|
ثبا: الثُّبَةُ: العُصْبَة من الفُرسان، والجمع ثُباتٌ وثُبونَ وثِبُونَ، على حدّ ما يطّرد في هذا النوع، وتصغيرها ثُبَيَّة. والثُّبَةُ والأُثْبِيَّة: الجماعة من الناس، وأَصلها ثُبَيٌ، والجمع أَثابيّ وأَثَابِيَةٌ، الهاء فيها بدل من الياء الأَخيرة؛ قال حُمَيد الأَرقط: كأَنه يومَ الرِّهان ا لمُحْتَضَرْ، وقد بدا أَوَّلُ شَخْصٍ يُنْتَظَرْ دون أَثابيَّ من الخيل زُمَرْ، ضَارٍ غَدا يَنْفُضُ صِئْبان المَدَرْ (* قوله «صئبان المدر» هكذا في الأصل، والذي في الاساس: صئبان المطر). أَي بازٍ ضارٍ. قال ابن بري: وشاهد الثُّبة الجماعة قول زهير: وقد أَغْدُو على ثُبَةٍ كِرامٍ نَشاوى، وَاجِدِينَ لِما نَشَاءُ قال ابن جني: الذاهب من ثُبَة واو، واستدل على ذلك بأَن أَكثر ما حذفت لامه إِنما هو من الواو نحو أَب وأَخ وسَنَة وعِضَة، فهذا أَكثر مما حذفت لامه ياء، وقد تكون ياء على ما ذكر (* قوله: فهذا أكثر إلخ؛ هكذا في الأصل). قال ابن بري: الاختيار عند المحققين أَن ثُبَة من الواو، وأَصلها ثُبْوة حملاً على أَخواتها لأَن أَكثر هذه الأَسماء الثنائية أَن تكون لامها واواً نحو عِزَة وعِضَة، ولقولهم ثَبَوْت له خيراً بعد خير أَو شرّاً إِذا وجهته إِليه، كما تقول جاءت الخيل ثُبَاتٍ أَي قطعة بعد قطعة. وثَبَّيْت الجيشَ إِذا جعلته ثُبَة ثُبَة، وليس في ثَبَّيْت دليل أَكثر من أَن لامه حرف علة. قال: وأَثابيُّ ليس جمع ثُبَة، وإِنما هو جمع أُثْبِيَّة، وأُثبيَّة في معنى ثُبَة؛ حكاها ابن جني في المصنف. وثَبَّيت الشيء: جمعته ثُبَة ثُبَة؛ قال: هل يَصْلُح السيفُ بغير غِمْدِ؟ فَثَبِّ ما سَلَّفتَه من شُكْدِ أَي فأَضف إِليه غيره واجمعه. وثُبَة الحوض: وسطه، يجوز أَن يكون من ثَبَّيت أَي جمعت، وذلك أَن الماء إِنما تجمعه من الحوض في وسطه، وجعلها أَبو إِسحق من ثاب الماء يَثُوب، واستدل على ذلك بقولهم في تصغيرها ثُوَيْبَة. قال الجوهري: والثُّبَة وسط الحوض الذي يَثُوب إِليه الماء، والهاء ههنا عوض من الواو الذاهبة من وسطه لأَن أَصله ثُوَب، كما قالوا أَقام إِقامة وأَصله إِقواماً، فعوِّضوا الهاء من الواو الذاهبة من عين الفعل؛ وقوله: كَمْ ليَ من ذي تُدْرَإِ مِذَبِّ، أَشْوَسَ، أَبَّاءٍ على المُثَبِّي أَراد الذي يَعْذُله ويكثر لومه ويجمع له العَذْل من هنا وهنا. وثَبَّيت الرجل: مدحته وأَثْنَيْت عليه في حياته إِذا مدحته دفعة بعد دفعة. والثَّبيُّ: الكثير (* قوله «والثبي الكثير إلخ» كذا بالأصل، وذكره شارح القاموس فيما استدركه، فقال: والتبي كغني الكثير إلخ ولكن لم نجد ما يؤيده في المواد التي بأيدينا). المدح للناس، وهو من ذلك لأَنه جَمْع لمحاسنه وحَشْد لمناقبه. والتَّثْبيَة: الثناء على الرجل في حياته؛ قال لبيد:يُثَبِّي ثَناءً من كريمٍ، وقَوْلُه: أَلا انْعم على حُسنِ التَّحِيّة واشْرَبِ والتَّثْبية: الدوام على الشيء. وثَبَّيْت على الشيء تَثْبِيَةً أَي دُمْت عليه. والتَّثْبية: أَن تفعل مثل فعل أَبيك ولزومُ طريقة؛ أَنشد ابن الأَعرابي قول لبيد: أُثَبَّي في البلاد بِذِكْرِ قَيْسٍ، وَوَدُّوا لَوْ تَسُوخُ بنا البلادُ قال ابن سيده: ولا أَدري ما وجه ذلك، قال: وعندي أَن أُثَبِّي ههنا أُثْني. وثَبَّيت المال: حفظته؛ عن كراع؛ وقول الزِّمَّاني أَنشده ابن الأَعرابي: تَرَكْتُ الخيلَ من آثا ر رُمْحِي في الثُّبَى العالي تَفادَى، كتفَادِي الوَحْـ ـشِ مِنْ أَغْضَفَ رِئْبالِ قال: الثُّبَى العالي من مجالس الأَشراف، وهذا غريب نادر لم أَسمعه إِلاَّ في شعر الفِنْد. قال ابن سيده: وقضينا على ما لم تظهر فيه الياء من هذا الباب بالياء لأَنها لام، وجعل ابن جني هذا الباب كله من الواو، واحتج بأَن ما ذهب لامه إِنما هو من الواو نحو أَب وغَدٍ وأَخٍ وهَنٍ في الواو، وقال في موضع آخر: التَّثْبية إِصلاح الشيء والزيادة عليه؛ وقال الجعدي: يُثَبُّون أَرْحاماً وما يَجْفِلُونها، وأَخْلاقَ وُدٍّ ذَهَّبَتْها المَذاهِبُ (* قوله «ذهبتها المذاهب» كذا في الأصل، والذي في التكملة: ذهبته الذواهب). قال: يُثَبُّون يُعَظِّمون يجعلونها ثُبَةً. يقال: ثَبِّ معروفَك أَي أَتِمَّه وزد عليه. وقال غيره: أَنا أَعرفه تَثْبيَةً أَي أََعرفه معرفة أُعْجمها ولا أَستيقنها.
|
|
[ثبا]الاصمعي: ثبيت على الشئ تثبية، أي دمت عليه.قال أبو عمرو: التَثْبيَةُ: الثناء على الرجل في حياته. وأنشدا جميعاً بيتَ لبيد: يُثَبِّي ثَناءً من كريمٍ وقولُهُ * ألاَ انْعَمْ على حُسْنِ التحيةِ واشْرَبِ والثُبَةُ: الجماعةُ: وأصلها ثُبَيٌ، والجمع ثُباتٍ وثُبونَ وثِبونَ وأثابيُّ. قال الراجز :
دُونَ أَثابِيَّ من الخيل زُمَرْ * والثُبَةُ أيضاً: وسط الحوض الذي يَثوب إليه الماء، والهاء ها هنا عوض من الواو الذاهبة من وسطه لان أصله ثوب، كما قالوا أقام إقامة وأصله إقواما، فعوضوا الهاء من الواو الذاهبة من عين الفعل.(*) |
المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
المحيط في اللغة للصاحب بن عباد
|
القُعْثُبَانُ دُوَيْبَّةٌ شَبْهُ الخُنْفَسَاءِ تكونُ على النَّبات. القَعْثَبُ الكَبيرُ.
|
|
الإثبات:[في الانكليزية] Confirmation [ في الفرنسية] Confirmation عند القرّاء ضدّ الحذف كما في شرح الشاطبي وعند الصوفية ضدّ المحو كما سيجيء.
|
|
قال تعالى: فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً[النساء/ 71] ، هي جمع ثُبَة، أي: جماعة منفردة. قال الشاعر:وقد أغدو على ثبة كرامومنه: ثَبَّيْتُ على فلان ، أي: ذكرت متفرّق محاسنه. ويصغر ثُبَيَّة، ويجمع على ثُبَاتٍ وثُبِين، والمحذوف منه اللام، وأمّا ثُبَة الحوض فوسطه الذي يثوب إليه الماء، والمحذوف منه عينه لا لامه .
|
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
الثِّباج:
بكسر أوله، والجيم، والتخفيف: جبل باليمن. |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
الثبَّاجُ:
بالفتح والتشديد: موضع ذكر في الشعر، والثَّبَجُ من كلِّ شيء وسطه. |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
ثِبَارُ:بالكسر، وآخره راء: موضع على ستة أميال من خيبر، هناك قتل عبد الله بن أنيس أسير بن رزام اليهودي، ذكره الواقدي بطوله، وقد روي بالفتح، وليس بشيء، فأما الثّبار، بالكسر، فهو جمع ثبرة، وهي الأرض السهلة، يقال: بلغت النخلة من آل ثبرة والثّبرة أيضا: حفرة من الأرض.
|
القاموس المحيط للفيروزآبادي
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْإِثْبَات: هُوَ بِأَن تَقول إِن هَذَا ذَاك بِخِلَاف النَّفْي.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
تَخْصِيص الْإِثْبَات وَتَخْصِيص الثُّبُوت: الأول: هُوَ التَّخْصِيص بِالذكر كَمَا فِي زيد قَائِم فَإِن الْمَحْمُول فِيهِ أَعنِي الْقيام صَالح للموضوعات غير مَخْصُوص بِوَاحِد معِين مِنْهَا وَغير منحصر فِيهِ ثمَّ إِذا خصصت زيدا من بَينهَا بوضوعية الْقيام وَجعلت قَائِما مَحْمُولا لَهُ لإِفَادَة ثُبُوت الْقيام بِهِ من غير نفي الْقيام عَن غَيره فقد خصصت زيدا بِالذكر. وَالثَّانِي: هُوَ تَخْصِيص أَمر بِشَيْء بِأَن ذَلِك الْأَمر ثَابت لذَلِك الشَّيْء وَلَا يُوجد فِي غَيره كَقَوْلِك أَنا قلت وَأَنا سعيت لَا غَيْرِي يَعْنِي أَن كلا من القَوْل وَالسَّعْي مَخْصُوص بِي وَلَا يُوجد فِي غَيْرِي.
|
|
الإثبات: ضد الإزالة ثم تارة يقال بالفعل فيقال لما يخرج من العدم نحو أثبت الله كذا، وتارة لما ثبت بالحكم فيقال أثبت الحاكم كذا، وتارة لما يكون بالقول سواء كان صدقا أم كذبا فيقال أثبت التوحيد وصدق النبوة وفلان أثبت مع الله إلها آخر. الإثبات عند الصوفية إقامة أوصاف العبادة.
|
|
ثُبَاتالجذر: ث ب ت
مثال: وَجَدتُه في ثُبَات عميقالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لأن هذه الكلمة بالثاء لا تؤدي المعنى المراد هنا. المعنى: نَوْم الصواب والرتبة: وجدتُه في سُبَاتٍ عميق [فصيحة] التعليق: الوارد في المعاجم «السُّبات: النوم» بالسين لا بالثاء. وفي القرآن الكريم: {{وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا}} النبأ/9. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
إِثْبَات ياء المنقوص دائمًاالأمثلة: 1 - أَنْت محامي ولست قاضيًا 2 - الوقوف موازي للرصيف 3 - ستُقَدَّم أَغَانِي جديدة 4 - هَذَا القرار لاغيالرأي: مرفوضةالسبب: لثبوت الياء في الاسم المنقوص في حالة الرفع.
