي الراجحة، فبعد أن سيطروا على المناطق المارونية في الجنوب، شرعوا يدقون أبواب النصف الشمالي الماروني، عبْر نهر الكلب. وخلال هذه الحرب الأهلية، وقف الأرثوذكس إلى جانب الدروز، لاعتقادهم أن تفوّق الموارنة، سيعرضهم لاضطهاد ماروني، حمْلاً لهم على ترْك عقيدتهم. وحينما اشتد الضغط الدرزي على الموارنة، وثبت لهؤلاء أن الحرب تسير في مصلحة خصومهم، وأن الجبهة المارونية هشة، مفككة؛ إذ كان رجال الدين الموارنة في جانب، والإقطاعيون في جانب آخر، ناهيك بتعدد الخلافات بين الزعامات المارونية. سارع الموارنة حينها إلى السلطات العثمانية، والقناصل الأوروبيين، خاصة القنصل الفرنسي. وأسفرت الحرب عن موافقة البطريرك الماروني على إبعاد الأمير بشير الصغير عن الحُكم، على أن يحل محله الأمير بشير الكبير، الأمر الذي ترك انطباعاً سيئاً لدى القنصل الإنجليزي عن رجال الدين الموارنة.

إعلان رئيس الوزراء العثماني مدحت باشا الدستور الذي أطلق عليه "المشروطية الأولى".

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

إعلان رئيس الوزراء العثماني مدحت باشا الدستور الذي أطلق عليه "المشروطية الأولى".
1293 ذو الحجة - 1877 م
كان رئيس الوزراء العثماني الشهير، مدحت باشا قد أعلن - المشروطية الأولى - في أيلول عام 1876م بعد تسلم السلطان عبدالحميد الثاني الحكم مباشرة، وتعني المشروطية الأولى: القانون الأساسي للدولة العثمانية أي - الدستور العثماني - وقد تضمن إنشاء الدستور الحصانة النيابية والتشريع والميزانية والمحكمة العليا ونظام اللامركزية الإدارية، وهو ينقسم إلى 12 قسمًا، ضم 119 مادة. ولم يتم تنفيذ المشروطية الأولى فعلياً بل كانت جنينا "مات قبل ولادته" كما يقال، فقد أقيل أبو المشروطية مدحت باشا من منصبه في 5 شباط 1877م أي بعد خمسة أشهر من إعلان المشروطية وقد لعبت الأصابع "اليهودية والماسونية" دورها الخطير في التفريق بين الرجلين الكبيرين، أي بين السلطان عبدالحميد الثاني وبين مدحت باشا.

اندلاع الحرب العالمية الأولى وانضمام تركيا إلى جانب ألمانيا.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