الصواب والرتبة: 1 - أنت محامٍ ولست قاضيًا [فصيحة]-أنت محامي ولست قاضيًا [صحيحة] 2 - الوقوف موازٍ للرصيف [فصيحة]-الوقوف موازِي للرصيف [صحيحة] 3 - سَتُقَدَّم أغانٍ جديدة [فصيحة]-سَتُقَدَّم أغانِي جديدة [صحيحة] 4 - هذا القرار لاغٍ [فصيحة]-هذا القرار لاغي [صحيحة] التعليق: الاسم المنقوص إذا لم يكن معرفًا بأل أو مضافًا تحذف ياؤه في حالتي الرفع والجر وتثبت في حالة النصب، ويمكن تصحيح الاستعمال المرفوض اعتمادًا على ورود نظائر له في القراءات القرآنية، كقراءة: {{وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادي}} الرعد/7، وقراءة: {{وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالي}} الرعد/11، وقراءة: {{وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقي}} الرعد/34، وغير ذلك، وقد اتخذ مجمع اللغة المصري- في دورته الرابعة والخمسين- قرارًا بصحة إثبات ياء المنقوص النكرة في حالتي الرفع والجر عند الحاجة. |
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
الإثْبات:بالكسر هو الحكمُ بثبوت لآخر وضده النفي. وعند الميزانيين: هو الإيجاب وضدُّه السلبُ، وبالفتح ثقاتُ القوم والمفرد ثَبَت محركة وهو مجاز على حدّ قولهم: فلانٌ حجةٌ إذا كان ثقةً.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
إثبات عذاب القبر
لأبي بكر: أحمد بن الحسين البيهقي. المتوفى: سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
إثبات العلل للشريعة
لأبي عبد الله: محمد بن علي الحكيم الترمذي. المتولد: سنة 255، خمس وخمسين ومائتين. وقيل غير ذلك. المتوفى: سنة 320 تقريبا. ذكر التاج السبكي: أنه لما صنف هذا الكتاب، و(كتاب ختم الولاية)، أخرجوه من ترمذ، وشهدوا عليه بما لا ينبغي ذكره في مثله. ولا شك أنه مقتضى التعصب القديم بين الفريقين. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
إثبات المحصل، في أبيات المفصل
يأتي في: الميم. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
إثبات الواجب
رسالة. يأتي في: الراء، مع شروحها. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
إنبات الشذر، في إثبات القدر
لزين الدين: سريجا بن محمد الملطي، ثم المارديني. المتوفى: سنة ثمان وثمانين وسبعمائة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
الثبات، عند الممات
للشيخ، أبي الفرج: عبد الرحمن بن علي بن الجو زي. المتوفى: سنة 597، سبع وتسعين وخمسمائة. مختصر. أوله: (الحمد لله، الذي أحسن إلى من وهب له 000 الخ). رتب على خمسة أبواب. |
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
الإثْبَاتُ: إِقَامَة أَحْكَام الْعِبَادَة.
|
المخصص
|
ابْن السّكيت فارسٌ بَيَّنُ الفَراسَةِ والفُرُوسَةِ فَأَما الفِراسةُ من النظَر فبالكسر لَا غير قَالَ الْفَارِسِي الإسْوار فارسيّ مُعَرَّب مَعْنَاهُ عالي الفَرسِ أَو جَيِّدُ الثَّباتِ على ظهر الْفرس قَالَ أَبُو إِسْحَاق هُوَ الجَيِّدُ الرَّمْيِ بالسَّهَام وَالْأول هُوَ الصَّحِيح عِنْد الْفَارِسِي أَبُو عُبَيْدَة الهِبْزِرِيُّ الإِسْوَارُ
|
المخصص
|
أَبُو عبيد الرصف واحدتها رصفة وَهِي - صفا يتَّصل بَعْضهَا بِبَعْض ابْن دُرَيْد وَهِي - الرصاف وكل مَا طويته فقد رصفته وَأنْشد: ابْن السّكيت: من رصفٍ نَازع سيلاً رصفا أَبُو عبيد الرواهص - الصخور المتراصفة الثَّابِتَة الملتزقة الْأَصْمَعِي الْهلَال - الْحِجَارَة المرصوف
بَعْضهَا إِلَى بعض والهلال أَيْضا - نصف الرَّحَى وَقد تقدم أَنه الْحَيَّة صَاحب الْعين أدهقت الْحِجَارَة - اشْتَدَّ تلازبها وَدخل بَعْضهَا فِي بعض مَعَ كَثْرَة وَقَالَ صَخْرَة جامسة - لزمة لمكانها مقشعرة والجثوة والجثوة والجثوة - حِجَارَة وتراب مُجْتَمع كالقبر وَبِه سمي الْقَبْر جثوَة وَقيل الجثوة - الربوة الصَّغِيرَة والمفاصل الْحِجَارَة المتراصفة وَقد تقدم أَنَّهَا مَا بَين الجبلين |
|
في الفرنسية/ Perseverance
في الانكليزية/ Perseverance في اللاتينية/ Perseverantia ثبت في المكان: أقام واستقر، وثبت الأمر صحّ، وثبت صار ذا حزم ورصانة. والثبات هو التصميم، والصمود، والإصرار. وهو في علم النفس صفة الرجل الذي يداوم على الفعل ويواظب عليه بصبر وحزم وتجلّد، وهو كما قال (مسكويه) فضيلة للنفس تقوى بها على احتمال الآلام ومقاومتها (تهذيب الأخلاق، ص 21) أو كما قال (بيرون) في معجمه النفسي: قدرة النفس على الاحتفاظ بالنشاط الارادي الذي يتطلبه العمل الطويل. والثبات غير الثبوت، لأن الثبوت ( Perseveration) عند علماء النفس والفيزيولوجيا هو البقاء في احد المواقف المادية، أو المعنوية، مدة تجاوز الحد السويّ، أو هو بقاء التأثير في النفس بعد ارتفاع التنبيه. والفرق بين الثبوت والثبات، ان الثبوت يتميز بالجمود والسكون، على حين ان الثبات يتميز بالنشاط والديناميكية. والثبوتي مرادف للوجودي، ويطلق على الموجود الخارجي. وثبات النفس هو القدرة على الصبر. والثبوتية ( Fixisme) هي القول ان اشكال الانواع الحيوانية ثابتة على الدهر، وهي مضادة لمذهب التحول أو التبدل والتطور. |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الإِْثْبَاتُ لُغَةً مَصْدَرُ أَثْبَتَ، بِمَعْنَى اعْتَبَرَ الشَّيْءَ دَائِمًا مُسْتَقِرًّا أَوْ صَحِيحًا (1) وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الإِْثْبَاتَ إِقَامَةُ الدَّلِيل الشَّرْعِيِّ أَمَامَ الْقَاضِي فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ عَلَى حَقٍّ أَوْ وَاقِعَةٍ مِنَ الْوَقَائِعِ. الْقَصْدُ مِنَ الإِْثْبَاتِ: 2 - الْمَقْصُودُ مِنَ الإِْثْبَاتِ وُصُول الْمُدَّعِي إِلَى حَقِّهِ أَوْ مَنْعُ التَّعَرُّضِ لَهُ، فَإِذَا أَثْبَتَ دَعْوَاهُ لَدَى الْقَاضِي بِوَجْهِهَا الشَّرْعِيِّ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَانِعٌ حَقَّهُ، أَوْ مُتَعَرِّضٌ لَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، يَمْنَعُهُ الْقَاضِي عَنْ تَمَرُّدِهِ فِي مَنْعِ الْحَقِّ، وَيُوَصِّلُهُ إِلَى مُدَّعِيهِ. (2) مَنْ يُكَلَّفُ الإِْثْبَاتَ: 3 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ فِي أَنَّ الإِْثْبَاتَ يُطْلَبُ مِنَ الْمُدَّعِي، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ. (3) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَأَحْمَدَ لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ __________ (1) لسان العرب والمصباح (ثبت) (2) مجلة الأحكام العدلية المادة (1785) . (3) حديث: " البينة على المدعي. . .) ، جزء من حديث رواه البيهقي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وأصله في الصحيحين بلفظ " اليمين على المدعى عليه " (الدراية في تخريج أحاديث الهداية 2 / 175 مطبعة الفجالة الجديدة) وانظر (نصب الراية 4 / 95 - 96 ط الأولى دار المأمون) . بِدَعْوَاهُمْ لاَدَّعَى أُنَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي. (1) وَلأَِنَّ الْمُدَّعِيَ يَدَّعِي أَمْرًا خَفِيًّا، فَيَحْتَاجُ إِلَى إِظْهَارٍ، وَلِلْبَيِّنَةِ قُوَّةُ إِظْهَارٍ؛ لأَِنَّهَا كَلاَمُ مَنْ لَيْسَ بِخَصْمٍ، وَهُمُ الشُّهُودُ، فَجُعِلَتْ حُجَّةً لِلْمُدَّعِي. وَالْيَمِينُ وَإِنْ كَانَتْ مُؤَكَّدَةً بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، لَكِنَّهَا كَلاَمُ الْخَصْمِ، فَلاَ تَصْلُحُ حُجَّةً مُظْهِرَةً لِلْحَقِّ، وَتَصْلُحُ حُجَّةً لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالظَّاهِرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْيَدِ، فَحَاجَتُهُ إِلَى اسْتِمْرَارِ حُكْمِ الظَّاهِرِ. وَالْيَمِينُ وَإِنْ كَانَتْ كَلاَمًا فَهِيَ كَافِيَةٌ لِلاِسْتِمْرَارِ. فَكَانَ جَعْل الْبَيِّنَةِ حُجَّةَ الْمُدَّعِي، وَجَعْل الْيَمِينِ حُجَّةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَضْعَ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ، وَهُوَ غَايَةُ الْحِكْمَةِ. وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي (الأَْصْل) : الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الْمُنْكِرُ، وَالآْخَرُ هُوَ الْمُدَّعِي، غَيْرَ أَنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَهُمَا يَحْتَاجُ إِلَى فِقْهٍ وَدِقَّةٍ، إِذْ الْعِبْرَةُ لِلْمَعْنَى دُونَ الصُّورَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُوجَدُ الْكَلاَمُ مِنْ شَخْصٍ فِي صُورَةِ الْمُدَّعِي، وَهُوَ إِنْكَارٌ فِي الْمَعْنَى، كَالْوَدِيعِ إِذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ، فَإِنَّهُ مُدَّعٍ لِلرَّدِّ صُورَةً، وَهُوَ مُنْكِرٌ لِوُجُوبِ الرَّدِّ مَعْنًى. وَالْقَاعِدَةُ الْمَذْكُورَةُ إِنَّمَا هِيَ فِي الْمُتَخَاصِمَيْنِ يَكُونُ أَحَدُهُمَا مُدَّعِيًا مَعْنًى وَحَقِيقَةً. فَالْحُكْمُ فِيهَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ __________ (1) حديث: " لو أعطي الناس بدعواهم. . . " أخرجه البيهقي في سننه عن ابن عباس بلفظ " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر " والحديث في الصحيحين بلفظ " لكن اليمين على المدعى عليه " أخرجاه عن ابن أبي مليك عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. (1) هَل يَتَوَقَّفُ الْقَضَاءُ بِالإِْثْبَاتِ عَلَى الطَّلَبِ؟ 4 - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْحُكْمِ وَاعْتِبَارِهِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، الدَّعْوَى الصَّحِيحَةُ، وَأَنَّهُ لاَ بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنَ الْخُصُومَةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَإِذَا صَحَّتِ الدَّعْوَى سَأَل الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهَا. فَإِنْ أَقَرَّ فَبِهَا، وَإِنْ أَنْكَرَ فَبَرْهَنَ الْمُدَّعِي، قُضِيَ عَلَيْهِ بِلاَ طَلَبِ الْمُدَّعِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ مُقْتَضَى الْحَال يَدُل عَلَى إِرَادَتِهِ ذَلِكَ. وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلاَّ بِطَلَبِ الْمُدَّعِي؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَقٌّ لِلْمُدَّعِي، فَلاَ يَسْتَوْفِيهِ إِلاَّ بِطَلَبِهِ. (2) طُرُقُ إِثْبَاتِ الدَّعْوَى: 5 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْقْرَارَ وَالشَّهَادَةَ وَالْيَمِينَ وَالنُّكُول وَالْقَسَامَةَ - عَلَى تَفْصِيلٍ فِي الْكَيْفِيَّةِ أَوِ الأَْثَرِ - حُجَجٌ شَرْعِيَّةٌ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا الْقَاضِي فِي قَضَائِهِ، وَيُعَوِّل عَلَيْهَا فِي حُكْمِهِ. (3) __________ (1) الاختيار للموصلي 2 / 109، ومغني المحتاج، 4 / 461، والمغني مع الشرح الكبير 11 / 451 وحاشية الدسوقي 4 / 146. (2) شرح الدر 4 / 423، وتبصرة الحكام 1 / 39 و85 ط الحلبي الأخيرة، والشرح الكبير 4 / 148 ط الحلبي، والمغني 11 / 450، 451، والشرح الكبير 4 / 422، والبجيرمي 4 / 334، 347. (3) بداية المجتهد 2 / 501، وحاشية ابن عابدين 4 / 462، 653، ونهاية المحتاج 8 / 314، والروض الندي 521 وما بعدها، ط السلفية. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ طُرُقِ الإِْثْبَاتِ الآْتِيَةِ، فَذَهَبَ الأَْئِمَّةُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ إِلَى أَنَّهُ يَقْضِي بِالشَّاهِدِ مَعَ الْيَمِينِ فِي الأَْمْوَال أَوْ مَا يَئُول إِلَيْهَا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَيْضًا أَبُو ثَوْرٍ وَالْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ الْمَدَنِيُّونَ. وَذَهَبَ الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَجُمْهُورُ أَهْل الْعِرَاقِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَقْضِي بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي شَيْءٍ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ اللَّيْثُ مِنْ أَصْحَابِ الإِْمَامِ مَالِكٍ (1) . وَزَادَ ابْنُ الْغَرْسِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ الْقَرِينَةَ الْوَاضِحَةَ. وَقَال الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ الْحَنَفِيُّ: لاَ شَكَّ أَنَّ مَا زَادَهُ ابْنُ الْغَرْسِ غَرِيبٌ خَارِجٌ عَنِ الْجَادَّةِ. فَلاَ يَنْبَغِي التَّعْوِيل عَلَيْهِ مَا لَمْ يُعَضِّدْهُ النَّقْل. (2) وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ لَمْ يَحْصُرِ الطُّرُقَ فِي أَنْوَاعٍ مُعَيَّنَةٍ، بَل قَال: إِنَّ كُل مَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ وَيُظْهِرُهُ يَكُونُ دَلِيلاً يَقْضِي بِهِ الْقَاضِي وَيَبْنِي عَلَيْهِ حُكْمَهُ. وَهَذَا مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ، وَتَبِعَهُ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ كَابْنِ فَرْحُونَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. فَقَدْ جَاءَ فِي الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ: " وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ فِي الشَّرْعِ اسْمٌ لِمَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ وَيُظْهِرُهُ، وَهِيَ تَارَةً تَكُونُ أَرْبَعَةَ شُهُودٍ، وَتَارَةً ثَلاَثَةً، بِالنَّصِّ فِي بَيِّنَةِ الْمُفْلِسِ، وَتَارَةً تَكُونُ شَاهِدَيْنِ، وَشَاهِدًا وَاحِدًا وَامْرَأَةً وَاحِدَةً وَنُكُولاً، وَيَمِينًا، أَوْ خَمْسِينَ يَمِينًا، أَوْ أَرْبَعَةَ أَيْمَانٍ. وَتَكُونُ شَاهِدَ الْحَال فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ. فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي (3) أَيْ عَلَيْهِ أَنْ يُظْهِرَ مَا يُبَيِّنُ صِحَّةَ دَعْوَاهُ. __________ (1) بداية المجتهد 2 / 507 مكتبة الكليات الأزهرية. (2) البحر 7 / 224 ط العلمية. (3) حديث: " البينة على المدعي " سبق تخريجه ص 232 ح 3 فَإِذَا ظَهَرَ صِدْقُهُ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ حُكِمَ لَهُ. (1) وَسَيَأْتِي الْكَلاَمُ فِي كُل الطُّرُقِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا الْفُقَهَاءُ لِلْحُكْمِ سَوَاءٌ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَوِ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ. الإِْقْرَارُ: 6 - الإِْقْرَارُ لُغَةً هُوَ الاِعْتِرَافُ. يُقَال: أَقَرَّ بِالْحَقِّ: إِذَا اعْتَرَفَ بِهِ، وَقَرَّرَهُ غَيْرُهُ بِالْحَقِّ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ. (2) وَشَرْعًا: إِخْبَارٌ عَنْ ثُبُوتِ حَقٍّ لِلْغَيْرِ عَلَى نَفْسِهِ (3) . حُجِّيَّةُ الإِْقْرَارِ: 7 - الإِْقْرَارُ حُجَّةٌ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ وَالْمَعْقُول: فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَال أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} (4) وقَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} (5) . إِذِ الشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْسِ إِقْرَارٌ عَلَيْهَا بِالْحَقِّ. __________ (1) الطرق الحكمية 24 ط الآداب والمؤيد، وتبصرة الحكام 2 / 111 بهامش فتح العلي المالك ط الحلبي الأخيرة. (2) مختار الصحاح (قرر) . (3) فتح القدير 6 / 280، والشرح الصغير 3 / 525 ط دار المعارف، والبجيرمي 3 / 119، وكشاف القناع 6 / 367. (4) سورة آل عمران / 81 (5) سورة النساء / 135. وَمِنَ السُّنَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ (1) بِنَاءً عَلَى إِقْرَارِهِمَا بِالزِّنَا. وَقَدْ أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ مِنْ عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الآْنَ عَلَى أَنَّ الإِْقْرَارَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُقِرِّ، يُؤْخَذُ بِهِ وَيُعَامَل بِمُقْتَضَاهُ. وَدَلِيلُهُ مِنْ الْمَعْقُول: انْتِفَاءُ التُّهْمَةِ، فَإِنَّ الْعَاقِل لاَ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ كَذِبًا. (2) مَرْتَبَةُ الإِْقْرَارِ بَيْنَ طُرُقِ الإِْثْبَاتِ. 8 - الْفُقَهَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الإِْقْرَارَ أَقْوَى الأَْدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، لاِنْتِفَاءِ التُّهْمَةِ فِيهِ غَالِبًا. فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الإِْقْرَارَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ فَوْقَ الشَّهَادَةِ، بِنَاءً عَلَى انْتِفَاءِ التُّهْمَةِ فِيهِ غَالِبًا، وَلاَ يُنَافِي ذَلِكَ أَنَّهُ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ عَلَى الْمُقِرِّ وَحْدَهُ، فِي حِينِ أَنَّ الشَّهَادَةَ حُجَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ؛ لأَِنَّ الْقُوَّةَ وَالضَّعْفَ وَرَاءَ التَّعَدِّيَةِ وَالاِقْتِصَارِ. فَاتِّصَافُ الإِْقْرَارِ بِالاِقْتِصَارِ عَلَى نَفْسِ الْمُقِرِّ، وَالشَّهَادَةِ بِالتَّعَدِّيَةِ إِلَى الْغَيْرِ، لاَ يُنَافِي اتِّصَافَهُ بِالْقُوَّةِ وَاتِّصَافَهَا بِالضَّعْفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، بِنَاءً عَلَى انْتِفَاءِ التُّهْمَةِ فِيهِ دُونَهَا. (3) وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الإِْقْرَارَ أَبْلَغُ مِنَ الشَّهَادَةِ. قَال أَشْهَبُ: " قَوْل كُل أَحَدٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْجَبُ مِنْ دَعْوَاهُ عَلَى غَيْرِهِ. " (4) __________ (1) حديث ماعز رواه البخاري وغيره وحديث الغامدية رواه مسلم (تلخيص الحبير 4 / 57، 58) طبع الفنية المتحدة. (2) تكملة فتح القدير 7 / 299 ط الميمنية، والرهوني على الزرقاني 6 / 141، والبجيرمي على الخطيب 3 / 119، وحاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 427، والمغني مع الشرح 5 / 271، وكشاف القناع 6 / 367 (3) تكملة فتح القدير 7 / 299. (4) تبصرة الحكام 2 / 39 ط الحلبي. وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الإِْقْرَارَ أَوْلَى بِالْقَبُول مِنَ الشَّهَادَةِ. (1) وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا اعْتَرَفَ بِالْحَقِّ لاَ تُسْمَعُ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ، وَإِنَّمَا تُسْمَعُ إِذَا أَنْكَرَ. (2) بِمَ يَكُونُ الإِْقْرَارُ؟ 9 - يَكُونُ الإِْقْرَارُ بِاللَّفْظِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، كَالإِْشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ وَالسُّكُوتِ بِقَرِينَةٍ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَحْكَامِ الإِْقْرَارِ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَار) . الشَّهَادَةُ: 10 - مِنْ مَعَانِي الشَّهَادَةِ فِي اللُّغَةِ الْبَيَانُ وَالإِْظْهَارُ لِمَا يَعْلَمُهُ، وَأَنَّهَا خَبَرٌ قَاطِعٌ. (3) وَشَرْعًا: إِخْبَارٌ عَنْ ثُبُوتِ الْحَقِّ لِلْغَيْرِ عَلَى الْغَيْرِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ. وَقَدِ اخْتَلَفَتْ صِيَغُهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ تَبَعًا لِتَضَمُّنِهَا شُرُوطًا فِي قَبُولِهَا كَلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَمَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ (4) . __________ (1) شرح المنهج وحاشية الجمل 3 / 428. (2) المغني 5 / 271. (3) مختار الصحاح، ولسان العرب، والمصباح المنير. (4) تكملة فتح القدير 6 / 280 ط الأولى، والبحر 7 / 61، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 4 / 146، والبجيرمي على الخطيب 4 / 359، والجمل على شرح المنهج 5 / 377. وكشاف القناع 6 / 328 حُكْمُهَا: 11 - لِلشَّهَادَةِ حَالَتَانِ: حَالَةُ تَحَمُّلٍ، وَحَالَةُ أَدَاءٍ. فَأَمَّا التَّحَمُّل، وَهُوَ أَنْ يُدْعَى الشَّخْصُ لِيَشْهَدَ وَيَحْفَظَ الشَّهَادَةَ، فَإِنَّ ذَلِكَ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ. فَإِنْ تَعَيَّنَ بِحَيْثُ لاَ يُوجَدُ غَيْرُهُ كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ. وَأَمَّا الأَْدَاءُ، وَهُوَ أَنْ يُدْعَى الشَّخْصُ لِيَشْهَدَ بِمَا عَلِمَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} وقَوْله تَعَالَى {وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} (1) دَلِيل مَشْرُوعِيَّتِهَا: 12 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ جَمِيعًا عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ طُرُقِ الْقَضَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} (2) وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ. (3) وَقَدْ أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى أَنَّهَا حُجَّةٌ يُبْنَى عَلَيْهَا الْحُكْمُ. مَدَى حُجِّيَّتِهَا: 13 - الشَّهَادَةُ حُجَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ، أَيْ ثَابِتَةٌ فِي حَقِّ جَمِيعِ النَّاسِ غَيْرُ مُقْتَصِرَةٍ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ حُجَّةً بِنَفْسِهَا إِذْ لاَ تَكُونُ مُلْزِمَةً إِلاَّ إِذَا اتَّصَل بِهَا الْقَضَاءُ. وَتَفْصِيل أَحْكَامِ الشَّهَادَةِ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مَوْطِنِهِ فِي مُصْطَلَحِ (شَهَادَة) . __________ (1) سورة البقرة 282، 283، وتبصرة الحكام على هامش فتح العلي المالك 205، 206 ط الحلبي الأخيرة. (2) سورة البقرة / 282. (3) سبق تخريجه ص 232 ح 3. الْقَضَاءُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ: 14 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ: فَذَهَبَ الأَْئِمَّةُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ الْمَدَنِيُّونَ إِلَى أَنَّهُ يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الأَْمْوَال وَمَا يَئُول إِلَيْهَا دُونَ غَيْرِهَا. وَذَهَبَ الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَجُمْهُورُ أَهْل الْعِرَاقِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي شَيْءٍ. وَقَدِ اسْتَدَل الإِْمَامُ مَالِكٌ وَمَنْ مَعَهُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ. (1) 15 - وَالْقَائِلُونَ بِالْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ اخْتَلَفُوا فِي الْيَمِينِ مَعَ الْمَرْأَتَيْنِ: فَقَال الْمَالِكِيَّةُ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ الْمَرْأَتَيْنِ قَامَتَا مَقَامَ الْوَاحِدِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تُقْبَل الْيَمِينُ مَعَ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ؛ لأَِنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ إِنَّمَا اعْتُبِرَتْ فِيمَا لَوْ كَانَتْ شَهَادَتُهُمَا مَعَ شَهَادَةِ رَجُلٍ. وَفِي الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْحُدُودِ الَّتِي هِيَ حَقُّ النَّاسِ خَاصَّةً كَحَدِّ الْقَذْفِ قَوْلاَنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ (2) . __________ (1) حديث ابن عباس: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد مع اليمين " أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه بلفظ " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد " (نصب الراية 4 / 96) (2) بداية المجتهد لابن رشد 2 / 507 ط مكتبة الكليات الأزهرية، وتبصرة الحكام 1 / 268 ط الحلبي، ونهاية المحتاج 8 / 330 ط المكتبة الإسلامية، والمغني والشرح الكبير 12 / 10، 13 وَاسْتَدَل الْمَانِعُونَ مِنَ الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: فَأَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} وقَوْله تَعَالَى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} (1) فَقَبُول الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَالْيَمِينِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ، وَهُوَ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ بِمُتَوَاتِرٍ أَوْ مَشْهُورٍ. وَلَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لاَدَّعَى أُنَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ (2) وَمِنْ قَوْلِهِ لِمُدَّعٍ شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ (3) فَالْحَدِيثُ الأَْوَّل جَعَل جِنْسَ الْيَمِينِ عَلَى الْمُنْكِرِ. فَإِذَا قُبِلَتْ يَمِينٌ مِنَ الْمُدَّعِي، أَوْ وُجِّهَتْ إِلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ جَمِيعُ أَفْرَادِ الْيَمِينِ عَلَى الْمُنْكِرِينَ. وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الثَّانِي جَعَل جَمِيعَ أَفْرَادِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي، وَجَمِيعَ أَفْرَادِ الْيَمِينِ عَلَى الْمُنْكِرِ. وَتَضَمَّنَ مَعَ هَذَا قِسْمَةً وَتَوْزِيعًا. وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي اشْتِرَاكَ الْخَصْمَيْنِ فِيمَا وَقَعَتْ فِيهِ الْقِسْمَةُ. وَالْحَدِيثُ الثَّالِثُ خُيِّرَ الْمُدَّعِي بَيْنَ أَمْرَيْنِ لاَ ثَالِثَ لَهُمَا: إِمَّا بَيِّنَةٍ أَوْ يَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ يَمْنَعُ تَجَاوُزَهُمَا وَالْجَمْعَ بَيْنَهُمَا. (4) الْيَمِينُ: 16 - مِنْ مَعَانِي الْيَمِينِ فِي اللُّغَةِ الْقُوَّةُ وَالْقُدْرَةُ، ثُمَّ __________ (1) سورة الطلاق / 2. (2) الحديثان سبق تخريجهما. (3) رواه الشيخان من حديث ابن مسعود (فيض القدير 4 / 153) (4) البدائع للكاساني 8 / 3923 وما بعدها ط الإمام. أُطْلِقَتْ عَلَى الْجَارِحَةِ وَالْحَلِفِ. وَسُمِّيَ الْحَلِفُ بِاللَّهِ يَمِينًا لأَِنَّ بِهِ يَتَقَوَّى أَحَدُ طَرَفَيِ الْخُصُومَةِ (1) . وَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ مِنْ طُرُقِ الْقَضَاءِ، وَأَنَّهَا لاَ تُوَجَّهُ إِلاَّ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ، وَأَنَّهَا تَكُونُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا لاَ تَكُونُ إِلاَّ بِطَلَبٍ مِنَ الْخَصْمِ، إِلاَّ فِي مَسَائِل مُسْتَثْنَاةٍ، وَتَكُونُ عَلَى الْعِلْمِ، وَعَلَى الْبَتِّ، وَأَنَّهَا لاَ يَجْرِي فِيهَا الاِسْتِخْلاَفُ إِلاَّ فِيمَا اسْتُثْنِيَ، وَأَنَّهَا تَقْطَعُ الْخُصُومَةَ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَنَّ صِيغَتَهَا وَاحِدَةٌ فِي الْجُمْلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِ وَغَيْرِ الْمُسْلِمِ، وَأَنَّهَا تُوَجَّهُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ مِنَ الْقَاضِي وَالْمُحَكَّمِ. (2) 17 - وَمَوْضِعُ تَوْجِيهِ الْيَمِينِ هُوَ عِنْدَ إِنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْحَقَّ الْمُدَّعَى، وَعَدَمِ تَقْدِيمِ بَيِّنَةٍ. وَهُنَا تَفْصِيلٌ: فَالْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ يُرَتِّبُونَ طَلَبَ الْيَمِينِ عَلَى عَدَمِ وُجُودِ بَيِّنَةٍ حَاضِرَةٍ فِي الْمَجْلِسِ مَعْلُومَةٍ لَهُ. فَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً فَلَهُ طَلَبُ الْيَمِينِ. أَمَّا إِذَا قَال الْمُدَّعِي: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ فِي الْمِصْرِ، وَلَكِنْ أَطْلُبُ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - فِيمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُ - يَرَيَانِ أَنَّهُ لاَ حَقَّ لَهُ فِي طَلَبِ الْيَمِينِ لأَِنَّ الْيَمِينَ بَدَلٌ عَنِ الْبَيِّنَةِ. وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - فِيمَا رَوَاهُ الْخَصَّافُ عَنْهُ - إِلَى أَنَّ لِلْمُدَّعِي حَقَّ طَلَبِ الْيَمِينِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ حَقُّهُ فَإِذَا طَلَبَهُ يُجَابُ إِلَيْهِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلْمُدَّعِي حَقَّ طَلَبِ الْيَمِينِ وَلَوْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ؛ لأَِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ __________ (1) مختار الصحاح وغيره. (2) حاشية ابن عابدين 4 / 423 ط بولاق، والبدائع 8 / 3925، والشرح الصغير 4 / 210، 211، والبجيرمي 4 / 333، والكافي 3 / 484. تَقْدِيمِ الْبَيِّنَةِ أَوْ طَلَبِ الْيَمِينِ. كَمَا قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ قَال الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: لاَ أُقِرُّ وَلاَ أُنْكِرُ، لاَ يُسْتَحْلَفُ، بَل يُحْبَسُ لِيُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ. وَكَذَا لَوْ لَزِمَ السُّكُوتَ بِلاَ آفَةٍ، عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَنُقِل عَنِ الْبَدَائِعِ: الأَْشْبَهُ أَنَّهُ إِنْكَارٌ فَيُسْتَحْلَفُ. (1) وَتَوْجِيهُ الْيَمِينِ يَكُونُ مِنَ الْقَاضِي بِطَلَبِ الْمُدَّعِي. وَاسْتَثْنَى الإِْمَامُ أَبُو يُوسُفَ أَرْبَعَ مَسَائِل يُوَجِّهُ فِيهَا الْقَاضِي الْيَمِينَ بِلاَ طَلَبِ الْمُدَّعِي. أُولاَهَا: الرَّدُّ بِالْعَيْبِ، يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي بِاللَّهِ مَا رَضِيتُ بِالْعَيْبِ. وَالثَّانِيَةُ: الشَّفِيعُ: بِاللَّهِ مَا أَبْطَلْتُ شُفْعَتَكَ. وَثَالِثُهَا: الْمَرْأَةُ إِذَا طَلَبَتْ فَرْضَ النَّفَقَةِ عَلَى زَوْجِهَا الْغَائِبِ: بِاللَّهِ مَا خَلَّفَ لَكِ زَوْجُكِ شَيْئًا وَلاَ أَعْطَاكِ النَّفَقَةَ. وَرَابِعُهَا: يَحْلِفُ الْمُسْتَحِقُّ: بِاللَّهِ مَا بَايَعْتُ. 18 - وَفِي دَعْوَى الدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ: أَجْمَعَ أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ عَلَى تَحْلِيفِ الْمُدَّعِي مَعَ الْبَيِّنَةِ بِلاَ طَلَبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، بِأَنْ يَقُول لَهُ الْقَاضِي: بِاللَّهِ مَا اسْتَوْفَيْتَ مِنَ الْمَدْيُونِ، وَلاَ مِنْ أَحَدٍ أَدَّاهُ إِلَيْكَ عَنْهُ، وَلاَ قَبَضَهُ لَهُ قَابِضٌ بِأَمْرِكَ، وَلاَ أَبْرَأْتَهُ مِنْهُ، وَلاَ شَيْئًا مِنْهُ، وَلاَ أَحَلْتَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَحَدًا، وَلاَ عِنْدَكَ مِنْهُ وَلاَ بِشَيْءٍ مِنْهُ رَهْنٌ. وَتُسَمَّى هَذِهِ الْيَمِينُ يَمِينَ الاِسْتِظْهَارِ، وَيَمِينَ الْقَضَاءِ، وَالاِسْتِبْرَاءِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ، أَوْ عَلَى الْيَتِيمِ أَوْ عَلَى الأَْحْبَاسِ أَوْ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَعَلَى كُل وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ وَعَلَى بَيْتِ الْمَال وَعَلَى مَنِ اسْتَحَقَّ شَيْئًا مِنَ __________ (1) شرح الدرر 4 / 423، والدسوقي 4 / 130، 206، وتبصرة الحكام 1 / 171، وأدب القضاء لابن أبي الدم 182، والمغني 10 / 201 ط الرياض. الْحَيَوَانِ كَذَلِكَ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ لُزُومَ ذَلِكَ فِي الْعَقَارِ وَالرَّبَاعِ. وَفُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ التَّحْلِيفَ يَكُونُ فِي الْمَال وَمَا يَئُول إِلَى الْمَال. (1) 19 - وَاخْتَلَفَ أَئِمَّةُ الْحَنَفِيَّةِ فِي التَّحْلِيفِ فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالإِْيلاَءِ وَالاِسْتِيلاَدِ وَالرِّقِّ وَالْوَلاَءِ وَالنَّسَبِ. فَذَهَبَ الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى عَدَمِ التَّحْلِيفِ فِي الأُْمُورِ الْمَذْكُورَةِ. وَذَهَبَ الإِْمَامَانِ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى التَّحْلِيفِ. وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا. وَيُسْتَحْلَفُ السَّارِقُ لأَِجْل الْمَال فَإِنْ نَكَل ضَمِنَ وَلَمْ يُقْطَعْ. وَمَحَل الْخِلاَفِ بَيْنَ الإِْمَامِ وَصَاحِبَيْهِ فِيمَا ذُكِرَ إِذَا لَمْ يَتَضَمَّنِ الْحَقُّ الْمُدَّعَى مَالاً فَإِنْ تَضَمَّنَهُ حَلَفَ لأَِجْل الْمَال عِنْدَ الْجَمِيعِ. وَسَبَبُ الْخِلاَفِ بَيْنَ الإِْمَامِ وَصَاحِبَيْهِ فِي التَّحْلِيفِ فِي النِّكَاحِ وَمَا تَلاَهُ أَنَّ مَنْ وُجِّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ قَدْ يَنْكُل عَنْ حَلِفِهَا فَيُقْضَى لِلْمُدَّعِي. وَالنُّكُول يَحْتَمِل الإِْقْرَارَ وَالْبَذْل عِنْدَ الإِْمَامِ. وَهَذِهِ الأُْمُورُ لاَ يَتَأَتَّى فِيهَا الْبَذْل. وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ أَنَّ النُّكُول إِقْرَارٌ فَقَطْ. (2) 20 - وَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ تَبْطُل بِهَا دَعْوَى الْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَيْ أَنَّهَا تَقْطَعُ الْخُصُومَةَ لِلْحَال. لَكِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي انْقِطَاعِ الْخُصُومَةِ مُطْلَقًا بِالْيَمِينِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْيَمِينَ هَل لِلْمُدَّعِي أَنْ يَعُودَ إِلَى دَعْوَاهُ إِذَا وَجَدَ بَيِّنَةً؟ __________ (1) حاشية ابن عابدين 4 / 423، والفروق 4 / 143، وتبصرة الحكام 1 / 196، ومنتهى الإرادات 2 /. 68، ونهاية المحتاج 8 / 330. (2) حاشية ابن عابدين 4 / 423. الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَقْطَعُ الْخُصُومَةَ فِي الْحَال فَقَطْ، فَإِذَا وَجَدَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً كَانَ لَهُ أَنْ يُعِيدَ الْخُصُومَةَ؛ لأَِنَّ الْيَمِينَ كَالْخُلْفِ عَنِ الْبَيِّنَةِ، فَإِذَا جَاءَ الأَْصْل انْتَهَى حُكْمُ الْخُلْفِ؛ إِذْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ تُفِيدُ قَطْعَ الْخُصُومَةِ فِي الْحَال، لاَ بَرَاءَةً مِنَ الْحَقِّ، لأَِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ حَالِفًا بِالْخُرُوجِ مِنْ حَقِّ صَاحِبِهِ (1) فَلَوْ حَلَّفَ الْمُدَّعِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً بِمُدَّعَاهُ، أَوْ شَاهِدًا لِيَحْلِفَ مَعَهُ، حُكِمَ بِهَا. (2) وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الْقَوْل الآْخَرُ لِلْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْيَمِينَ تَقْطَعُ الْخُصُومَةَ مُطْلَقًا (3) 21 - التَّحْلِيفُ عَلَى فِعْل النَّفْسِ يَكُونُ عَلَى الْبَتَاتِ، أَيِ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. عَلاَمَ يَحْلِفُ؟ وَالتَّحْلِيفُ عَلَى فِعْل الْغَيْرِ يَكُونُ عَلَى الْعِلْمِ. وَكُل مَوْضِعٍ وَجَبَ فِيهِ الْيَمِينُ عَلَى الْعِلْمِ، فَحَلَفَ عَلَى الْبَتَاتِ، كَفَى وَسَقَطَتْ عَنْهُ، وَعَلَى عَكْسِهِ لاَ. حَقُّ الاِسْتِحْلاَفِ (طَلَبُ الْحَلِفِ) : 22 - الأَْصْل فِي طَلَبِ الْيَمِينِ أَنْ يَكُونَ لِلْمُدَّعِي، وَيَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ وَكِيلُهُ أَوْ وَصِيُّهُ أَوْ وَلِيُّهُ أَوْ نَاظِرُ الْوَقْفِ. وَلاَ تَجُوزُ الإِْنَابَةُ فِي الْحَلِفِ إِلاَّ إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَعْمَى أَخْرَسَ أَصَمَّ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَنْهُ وَلِيُّهُ أَوْ وَصِيُّهُ. (4) __________ (1) أحمد والنسائي والحاكم عن ابن عباس وأعله ابن حزم بأحد رواته. وقال أحمد محمد شاكر: إسناده صحيح. (تلخيص الحبير 4 / 209) ، (وتحقيق مسند أحمد محمد شاكر 4 / 244) . (2) نهاية المحتاج 8 / 335 ط المكتبة الإسلامية. (3) ابن رشد 2 / 505 مكتبة الكليات الأزهرية، وحاشية ابن عابدين 4 / 424. (4) حاشية ابن عابدين 4 / 425 وما بعدها ط الأولى. وَلَوْ أَصَمَّ كَتَبَ الْقَاضِي لِيُجِيبَ بِخَطِّهِ إِنْ عَرَفَ الْكِتَابَةَ، وَإِلاَّ فَبِإِشَارَتِهِ. مَا يَحْلِفُ بِهِ: 23 - لاَ يَحْلِفُ إِلاَّ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ لِحَدِيثِ مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ تَعَالَى أَوْ لِيَذَرْ. (1) فَلَوْ حَلَّفَهُ بِغَيْرِهِ، كَالطَّلاَقِ وَنَحْوِهِ مِمَّا فِيهِ إِلْزَامٌ بِمَا لاَ يَلْزَمُهُ لَوْلاَ الْحَلِفُ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا وَإِنْ أَلَحَّ الْخَصْمُ. وَقِيل: إِنْ مَسَّتِ الضَّرُورَةُ إِلَى الْحَلِفِ بِالطَّلاَقِ، فَوَّضَ إِلَى الْقَاضِي. وَيَحْلِفُ الْيَهُودِيُّ: بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَل التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى. وَالنَّصْرَانِيُّ: بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَل الإِْنْجِيل عَلَى عِيسَى، وَالْمَجُوسِيُّ: بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَ النَّارَ. وَيَحْلِفُ الْوَثَنِيُّ: بِاللَّهِ تَعَالَى؛ لأَِنَّهُ يُقِرُّ بِهِ تَعَالَى. وَيَحْلِفُ الأَْخْرَسُ بِأَنْ يَقُول لَهُ الْقَاضِي: عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ إِنْ كَانَ كَذَا وَكَذَا. فَإِذَا أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ: أَيْ نَعَمْ، صَارَ حَالِفًا. وَلاَ يَقُول لَهُ الْقَاضِي: " وَاللَّهِ " وَإِلاَّ كَانَ الْقَاضِي هُوَ الْحَالِفَ. مَا يُحْلَفُ عَلَيْهِ: 24 - إِذَا كَانَتِ الدَّعْوَى بِمِلْكٍ أَوْ حَقٍّ مُطْلَقٍ فَالتَّحْلِيفُ يَكُونُ عَلَى الْحَاصِل، بِأَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ: مَا لَهُ قِبَلِي كَذَا وَلاَ شَيْءٌ مِنْهُ. وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الدَّعْوَى بِمِلْكٍ أَوْ حَقٍّ مُبَيَّنِ السَّبَبِ فَهُنَاكَ اتِّجَاهَاتٌ ثَلاَثٌ: أ - فَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَفْهُومِ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّ التَّحْلِيفَ عَلَى الْحَاصِل - لأَِنَّهُ أَحْوَطُ - فَيَحْلِفُ: لَيْسَ لِلْمُدَّعِي قِبَلِي شَيْءٌ. __________ (1) الحديث رواه الشيخان وأصحاب السنن. وفي رواية أوليصمت بدل (أو ليذر) . نصب الراية 3 / 295 ط الأولى. ب - وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَمَفْهُومُ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، أَنَّ التَّحْلِيفَ هُنَا عَلَى السَّبَبِ، فَيَقُول الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: بِاللَّهِ مَا اقْتَرَضْتُ، مَثَلاً. وَاسْتَثْنَى أَبُو يُوسُفَ مَا لَوْ عَرَّضَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَأَنْ قَال: قَدْ يَبِيعُ الإِْنْسَانُ شَيْئًا ثُمَّ يُقِيل، فَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِل. ج - وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ، أَنَّ التَّحْلِيفَ يُطَابِقُ الإِْنْكَارَ، فَإِنْ أَنْكَرَ الْحَاصِل يَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِل، وَإِنْ أَنْكَرَ السَّبَبَ، وَهُوَ مَوْضُوعُ الدَّعْوَى - يَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ. (1) وَفِي جَمِيعِ الْحَالاَتِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا التَّحْلِيفُ عَلَى السَّبَبِ إِذَا حَلَفَ عَلَى الْحَاصِل أَجْزَأَهُ؛ لأَِنَّهُ يَتَضَمَّنُ السَّبَبَ وَزِيَادَةً. وَهَذَا فِي الاِتِّفَاقِ. (2) افْتِدَاءُ الْيَمِينِ وَالْمُصَالَحَةُ عَلَيْهَا: 25 - صَحَّ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ افْتِدَاءُ الْيَمِينِ، وَالصُّلْحُ عَنْهَا، لِحَدِيثِ ذُبُّوا عَنْ أَعْرَاضِكُمْ بِأَمْوَالِكُمْ (3) وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ افْتَدَى يَمِينَهُ، وَقَال: __________ (1) شرح الروض 4 / 400، والمغني مع الشرح الكبير 12 / 122 ط الأولى. (2) حاشية ابن عابدين 4 / 428 تبصرة الحكام هامش فتح العلي المالك 1 / 167، 171 ط مصطفى محمد، شرح الروض 4 / 400، والمغني مع الشرح 12 / 122 ط الأولى. (3) الحديث رواه الخطيب في التاريخ عن أبي هريرة عن عائشة وهو ضعيف، وتمامه: قالوا: يا رسول الله: كيف نذب بأموالنا عن أعراضنا؟ قال: " تعطون الشاعر ومن تخافون لسانه ". ورواه عنها الديلمي أيضا (فيض القدير 3 / 560) . خِفْتُ أَنْ تُصَادِفَ قَدَرًا، فَيُقَال: حَلَفَ فَعُوقِبَ، أَوْ هَذَا شُؤْمُ يَمِينِهِ وَلاَ يَحْلِفُ الْمُنْكِرُ بَعْدَهُ أَبَدًا؛ لأَِنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي الْخُصُومَةِ. وَلأَِنَّ كِرَامَ النَّاسِ يَتَرَفَّعُونَ عَنِ الْحَلِفِ تَوَرُّعًا. أَمَّا لَوْ أَسْقَطَ الْمُدَّعِي الْيَمِينَ قَصْدًا بِدُونِ مُصَالَحَةٍ أَوْ افْتِدَاءٍ بَعْدَ طَلَبِهَا، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِسْقَاطًا، وَلَهُ التَّحْلِيفُ؛ لأَِنَّ التَّحْلِيفَ حَقُّ الْقَاضِي. (1) تَغْلِيظُ الْيَمِينِ: 26 - فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِ تَغْلِيظِ الْيَمِينِ. لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا بِمَ يَكُونُ التَّغْلِيظُ. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ أَحَدُ الأَْقْوَال عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، إِلَى أَنَّ الْيَمِينَ تُغَلَّظُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْهَيْئَةِ. وَذَلِكَ فِيمَا فِيهِ خَطَرٌ، كَنِكَاحٍ وَطَلاَقٍ وَلِعَانٍ وَوَلاَءٍ وَوَكَالَةٍ وَمَالٍ يَبْلُغُ نِصَابَ زَكَاةٍ. وَالتَّغْلِيظُ بِالزَّمَانِ كَبَعْدِ الْعَصْرِ أَوْ بَيْنَ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَبِالْمَكَانِ لأَِهْل مَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَلأَِهْل الْمَدِينَةِ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي غَيْرِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي الْمَسْجِدِ الأَْعْظَمِ. وَبِالنِّسْبَةِ لِلْهَيْئَةِ قَال بَعْضُهُمْ: يَحْلِفُ قَائِمًا مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ. وَلَمْ يُجَوِّزِ التَّغْلِيظَ أَكْثَرُ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ، وَقِيل: لاَ يُغَلَّظُ عَلَى الْمَعْرُوفِ بِالصَّلاَحِ. __________ (1) حاشية الدسوقي 3 / 311، ونهاية المحتاج 8 / 324، وحواشي الروض 4 / 404، والبجيرمي على الخطيب 4 / 350، 351، والمغني 4 / 528، 529، وابن عابدين 4 / 446 ط بولاق 1325 هـ. وَعَلَى الْقَوْل بِجَوَازِ التَّغْلِيظِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَقَدْ قَصَرَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ذِكْرِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى، كَقَوْلِهِ: قُل: وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الَّذِي يَعْلَمُ مِنَ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنَ الْعَلاَنِيَةِ، مَا لِفُلاَنٍ هَذَا عَلَيْكَ وَلاَ قِبَلَكَ هَذَا الْمَال الَّذِي ادَّعَاهُ، وَهُوَ كَذَا وَكَذَا، وَلاَ شَيْءَ مِنْهُ. وَلِلْقَاضِي أَنْ يَزِيدَ عَلَى هَذَا فِي التَّغْلِيظِ وَيُنْقِصَ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمُ التَّغْلِيظُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ تَعْظِيمُ الْمُقْسَمِ بِهِ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِدُونِ ذَلِكَ. وَفِي إِيجَابِ التَّغْلِيظِ حَرَجٌ عَلَى الْقَاضِي. وَهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ وُجِّهَتْ إِلَيْهِ الْيَمِينُ لاَ يُعْتَبَرُ نَاكِلاً إِنْ أَبَى التَّغْلِيظَ. (1) التَّحَالُفُ: 27 - مَصْدَرُ تَحَالَفَ، وَمِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: طَلَبُ كُلٍّ مِنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ يَمِينَ الآْخَرِ. وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُوَافِقُ لِلشَّرْعِ. غَايَةُ الأَْمْرِ أَنَّ التَّحَالُفَ يَكُونُ أَمَامَ الْقَضَاءِ. (2) وَالْمُرَادُ هُنَا حَلِفُ الْمُتَخَاصِمَيْنِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ. إِذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ أَوِ الْمَبِيعِ أَوْ كِلَيْهِمَا، أَوْ فِي وَصْفِهِمَا أَوْ فِي جِنْسِهِمَا، وَلَمْ يَكُنْ لأَِحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا عِنْدَ جَمِيعِ __________ (1) البحر 7 / 233 الأولى بالمطبعة العلمية، وتبصرة الحكام 1 / 184 وما بعدها ط الحلبي، ونهاية المحتاج 8 / 330 ط الحلبي، ومنتهى الإرادات 2 / 682 وما بعدها ط دار العروبة. (2) المصباح المنير. الْفُقَهَاءِ، لِلْحَدِيثِ إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا (1) وَكَذَلِكَ كُل اخْتِلاَفٍ بَيْنَ مُتَخَاصِمَيْنِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ فَبِالتَّحَالُفِ تَنْتَهِي الْخُصُومَةُ. وَهُنَاكَ تَفْصِيلٌ فِي الْمَذَاهِبِ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي: (تَحَالُف) . رَدُّ الْيَمِينِ: 28 - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَحَدُ قَوْلَيْنِ لِلإِْمَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ صَحِيحَةٌ قُضِيَ لَهُ بِهَا. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَصْلاً، أَوْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ غَيْرُ حَاضِرَةٍ، طَلَبَ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ بَعْدَ عَرْضِ الْقَاضِي الْيَمِينَ عَلَيْهِ رُفِضَتْ دَعْوَى الْمُدَّعِي، وَإِنْ نَكَل عَنِ الْيَمِينِ بِلاَ عُذْرٍ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى مَالاً، أَوِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَال، قُضِيَ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ، وَلَمْ تُرَدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (2) وَقَوْلُهُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (3) فَحَصَرَهَا فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ رَدَّهَا عَلَى الْمُدَّعِي. __________ (1) حديث: " إذا اختلف المتبايعان تحالفا وتفاسخا " رواه أصحاب السنن والحاكم وغيرهم باختلاف عن ابن مسعود، وسنده ضعيف. قال صاحب التنقيح: والذي يظهر أن حديث ابن مسعود بمجموع طرقه له أصل. بل هو حديث حسن يحتج به. لكن في لفظه اختلاف، والله أعلم. (نصب الراية / 205 - 107 وانظر: تلخيص الحبير 3 / 30 - 32) . (2) حديث: " ولكن اليمين. . . " سبق تخريجه. (3) حديث: " البينة على المدعي. . . " سبق تخريجه. فَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعِي حُكِمَ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ. قَال أَبُو الْخَطَّابِ: وَقَدْ صَوَّبَهُ أَحْمَدُ، فَقَال: مَا هُوَ بِبَعِيدٍ، يَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ. وَقَال: هُوَ قَوْل أَهْل الْمَدِينَةِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَبِهِ قَال شُرَيْحٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ، وَبِهِ قَال الإِْمَامُ مَالِكٌ فِي الأَْمْوَال خَاصَّةً. (1) وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْيَمِينَ تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعِي فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى، لِمَا رَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالِبِ الْحَقِّ (2) وَلأَِنَّهُ إِذَا نَكَل ظَهَرَ صِدْقُ الْمُدَّعِي وَقَوِيَ جَانِبُهُ، فَتُشْرَعُ فِي حَقِّهِ، كَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَبْل نُكُولِهِ. وَقَال ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لاَ أَدَعُهُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ. (3) النُّكُول عَنِ الْيَمِينِ: 29 - النُّكُول لُغَةً: الاِمْتِنَاعُ. يُقَال: نَكَل عَنِ الْيَمِينِ؛ أَيِ امْتَنَعَ عَنْهَا. وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الاِصْطِلاَحِ إِذَا كَانَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ. __________ (1) البحر الرائق 7 / 240 ط الميمنية، وتهذيب الفروق 4 / 158 ط دار إحياء الكتب العربية، والمغني مع الشرح الكبير 12 / 124 وما بعدها ط المنار 1348 هـ. (2) رواه الدارقطني ورواه الحاكم والبيهقي، وفيه محمد بن مسروق لا يعرف، وإسحاق بن الفرات مختلف فيه، ورواه تمام في فوائده من طريق أخرى عن نافع. (تلخيص الحبير 4 / 209 ط الفنية المتحدة) . (3) البحر 7 / 223 المطبعة العلمية، وتبصرة الحكام 1 / 272 ط الحلبي، ونهاية المحتاج 8 / 