اندلاع الحرب العالمية الأولى وانضمام تركيا إلى جانب ألمانيا.
1332 رمضان - 1914 م
انقسم المعسكر الأوربي إلى قسمين الأول ضم ألمانيا والنمسا وبلغاريا وانضمت لهم الدولة العثمانية بسبب تعاملها مع ألمانيا في المجال العسكري حيث كانوا هم مدربي الجيوش العثمانية، والقسم الثاني ضم إنكلترا وفرنسا وروسيا وإيطاليا ورومانيا واليونان واليابان واستطاع الإنكليز بمراسلات مكماهون مع الشريف حسين أن يضموا العرب لمعسكرهم، علما أن السلطان العثماني محمد رشاد كان ضد الحرب ولكن ليس له من الأمر شيء وكان أنور باشا مع الحرب مع معسكر ألمانيا وخاصة أن فرنسا كانت طلبت من الدولة العثمانية أن تعطي سوريا استقلالا ذاتيا وتطلق يد فرنسا فيها، وأغرت ألمانيا الدولة بقرض مالي بقيمة خمسة ملايين ليرة ذهبية لدخولها في الحرب معها وقامت حكومة الاتحاد والترقي بإلغاء الامتيازات الأجنبية وطلبت من إنكلترا الخروج من مصر ومنعت روسيا من التدخل في شؤونها الداخلية، ثم انضمت الدولة للحرب التي اندلعت في السادس من رمضان من عام 1332هـ / 1914م فسار الأسطول العثماني إلى البحر الأسود وضرب مرافئ روسيا على البحر الأسود ودخلت الدولة الحرب وأجبر السلطان على قبول الأمر وأعلن الجهاد الذي لم يجد صدى عند المسلمين لعلمهم أن الألمان نصارى مثل أعدئهم من الحلف الآخر فكلهم كفار فلم الخوض وإراقة دماء المسلمين بين الكفار، واشتعلت نار الحرب بين الحلفاء والدولة العثمانية على عدة جبهات وقد جمعت الدولة بعد التعبئة نصف مليون جندي تحت السلاح وربع مليون تحت التدريب واحتفظ بمائتي ألف حول العاصمة والدردنيل وأرسل إلى فلسطين أربعون ألفا وأكثر من مائة ألف على شكل قطعات موزعة في سوريا والقوقاز، وهاجم العثمانيون الروس من ناحية القوقاز لتخفيف الضغط عن الألمان غير أنهم فشلوا وتراجعوا إلى أرضورم، أما على الجبهة المصرية فأرادت الدولة قطع قناة السويس عن إنكلترا ولكن تأخر مسيرهم إليها بسبب فرار كثير من الجيش الشامي فاضطر لاستبداله بأخر من الأناضول ولصعوبة إيصال المدافع إلى سيناء، ولإبقاء قطعات على سواحل الشام للخوف من النصارى الكاثوليك التابعين لفرنسا وأكثرهم في بيروت ومن النصارى الأرثوذكس التابعين للروس وهم متوزعون في بلاد الشام، ثم وصلت القوات العثمانية إلى القناة التي كان يحميها الهنود ونفدت الذخيرة العثمانية ولم تستطع شيئا فرجعت لقواعدها في غزة ومعان، وبعد شهرين جرت محاولة أخرى للهجوم وقاد الألمان العمليات ولكنهم فشلوا أيضا وأعيدت الكرة بعد ثلاثة أشهر وأيضا فشلت، وأما على صعيد اليمن فأيضا كان الهدف هو قطع الطريق على الإنكليز إلى الهند ولكن أيضا لم تنجح، وعلى جبهة الدردنيل فقد كانت محصنة من البر والبحر وكانت قوات الحلفاء قريبة من المضيق وقامت القوات العثمانية بالهجوم عليها لكنهم فشلوا أيضا، وأما الإنكليز الذين استطاعوا جر العرب لهم فتحركوا وهاجموا سيناء وهاجموا العثمانيين في جبل الدروز وبعلبك وتراجع الجيش العثماني وأصيب بالمجاعة أيضا وتقدم الإنكليز في فلسطين بقيادة الجنرال اللنبي ودخلوا القدس وأعلن يومها اللينبي صليبيته فقال الآن تنتهي الحروب الصليبية، ثم قاموا بهجوم على نابلس وتراجع الألمان والعثمانيون ووصل الفيلق العربي بقيادة فيصل بن الحسين ويساعده لورانس الإنكليزي ودخلوا معان ودخلوا دمشق فأصبحت بلاد الشام في قبضة فيصل والإنكليز، وأما المعارك على مضيق الدردنيل فكانت متوازية فلم ترجح كفة أي من المعسكرين على الآخر مع بدء ظهور مصطفى كمال ولمعان نجمه في هذه المعارك، ومع انسحاب العثمانيين من الشام والعراق بدأ الضعف يظهر عليهم وعلى حليفهم الألمان إلى أن التقى المسؤولون العثمانيون مع الإنكليز على ظهر الباخرة الإنكليزة أغامنون ووضعت شروط الهدنة وأعلنت الدولة استسلامها، فكان الاتحاديون في أثناء حكمهم القصير قد أضاعوا كل أجزاء الدولة في أوربا حيث استقلت بلغاريا واحتلت النمسا البوسنة والهرسك وأخذت اليونان كريت واحتلت إيطاليا بعض جزر البحر المتوسط، وهكذا ضعفت الدولة العثمانية وأصبحت على شفا الهاوية وازداد ضعفها على ما كانت عليه.

فشل بريطانيا وحلفائها في الاستيلاء على مضيق البوسفور والدردنيل من العثمانيين في الحرب العالمية الأولى.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

فشل بريطانيا وحلفائها في الاستيلاء على مضيق البوسفور والدردنيل من العثمانيين في الحرب العالمية الأولى.
1334 صفر - 1915 م
مارست الدولة العثمانية سيادتها على مضيقي البوسفور والدردنيل، وبحر مرمرة، وكانت هذه المضايق تصل بين البحر الأسود وبحر إيجه الذي هو جزء من البحر المتوسط، ولم يكن للبحر الأسود مخرج يتصل عن طريقه بالبحار العامة إلا عبر هذه المضايق. وقد نجحت الدولة العثمانية في فرض سيادتها على هذه المضايق. وبلغ من هيبة الدولة العثمانية في فترة قوتها أن الرعايا الروس إذا أرادوا ممارسة التجارة بين موانيء البحر الأسود كان عليهم أن ينقلوا بضائعهم على سفن عثمانية تحمل العلم العثماني. ولم يكن لروسيا طريق إلى المياه الدافئة إلا عبر المضايق التي تسيطر الدولة العثمانية عليها، وظل حلم السيطرة على هذه المضايق يراود روسيا زمنا طويلا. وقبل اشتعال الحرب العالمية الأولى ببضعة أشهر حاولت روسيا أن تحتل البوسفور والدردنيل، ولم يكن أمامها سوى افتعال أزمة سياسية مع الدولة العثمانية، ثم تصعيدها حتى تنقلب إلى حرب أوروبية تتخذها روسيا ذريعة لإرسال قواتها المسلحة لاحتلال البوسفور والدردنيل في وقت مبكر، ولوضع العثمانيين والأوربيين أمام الأمر الواقع، لكن هذا المخطط لم يكتب له التنفيذ؛ لمعارضة بريطانيا له ورغبتها آنذاك في حل المشكلات الأوربية بالدبلوماسية لا بالحروب. ولما نشبت الحرب العالمية الأولى (في أغسطس 1914)، انضمت الدولة العثمانية إلى جانب ألمانيا والنمسا والمجر في مواجهة إنجلترا وفرنسا وروسيا وإيطاليا. وترتب على دخول الدولة العثمانية إلى جانب ألمانيا أن قامت بريطانيا وحلفائها بهجوم على الدردنيل والبوسفور. وكان موقف روسيا في بدايات الحرب حرجا للغاية بعد الهزائم المنكرة التي أنزلتها بها القوات الألمانية، وأرادت بريطانيا أن تفتح الطريق أمام الأساطيل البريطانية والفرنسية إلى البحر الأسود، وكانت منطقة المضايق هي التي تفصل بريطانيا وفرنسا عن روسيا وتحول دون إمدادها بالذخائر والأسلحة التي كانت في أشد الحاجة إليها بعد أن استنفدت احتياطيها من الذخائر، وانعدمت قدرة مصانعها على تلبية أكثر من ثلث حاجتها من الذخائر. وكانت بريطانيا غير راغبة في خروج روسيا من الحرب وتخشى ذلك، ولم يكن أمامها هي وحلفائها سوى بسط السيطرة العسكرية على منطقة المضايق، ضمانا لإرسال الذخائر والأسلحة إلى روسيا وحثها على مواصلة الحرب. وفي الوقت نفسه كان الاستيلاء على المضايق يشد من أزر الروس ويرفع من معنوياتهم التي انهارت أمام القوات الألمانية. وفوق ذلك وعدت بريطانيا روسيا في حالة سيطرتها على منطقة المضايق بأنها ستهدي إليها مدينة استانبول؛ لحثها على الثبات والصمود، ولم تكن هناك هدية أعظم من أن تكون المدينة التاريخية بين أنياب الروس. وفي (نوفمبر 1914م) اقترب الأسطول البريطاني من مياه الدردنيل وهو يمني نفسه بانتصار حاسم وسريع، وقبل أن تتوغل بعض السفن البريطانية في مياه مضيق الدردنيل، ألقت بعض المدمرات قنابلها على الاستحكامات العسكرية العثمانية، ولم تتحرك هذه القوات للرد على هذا الهجوم ووقفت دون مقاومة، الأمر الذي بث الثقة في رجال الأسطول البريطاني، وأيقنوا بضعف القوات العثمانية وعجزها عن التصدي لهم، وتهيئوا لاستكمال حملتهم البحرية. وبعد مضي شهرين أو أكثر من هذه العملية توجهت قطع عظيمة من الأسطول البريطاني إلى الدردنيل، وهي لا تشك لحظة في سهولة مهمتها، واستأنفت ضرب الاستحكامات العسكرية الأمامية مرة أخرى، ثم اقتحم الأسطول البريطاني المضيق لكنه اصطدم بحقل خفي من الألغام في مياه الدردنيل، وأصيب بأضرار بالغة بسبب ذلك، وكان لهذا الإخفاق دوي هائل وصدى واسع في جميع أنحاء العالم، ولم تحاول بريطانيا اقتحام الدردنيل بحريا مرة ثانية. فعززت بريطانيا الهجوم البحري على الدردنيل بهجوم بري، على أن يكون دور القوات البرية هو الدور الأساسي، في حين يقتصر دور القوات البحرية على إمداد القوات البرية بما تحتاج إليه من أسلحة وذخائر ومواد تموينية، ومساعدتها على النزول إلى البر، وحماية المواقع البرية التي تنزل بها. لكن القوات العثمانية نجحت في صد المهاجمين، واسترداد ما تحت أيديهم وتكبيلهم خسائر فادحة. وانتهت الحرب العالمية الأولى دون أن تنجح القوات البريطانية والفرنسية أو غيرهما في اقتحام المضايق.