346، والمغني 12 / 123 ط المنار الأولى. وَالنُّكُول عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَفِي أَحَدِ رَأْيَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَكُونُ حُجَّةً يُقْضَى بِهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، بَل إِذَا نَكَل فِي دَعْوَى الْمَال أَوْ مَا يَئُول إِلَيْهِ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي بِطَلَبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعِي قُضِيَ لَهُ بِمَا طَلَبَ وَإِنْ نَكَل الْمُدَّعِي رُفِضَتْ دَعْوَاهُ. فَقَدْ أَقَامُوا نُكُول الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَقَامَ الشَّاهِدِ، إِذْ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يُقْضَى لِلْمُدَّعِي بِحَقِّهِ إِذَا أَقَامَ شَاهِدًا وَحَلَفَ، فَكَذَلِكَ يُقْضَى لَهُ بِنُكُول الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَحَلَفَ الْمُدَّعِي. فَالْحَقُّ عِنْدَهُمْ لاَ يَثْبُتُ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ، كَمَا لاَ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ. فَإِنْ حَلَفَ اسْتَحَقَّ بِهِ وَإِلاَّ فَلاَ شَيْءَ لَهُ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ كُل دَعْوَى لاَ تَثْبُتُ إِلاَّ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ، كَالْقَتْل وَالنِّكَاحِ وَالطَّلاَقِ، فَلاَ يَمِينَ تُوَجَّهُ مِنَ الْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَلاَ بُدَّ لِتَوْجِيهِ الْيَمِينِ مِنْ إِقَامَةِ شَاهِدٍ عَلَى الدَّعْوَى، فَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِرَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ، وَلاَ تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعِي، إِذْ لاَ فَائِدَةَ فِي رَدِّهَا عَلَيْهِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا نَكَل عَنِ الْيَمِينِ الْمُوَجَّهَةِ إِلَيْهِ قُضِيَ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ لِكَوْنِهِ بَاذِلاً أَوْ مُقِرًّا، إِذْ لَوْلاَ ذَلِكَ لأََقْدَمَ عَلَى الْيَمِينِ لِيَدْفَعَ الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ. وَلاَ وَجْهَ لِرَدِّ الْيَمِينِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ ذِكْرُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لأَِحْمَدَ، وَهِيَ الَّتِي اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ إِنْ نَكَل تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَيُحْكَمُ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ، كَمَا تَقَدَّمَ. (1) __________ (1) تبصرة الحكام 1 / 273 ط الحلبي وتهذيب الفروق 4 / 151 ط دار إحياء الكتب، ونهاية المحتاج 8 / 335 ط الحلبي، والبحر 7 / 224 ط العلمية، ومنتهى الإرادات 2 / 601 ط دار العروبة والمغني 12 / 123، 124. قَضَاءُ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ: 30 - الْمُرَادُ بِعِلْمِ الْقَاضِي ظَنُّهُ الْمُؤَكَّدُ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ الشَّهَادَةُ مُسْتَنِدًا إِلَيْهِ. (1) وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ فِي أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَجُوزُ لَهُ الْقَضَاءُ بِعِلْمِهِ فِي الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى كَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ؛ لأَِنَّ الْحُدُودَ يُحْتَاطُ فِي دَرْئِهَا، وَلَيْسَ مِنَ الاِحْتِيَاطِ الاِكْتِفَاءُ بِعِلْمِ الْقَاضِي، وَلأَِنَّ الْحُدُودَ لاَ تَثْبُتُ إِلاَّ بِالإِْقْرَارِ أَوِ الْبَيِّنَةِ الْمَنْطُوقِ بِهَا، وَأَنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ فِي عِلْمِ الْقَاضِي مَعْنَى الْبَيِّنَةِ، فَقَدْ فَاتَتْ صُورَتُهَا، وَهُوَ النُّطْقُ، وَفَوَاتُ الصُّورَةِ يُورِثُ شُبْهَةً، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ (2) . وَأَمَّا قَضَاءُ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ فَمَحَل خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ: فَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرُ الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ عِلْمُهُ قَبْل الْوِلاَيَةِ وَبَعْدَهَا. وَهَذَا قَوْل شُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَل بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ (3) . فَدَل الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَقْضِي بِمَا __________ (1) نهاية المحتاج 8 / 247 ط الإسلامية. (2) البدائع 7 / 7، وتبصرة الحكام 1 / 167 ط الحلبي، ونهاية المحتاج 8 / 246 وما بعدها ط الإسلامية، والمغني 11 / 400 ما بعدها ط المنار. (3) حديث: " إنما أنا بشر. . . " رواه مالك وأحمد والشيخان وغيرهم باختلاف عن أم سلمة. (الفتح الكبير 1 / 436) يَسْمَعُ لاَ بِمَا يَعْلَمُ، وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَضِيَّةِ الْحَضْرَمِيِّ وَالْكِنْدِيِّ شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ، لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلاَّ ذَاكَ (1) وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ تَدَاعَى عِنْدَهُ رَجُلاَنِ، فَقَال لَهُ أَحَدُهُمَا: أَنْتَ شَاهِدِي. فَقَال إِنْ شِئْتُمَا شَهِدْتُ وَلَمْ أَحْكُمْ أَوْ أَحْكُمُ وَلاَ أَشْهَدُ (2) وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ وَمَذْهَبُ الإِْمَامَيْنِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ عِلْمُهُ قَبْل وِلاَيَةِ الْقَضَاءِ أَمْ بَعْدَهَا، لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَيَّدُوا ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا - وُجُوبًا - ظَاهِرَ التَّقْوَى وَالْوَرَعِ - نَدْبًا - وَاشْتَرَطُوا لِنَفَاذِ حُكْمِهِ أَنْ يُصَرِّحَ بِمُسْتَنَدِهِ، فَيَقُول: عَلِمْتُ أَنَّ لَهُ عَلَيْكَ مَا ادَّعَاهُ، وَقَضَيْتُ، أَوْ: حَكَمْتُ عَلَيْكَ بِعِلْمِي. فَإِنْ تَرَكَ أَحَدَ اللَّفْظَيْنِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ. وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَالَتْ لَهُ هِنْدُ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لاَ يُعْطِنِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، قَال: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ (3) فَحَكَمَ لَهَا مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلاَ إِقْرَارٍ، لِعِلْمِهِ بِصِدْقِهَا، وَبِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِالْبَيِّنَةِ، فَيَجُوزُ الْقَضَاءُ بِعِلْمِهِ بِطَرِيقِ الأَْوْلَى؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْبَيِّنَةِ لَيْسَ عَيْنَهَا، بَل حُصُول الْعِلْمِ __________ (1) حديث: " شاهداك أو يمينه. . . " رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه باختلاف. (نصب الراية 4 / 59) . (2) ذكره صاحب المغني، وابن حزم في المحلى، ولم يسنده. وقال ابن حزم هو من طريق الضحاك، وقد قال عنه ابن حجر: صدوق كثير الإرسال (المغني 9 / 55، والمحلى 9 / 427) . (3) حديث: " خذي ما يكفيك وولدك. . . " روى بعدة روايات للشيخين وغيرهما. (فيض القدير 3 / 436، 437) . بِحُكْمِ الْحَادِثَةِ. وَعِلْمُهُ الْحَاصِل بِالْمُعَايَنَةِ أَقْوَى مِنْ عِلْمِهِ الْحَاصِل بِالشَّهَادَةِ؛ لأَِنَّ الْعِلْمَ الْحَاصِل بِالشَّهَادَةِ عِلْمُ غَالِبِ الرَّأْيِ وَأَكْبَرِ الظَّنِّ، وَالْحَاصِل بِالْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ عَلَى الْقَطْعِ وَالْيَقِينِ، فَهُوَ أَقْوَى، فَكَانَ الْقَضَاءُ بِهِ أَوْلَى. وَمَذْهَبُ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ الَّذِي اسْتَفَادَهُ فِي زَمَنِ الْقَضَاءِ وَفِي مَكَانِهِ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ الْقَضَاءُ بِعِلْمِهِ الَّذِي اسْتَفَادَهُ فِي غَيْرِ زَمَنِ الْقَضَاءِ، وَفِي غَيْرِ مَكَانِهِ، أَوْ فِي زَمَنِ الْقَضَاءِ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ. وَعَلَّل ذَلِكَ بِأَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ الْعِلْمَيْنِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ الَّذِي اسْتَفَادَهُ فِي زَمَنِ الْقَضَاءِ وَمَكَانِهِ عِلْمٌ فِي وَقْتٍ هُوَ مُكَلَّفٌ فِيهِ بِالْقَضَاءِ، فَأَشْبَهَ الْبَيِّنَةَ الْقَائِمَةَ فِيهِ، وَالْعِلْمُ الَّذِي اسْتَفَادَهُ قَبْل زَمَنِ الْقَضَاءِ هُوَ فِي وَقْتٍ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فِيهِ بِالْقَضَاءِ، فَأَشْبَهَ الْبَيِّنَةَ الْقَائِمَةَ فِيهِ. وَقَال الْمُخَالِفُونَ: إِنَّ الْعِلْمَ فِي الْحَالَيْنِ سَوَاءٌ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ حُكْمِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ فِي زَمَانِنَا لِفَسَادِ قُضَاتِهِ. وَمَا قَالَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ جَوَازِ قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ هُوَ بِخِلاَفِ الْمُفْتَى بِهِ وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى جَوَازِ قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ الَّذِي يَحْصُل بَيْنَ يَدَيْهِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، كَالإِْقْرَارِ. وَلَكِنَّ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ حُكْمًا بِعِلْمِ الْقَاضِي، وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الإِْقْرَارِ. (1) الْقَضَاءُ بِالْقَرِينَةِ الْقَاطِعَةِ: 31 - الْقَرِينَةُ لُغَةً: الْعَلاَمَةُ، وَالْمُرَادُ بِالْقَرِينَةِ __________ (1) البدائع 7 / 7، وابن عابدين 4 / 345 ط بولاق الأولى والخرشي 5 / 164 - 169 ط الشرفية وتبصرة الحكام 1 / 167 ط الحلبي ونهاية المحتاج 8 / 246 وما بعدها ط الإسلامية والمغني 11 / 400 وما بعدها المنار. الْقَاطِعَةِ فِي الاِصْطِلاَحِ مَا يَدُل عَلَى مَا يُطْلَبُ الْحُكْمُ بِهِ دَلاَلَةً وَاضِحَةً بِحَيْثُ تُصَيِّرُهُ فِي حَيِّزِ الْمَقْطُوعِ بِهِ، كَمَا لَوْ ظَهَرَ إِنْسَانٌ مِنْ دَارٍ، وَمَعَهُ سِكِّينٌ فِي يَدَيْهِ، وَهُوَ مُتَلَوِّثٌ بِالدِّمَاءِ، سَرِيعُ الْحَرَكَةِ، عَلَيْهِ أَثَرُ الْخَوْفِ، فَدَخَل إِنْسَانٌ أَوْ جَمْعٌ مِنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَوَجَدُوا بِهَا شَخْصًا مَذْبُوحًا لِذَلِكَ الْحِينِ، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِدِمَائِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الدَّارِ غَيْرُ ذَلِكَ الرَّجُل الَّذِي وُجِدَ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الدَّارِ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِهِ، إِذْ لاَ يَشُكُّ أَحَدٌ فِي أَنَّهُ قَاتِلُهُ وَاحْتِمَال أَنَّهُ ذَبَحَ نَفْسَهُ، أَوْ أَنَّ غَيْرَ ذَلِكَ الرَّجُل قَتَلَهُ ثُمَّ تَسَوَّرَ الْحَائِطَ وَهَرَبَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهُوَ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ لاَ يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ دَلِيلٍ. (1) وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ فِي بِنَاءِ الْحُكْمِ عَلَى الْقَرِينَةِ الْقَاطِعَةِ، مُسْتَدِلِّينَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَعَمَل الصَّحَابَةِ: فَأَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} (2) فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ لَمَّا أَتَوْا بِقَمِيصِهِ إِلَى أَبِيهِمْ تَأَمَّلَهُ، فَلَمْ يَرَ خَرْقًا وَلاَ أَثَرَ نَابٍ، فَاسْتَدَل بِهِ عَلَى كَذِبِهِمْ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا وَقَعَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ لاِبْنَيْ عَفْرَاءَ، لَمَّا تَدَاعَيَا قَتْل أَبِي جَهْلٍ (3) . فَقَال لَهُمَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَل مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ فَقَالاَ: لاَ. فَقَال: أَرِيَانِي سَيْفَيْكُمَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمَا قَال: هَذَا قَتَلَهُ، وَقَضَى لَهُ بِسَلَبِهِ. فَاعْتَمَدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ __________ (1) البحرالرائق 7 / 224 ط العلمية. (2) سورة يوسف / 18. (3) حديث " ابني عفراء لما تداعيا قتل أبي جهل. . .) رواه البخاري ومسلم وأحمد (مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر 3 / 1672) . عَلَى الأَْثَرِ فِي السَّيْفِ. وَأَمَّا عَمَل الصَّحَابَةِ، فَمِنْهُ حُكْمُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِرَجْمِ الْمَرْأَةِ إِذَا ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ وَلَيْسَ لَهَا زَوْجٌ. وَجَعَل ذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ فِي أَنَّهَا زَانِيَةٌ، وَكَذَلِكَ السَّكْرَانُ إِذَا قَاءَ الْخَمْرَ. (1) وَقَدْ سَاقَ ابْنُ الْقَيِّمِ كَثِيرًا مِنَ الْوَقَائِعِ الَّتِي قَضَى فِيهَا الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِنَاءً عَلَى الْقَرَائِنِ، وَانْتَهَى إِلَى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي (2) بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيِّنَةِ مَا يُظْهِرُ صِحَّةَ دَعْوَى الْمُدَّعِي. فَإِذَا ظَهَرَ صِدْقُهُ بِأَيِّ طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْحُكْمِ، وَمِنْهَا الْقَرِينَةُ، حَكَمَ لَهُ. (3) الْقَضَاءُ بِكِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي: 32 - الأَْصْل فِي الْقَضَاءِ بِهِ السُّنَّةُ، وَالإِْجْمَاعُ، وَالْمَعْقُول: أَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ قَال: كَتَبَ إِلَيَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ وَرِّثْ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا. (4) وَأَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى الْقَضَاءِ بِكِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي. __________ (1) البحر الرائق 7 / 224 ط العلمية، وتبصرة الحكام 1 / 252 وما بعدها ط الحلبي، ومنتهى الإرادات 2 / 672، والبهجة 5 / 280. (2) سبق تخريجه ف3ح 3. (3) الطرق الحكمية ص 23 ط الآداب والمؤيد. (4) حديث الضحاك بن سفيان قال: " كتب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ورث. . . " رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح، والنسائي وابن ماجه وأحمد ومالك في الموطأ. قال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. (مجمع الزوائد 4 / 230) . (عون المعبود 3 / 91 دار الكتاب العرب) . وَأَمَّا الْمَعْقُول فَلأَِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَيْهِ. فَإِنَّ مَنْ لَهُ حَقٌّ فِي بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ قَدْ يَشُقُّ عَلَيْهِ السَّفَرُ إِلَيْهِ وَالْمُطَالَبَةُ بِحَقِّهِ إِلاَّ بِكِتَابِ الْقَاضِي، فَوَجَبَ قَبُولُهُ. وَالْكِتَابُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكْتُبَ بِمَا حَكَمَ بِهِ، وَذَلِكَ مِثْل أَنْ يَحْكُمَ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ فَيَغِيبَ قَبْل إِيفَائِهِ، أَوْ يَدَّعِيَ حَقًّا عَلَى غَائِبٍ، وَيُقِيمَ بِهِ بَيِّنَةً وَيَسْأَل الْحَاكِمَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ، فَيَحْكُمَ عَلَيْهِ وَيَسْأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا يَحْمِلُهُ إِلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْغَائِبُ فَيَكْتُبَ لَهُ إِلَيْهِ، أَوْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى حَاضِرٍ فَيَهْرُبَ قَبْل الْحُكْمِ فَيَسْأَل صَاحِبُ الْحَقِّ الْحَاكِمَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ وَأَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا يَحْمِلُهُ، فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلاَثِ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ إِجَابَتُهُ إِلَى الْكِتَابَةِ، وَيَلْزَمُ الْمَكْتُوبَ إِلَيْهِ قَبُولُهُ. الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكْتُبَ بِعِلْمِهِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ عِنْدَهُ بِحَقٍّ لِفُلاَنٍ، مِثْل أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ بِحَقٍّ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ، فَيَسْأَلُهُ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا بِمَا حَصَل عِنْدَهُ. فَإِنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ وَيَذْكُرُ فِي الْكِتَابِ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدَانِ لِيَقْضِيَ بِشَهَادَتِهِمَا الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ لَهُ. فَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ بِذَلِكَ إِذَا تَوَافَرَتْ شُرُوطُ قَبُولِهِ. مَحَل الْقَضَاءِ بِكِتَابِ الْقَاضِي وَشُرُوطُهُ: 33 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ فِي جَوَازِ الْقَضَاءِ بِكِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي الْجُمْلَةِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيمَا يَكْتُبُ فِيهِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي، وَفِي الشُّرُوطِ الْوَاجِبِ تَحَقُّقُهَا فِي الْكِتَابِ. فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يُقْبَل كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي غَيْرِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِكِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي الأَْمْوَال وَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، وَكُل مَا هُوَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُقْبَل كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي الْمَال وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَال، كَالْقَرْضِ وَالْغَصْبِ، وَلاَ يُقْبَل فِي حَدٍّ لِلَّهِ تَعَالَى. وَهَل يُقْبَل فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، مِثْل الْقِصَاصِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلاَقِ وَالْخُلْعِ وَالنَّسَبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. فَأَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ فَإِنْ قِيل: إِنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلاَ يُقْبَل فِيهِ، وَإِنْ قِيل: إِنَّهُ حَقُّ الآْدَمِيِّ، فَهُوَ كَالْقِصَاصِ. وَفِي كُل مَذْهَبٍ تَفْصِيلاَتٌ وَشُرُوطٌ: فَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْقَاضِي الْكَاتِبِ وَالْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ مَسَافَةُ قَصْرٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَكْتُوبُ بِهِ حُكْمًا أَمْ شَهَادَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ لاَ يَشْتَرِطُ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ الْمَسَافَةَ فِي الْكِتَابَةِ بِالشَّهَادَةِ دُونَ الْحُكْمِ. وَيَشْتَرِطُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْكَاتِبِ وَالْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ عَلَى وِلاَيَةِ الْقَضَاءِ حِينَ الْكِتَابَةِ وَحِينَ الْحُكْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ عَلَى الْوِلاَيَةِ حِينَ الْكِتَابَةِ فَقَطْ. وَمِثْل كِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي: أَنْ يَكُونَ الْقَاضِيَانِ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، وَيُؤَدِّي أَحَدُهُمَا إِلَى الآْخَرِ مُشَافَهَةً. (1) __________ (1) ابن عابدين 4 / 544، والخرشي 5 / 170 ط العامرة ونهاية المحتاج 8 / 259 ط الإسلامية، والمغني 11 / 467 وما بعدها، والبدائع 7 / 7، ومعين الحكام 146، والرهوني على الزرقاني 7 / 344 ط أولى، وأسنى المطالب 4 / 318 ط الميمنية وَكُل مَا يَتَعَلَّقُ بِكِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي مِنْ شُرُوطٍ وَغَيْرِهَا إِجْرَاءَاتٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْزْمَانِ وَالأَْعْرَافِ. وَقَدْ وَضَعَ الْفُقَهَاءُ الْقَوَاعِدَ وَالشُّرُوطَ بِحَسَبِ مَا رَأَوْهُ مُنَاسِبًا فِي أَزْمِنَتِهِمْ. وَقِوَامُ الأَْمْرِ فِي ذَلِكَ هُوَ الاِسْتِيثَاقُ مِنْ أَنَّ الْمَكْتُوبَ صَادِرٌ مِنْ قَاضٍ مُخْتَصٍّ بِكِتَابَةِ مَا كَتَبَ. وَقَدْ تَغَيَّرَتِ الإِْجْرَاءَاتُ وَالأَْعْرَافُ وَتَضَمَّنَتْ قَوَانِينُ الْمُرَافَعَاتِ فِي الْعُصُورِ الْحَدِيثَةِ إِجْرَاءَاتٍ تَعُودُ كُلُّهَا إِلَى الضَّبْطِ وَالاِسْتِيثَاقِ، وَلاَ تُنَافِي نَصًّا وَلاَ حُكْمًا فِقْهِيًّا، وَمِنْ ثَمَّ فَلاَ بَأْسَ مِنْ تَطْبِيقِهَا وَالْعَمَل بِهَا. حُجِّيَّةُ الْخَطِّ وَالْخَتْمِ: 34 - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلاَثَةٍ لِلإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُعْمَل بِالْخَطِّ إِذَا وُثِقَ بِهِ وَلَمْ تُوجَدْ فِيهِ رِيبَةٌ مِنْ مَحْوٍ أَوْ كَشْطٍ أَوْ تَغْيِيرٍ، وَذَلِكَ فِي الأَْمْوَال وَمَا يُشْبِهُهَا مِمَّا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ، كَالطَّلاَقِ وَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ. وَهَذَا فِي الْمُعَامَلاَتِ بَيْنَ النَّاسِ. أَمَّا مَا يَجِدُهُ الْقَاضِي فِي السِّجِلاَّتِ السَّابِقَةِ عَلَى تَوَلِّيهِ فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلاَثَةٍ لِلإِْمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَعْمَل بِمَا فِيهَا إِذَا انْتَفَتِ الرِّيبَةُ. وَبِالنِّسْبَةِ لِمَا وَجَدَ فِي السِّجِلاَّتِ الَّتِي تَمَّتْ فِي عَهْدِهِ فَالْفُقَهَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ إِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ خَطُّهُ، وَذَكَرَ الْحَادِثَةَ، فَإِنَّهُ يَعْمَل بِهِ وَيَنْفُذُ. وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا أَنْكَرَ السَّنَدَ مَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ. وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ إِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ خَطُّهُ يَعْمَل بِهِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْحَادِثَةَ، (1) وَمَنْ يَتَتَبَّعْ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ جَمِيعًا فِي حُجِّيَّةِ الْخَطِّ وَالْخَتْمِ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَنَّ الْمُعَوَّل عَلَيْهِ هُوَ الاِسْتِيثَاقُ مِنْ صِحَّةِ الْكِتَابَةِ، وَعَدَمِ وُجُودِ شُبْهَةٍ فِيهَا، فَإِنِ انْتَفَتْ عَمِل بِهَا وَنَفَذَتْ، وَإِلاَّ فَلاَ. وَقَدِ اسْتُحْدِثَتْ نُظُمٌ وَآلاَتٌ يُمْكِنُ بِوَاسِطَتِهَا اكْتِشَافُ التَّزْوِيرِ فِي الْمُسْتَنَدَاتِ. فَإِنْ طُعِنَ عَلَى سَنَدٍ مَا بِالتَّزْوِيرِ أَمْكَنَ التَّحْقِيقُ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا مَا تَجْرِي عَلَيْهِ الْمُحَاكِمُ الآْنَ. وَلَيْسَ فِي قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ مَا يَمْنَعُ مِنْ تَطْبِيقِ النُّظُمِ الْحَدِيثَةِ إِذْ هِيَ لاَ تُخَالِفُ نَصًّا شَرْعِيًّا، وَلاَ تُجَافِي مَا وَضَعَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ قَوَاعِدَ وَضَوَابِطَ رَأَوْهَا مُنَاسِبَةً فِي أَزْمِنَتِهِمْ. الْقَضَاءُ بِقَوْل الْقَافَةِ: 35 - الْقَافَةُ جَمْعُ قَائِفٍ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: مَنْ يَتَّبِعُ الأَْثَرَ. وَفِي الشَّرْعِ: الَّذِي يَتَتَبَّعُ الآْثَارَ وَيَتَعَرَّفُ مِنْهَا الَّذِينَ سَلَكُوهَا، وَيَعْرِفُ شَبَهَ الرَّجُل بِأَبِيهِ وَأَخِيهِ وَيُلْحِقُ النَّسَبَ عِنْدَ الاِشْتِبَاهِ، بِمَا خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ (2) . فَعِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ: مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، أَنَّهُ يُحْكَمُ بِالْقَافَةِ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ. وَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيل ذَلِكَ إِلَى مُصْطَلَحِ (قِيَافَة) . __________ (1) حاشية ابن عابدين 4 / 546، والخرشي 5 / 206، ونهاية المحتاج 8 / 247 ط الإسلامية والطرق الحكمية 204 ط السنة المحمدية. (2) حاشية الجمل 5 / 434، 435 ط دار إحياء التراث العربي، والعيني 7 / 523 ط الأستانة. الْقَضَاءُ بِالْقُرْعَةِ: 36 - الْقُرْعَةُ: طَرِيقَةٌ تُعْمَل لِتَعْيِينِ ذَاتٍ أَوْ نَصِيبٍ مِنْ بَيْنِ أَمْثَالِهِ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَعْيِينُهُ بِحُجَّةٍ (1) . وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ " مَتَى تَعَيَّنَتِ الْمَصْلَحَةُ أَوِ الْحَقُّ فِي جِهَةٍ، فَلاَ يَجُوزُ الإِْقْرَاعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؛ لأَِنَّ فِي الْقُرْعَةِ ضَيَاعَ ذَلِكَ الْحَقِّ الْمُعَيَّنِ وَالْمَصْلَحَةِ الْمُعَيَّنَةِ. وَمَتَى تَسَاوَتِ الْحُقُوقُ وَالْمَصَالِحُ فَهَذَا هُوَ مَوْضِعُ الْقُرْعَةِ عِنْدَ التَّنَازُعِ، دَفْعًا لِلضَّغَائِنِ وَالأَْحْقَادِ، وَلِلرِّضَا بِمَا جَرَتْ بِهِ الأَْقْدَارُ، وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ فِي مَوَاضِعَ ". (2) وَتَفْصِيل ذَلِكَ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (قُرْعَة) . الْقَضَاءُ بِالْفِرَاسَةِ: 37 - الْفِرَاسَةُ فِي اللُّغَةِ: الظَّنُّ الصَّائِبُ النَّاشِئُ عَنْ تَثْبِيتِ النَّظَرِ فِي الظَّاهِرِ لإِِدْرَاكِ الْبَاطِنِ. وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ ذَلِكَ. وَفُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ لاَ يَرَوْنَ الْحُكْمَ بِالْفِرَاسَةِ، فَإِنَّ مَدَارِكَ الأَْحْكَامِ مَعْلُومَةٌ شَرْعًا، مُدْرَكَةٌ قَطْعًا. وَلَيْسَتِ الْفِرَاسَةُ مِنْهَا. وَلأَِنَّهَا حُكْمٌ بِالظَّنِّ وَالْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ، وَهِيَ تُخْطِئُ وَتُصِيبُ (3) . وَلَكِنَّ ابْنَ الْقَيِّمِ أَوْرَدَ حُجَجًا عَلَى شَرْعِيَّةِ الْعَمَل بِالْفِرَاسَةِ، وَسَاقَ عَلَى ذَلِكَ شَوَاهِدَ وَأَمْثِلَةً. (4) وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ فِي مُصْطَلَحِ (فِرَاسَة) . __________ (1) تفسير القرطبي 4 / 87 (2) تبصرة الحكام 2 / 106، والقواعد لابن رجب ص 348 ط الخانجي. (3) معين الحكام ص 206 ط الميمنية، وتبصرة الحكام 2 / 131 ط الحلبي. (4) الطرق الحكمية ص 24 وما بعدها ط الآداب والمؤيد بمصر 1317 هـ. الْقَضَاءُ بِقَوْل أَهْل الْمَعْرِفَةِ (الْخِبْرَةِ) : 38 - اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ بِقَوْل أَهْل الْمَعْرِفَةِ فِيمَا يَخْتَصُّونَ بِمَعْرِفَتِهِ إِذَا كَانُوا حُذَّاقًا مَهَرَةً. وَمِنْ ذَلِكَ الاِسْتِعَانَةُ فِي مَعْرِفَةِ قِدَمِ الْعَيْبِ أَوْ حَدَاثَتِهِ. وَيُرْجَعُ إِلَى أَهْل الطِّبِّ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْجِرَاحِ فِي مَعْرِفَةِ طُول الْجُرْحِ وَعُمْقِهِ وَعَرْضِهِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ. وَكَذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَى أَهْل الْمَعْرِفَةِ مِنَ النِّسَاءِ فِيمَا لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُنَّ كَالْبَكَارَةِ. (1) الْقَضَاءُ بِالاِسْتِصْحَابِ: 39 - الاِسْتِصْحَابُ فِي اللُّغَةِ: الْمُلاَزَمَةُ وَعَدَمُ الْمُفَارَقَةِ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ اسْتِبْقَاءُ الْوَصْفِ الْمُثْبِتِ لِلْحُكْمِ حَتَّى يَثْبُتَ خِلاَفُهُ. وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ) إِلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ سَوَاءٌ أَكَانَ فِي النَّفْيِ أَمِ الإِْثْبَاتِ. وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ تَعَدَّدَتِ الآْرَاءُ عِنْدَهُمْ فِي حُجِّيَّتِهِ بَيْنَ الإِْطْلاَقِ وَالتَّقْيِيدِ، فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ حُجِّيَّتَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهَا بِأَنَّهُ حُجَّةٌ لِلدَّفْعِ لاَ لِلإِْثْبَاتِ. وَلِلاِسْتِصْحَابِ أَنْوَاعٌ وَأَقْسَامٌ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ مَوْطِنُهُ (اسْتِصْحَاب) . (2) الْقَضَاءُ بِالْقَسَامَةِ: 40 - مِنْ مَعَانِي الْقَسَامَةِ فِي اللُّغَةِ الْيَمِينُ مُطْلَقًا، إِلاَّ أَنَّهَا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ تُسْتَعْمَل فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، بِسَبَبٍ مَخْصُوصٍ، وَعَدَدٍ مَخْصُوصٍ، وَعَلَى __________ (1) تبصرة الحكام 2 / 74 وما بعدها ط الحلبي الأخيرة، ومعين الحكام ص 162 وما بعدها ط الميمنية بمصر. (2) إرشاد الفحول ص 238. أَشْخَاصٍ مَخْصُوصِينَ، عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ. 41 - وَمَحَل الْقَسَامَةِ يَكُونُ عِنْدَ وُجُودِ قَتِيلٍ فِي مَحَلَّةٍ لاَ يُعْرَفُ قَاتِلُهُ. فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَدَاوَةٌ وَلاَ لَوْثٌ (أَيْ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ تُوجِبُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِصِحَّةِ التُّهْمَةِ) كَانَتْ هَذِهِ الدَّعْوَى كَسَائِرِ الدَّعَاوَى: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْقَوْل قَوْل الْمُنْكِرِ. وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ يَمِينٌ؛ لأَِنَّ النُّكُول عَنِ الْيَمِينِ بَذْلٌ، وَلاَ بَذْل فِي الأَْنْفُسِ، فَلاَ يَحِل لِلإِْنْسَانِ أَنْ يُبِيحَ لِغَيْرِهِ قَتْل نَفْسِهِ، وَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ إِنْ فَعَل. وَأَمَّا إِذَا كَانَ هُنَاكَ لَوْثٌ، كَالْعَدَاوَةِ الظَّاهِرَةِ، وَادَّعَى أَوْلِيَاءُ الْقَتِيل عَلَى مُعَيَّنٍ أَنَّهُ قَتَلَهُ، حَلَفَ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ خَمْسُونَ أَنَّ فُلاَنًا هُوَ قَاتِلُهُ عَمْدًا، فَيَسْتَحِقُّونَ الْقِصَاصَ، أَوْ خَطَأً، فَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْقَسَامَةَ لاَ تُوَجَّهُ إِلاَّ إِلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، فَيَخْتَارُ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيل خَمْسِينَ مِنْ أَهْل الْمَحَلَّةِ، فَيَحْلِفُونَ أَنَّهُمْ مَا قَتَلُوهُ وَلاَ يَعْرِفُونَ لَهُ قَاتِلاً. فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ وَتُسْتَحَقُّ الدِّيَةُ. (1) وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَاخْتِلاَفٌ، مَوْطِنُ بَيَانِهِ بَحْثُ الْقَسَامَةِ. الْقَضَاءُ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ: 42 - الْعُرْفُ: مَا اسْتَقَرَّ فِي النُّفُوسِ مِنْ جِهَةِ الْعُقُول، وَتَلَقَّتْهُ الطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ بِالْقَبُول. وَيَدْخُل فِي هَذَا التَّعْرِيفِ " الْعَادَةُ " عَلَى أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ. وَقِيل: __________ (1) البدائع 7 / 286 وما بعدها، والقليويى على شرح المنهاج 4 / 166 وما بعدها، والشرح الكبير ط دار الفكر 4 / 235 وما بعدها، وغاية المنتهى ط الشيخ علي آل ثاني 3 / 308، والمغني لابن قدامة ط المنار الأولى 10 / 3 وما بعدها. الْعَادَةُ أَعَمُّ؛ لأَِنَّهَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ، وَتَكُونُ لِفَرْدٍ أَوْ أَفْرَادٍ. وَهُمَا حُجَّةٌ، لِبِنَاءِ الأَْحْكَامِ عَلَيْهِمَا، مَا لَمْ يُصَادِمَا نَصًّا أَوْ قَاعِدَةً شَرْعِيَّةً. وَيُسْتَنَدُ إِلَيْهِمَا فِي تَفْسِيرِ الْمُرَادِ. وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ مَوْطِنُهُ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ. (1) |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
الباب الثاني: شهر رمضان فضائله، خصائصه، حكم صومه، طرق إثبات دخوله وخروجه
• الفصل الأول: فضائل شهر رمضان. • الفصل الثاني: خصائص شهر رمضان وليلة القدر. • الفصل الثالث: حكم صوم شهر رمضان، وحكم تاركه. • الفصل الرابع: إثبات دخول شهر رمضان وخروجه. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
الفصل الرابع: إثبات دخول شهر رمضان وخروجه
• المبحث الأول: طرق إثبات دخول شهر رمضان. • المبحث الثاني: طرق إثبات خروج شهر رمضان. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المبحث الأول: طرق إثبات دخول شهر رمضان
• المطلب الأول: رؤية الهلال. • المطلب الثاني: إكمال شعبان ثلاثين يوماً. • المطلب الثالث: الحساب الفلكي. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المبحث الثاني: طرق إثبات خروج شهر رمضان
• المطلب الأول: رؤية هلال شوال. • المطلب الثاني: إكمال رمضان ثلاثين يوماً. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
7 - إثبات الدعوى:
• 1 - الإقرار. • * حكم الإقرار:. • 2 - الشهادة. • * شروط من تُقبل شهادته:. • موانع الشهادة * موانع الشهادة ثمانية، وهي:. • أقسام المشهود به وعدد الشهود * ينقسم ذلك إلى سبعة أقسام:. • 3 - اليمين. • * مشروعية اليمين:. • * تغليظ اليمين:. • * شر الناس:. |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
7 - طرق إثبات الدعوى
تثبت الدعوى بواحد مما يلي: الإقرار ... الشهادة ... اليمين. 1 - الإقرار - الإقرار: هو إظهار مكلف مختار ما وجب عليه. والإقرار سيد الأدلة، ويسمى بالشهادة على النفس. وهو حجة مطلقة؛ لأن الإنسان غير متهم بالإقرار على نفسه كاذباً، وهو من أقوى الأدلة لإثبات دعوى المدعي عليه. - حكم الإقرار: الإقرار هو الاعتراف بالحق، والحكم به واجب، إذا كان المقر مكلفاً مختاراً. والإقرار حجة قاصرة لا تتعدى غير المقر، فلو أقر على غيره لم يُقبل، بخلاف البينة فإنها حجة متعدية إلى الغير، والإقرار لا يلزم إلا من أقر، ويحكم به القاضي في الدماء، والحدود، والأموال، والحقوق. 1 - قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)}} ... [النساء: 135]. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
362 - ثبات بْن عَمْرو بْن ميمون البَجَليّ البغداديّ، أَبُو الْعَبَّاس القطّان. [المتوفى: 350 هـ]
سَمِعَ: محمد بْن غالب تَمْتَام، ومحمد بْن يونس الكُدَيْميّ، وبشر بْن مُوسَى، وَعُبَيْدًا العِجْل. وَعَنْهُ: ابن رزْقَوَيْه، وطلحة الكتانيّ، وغيرهما. قَالَ الخطيب: صدوق. لم يبلغني موته. بل حدث في هذه السنة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
5 - أَحْمَد بْن عَلِيّ بْن ثَبَات، الْإمَام أَبُو الْعَبَّاس الواسطيُّ الشّافعيُّ الفَرَضِيُّ الحاسبُ. [المتوفى: 631 هـ]
وُلِد فِي حدود سنة خمس وخمسين وخمسمائة. وسَمِعَ ببغداد من أَبِي طَالِب المبارك صاحب ابن الخَلّ. وكان بصيرًا بالفرائض والحساب، وصنَّف فِيهِ. وانتفع بِهِ جماعةٌ. تُوُفّي فِي رجب. |
موسوعة النحو والصرف والإعراب
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
إثبات عذاب القبر
لأبي بكر: أحمد بن الحسين البيهقي. المتوفى: سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
إثبات العلل للشريعة
لأبي عبد الله: محمد بن علي الحكيم الترمذي. المتولد: سنة 255، خمس وخمسين ومائتين. وقيل غير ذلك. المتوفى: سنة 320 تقريبا. ذكر التاج السبكي: أنه لما صنف هذا الكتاب، و (كتاب ختم الولاية) ، أخرجوه من ترمذ، وشهدوا عليه بما لا ينبغي ذكره في مثله. ولا شك أنه مقتضى التعصب القديم بين الفريقين. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
إثبات المحصل، في أبيات المفصل
يأتي في: الميم. |