هدنة مدروز واستسلام الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

هدنة مدروز واستسلام الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى.
1337 محرم - 1918 م
تدهورت الأوضاع العسكرية للدولة العثمانية أثناء الحرب العالمية الأولى، وسيطر البريطانيون على العراق والشام، واحتل الفرنسيون شمالي بلاد الشام، وسيطر الحلفاء على استانبول والمضايق التركية، ولما رأى قادة "الاتحاد والترقي" هذه الهزائم قدّم طلعت باشا رئيس الوزراء استقالة وزارته؛ فتألفت وزارة جديدة برئاسة أحمد عزت باشا، وذهب كلٌّ من طلعت باشا وأنور باشا وغيرهما إلى ألمانيا. وأرسلت الحكومة الجديدة وفدا وزاريا إلى مدينة مدروز في بحر إيجه بين اليونان وتركيا لمفاوضة الإنجليز على شروط الهدنة، وأرجأ الإنجليز الاجتماع النهائي لمدة أسبوعين حتى تتمكن قواتهم من احتلال الموصل وحلب. وعقدت هدنة مدروز في (25 من محرم 1337هـ= 31 من أكتوبر 1918م)، ونصت على استسلام الدولة العثمانية دون قيد أو شرط، وهو ما لم يحدث بالنسبة لألمانيا، وبدأت القوات العثمانية في إلقاء سلاحها، وبدأت عمليات الاحتلال طبقا للاتفاقيات، ووقعت الأستانة تحت الاحتلال المشترك للحلفاء تحت قيادة الأميرال البريطاني "كالثورب". واستيقظ المسلمون على هذا الكابوس المزعج، وهو سقوط دولة الخلافة واحتلالها، وزاد من كآبة هذه الفاجعة سعي الأقليات الدينية لخدمة مصالحها، خاصة الأرمن واليونانيين، وجرت مذابح ضد المسلمين، وظهرت روح بغيضة من التشفي ضد المسلمين؛ فالجنرال اللنبي قال حين دخل القدس: "الآن انتهت الحروب الصليبية"، أما اليونان فقدموا للقائد الفرنسي فرنشية دسيراي الذي دخلت قواته الأستانة جوادا أبيض ليقلد محمدًا الفاتح عند دخول القسطنطينية. وبعد هدنة مدروز وصل الجنرال اللنبي القائد الإنجليزي إلى استانبول، وطلب من الحكومة التركية تعيين مصطفى كمال قائدا للجيش السادس بالقرب من الموصل.

دخول قوات التحالف عاصمة الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

دخول قوات التحالف عاصمة الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى.
1338 جمادى الآخرة - 1920 م
في 26 جمادى الآخرة من هذا العام احتل الحلفاء استانبول بالكامل، وكانت القوات الإنجليزية فقط هي التي احتلتها، وأظهر الإنجليز عداء ظاهريا لمصطفى كمال حتى يصنعوا منه بطلا؛ فبعد سقوط الحكومة التي شكلت في ظل الاحتلال جرت انتخابات ونجح مصطفى عن أنقرة؛ فجمع النواب فيها، وشكل حكومة برئاسته، وأظهر التدين والتمسك بالإسلام.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت