نتائج البحث عن (دَيْنُ اللَّهِ) 41 نتيجة

الحافظ لدين الله

سير أعلام النبلاء

2920- الحافظ لدين الله 1:
صَاحِبُ مِصْر أَبُو المَيْمُوْنِ عَبْدُ المَجِيْدِ بنُ الأمير محمد بن المستنصر بِاللهِ مَعَدّ بن الظَّاهِر عَلِيّ بن الحَاكِم بن العَزِيْز بن المُعِزّ، العُبَيْديُّ الإِسْمَاعِيْلِيُّ المِصْرِيُّ.
بايعُوهُ يَوْمَ مَصْرَعِ ابْنِ عَمِّهِ الآمِر ليدبِّر المملكَةَ إِلَى أَنْ يُولَد حَملٌ لِلآمر إِن وُلِد، وَغَلَبَ عَلَى الأُمُورِ أَمِيْرُ الجُيُوش أَبُو عَلِيٍّ بنُ الأَفْضَل بن بَدْر الجمَالِي. وَكَانَ الآمِرُ قَدْ سَجَنَه عِنْدَمَا قَتَلَ أَبَاهُ، فَأَخْرَجَتِ الأُمَرَاء أَبَا عَلِيٍّ، وَقدَّمُوهُ عَلَيْهِم، فَأَتَى إِلَى القَصْر. وَأَمرَ وَنَهَى، وَبَقِيَ الحَافِظُ مَعَهُ مُنْقَهراً، فَقَامَ أَبُو عَلِيٍّ بِالمُلْكِ أَتمَّ قِيَام، وَعَدَلَ فِي الرَّعيَة، وَرَدَّ أَمْوَالاً كَثِيْرَةً عَلَى المصَادَرين، وَوَقَفَ عِنْد مَذْهَب الشِّيْعَة، وَتَمَسَّكَ بِالإِثنِي عشر، وَتَرَكَ مَا تقولُهُ الإِسْمَاعِيْلِيَّة، وَأَعْرَضَ عَنِ الحَافِظِ وَآلِ بَيْته، وَدَعَا عَلَى منَابِرِ مِصْر لِلْمُنْتَظَر صَاحِبِ السِّرْدَاب عَلَى زَعْمهِم، وَكَتَبَ اسْمَه عَلَى السِّكَّة وَاسْتمرَّ عَلَى ذَلِكَ، وَقَلِقَت الدَّوْلَة إِلَى أَنْ شَدَّ عَلَيْهِ فَارسٌ مِنَ الخَاصَّة، فَقَتَلَهُ بِظَاهِرِ القَاهِرَة فِي المُحَرَّمِ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْس مائَة، وَذَلِكَ بتَدْبِيْرِ الحَافِظِ، فَبَادرتِ الأُمَرَاء إِلَى خدمَة الحَافِظ، وَأَخْرَجُوهُ مِنَ الضِّيق وَالاعتقَالَ، وَجدَّدُوا بَيعَتَهُ، وَاسْتقلَّ بِالمُلْكِ.
وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي الغُرْبَة بِسبَبِ القَحطِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائة بعسقلان.
وعِنْدَمَا مَاتَ الْآمِر قبْله، قَالَ الجُهالُ: هَذَا بَيْتٌ لاَ يموتُ إِمَامٌ مِنْهُم حَتَّى يخلِّفَ ابْناً يَنْصُّ عَلَى إِمَامته، فَخلَّف الآمُر حَمْلاً فَكَانَ بنتاً.
وَكَانَ الحَافِظ يعترِيه القُولَنْج، فَعَمِلَ لَهُ شيرمَاهُ الدّيْلَمِيُّ طَبْلاً مُرَكَّباً مِنْ سَبْعَة معَادنَ فِي شَرَفِ الْكَوَاكِب السَّبْعَة، فَكَانَ مَنْ ضَرَبَهُ وَبِهِ قُولَنْج، انفشَّ مِنْهُ رِيْح كَثِيْرٌ، فَوجَدَ رَاحَةً فَوَجَده السُّلْطَان صلاحُ الدِّينِ فِي خَزَائِنهُم، فَضَرَبَ بِهِ أَمِيْرٌ كرديٌّ فَضَرَطَ، فَغَضِبَ وَشَقَّه، وَلَمْ يعلَم منفَعَتَه.
وَكَانَ الحَافِظُ كلَمَّا أَقَامَ وَزِيْراً تَمَكَّنَ. وَحَكَمَ عَلَيْهِ، فيتَأَلَّمُ وَيتحيَّلُ عَلَيْهِ، وَيَعْمَلُ عَلَى هلاَكِهِ، مِنْهُم، رِضوَان، فسجنَه سبعَ سِنِيْنَ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ الشَّامَ، وَجَمَعَ جُموعاً، وَقَاتَلَ المِصْرِيّين، وَقَاتَلَهُمْ عَلَى بَاب القَاهِرَة، وَانتَصَرَ، ثُمَّ دَخَلَهَا، فَاعتقله الحَافِظُ عِنْدَهُ معزَّزاً فِي الْقصر، ثُمَّ نقب الحَبْس، وَرَاح إِلَى الصَّعيد، وَأَقبلَ بجمعٍ عَظِيْمٍ، وَحَارَبَ، فَكَانَ المُلْتَقَى عند
__________
1 ترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان "3/ ترجمة 407"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "5/ 237"، وشذرات الذهب لابن العماد "4/ 138".

ابن صرما، الناصر لدين الله

سير أعلام النبلاء

ابن صرما، الناصر لدين الله

5573- ابن صرما 1:
الشَّيْخُ المُسْنِدُ المُعَمَّرُ أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ يوسف ابن الشيخ محمد بن أَحْمَدَ بنِ صِرْمَا الأَزَجِيُّ، المُشْتَرِيُّ.
وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلاَثِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ ظَنّاً.
وَسَمِعَ مِنْ أَبِي الفَضْلِ الأُرْمَوِيِّ كِتَابَ "المَصَاحِفِ" وَ"صفَة المُنَافِقِ" وَ"المهروَانِيَّات" وَالتَّاسعَ مِنْ "فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ" لِلدَّارَقُطنِيِّ وَالأَوَّلَ مِنْ "صَحِيْحِهِ" وَ"جُزْء ابْن شَاهِيْنَ" وَالثَّالِثَ مِنَ "الحَرْبيَّاتِ". وَسَمِعَ مِنِ ابْنِ الطَّلاَّيَةِ، وَعَبْدِ الخَالِقِ اليُوْسُفِيِّ، وَابْنِ نَاصِرٍ، وَسَعِيْدِ ابْنِ البَنَّاءِ، وَأَبِي الوَقْتِ، وَعِدَّةٍ.
رَوَى عَنْهُ: الضِّيَاءُ، وَالدُّبَيْثِيُّ، وَمَكِّيُّ بنُ بَشَرٍ، وَالكَمَالُ الفُوَيْرِه، وَالجمَالُ مُحَمَّد ابْن الدَّبَّابِ، وَالشِّهَابُ الأَبَرْقُوْهِيُّ، وَآخَرُوْنَ.
مَاتَ فِي شَعْبَانَ، سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ.
سمِعنَا مِنْ طرِيقِهِ "نُسْخَة" يَحْيَى بن مَعِيْنٍ، وَخَرَّجَ لَهُ عَبْدُ اللَّطِيْفِ بنُ بُوْرندَاز "أَرْبَعِيْنَ" سَمِعَهَا مِنْهُ الكَمَالُ الفُوَيْرِه.
5574- النَّاصِرُ لِدِيْنِ الله 2:
الخَلِيْفَةُ أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ ابْنُ المُسْتَضِيْءِ بِأَمْرِ الله أبي مُحَمَّدٍ الحَسَنُ ابْنُ المُسْتَنْجِدِ بِاللهِ يُوْسُفَ ابْنِ المُقْتَفِي مُحَمَّدُ ابنُ المُسْتَظْهِر بِاللهِ أَحْمَدَ ابْن المقتدِي الهَاشِمِيُّ، العَبَّاسِيُّ، البَغْدَادِيُّ.
مَوْلِدُهُ فِي عَاشرِ رَجَبٍ، سَنَةَ ثَلاَثٍ وَخَمْسِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.
وَبُوْيِعَ فِي أَوَّلِ ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِيْنَ، وَكَانَ أَبْيَضَ، مُعْتَدِلَ القَامَةِ، تُرْكِيَّ الوَجْهِ، مليحَ العَينَيْنِ، أَنورَ الجبهَةِ، أَقنَى الأَنفِ، خفِيفَ العَارضَينِ، أَشقرَ، رقيقَ المَحَاسِنِ، نَقْشَ خَاتَمِهِ: رجَائِي مِنَ اللهِ عَفْوُهُ.
__________
1 ترجمته في النجوم الزاهرة لابن تغري بردي "6/ 260"، وشذرات الذهب لابن العماد "5/ 94".
2 ترجمته في النجوم الزاهرة "6/ 261، 262"، وشذرات الذهب لابن العماد "5/ 97-99".
النحوي: أحمد بن يحيى بن المرتضى بن مفضل بن منصور الحسني، من سلالة الهادي إلى الحق.
ولد: سنة (775 هـ) خمس وسبعين وسبعمائة، وقيل سنة (764 هـ) أربع وستين وسبعمائة.
من مشايخه: الهادي، والقاضي يحيى بن محمّد المذحجي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* البدر الطالع: "قرأ في علم العربية فلبث في قراءة النحو والتصريف والمعاني والبيان قدر سبع سنين ... الإمام الكبير المصنف في جميع العلوم" أ. هـ.
* الأعلام: "عالم بالدين والأدب من أئمة الزيدية في اليمن" أ. هـ.
* مصادر الفكر: "له الأزهار في فقه الأئمة الأطهار أختصره مؤلفه من كتاب الأنتصار للامام يحيى بن حمزة، وهو عمدة المذهب الزيدي وعليه شروح كثيرة.
وله كتاب تكملة الأحكام والتصفية من بواطن الآثار (في التصوف) ألفه وهو في قلعة أبي زيد"
أ. هـ.
* قلت: ومن كتاب "طبقات المعتزلة" (¬2) للمترجم، وبعد مراجعته تبين: أنه يدافع عن المعتزلة، وقد قسم الكتاب إلى طبقات وجعل الطبقة الأولى الخلفاء الراشدين وبعض الصحابة وإضافة إلى ذلك فإنه قدم عليًّا - رضي الله عنه - على بقية الخلفاء الراشدين. حيث ذكر صفحة (9): الطبقة الأولى الخلفاء الأربعة وهم عليّ - عليه السلام -
¬__________
* غاية النهاية (1/ 148)، الدرر (1/ 354).
(¬1) أشار ابن حجر في الدرر بوجود ترجمته في معرفة القراء للذهبي، ولم نجده في المطبوع، لعله سقط منه، والله أعلم.
* البدر الطالع (1/ 122)، الأعلام (1/ 269)، معجم المؤلفين (1/ 325).
(¬2) طبقات المعتزلة للمترجم له -بتحقيق سوسنة ديفلد- فيلز- طبعة بيروت لبنان (1961 م)، مصادر الفكر العربي الإسلامي في اليمن (583).

وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ... " أ. هـ.
* قلت: وقال محققه في مقدمته بعد ما ذكر كتاب "
طبقات المعتزلة" هذا الذي هو جزء من كتاب اسمه "كتاب المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل" وبيَّن المحقق أقسامه ومنه هذا الجزء الذي هو "طبقات المعتزلة" قال: "يعتمد المؤلف في كثير من ذلك -أي في إحالاته في طبقاته هذه- على "كتاب الملل والنحل" للشهرستاني ... بذكر من قال بالاعتزال من آل النبي والخلفاء والزهاد والفقهاء والشعراء (ص 120 - ص 132) ثم يعود إلى بيان الفرق ويذكر فرق المعتزلة بالتفصيل مع ذكر ما انفردت به كل واحدة منها من القول ... ثم يتكلم عن أبي الفرق تكون "الناجية" ويقول: إن الزيدية هي الفرقة الناجية أ. هـ. ودليله على هذا أن المعتزلة وإن اجتمعت على العدل والتوحيد والقول بإمامة زيد، وقع من بعضهم اعتقادات أخر تقتضي الهلكة ... وكذلك وقع من كثير منهم اعتقادات تمثل الهلكة فهؤلاء ليسوا على صفة خلف الزيدية في سلامة اعتقادهم من الشوائب المهلكة من الاعتقادات الدينية .. ألا ترى أن كثيرًا من الخوارج يقولون بالعدل والتوحيد، ولم يسلموا من شائب في اعتقادهم، وكذلك بعض الرافضة وكذلك نقول في بعض المعتزلة. انتهى قول المترجم" أ. هـ. قول المحقق.
وقال صاحب كتاب "
الأصول التي بني عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات" (¬1) في هامشه عند تعريفه بالمترجم له (1/ 357): "زيدي المذهب، معتزلي المعتقد، اعتمد على كتب الحاكم الجشمي الكلامية اعتمادًا كليًّا، حتى لا تكاد تلمح أدنى اختلاف بين آرائهما الكلامية" أ. هـ.
قلت: هذا يكفي في بيان اعتقاده على مذهب الزيدية أحد أكبر فرق الشيعة كما عرفنا بها -أي الزيدية- سابقًا مع اعتزاله ... والله الموفق لخير السبيل.
وفاته: سنة (840 هـ) أربعين وثمانمائة.
من مصنفاته: "
معيار العقول وشرحه منهاج الوصول" في علم النحو، و "الشافية شرح الكافية" و "طبقات المعتزلة".

*العاضد لدين الله الفاطمي خليفة فاطمى تولى الخلافة (555هـ) خلف «الفائز»، فتخلص من الوزير «طلائع» بقتله، وأسند منصبه إلى ابنه «أبى شجاع العادل بن طلائع»، فرأى «شاور» والى الصعيد أنه أحق بالوزارة من «أبى شجاع»، وقدم على رأس قواته، وتمكن من خلع «أبى شجاع» من الوزارة، وتنصيب نفسه مكانه سنة (558هـ)، ولكنه لم يهنأ بمنصبه الجديد إذ استطاع «ضرغام» أمير البرقية (فرقة من المغاربة) خلعه، فهرب «شاور» إلى الشام مستنجدًا بنور الدين محمود ليعيده إلى منصبه، فأحس «ضرغام» بالخطر وخشى من ضياع منصبه فاستنجد بعمورى الصليبى ملك «بيت المقدس»، ولبى كل طرف نداء مَنْ استنجد به، وقدمت القوات الإسلامية كما قدمت القوات الصليبية فى ثلاث حملات، ولكن «أسد الدين شيركوه» قائد حملات «نور الدين محمود» كانت له عقلية سياسية حكيمة، كما كان يجيد التخطيط الجيد، فتولى الوزارة بنفسه بعد أن قُضى على الخصمين المتنافرين، وظل على ذلك حتى مات، فخلفه فى منصبه ابن أخيه «صلاح الدين الأيوبى» السنىُّ المذهب.
وتوفى العاضد سنة 567هـ وبوفاته سقطت الدولة الفاطمية.
التَّعْرِيفُ:
1 - فِي اللُّغَةِ: دَانَ يَدِينُ دَيْنًا، وَدَايَنَهُ مُدَايَنَةً وَدِيَانًا، عَامَلَهُ بِالدَّيْنِ فَأَعْطَاهُ دَيْنًا وَأَخَذَ بِدَيْنٍ، وَادَّانَ: اقْتَرَضَ فَصَارَ دَيْنًا. وَالدَّيْنُ: الْقَرْضُ وَثَمَنُ الْمَبِيعِ، وَكُل مَا لَيْسَ حَاضِرًا (1) .
وَالدَّيْنُ اصْطِلاَحًا: عُرِّفَ بِتَعْرِيفَاتٍ كَثِيرَةٍ وَأَوْلَى هَذِهِ التَّعْرِيفَاتِ هُوَ " لُزُومُ حَقٍّ فِي الذِّمَّةِ (2) ". وَهَذَا التَّعْرِيفُ يَشْمَل كُل مَا يَشْغَل ذِمَّةَ الإِْنْسَانِ سَوَاءٌ أَكَانَ حَقًّا لِلْعَبْدِ أَمْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَدَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ حُقُوقُهُ الَّتِي ثَبَتَتْ فِي الذِّمَّةِ وَلاَ مُطَالِبَ لَهَا مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ، كَالنُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْحَجِّ، وَالصَّوْمِ الَّذِي لَمْ يُؤَدَّ، وَالصَّلاَةِ الَّتِي خَرَجَ وَقْتُهَا وَلَمْ تُؤَدَّ،
وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ إِذْ أَنَّ الزَّكَاةَ مِنْ حَقِّ الإِْمَامِ الْمُطَالَبَةُ بِهَا وَكَذَا قَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ كَالْكَفَّارَةِ وَالْهَدْيِ (3) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى:
2 - الْحَقُّ ضِدُّ الْبَاطِل، وَحَقَّ الأَْمْرُ: أَيْ ثَبَتَ وَوَجَبَ. وَحَقُّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْعُ الْعَامُّ لِلْعَالَمِ فَلاَ يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدٌ، وَيُنْسَبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمًا.
قَال الْقَرَافِيُّ: حَقُّ اللَّهِ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ. وَفِي الْحَدِيثِ: حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا (4) .
وَقَدْ قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى عِبَادَاتٍ وَعُقُوبَاتٍ وَكَفَّارَاتٍ (5) . . . إِلَخْ
فَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى أَعَمُّ مِنْ دَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى لأَِنَّهُ يَشْمَل كُل مَا وَجَبَ لِلَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ أَكَانَ دَيْنًا تَرَتَّبَ فِي الذِّمَّةِ أَمْ لاَ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
3 - دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي يَتَرَتَّبُ فِي ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِ سَوَاءٌ أَكَانَ هَذَا الدَّيْنُ عِبَادَاتٍ بَدَنِيَّةً أَمْ مَالِيَّةً أَمْ كَانَ كَفَّارَاتٍ أَمْ نُذُورًا يَجِبُ قَضَاؤُهُ، لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَال: نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللَّهَ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ (6) . قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَيُلْتَحَقُ بِالْحَجِّ كُل حَقٍّ ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ مِنْ كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ زَكَاةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (7) .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَال: نَعَمْ، فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى (8) .
وَكَذَلِكَ قَال النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَلْيُصَل إِذَا ذَكَرَهَا، لاَ كَفَّارَةَ لَهَا إِلاَّ ذَلِكَ (9) .
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ مَا ذُكِرَ عَنِ ابْنِ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لاَ يَقْضِي لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَنْ نَسِيَ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا (10) . وَحِكْمَتُهُ التَّغْلِيظُ عَلَيْهِ، قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ (11) .
هَذَا مَعَ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ أَوِ التَّرَاخِي وَفِيمَا يُقْضَى عَنِ الْمَيِّتِ أَوْ لاَ يُقْضَى.
أَسْبَابُ صَيْرُورَةِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ:
يَصِيرُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ لأَِسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْهَا:
أ - خُرُوجُ الْوَقْتِ قَبْل الأَْدَاءِ:
4 - الْعِبَادَةُ الْبَدَنِيَّةُ الَّتِي لَهَا وَقْتٌ مُحَدَّدٌ كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ إِذَا فَاتَ الْوَقْتُ الْمُحَدَّدُ لَهَا قَبْل الأَْدَاءِ اسْتَقَرَّتْ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِ وَوَجَبَ الْقَضَاءُ، يَقُول الْقَرَافِيُّ: الصَّلاَةُ لاَ يَنْتَقِل الأَْدَاءُ فِيهَا إِلَى الذِّمَّةِ إِلاَّ إِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ؛ لأَِنَّهَا مُعَيَّنَةٌ بِوَقْتِهَا، وَالْقَضَاءُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ يَتَعَيَّنُ حَدُّهُ بِخُرُوجِهِ فَهُوَ فِي الذِّمَّةِ، فَالصَّلاَةُ إِنْ تَعَذَّرَ فِيهَا الأَْدَاءُ بِخُرُوجِ وَقْتَيْهَا (أَيِ الاِخْتِيَارِيِّ وَالضَّرُورِيِّ) لِعُذْرٍ لاَ يَجِبُ الْقَضَاءُ، وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ عُذْرٍ تَرَتَّبَتْ فِي الذِّمَّةِ وَوَجَبَ الْقَضَاءُ. وَبِمِثْل ذَلِكَ قَال الْكَاسَانِيُّ (12) .
وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ مَا أَوْجَبَهُ الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ بِالنَّذْرِ مِنْ عِبَادَاتٍ بَدَنِيَّةٍ مُقَيَّدَةٍ بِوَقْتٍ كَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرِ رَجَبٍ مَثَلاً وَمَضَى شَهْرُ رَجَبٍ دُونَ أَنْ يَصُومَهُ فَإِنَّهُ يُصْبِحُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
وَلِذَلِكَ يُقَسِّمُ الْحَنَفِيَّةُ صَوْمَ الْفَرْضِ إِلَى قِسْمَيْنِ: عَيْنٍ وَدَيْنٍ. فَالْعَيْنُ مَا لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ إِمَّا بِتَعْيِينِ اللَّهِ تَعَالَى كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَإِمَّا بِتَعْيِينِ الْعَبْدِ كَالصَّوْمِ الْمَنْذُورِ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ، وَأَمَّا صَوْمُ الدَّيْنِ فَمَا لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ كَصَوْمِ قَضَاءِ رَمَضَانَ (13) . . . إِلَخْ يَقُول الْكَاسَانِيُّ: فَمَنْ
قَال: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ رَجَبٍ فَأَفْطَرَ فِيهِ قَضَى فِي شَهْرٍ آخَرَ لأَِنَّهُ فَوَّتَ الْوَاجِبَ عَنْ وَقْتِهِ فَصَارَ دَيْنًا عَلَيْهِ وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ عَلَى لِسَانِ رَسُول اللَّهِ ﷺ (14) .
وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى أَنَّ كَوْنَ الصَّلاَةِ أَوِ الصِّيَامِ تُصْبِحُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ لاَ يُنَاقِضُ التَّعَلُّقَ بِالذِّمَّةِ فِي وَقْتِ الأَْدَاءِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى كَلاَمِ الأُْصُولِيِّينَ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ أَصْل الْوُجُوبِ وَوُجُوبِ الأَْدَاءِ، وَبَيْنَ الْوَاجِبِ بِالأَْمْرِ وَالْوَاجِبِ بِالسَّبَبِ وَيُنْظَرُ ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
ب - إِتْلاَفُ الْمُعَيَّنِ مِنَ الأَْمْوَال أَوْ تَلَفُهُ:
5 - مَعَ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِالْعَيْنِ أَوْ بِالذِّمَّةِ إِلاَّ أَنَّهُمْ جَمِيعًا يَتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اسْتِهْلاَكَ مَال الزَّكَاةِ أَوِ التَّصَرُّفَ فِيهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ يَجْعَلُهَا دَيْنًا ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ. يَقُول الْقَرَافِيُّ: إِنَّ الزَّكَاةَ مَا دَامَتْ مُعَيَّنَةً بِوُجُودِ نِصَابِهَا لاَ تَكُونُ فِي الذِّمَّةِ فَإِذَا تَلِفَ النِّصَابُ بِعُذْرٍ لاَ يَضْمَنُ نَصِيبَ الْفُقَرَاءِ وَلاَ يَنْتَقِل الْوَاجِبُ إِلَى الذِّمَّةِ، وَيَقُول الْكَاسَانِيُّ: مَنْ أَتْلَفَ الثِّمَارَ أَوِ الزَّرْعَ أَوْ أَكَلَهَا بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا ضَمِنَهَا وَكَانَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ مَال الزَّكَاةِ بَعْدَ حَوَلاَنِ الْحَوْل (15) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (زَكَاة) .
وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ مَا كَانَ مُعَيَّنًا مِنْ نَذْرٍ أَوْ هَدْيٍ وَاجِبٍ. فَمَنْ عَيَّنَ هَدْيًا فَعَطِبَ أَوْ سُرِقَ أَوْ ضَل عَادَ الْوُجُوبُ إِلَى ذِمَّتِهِ (16) .
ج - الْعَجْزُ عَنِ الأَْدَاءِ حِينَ الْوُجُوبِ:
6 - قَال النَّوَوِيُّ وَالسُّيُوطِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ: الْحُقُوقُ الْمَالِيَّةُ الْوَاجِبَةُ لِلَّهِ تَعَالَى ثَلاَثَةُ أَضْرُبٍ:
1 - ضَرْبٌ يَجِبُ لاَ بِسَبَبِ مُبَاشَرَةٍ مِنَ الْعَبْدِ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ فَإِذَا عَجَزَ عَنْهُ وَقْتَ الْوُجُوبِ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ فَلَوْ أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ.
2 - وَضَرْبٌ يَجِبُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ عَلَى جِهَةِ الْبَدَل كَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَفِدْيَةِ الْحَلْقِ وَالطِّيبِ وَاللِّبَاسِ فِي الْحَجِّ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْهُ وَقْتَ وُجُوبِهِ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ تَغْلِيبًا لِمَعْنَى الْغَرَامَةِ لأَِنَّهُ إِتْلاَفٌ مَحْضٌ.
3 - وَضَرْبٌ يَجِبُ بِسَبَبِهِ لاَ عَلَى جِهَةِ الْبَدَل كَكَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ وَالْقَتْل، فَفِيهَا قَوْلاَنِ مَشْهُورَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ عِنْدَ الْعَجْزِ لأَِنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى وَجَبَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْعَجْزِ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ (17) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (صَوْم، وَكَفَّارَة، وَقَتْل، وَظِهَار) .
د - النُّذُورُ الْمُطْلَقَةُ:
7 - وَهِيَ الَّتِي لَمْ تُعَلَّقْ عَلَى شَرْطٍ أَوْ تُقَيَّدْ بِوَقْتٍ بَل كَانَتْ مُضَافَةً إِلَى وَقْتٍ مُبْهَمٍ كَمَنْ قَال: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ شَهْرًا، فَهِيَ فِي الذِّمَّةِ إِلَى أَنْ تُؤَدَّى، وَجَمِيعُ الْعُمْرِ وَقْتٌ لَهَا عِنْدَ مَنْ يَقُول بِأَنَّ الأَْمْرَ الْمُطْلَقَ عَلَى التَّرَاخِي. وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ الْحَجُّ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي كَالْحَنَفِيَّةِ (18) .
وَيَقُول الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: يُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ نَذْرِ الْقُرْبَةِ الْمَالِيَّةِ كَالصَّدَقَةِ وَالأُْضْحِيَّةِ الاِلْتِزَامُ لَهَا فِي الذِّمَّةِ أَوِ الإِْضَافَةِ إِلَى مُعَيَّنٍ يَمْلِكُهُ (19) .
وَيَقُول الْقَرَافِيُّ: جَمِيعُ الْعُمْرِ ظَرْفٌ لِوُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِإِيقَاعِ النُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ لِوُجُودِ التَّكْلِيفِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ (20) .
النِّيَابَةُ عَنِ الْغَيْرِ فِي أَدَاءِ دَيْنِ اللَّهِ:
8 - دَيْنُ اللَّهِ الْمَالِيُّ الْمَحْضُ كَالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ تَجُوزُ فِيهِ النِّيَابَةُ عَنِ الْغَيْرِ سَوَاءٌ أَكَانَ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَمْ لاَ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا إِخْرَاجُ الْمَال وَهُوَ يَحْصُل بِفِعْل النَّائِبِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الأَْدَاءُ عَنِ الْحَيِّ أَمْ عَنِ
الْمَيِّتِ، إِلاَّ أَنَّ الأَْدَاءَ عَنِ الْحَيِّ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ بِاتِّفَاقٍ وَذَلِكَ لِلاِفْتِقَارِ فِي الأَْدَاءِ إِلَى النِّيَّةِ لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ فَلاَ تَسْقُطُ عَنِ الْمُكَلَّفِ بِدُونِ إِذْنِهِ. أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَيِّتِ فَلاَ يُشْتَرَطُ الإِْذْنُ إِذْ يَجُوزُ التَّبَرُّعُ بِأَدَاءِ الدَّيْنِ عَنِ الْمَيِّتِ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ.
وَأَمَّا الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ الْمَحْضَةُ كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ فَلاَ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهَا حَال الْحَيَاةِ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {{وَأَنْ لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}} (21) وَقَوْل عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لاَ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلاَ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ (22) .
قَال الْكَاسَانِيُّ: أَيْ فِي حَقِّ الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ لاَ فِي حَقِّ الثَّوَابِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ بَعْدَ الْمَمَاتِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.
وَهَذَا الْحُكْمُ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِقَضَاءِ الْعِبَادَةِ نَفْسِهَا عَنِ الْمَيِّتِ. أَمَّا فِدْيَةُ الصِّيَامِ وَكَفَّارَةُ الإِْفْطَارِ فَيَجُوزُ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَتَبَرَّعُوا بِهَا عَنِ الْمَيِّتِ إِذَا لَمْ يُوصِ. أَمَّا إِذَا أَوْصَى فَقَال الْحَنَفِيَّةُ فَتُؤَدَّى مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ (23) . وَلِغَيْرِهِمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ
يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (وَصِيَّة) .
أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَلاَ يَجُوزُ الْقَضَاءُ عَنِ الْمَيِّتِ عَمَّا تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ صَلاَةٍ فَاتَتْهُ وَمَاتَ دُونَ قَضَائِهَا. وَأَمَّا الصَّوْمُ فَمَا تَرَتَّبَ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ مِنْهُ فَفِي الْجَدِيدِ لاَ يَصِحُّ الصَّوْمُ عَنْهُ لأَِنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ لاَ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ فِي حَال الْحَيَاةِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا يُكَفَّرُ عَنْهُ بِإِخْرَاجِ مُدٍّ مِنْ طَعَامٍ عَنْ كُل يَوْمٍ فَاتَهُ، وَفِي الْقَدِيمِ يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ وَلِيُّهُ عَنْهُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ (24) ، وَهَذَا هُوَ الأَْظْهَرُ، قَال السُّبْكِيُّ وَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُخْتَارَ وَالْمُفْتَى بِهِ، وَالْقَوْلاَنِ يَجْرِيَانِ فِي الصِّيَامِ الْمَنْذُورِ إِذَا لَمْ يُؤَدَّ.
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ فَصَلُوا بَيْنَ الْوَاجِبِ بِأَصْل الشَّرْعِ مِنْ صَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَبَيْنَ مَا أَوْجَبَهُ الإِْنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ نَذْرِ صَلاَةٍ وَصِيَامٍ. فَقَالُوا: مَنْ مَاتَ وَفِي ذِمَّتِهِ صَلاَةٌ مَفْرُوضَةٌ لَمْ تُؤَدَّ، أَوْ صِيَامُ رَمَضَانَ لَمْ يُؤَدَّ، فَلاَ تَجُوزُ النِّيَابَةُ عَنِ الْمَيِّتِ فِي ذَلِكَ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ لاَ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ حَال الْحَيَاةِ فَبَعْدَ الْمَوْتِ كَذَلِكَ. أَمَّا مَا أَوْجَبَهُ الإِْنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بِالنَّذْرِ مِنْ صَلاَةٍ وَصَوْمٍ وَتَمَكَّنَ مِنَ الأَْدَاءِ وَلَمْ يَفْعَل حَتَّى مَاتَ سُنَّ لِوَلِيِّهِ فِعْل النَّذْرِ
عَنْهُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَال: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَال: فَصَوْمِي عَنْ أُمِّكِ. لأَِنَّ النَّذْرَ أَخَفُّ حُكْمًا مِنَ الْوَاجِبِ بِأَصْل الشَّرْعِ.
وَيَجُوزُ لِغَيْرِ الْوَلِيِّ فِعْل مَا عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ نَذْرٍ بِإِذْنِهِ وَبِدُونِ إِذْنِهِ (25) .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَجِّ لِمَا فِيهِ مِنْ جَانِبٍ مَالِيٍّ وَجَانِبٍ بَدَنِيٍّ، فَمَنْ كَانَ عَاجِزًا بِنَفْسِهِ عَنْ أَدَاءِ الْحَجِّ وَأَمْكَنَهُ الأَْدَاءُ بِمَالِهِ بِإِنَابَةِ غَيْرِهِ مَنَابَ نَفْسِهِ لَزِمَهُ الإِْنَابَةُ فِي الْحَجِّ عَنْهُ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ عَدَمُ جَوَازِ النِّيَابَةِ فِي الْحَجِّ. وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْحَيِّ فِي الْجُمْلَةِ.
أَمَّا مَنْ مَاتَ وَكَانَ مُسْتَطِيعًا وَلَمْ يَحُجَّ فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَجِبُ الْقَضَاءُ مِنْ رَأْسِ مَال تَرِكَتِهِ؛ لِمَا رَوَى بُرَيْدَةُ قَال: أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجَّ،
فَقَال لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: حُجِّي عَنْ أُمِّكِ (26) . وَلأَِنَّهُ حَقٌّ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ حَال الْحَيَاةِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَدَيْنِ الآْدَمِيِّ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ حَجُّ الْفَرِيضَةِ وَالنَّذْرِ، فَإِنْ حَجَّ عَنْهُ الْوَارِثُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِاسْتِئْجَارٍ سَقَطَ الْحَجُّ عَنِ الْمَيِّتِ. وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ حَجَّ عَنِ الْمَيِّتِ أَجْنَبِيٌّ جَازَ وَلَوْ بِلاَ إِذْنٍ كَمَا إِنَّ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ بِلاَ إِذْنٍ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ تَبَرُّعُ الْوَارِثِ بِالْحَجِّ بِنَفْسِهِ عَنِ الْمَيِّتِ أَوْ بِالإِْحْجَاجِ عَنْهُ رَجُلاً آخَرَ وَلَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (27) .
أَثَرُ دَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ
8 م - مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ أَلاَّ يَكُونَ هُنَاكَ دَيْنٌ لآِدَمِيٍّ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ لأَِنَّ لَهُ مُطَالِبًا مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ، وَكَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِدَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ وَالْهَدْيِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْل خَلِيلٍ وَابْنِ رُشْدٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ
الزَّكَاةِ؛ لأَِنَّ أَثَرَ هَذَا الدَّيْنِ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الآْخِرَةِ وَهُوَ الثَّوَابُ بِالأَْدَاءِ وَالإِْثْمُ بِالتَّرْكِ، وَلإِِطْلاَقِ الأَْدِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلزَّكَاةِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ وَعِنْدَ ابْنِ عَتَّابٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ هَذَا الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي الأَْمْوَال عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَال: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُول: هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلِيُؤَدِّهِ حَتَّى تُخْرِجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ. وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى (28) .
وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّ هَذَا الدَّيْنَ يَمْنَعُ زَكَاةَ الْمَال الْبَاطِنِ وَهُوَ النَّقْدُ وَالْعَرْضُ وَلاَ يَمْنَعُ زَكَاةَ الْمَال الظَّاهِرِ وَهُوَ الْمَاشِيَةُ وَالزُّرُوعُ وَالثِّمَارُ وَالْمَعَادِنُ.
وَهَذَا الْحُكْمُ عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ لِدُيُونِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا فِي ذَلِكَ دَيْنُ الزَّكَاةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ دَيْنِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهِ مِنَ الدُّيُونِ. فَالْحُكْمُ السَّابِقُ عِنْدَهُمْ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ دَيْنِ الزَّكَاةِ.
أَمَّا مَنْ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ زَكَاةُ سَنَوَاتٍ مَضَتْ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ لِلزَّكَاةِ الْحَاضِرَةِ.
فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ دَيْنُ الزَّكَاةِ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ الْحَاضِرَةِ، وَهُوَ قَوْل زُفَرَ فِي
الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ: دَيْنُ الزَّكَاةِ لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ الْحَاضِرَةِ، وَهُوَ قَوْل زُفَرَ فِي الأَْمْوَال الْبَاطِنَةِ.
وَحُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِالْمَنْعِ أَنَّ دَيْنَ الزَّكَاةِ لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ وَهُوَ الإِْمَامُ فَأَشْبَهَ دَيْنَ الآْدَمِيِّ وَهُوَ تَعْلِيل زُفَرَ فِي الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ بِخِلاَفِ الْبَاطِنَةِ. وَيُلاَحَظُ أَنَّ الأَْحْكَامَ السَّابِقَةَ جَمِيعُهَا إِنَّمَا هِيَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِزَكَاةِ الْعَيْنِ (النَّقْدَيْنِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ) فَهِيَ الَّتِي يُؤَثِّرُ فِيهَا الدَّيْنُ، أَمَّا زَكَاةُ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ فَلاَ يُؤَثِّرُ الدَّيْنُ فِي وُجُوبِ إِخْرَاجِهَا (29) . وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ: (زَكَاة) .
حُكْمُ الإِْيصَاءِ بِدَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى:
9 - دُيُونُ اللَّهِ تَعَالَى الْمَالِيَّةُ الَّتِي اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ كَفَّارَةِ يَمِينٍ أَوْ إِفْطَارٍ فِي رَمَضَانَ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ فِدْيَةِ أَذًى فِي الْحَجِّ، أَوْ جَزَاءِ صَيْدٍ، أَوْ هَدْيٍ لِتَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ إِذَا أَدْرَكَتْهُ الْوَفَاةُ وَلَمْ يُؤَدِّهَا يَجِبُ عَلَيْهِ الإِْيصَاءُ بِهَا. وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْحَجِّ، أَوْ كَانَ
عَاجِزًا بِنَفْسِهِ وَأَمْكَنَهُ الأَْدَاءُ بِمَالِهِ بِإِنَابَةِ غَيْرِهِ مَنَابَ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوصِيَ بِالْحَجِّ عَنْهُ.
أَمَّا الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ الَّتِي تَرَتَّبَتْ فِي ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِ كَالصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ فَإِنَّ الصِّيَامَ الَّذِي فَرَّطَ الإِْنْسَانُ فِيهِ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ أَوْ صِيَامِ كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوصِيَ عِنْدَ وَفَاتِهِ بِالْفِدْيَةِ، وَهِيَ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ عَنْ كُل يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الصِّيَامِ الَّتِي فَاتَتْهُ.
وَالْحُكْمُ فِي جَمِيعِ مَا سَبَقَ هُوَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ وُجُوبَ الْوَصِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ فَاتَتْهُ صَلاَةٌ لَمْ يَقْضِهَا. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: مَنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ وَكَانَ يَقْدِرُ عَلَى الصَّلاَةِ وَلَوْ بِالإِْيمَاءِ وَلَمْ يُصَل فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الإِْيصَاءُ بِالْكَفَّارَةِ بِأَنْ يُعْطِيَ لِكُل صَلاَةٍ فَاتَتْهُ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ كَالْفِطْرَةِ قَال: وَكَذَا حُكْمُ الْوِتْرِ. وَنَقَل الْبُوَيْطِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يُطْعَمَ لِكُل صَلاَةٍ مُدٌّ (30) .
تَعَلُّقُ دَيْنِ اللَّهِ بِتَرِكَةِ الْمَيِّتِ:
10 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ دَيْنَ اللَّهِ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُتَرَتِّبَ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ يَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِهِ، وَيَجِبُ أَدَاؤُهُ مِنْهَا سَوَاءٌ أَوْصَى الْمَيِّتُ بِذَلِكَ أَمْ لَمْ يُوصِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ لاَ يَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ إِلاَّ أَنْ يُوصِيَ بِهِ الْمَيِّتُ فَإِذَا أَوْصَى بِهِ أَخْرَجَهُ الْوَرَثَةُ مِنَ التَّرِكَةِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ لاَ يَتَعَلَّقُ دَيْنُ اللَّهِ بِالتَّرِكَةِ إِلاَّ فِي أَحْوَالٍ خَاصَّةٍ هِيَ:
أ - أَنْ يُوصِيَ الْمَيِّتُ بِذَلِكَ فَتَخْرُجُ مِنَ التَّرِكَةِ.
ب - أَنْ يُشْهِدَ فِي صِحَّتِهِ بِأَنَّ هَذَا الدَّيْنَ فِي ذِمَّتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى فَيَخْرُجُ مِنَ التَّرِكَةِ وَلَوْ لَمْ يُوصِ بِذَلِكَ.
ج - أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ الْوَاجِبُ إِخْرَاجُهَا قَائِمَةً كَزَكَاةِ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ.
وَهَل يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ الْمَال أَوْ مِنَ الثُّلُثِ، وَمَا يُقَدَّمُ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ (31) ؟ سَبَقَ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَرِكَة) .
سُقُوطُ دَيْنِ اللَّهِ
11 - الأَْصْل أَنَّ دَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لاَ يَسْقُطُ وَلاَ تَبْرَأُ مِنْهُ الذِّمَّةُ إِلاَّ بِالْقَضَاءِ، لَكِنْ هُنَاكَ بَعْضُ الأَْسْبَابِ الَّتِي يَسْقُطُ بِهَا الْقَضَاءُ وَمِنْ ذَلِكَ:
1 - الْحَرَجُ:
12 - أ - فَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ لاَ يَسْقُطُ عَنْهُمَا قَضَاءُ الصَّوْمِ وَيَسْقُطُ عَنْهُمَا قَضَاءُ الصَّلاَةِ لِلْحَرَجِ يَقُول الْكَاسَانِيُّ: يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ قَضَاءُ الصَّوْمِ لِفَوَاتِ صَوْمِ رَمَضَانَ عَلَيْهِمَا وَلِقُدْرَتِهِمَا عَلَى الْقَضَاءِ فِي عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمَا قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَرَجِ لأَِنَّ وُجُوبَهَا يَتَكَرَّرُ فِي كُل يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ (32) .
ب - الْمُغْمَى عَلَيْهِ، إِنْ أُغْمِيَ عَلَى شَخْصٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ أَقَل يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّلاَةِ لاِنْعِدَامِ الْحَرَجِ، وَإِنْ زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ يُحْرَجُ فِي الْقَضَاءِ لِدُخُول الْعِبَادَةِ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ. وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ لاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ إِلاَّ أَنْ يُفِيقَ فِي جُزْءٍ مِنْ وَقْتِهَا. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَقْضِي الصَّلَوَاتِ الَّتِي فَاتَتْهُ حَال إِغْمَائِهِ. وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (إِغْمَاء) .
ج - يَقُول الْحَنَفِيَّةُ: الْمَرِيضُ الْعَاجِزُ عَنِ الإِْيمَاءِ فِي الصَّلاَةِ إِذَا فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ ثُمَّ بَرِئَ، فَإِنْ كَانَ مَا فَاتَهُ يَوْمًا أَوْ أَقَل قَضَاهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ لاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحَرَجِ، وَذَلِكَ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَبِمِثْل ذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ
وَهُوَ أَيْضًا مِنِ اخْتِيَارَاتِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (33) .
2 - الْعَجْزُ عَنِ الْقَضَاءِ:
13 - أ - مَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ لِعُذْرٍ مِنْ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ ثُمَّ مَاتَ سَقَطَ عَنْهُ الْقَضَاءُ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَجَبَ بِالشَّرْعِ، وَقَدْ مَاتَ قَبْل إِمْكَانِ فِعْلِهِ فَسَقَطَ إِلَى غَيْرِ بَدَلٍ كَالْحَجِّ (34) .
ب - مَنْ عَجَزَ عَنْ كَفَّارَةِ الإِْفْطَارِ فِي رَمَضَانَ الَّتِي وَجَبَتْ بِجِمَاعٍ أَوْ بِغَيْرِهِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي الْمَذَاهِبِ سَقَطَتْ عَنْهُ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الأَْعْرَابِيَّ أَنْ يُطْعِمَ أَهْلَهُ (35) وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ أُخْرَى وَلاَ بَيَّنَ لَهُ بَقَاءَهَا فِي ذِمَّتِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ. وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ (36) .
3 - هَلاَكُ مَال الزَّكَاةِ:
14 - هَلاَكُ نِصَابِ الزَّكَاةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا بِحَوَلاَنِ
الْحَوْل يُسْقِطُ الزَّكَاةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْهَلاَكُ قَبْل التَّمَكُّنِ مِنَ الأَْدَاءِ أَمْ بَعْدَهُ؛ لأَِنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ يَسْتَدْعِي تَفْوِيتَ مِلْكٍ أَوْ يَدٍ، وَتَأْخِيرَ الزَّكَاةِ عَنْ أَوَّل أَوْقَاتِ الإِْمْكَانِ لَمْ يُفَوِّتْ عَلَى الْفَقِيرِ مِلْكًا وَلاَ يَدًا فَلاَ يَضْمَنُ.
وَيَقُول ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فَعَزَلَهَا وَأَخْرَجَهَا فَتَلِفَتْ مِنْهُ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ تَسْقُطُ الزَّكَاةُ إِلاَّ إِنْ تَلِفَ الْمَال قَبْل التَّمَكُّنِ مِنَ الأَْدَاءِ بِلاَ تَقْصِيرٍ، أَمَّا بَعْدَ التَّمَكُّنِ فَتَلَفُ الْمَال يُوجِبُ الضَّمَانَ (37) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: الزَّكَاةُ لاَ تَسْقُطُ بِتَلَفِ الْمَال فَرَّطَ أَوْ لَمْ يُفَرِّطْ، هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَحَكَى عَنْهُ الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ إِذَا تَلِفَ النِّصَابُ قَبْل التَّمَكُّنِ مِنَ الأَْدَاءِ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ عَنْهُ، وَإِنْ تَلِفَ بَعْدَهُ لَمْ تَسْقُطْ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مَذْهَبًا لأَِحْمَدَ، ثُمَّ قَال ابْنُ قُدَامَةَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَالصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّ الزَّكَاةَ تَسْقُطُ بِتَلَفِ الْمَال إِذَا لَمْ يُفَرِّطْ فِي الأَْدَاءِ لأَِنَّهَا تَجِبُ عَلَى سَبِيل الْمُوَاسَاةِ فَلاَ تَجِبُ عَلَى وَجْهٍ يَجِبُ أَدَاؤُهَا مَعَ عَدَمِ الْمَال وَفَقْرِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ (38) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (زَكَاة) .
4 - الرِّدَّةُ
15 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الرِّدَّةَ تُسْقِطُ دَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، سَوَاءٌ أَكَانَ بَدَنِيًّا أَمْ مَالِيًّا لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {{قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}} (39) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الإِْسْلاَمُ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ (40) . وَعَلَى هَذَا فَمَنْ كَانَ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - ثُمَّ أَسْلَمَ فَمَا كَانَ مِنْ دُيُونِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذِمَّتِهِ فَقَدْ بَطَل تَعَلُّقُهُ بِهَا وَسَقَطَ عَنْهُ الْقَضَاءُ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الرِّدَّةَ لاَ تُسْقِطُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى مَالِيًّا أَوْ بَدَنِيًّا (41) .
وَقَدْ فَصَّل ابْنُ قُدَامَةَ الْقَوْل بِالنِّسْبَةِ لِمَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ فَقَال فِي الزَّكَاةِ: مَنِ ارْتَدَّ قَبْل مُضِيِّ الْحَوْل وَحَال الْحَوْل وَهُوَ مُرْتَدٌّ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الإِْسْلاَمَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فَعَدَمُهُ فِي بَعْضِ الْحَوْل يُسْقِطُ الزَّكَاةَ كَالْمِلْكِ وَالنِّصَابِ، وَإِنْ رَجَعَ إِلَى الإِْسْلاَمِ قَبْل مُضِيِّ الْحَوْل اسْتَأْنَفَ حَوْلاً، أَمَّا إِنِ ارْتَدَّ بَعْدَ الْحَوْل لَمْ تَسْقُطِ الزَّكَاةُ عَنْهُ.
وَأَمَّا الصَّلاَةُ فَلاَ تَسْقُطُ أَيْضًا لَكِنْ لاَ يُطَالَبُ بِفِعْلِهَا لأَِنَّهَا لاَ تَصِحُّ مِنْهُ وَلاَ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ، فَإِذَا عَادَ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا، وَالزَّكَاةُ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ وَلاَ تَسْقُطُ بِالرِّدَّةِ كَالدَّيْنِ (42) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (رِدَّة، زَكَاة) .
5 - الْمَوْتُ:
16 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ دُيُونَ اللَّهِ لاَ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ بَل تَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ فَيَخْرُجُ مِنْهَا مَا عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ دُيُونِ اللَّهِ تَعَالَى كَدُيُونِ الآْدَمِيِّ. وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ الْحَجُّ فَيُحَجُّ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ. أَمَّا الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ الْمَحْضَةُ فَإِنَّ الصَّلاَةَ تَسْقُطُ عَنْهُ عِنْدَهُمَا فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قَالَهُ الْبُوَيْطِيُّ الشَّافِعِيُّ مِنَ الإِْطْعَامِ عَنْهُ لِكُل صَلاَةٍ مُدٌّ، وَمِثْل ذَلِكَ قِيل فِي الاِعْتِكَافِ الْوَاجِبِ فِي الذِّمَّةِ. وَأَمَّا الصِّيَامُ فَيُفْدَى عَنْهُ، وَفِي الْقَدِيمِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُصَامُ عَنْهُ، قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ وَالْقَدِيمُ أَظْهَرُ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ نَذْرُ الْعِبَادَةِ يُفْعَل عَنِ الْمَيِّتِ مِنْ تَرِكَتِهِ، أَمَّا صَوْمُ رَمَضَانَ وَالْكَفَّارَةُ فَيُطْعَمُ عَنْهُ.
وَقَدِ اسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِعَدَمِ سُقُوطِ دَيْنِ اللَّهِ بِالْمَوْتِ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ
وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا قَال: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَال: فَصَوْمِي عَنْ أُمِّكِ (43) .
وَمَا رَوَى النَّسَائِيُّ أَنَّ رَجُلاً قَال: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ أَبِي مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَال: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ قَال: نَعَمْ، قَال: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ (44) ، كَمَا اسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ بِصِيَامِ الْوَلِيِّ بِقَوْل النَّبِيِّ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ (45) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمَوْتَ مِنْ أَسْبَابِ سُقُوطِ دَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا لَمْ يُوصِ بِهِ، فَمَنْ مَاتَ وَفِي ذِمَّتِهِ صَلاَةٌ أَوْ صَوْمٌ أَوْ زَكَاةٌ أَوْ حَجٌّ أَوْ كَفَّارَةٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى سَقَطَتْ عَنْهُ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَلِذَلِكَ لاَ تُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ وَلاَ يُؤْمَرُ الْوَصِيُّ أَوِ الْوَارِثُ بِالأَْدَاءِ مِنَ التَّرِكَةِ؛ لأَِنَّ دَيْنَ اللَّهِ عِبَادَةٌ وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِنِيَّةِ الْمُكَلَّفِ وَفِعْلِهِ، فَإِذَا لَمْ يُوصِ فَقَدْ فَاتَ الشَّرْطُ بِمَوْتِهِ فَلاَ يُتَصَوَّرُ بَقَاءُ الْوَاجِبِ فَيَسْقُطُ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا لِلتَّعَذُّرِ.
لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْعُشْرِ إِذَا كَانَ قَائِمًا، فَمَنْ
مَاتَ وَعَلَيْهِ الْعُشْرُ، فَإِنْ كَانَ الْخَارِجُ قَائِمًا فَلاَ يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَسْقُطُ، أَمَّا لَوْ كَانَ الْخَارِجُ مُسْتَهْلَكًا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ.
وَالأَْصْل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْمَوْتَ يُسْقِطُ مَا عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْ دُيُونِ اللَّهِ تَعَالَى إِلاَّ فِي أَحْوَالٍ ثَلاَثَةٍ وَهِيَ:
أ - إِذَا أَوْصَى بِهَا.
ب - إِذَا أَشْهَدَ فِي صِحَّتِهِ أَنَّهَا بِذِمَّتِهِ وَلَوْ لَمْ يُوصِ بِهَا.
ج - إِذَا تَعَلَّقَ بِعَيْنٍ قَائِمَةٍ كَزَكَاةِ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ (46) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (حَجّ، وَصَوْم) .
__________
(1) لسان العرب، ومعجم مقاييس اللغة والمعجم الوسيط والمصباح المنير، والعناية على الهداية وفتح القدير 6 / 346، 632 ط إحياء التراث وابن عابدين 4 / 169.
(2) فتح الغفار شرح المنار 3 / 20.
(3) الزيلعي 6 / 230، والبدائع 1 / 95، 2 / 7 - 8، 76، ومنح الجليل 1 / 363، والفروق 2 / 134، والحطاب 6 / 409، ومغني المحتاج 1 / 411، 3 / 3، والمغني 3 / 45، وفتح الباري 4 / 65 - 66، وفتح القدير 2 / 117 - 119 نشر دار المعرفة.
(4) حديث: " حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا " أخرجه البخاري (الفتح 10 / 397 - 398 - ط السلفية) ، ومسلم (1 / 58 - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك.
(5) المصباح المنير، وابن عابدين 4 / 188، وكشف الأسرار 4 / 134 - 135، والمنثور في القواعد 2 / 58، والفروق للقرافي 1 / 140 - 142.
(6) حديث ابن عباس: " أرأيت لو كان على أمك. . . " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 64 - ط السلفية) .
(7) فتح الباري (4 / 6 - 66) .
(8) حديث ابن عباس: " دين الله أحق أن يقضى " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 192 - ط السلفية) .
(9) حديث: " من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها. . . . . " أخرجه البخاري (الفتح 2 / 70 - ط السلفية) ، ومسلم (1 / 477 - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك.
(10) حديث: " من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها. . . " أخرجه مسلم (1 / 477 - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك.
(11) ابن عابدين 1 / 493، وبدائع الصنائع 1 / 245 - 247، 2 / 103، وفتح القدير 2 / 114، ومنح الجليل 1 / 170، 392، 522، والمنثور 1 / 101 و 3 / 316 - 317، وأشباه السيوطي ص 361 ط الحلبي، ومغني المحتاج 1 / 127 - 128، 329، 440، 445، وأسنى المطالب 1 / 356، وشرح منتهى الإرادات 1 / 139، 453، 456.
(12) الفروق للقرافي 2 / 134، والبدائع 1 / 95.
(13) البدائع 2 / 75 - 76.
(14) البدائع 5 / 95، والمغني 9 / 28 - 30.
(15) الفروق 2 / 134، والبدائع 2 / 7، 63، والمغني 2 / 679، ومغني المحتاج 1 / 419.
(16) المغني 3 / 534، وابن عابدين 2 / 12.
(17) المجموع شرح المهذب 6 / 309، وأشباه السيوطي ص 361 ط عيسى الحلبي، والمنثور 2 / 59 - 60، ومغني المحتاج 3 / 367 و 1 / 440، 445.
(18) البدائع 5 / 94.
(19) مغني المحتاج 4 / 358.
(20) الفروق 1 / 221 - 222.
(21) سورة النجم / 39.
(22) الأثر عن ابن عباس: " لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم. . . " أخرجه النسائي في الكبرى 2 / 314 - ط المكتبة القيمة، وصححه ابن حجر في التلخيص (2 / 209 - ط شركة الطباعة الفنية) .
(23) البدائع 2 / 41، 53، 103، 118، 212، 5 / 96، وابن عابدين 1 / 491 - 493، والزيلعي 6 / 230، ومنح الجليل 1 / 375، 383، 404، والحطاب 2 / 543 - 544، والفروق 2 / 205 و 3 / 188.
(24) حديث: " من مات وعليه صيام صام عنه وليه " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 192 - ط السلفية) ، ومسلم (2 / 803 - ط الحلبي) من حديث عائشة.
(25) نهاية المحتاج 3 / 184 - 187، والمجموع شرح المهذب 6 / 77، 337، 343 تحقيق المطيعي، ومغني المحتاج 1 / 439 و 3 / 68 - 69، شرح منتهى الإرادات 1 / 121، 453، 457 - 458، والمغني 3 / 143 و 9 / 30 - 31.
(26) حديث بريدة: " حجي عن أمك " أخرجه مسلم 2 / 805 - ط الحلبي.
(27) البدائع 2 / 212 - 213، 221، وابن عابدين 1 / 514 - 515 و 2 / 245، والشرح الكبير 2 / 10، ومغني المحتاج 1 / 468، والمجموع شرح المهذب 7 / 82 - 87، والمغني 3 / 241 - 245.
(28) حديث: " دين الله أحق أن يقضى " سبق تخريجه ف / 3.
(29) البدائع 2 / 7 - 8، وابن عابدين 2 / 5، والدسوقي 1 / 483، ومنح الجليل 1 / 362 - 363، ومغني المحتاج 1 / 411، ونهاية المحتاج 3 / 130، وشرح منتهى الإرادات 1 / 368 - 369.
(30) البدائع 2 / 103، 104، 118، 221، 7 / 330، وابن عابدين 1 / 491 - 492، وفتح القدير 2 / 273 ط دار إحياء التراث، والكافي لابن عبد البر 1 / 338 - 339، 2 / 1036، ومنح الجليل 4 / 643، والشرح الصغير 2 / 465 ط الحلبي، ومغني المحتاج 1 / 439، 3 / 39، وقليوبي 3 / 177، وشرح منتهى الإرادات 2 / 540 - 547.
(31) شرح السراجية للجرجاني بحاشية الفناري ص 30، والدسوقي 4 / 441 - 457، ومغني المحتاج 3 / 68 - 69، ونهاية المحتاج 6 - 7، 76، وشرح منتهى الإرادات 1 / 121، 373، 417، 457، 458 و 2 / 547، والمغني 2 / 683 - 684، 3 / 81، 143 - 145.
(32) البدائع 2 / 89، والمغني 3 / 142، والفروق 2 / 62.
(33) البدائع 1 / 246، والاختيارات ص72، والمغني 1 / 400.
(34) البدائع 2 / 103، والاختيار 1 / 134، ومنح الجليل 1 / 413، ومغني المحتاج 1 / 438، والمهذب 1 / 194، وشرح منتهى الإرادات 1 / 457.
(35) حديث: " أمر الأعرابي أن يطعم أهله " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 163 - ط السلفية) من حديث أبي هريرة.
(36) شرح منتهى الإرادات 1 / 453، والمغني 3 / 132، ومغني المحتاج 1 / 445، والحطاب 2 / 432، والبدائع 5 / 112.
(37) البدائع 2 / 22، 53، والأشباه لابن نجيم ص 359، والكافي لابن عبد البر 1 / 302، ومغني المحتاج 1 / 418.
(38) المغني 2 / 682 - 683.
(39) سورة الأنفال / 38.
(40) حديث: " الإسلام يهدم ما كان قبله " أخرجه مسلم (1 / 112 - ط الحلبي) من حديث عمرو بن العاص.
(41) البدائع 2 / 4، 53، 117، 7 / 136، ومنح الجليل 4 / 472، ومغني المحتاج 1 / 130، 408.
(42) المغني 3 / 55.
(43) حديث ابن عباس: " قالت امرأة: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها. . . " أخرجه مسلم (2 / 804 - ط الحلبي) .
(44) حديث: " أرأيت لو كان على أبيك دين ". أخرجه النسائي (5 / 118 - ط المكتبة التجارية) من حديث عبد الله بن عباس.
(45) حديث: " من مات وعليه صيام. . . " سبق تخريجه ف / 7.
(46) ابن عابدين 1 / 492، 5 / 484، والزيلعي 6 / 230، والبدائع 2 / 53، وشرح السراجية بحاشية الفناري ص 30، وأشباه ابن نجيم ص 360، والدسوقي 4 / 441 - 422، 444، 457، ومنح الجليل 4 / 670 - 671.

الناصر لدين الله أحمد بن المستضيء بأمر الله 575 هـ ـ 622 هـ

تاريخ الخلفاء للسيوطي

الناصر لدين الله أحمد بن المستضيء بأمر الله 575 هـ ـ 622 ه

الناصر لدين الله : أحمد أبو العباس بن المستضيء بأمر الله ولد الاثنين عاشر رجب سنة ثلاث و خمسين و خمسمائة و أمه أم ولد تركية اسمها زمرد و بويع له عند موت أبيه في مستهل ذي القعدة سنة خمس و سبعين و أجاز له جماعة : منهم أبو الحسين عبد الحق اليوسفي و أبو الحسن علي بن عساكر البطايحي و شهدة و أجاز هو لجماعة فكانوا يحدثون عنه في حياته و يتنافسون في ذلك رغبة في الفخر لا في الإسناد

و قال الذهبي : و لم يل الخلافة أحد أطول مدة منه فإنه أقام فيها سبعة و أربعين سنة و لم تزل مدة حياته في عز و جلالة و قمع الأعداء و استظهار على الملوك و لم يجد ضيما و لا خرج عليه خارجي إلا قمعه و لا مخالف إلا دفعه و كل من أضمر له سوءا رماه الله بالخذلان و كان ـ مع سعادة جده ـ شديد الاهتمام بمصالح الملك لا يخفى عليه شيء من أحوال رعيته كبارهم و صغارهم و أصحاب أخباره في أقطار البلاد يوصلون إليه أحوال الملوك الظاهرة و الباطنة و كانت له حيل لطيفة و مكائد غامضة وخدع لا يفطن لها أحد يوقع الصداقة بين ملوك متعادين و هم لا يشعرون و يوقع العداوة بين ملوك متفقين و هم لا يفطنون و لما دخل رسول صاحب مازندران بغداد كانت تأتيه ورقة كل صباح بما عمل في الليل فصار يبالغ في التكتم و الورقة تأتيه بذلك فاختلى ليلة بامرأة دخلت من باب السر فصبحته الورقة بذلك و فيها [ كان عليكم دواج فيه صورة الفيلة ] فتحير و خرج من بغداد و هو لا يشك أن الخليفة يعلم الغيب لأن الإمامية يعتقدون أن الإمام المعصوم يعلم ما في بطن الحامل و ما وراء الجدار و أتى رسول خوارزم شاه برسالة مخفية و كتاب مختوم فقيل له ارجع فقد عرفنا ما جئت به فرجع و هو يظن أنهم يعلمون الغيب

قال الذهبي : قيل : إن الناصر كان مخدوما من الجن

و لما ظهر خوارزم شاه بخراسان و ما وراء النهر و تجبر و طغى و استعبد الملوك الكبار و أباد أمما كثيرة و قطع خطبة بني العباس من بلاده و قصد بغداد فوصل إلى همذان فوقع عليهم ثلج عظيم عشرين يوما فغطاهم في غير أوانه فقال له بعض خواصه : إن ذلك غضب من الله حيث قصدت بيت الخلافة

و بلغه أن أمم الترك قد تألبوا عليه و طمعوا في البلاد لبعده عنها فكان ذلك سبب رجوعه و كفي الناصر شره بلا قتال

و كان الناصر إذا أطعم أشبع و إذا ضرب أوجع و له مواطن يعطي فيها عطاء من لا يخاف الفقر

و وصل إليه رجل معه ببغاء تقرأ {{ قل هو الله أحد }} تحفه للخليفة من الهند فأصبحت ميتة و أصبح حيران فجاءه فراش يطلب منه الببغاء فبكى و قال : الليلة ماتت فقال : قد عرفنا هاتها ميتة و قال : كم كان ظنك أن يعطيك الخليفة ؟ قال : خمسمائة دينار قال : هذه خمسمائة دينار خذها فقد أرسلها إليك الخليفة فإنه أعلم بحالك منذ خرجت من الهند و كان صدر جهان قد صار إلى بغداد و معه جماعة من الفقهاء و واحد منهم لما خرج من داه من سمرقند على فرس جميلة فقال له أهله : لو تركتها عندنا لئلا تؤخذ منك في بغداد فقال : الخليفة لا يقدر أن يأخذها مني فأمر بعض القوادين أنه حين يدخل بغداد يضربه و يأخذها منه و يهرب في الزحمة ففعل فجاء الفقيه يستغيث فلا يغاث فلما رجعوا من الحج خلع على صدر جهان و أصحابه و خلع على ذلك الفقيه و قدمت له فرسه و عليها سرج من ذهب و طوق و قيل له : لم يأخذ فرسك الخليفة إنما أخذها أتوني فخر مغشيا عليه و أسجل بكرامتهم و قال الموفق عبد اللطيف : كان الناصر قد ملأ القلوب هيبة و خيفة فكان يرهبه أهل الهند و مصر كما يرهبه أهل بغداد فأحيا بهيبته الخلافة و كانت قد ماتت بموت المعتصم ثم مات بموته

و كان الملوك و الأكابر بمصر و الشام إذا جرى ذكره في خلواتهم خفضوا أصواتهم هيبة و إجلالا و ورد بغداد تاجر و معه قناع دمياط المذهب فسألوه عنه فأنكر فأعطي علامات فيه : من عدده و ألوانه و أصنافه فازداد إنكاره فقيل له : من العلامات أنك نقمت على مملوكك التركي فلان فأخذته إلى سيف بحر دمياط في خلوة و قتلته و دفنته هناك و لم يشعر بذلك أحد

قال ابن النجار : دانت السلاطين للناصر و دخل في طاعته من كان المخالفين و ذلت له العتاة و الطغاة و انقهرت بسيفه الجبابرة و اندحض أعداؤه و كثر أنصاره و فتح البلاد العديدة و ملك من الممالك ما لم يملكه أحد ممن الخلفاء و الملوك و خطب له ببلاد الأندلس و بلاد الصين و كان أشد بني العباس تنصدع لهيبته الجبال و كان حسن الخلق لطيف الخلق كامل الظرف فصيح اللسان بليغ البيان له التوقيعات المسددة و الكلمات المؤيدة و كانت أيامه غرة في وجه الدهر و درة في تاج الفخر و قال ابن واصل : كان الناصر شهما شجاعا ذا فكرة صائبه و عقل رصين و مكر و دهاء و له أصحاب أخبار في العراق و سائر الأطراف يطالعونه بجزئيات الأمور حتى ذكر أن رجلا ببغداد عمل دعوة و غسل يده قبل أضيافه فطالع صاحب الخبر الناصر بذلك فكتب في جواب ذلك [ سوء أدب من صاحب الدار و فصول من كاتب المطالعة ] قال : و كان مع ذلك رديء السيرة في الرعية مائلا إلى الظلم و العسف ففارق أهل البلاد بلادهم و أخذ أموالهم و أملاكم و كان يفعل أفعالا متضادة و كان يتشيع و يميل إلى مذهب الإمامية بخلاف آبائه حتى ان ابن الجوزي سئل بحضرته : من أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ فقال : أفضلهم بعده من كانت ابنته تحته و لم يقدر أن يصرح بتفضيل أبي بكر

و قال ابن الأثير : كان الناصر سيء السيرة خربت في أيامه العراق مما أحدثه من الرسوم و أخذ أموالهم و أملاكهم و كان يفعل الشيء و ضده و كان يرمي بالبندق و يغوي الحمام

و قال الموفق عبد اللطيف : و في وسط ولايته اشتعل برواية الحديث و استناب نوابا في الإجازة عنه و التسميع و أجرى عليهم جرايات و كتب للملوك و العلماء إجازات و جمع كتابا سبعين حديثا و وصل إلى حلب و سمعه الناس

قال الذهبي : أجاز الناصر لجماعة من الأعيان فحدثوا عنه : منهم ابن سكينة و ابن الأخضر و ابن النجار و ابن الدمغاني و آخرون

قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي و غيره : قل بصر الناصر في آخر عمره و قيل ذهب كله و لم يشعر بذلك أحد من الرعية حتى الوزير و أهل الدار و كان له جارية قد علمها الخط بنفسه فكانت تكتب مثل خطه فتكتب على التواقيع

و قال شمس الدين الجزري : كان الماء الذي يشربه الناصر تأتي به الدواب من فوق بغداد بسبعة فراسخ و يغلى سبع غلوات كل يوم غلوة ثم يحبس في الأوعية سبعة أيام ثم يشرب منه و مع هذا ما مات حتى سقي المرقد مرات و شق ذكره و أخرج منه الحصى و مات منه يوم الأحد سلخ رمضان سنة اثنتين و عشرين و ستمائة : و من لطائفه أن خادما له اسمه يمن كتب إليه ورقة فيها عتب فوقع فيها :

بمن يمن يمن بمن ثمن ثمن

و لما تولى الخليفة بعث إلى السلطان صلاح الدين بالخلع و التقليد و كتب إليه السلطان كتابا يقول فيه : و الخادم ـ و لله الحمد ـ يعدد سوابق في الإسلام و الدولة العباسية لا يعمرها أولية أبي مسلم لأنه والى ثم وارى و لا آخرية طغرلبك لأنه نصر ثم حجر و الخادم من كان ينازع رداءها و أساغ الغصة التي أذخر الله للأساغة في سيفه ماءها فرجل الأسماء الكاذبة الراكبة على المنابر و أعز بتأييد إبراهيمي فكسر الأصنام الباطنة بسيفه الطاهر

و من الحوادث في أيامه : منشوره في سنة سبع و سبعين و خمسمائة أرسل الملك الناصر يعاتب السلطان صلاح الدين في تسميه بالملك الناصر مع علمه أن الخليفة اختار هذه التسمية لنفسه

و في سنة ثمانين جعل الخليفة مشهد موسى الكاظم أمنا لمن لاذ به فالتجأ إليه خلق و حصل بذلك مفاسد

و في سنة إحدى و ثمانين ولد بالعلث ولد طول جبهته شبر و أربع أصابع و له أذن واحدة

و فيها وردت الأخبار بأنه خطب للناصر بمعظم بلاد المغرب

و في سنة اثنتين و ثمانين اجتمع الكواكب الستة في الميزان فحكم المنجمون بخراب العالم في جميع البلاد بطوفان الريح فشرع الناس في حفر مغارات في التخوم و توثيقها و سد منافسها على الريح و نقلوا إليها الماء و الزاد و انتقلوا إليها و انتظروا الليلة التي وعدوا فيها بريح كريح عاد و هي الليلة التاسعة من جمادى الآخرة فلم يأت فيها شيء و لا هب فيها نسيم بحيث أوقدت الشموع فلم يتحرك فيها ريح تطفئها و عملت الشعراء في ذلك فمما قيل فيه قول أبي الغنائم محمد بن المعلم :

( قل لأبي الفضل قول متعرف ... مضى جمادى و جاءنا رجب )

( و ما جرت زعزع كما حكموا ... و لا بدا كوكب له ذنب )

( كلا و لا أظلمت ذكاء و لا ... بدت إذن في قرونها الشهب )

( يقضي عليها من ليس يعلم ما ... يقضي عليه هذا هو العجب )

( قد بان كذب المنجمين و في ... أي مقال قالوا فما كذبوا ؟ )

و في سنة ثلاث و ثمانين اتفق أن أول يوم في السنة كان أول أيام الأسبوع و أول السنة الشمسية و أول سني الفرس و الشمس القمر في أول البروج و كان ذلك من الاتفاقات العجيبة

و فيها كانت الفتوحات الكثيرة أخذ السلطان صلاح الدبين كثيرا من البلاد الشامية التي كانت بيد الفرنج و أعظم ذلك بيت المقدس و كان بقاؤه في يد الفرنج إحدى و تسعين سنة و أزال السلطان ما أحدثه الفرنج من الآثار و هدم ما أحدثوه من الكنائس و بنى موضع كنيسة منها مدرسة للشافعية فجزاه الله عن الإسلام خيرا و لم يهدم القمامة اقتداء بعمر رضي الله عنه حيث لم يهدمها لما فتح بيت المقدس و قال في ذلك محمد بن أسعد النسابة :

( أترى مناما ما يعيني أبصر ... القدس يفتح و النصارى تكسر )

( و قمامة قمت من الرجس الذي ... بزواله و زالها يتطهر )

( و مليكهم في القيد مصفود و لم ... ير قبل ذاك لهم مليك يؤسر )

( قد جاء نصر الله و الفتح الذي ... وعد الرسول فسبحوا و استغفروا )

( يا يوسف الصديق أنت لفتحها ... فا روقها عمر الإمام الأطهر )

و من الغرائب أن ابن برجان ذكر في تفسيره {{ الم * غلبت الروم }} أن بيت المقدس يبقى في يد الروم إلى سنة ثلاث و ثمانين و خمسمائة و ثم يغلبون و يفتح و يصير دار إسلام إلى آخر الأبد و أخذ من حساب الآية فكان ذلك

قال أبو شامة : و هذا الذي ذكره ابن برجان من عجائب ما اتفق و قد مات ابن برجان قبل ذلك بدهر فإن وفاته سنة ست و ثلاثين و خمسمائة

و في سنة تسع و ثمانين مات السلطان صلاح الدين رحمه الله فوصل إلى بغداد الرسول و في صحبته لأمة الحرب التي لصلاح الدين و فرسه و دينار واحد و ستة و ثلاثون درهما لم يخلف من المال سواها و استقرت مصر لابنه عماد الدين عثمان الملك العزيز و دمشق لابنه الملك الأفضل نور الدين علي و حلب لابنه الملك الظاهر غياث الدين غازي

و في سنة تسعين مات السلطان طغرلبك شاه بن أرسلان بن طغرلبك بن محمد بن ملك شاه و هو آخر ملوك السلجوقية

قال الذهبي : و كان عددهم نيفا و عشرين ملكا و أولهم طغرلبك الذي أعاد القائم إلى بغداد و مدة دولتهم مائة و ستون سنة

و في سنة خمسمائة و اثنتين و تسعين هبت ريح سوداء بمكة عمت الدنيا و وقع على الناس رمل أحمر و وقع من الركن اليماني قطعة

و فيها عسكر خوارزم شاه فعدا جيحون في خمسين ألفا و بعث إلى الخليفة يطلب السلطنة و إعادة دار السلطنة إلى ما كانت و أن يجيء إلى بغداد و يكون الخليفة تحت يده كما كانت الملوك السلجوقية فهدم الخليفة دار السلطنة و رد رسوله بلا جواب ثم كفي شره كما تقدم

و في سنة ثلاث و تسعين انقض كوكب عظيم سمع لا نقضاضه صوت هائل و اهتزت الدور و الأماكن فاستغاث الناس و أعلنوا بالدعاء و ظنوا ذلك من أمارات القيامة

و في سنة خمس و تسعين مات الملك العزيز بمصر و أقيم ابنه المنصور بدله فوثب الملك العادل سيف الدين أيو بكر بن أيوب و تملكها ثم أقام بها ابنه الملك الكامل

و في سنة ست و تسعين توقف النيل بمصر بحيث كسرها و لم يكمل ثلاثة عشر ذراعا و كان الغلاء المفرط بحيث كسرها بحيث أكلوا الجيف و الآدمين و فشا أكل بني آدم و اشتهر و رئي من ذلك العجب العجاب و تعدوا إلى حفر القبور و أكل الموتى و تمزق أهل مصر كل ممزق و كثر الموت من الجوع بحيث كان الماشي لا يقع قدمه أو بصره إلا على ميت أو من هو في السياق و هلك أهل القرى قاطبة بحيث إن المسافر يمر بالقرية فلا يرى فيها نافخ نار و يجد البيوت مفتحة و أهلها موتى

و قد حكى الذهبي في ذلك حكايات يقشعر الجلد من سماعها قال : و صارت الطرق مزرعة بالموتى و صارت لحومها للطير و السباع و بيعت الأحرار و الأولاد بالدارهم اليسيرة و استمر ذلك إلى أثناء سنة ثمان و تسعين

و في سنة سبع و تسعين جاءت زلزلة كبرى بمصر و الشام و الجزيرة فأخربت أماكن كثيرة و قلاعا و خسفت قرية من أعمال بصرى

و في سنة تسع و تسعين في سلخ المحرم ماجت النجوم و تطايرت تطاير الجراد و دام ذلك إلى الفجر و انزعج الخلق و ضجوا إلى الله تعالى و لم يعهد ذلك إلا عند ظهور رسول الله صلى الله عليه و سلم

و في سنة ستمائة هجم الفرنج إلى النيل من رشيد و دخلوا بلد فوة فنهبوها و استباحوها و رجعوا

و في سنة إحدى و ستمائة تغلبت الفرنج على القسطنطينية و أخرجوا الروم منها و كانت بأيدي الروم من قبل الإسلام و استمرت بيد الفرنج إلى سنة ستين و ستمائة فاستطلقها منهم الروم

و فيها ـ أي في سنة إحدى و ستمائة ـ ولدت امرأة بقطيعاء ولدا برأسين و يدين و اربعة أرجل و لم يعش

و في سنة ست و ستمائة كان ابتداء أمر التتار و سيأتي شرح حالهم

و في سنة خمس عشرة أخذت الفرنج من دمياط برج السلسلة

قال أبو شامة : و هذا البرج كان قفل الديار المصرية و هو برج عل في وسط النيل و دمياط بحذائه من شرقيه و الجزيرة بحذائه من غربيه و في ناحيته سلسلتان تمتد إحداهما على النيل إلى دمياط و الأخرى على النيل إلى الجزيرة تمنعان عبور المراكب من البحر المالح

و في سنة عشرة أخذت الفرنج دمياط بعد حروب و محاصرات و ضعف الملك الكامل عن مقاومتهم فبدعوا فيها و جعلوا الجامع كنيسة فابتنى الملك الكامل مدينة عند مفرق البحرين سموها المنصورة و بنى عليها سورا و نزلها بجيشه و في هذه السنة كاتبه قاضي ركن الظاخر و كان الملك المعظم صاحب دمشق في نفسه منه فأرسل له بقجة فيها قباء و كلوته و أمره بلبسها بين الناس في مجلس حكمه فلم يمكنه الامتناع ثم قام و دخل داره و لزم بيته و مات بعد أشهر قهرا و رمى قطعا من كبده و تأسف الناس لذلك و اتفق أن الملك المعظم أرسل في عقب ذلك إلى الشرف بن عنين حين تزهد خمرا و بردا و قال : سبح بهذا فكتب إليه يقول :

( يا أيها الملك المعظم سنة ... أحدثتها تبقى على الآباد )

( تجري الملوك على طريقك بعدها ... خلع القضاة و تحفة الزهاد )

و في سنة إحدى و عشرين بنيت دار الحديث الكاملية بالقاهرة بين القصرين و جعل شيخها أبا الخطاب بن دحية و كانت الكعبة تكسى الديباج الأبيض من أيام المأمون إلى الآن فكساها الناصر ديباجا أخضر ثم كساها ديباجا أسود فاستمر إلى الآن

و ممن مات في أيام الناصر من الأعلام : الحافظ أبو طاهر السلفي و أبو الحسن بن القصار اللغوي و الكمال أبو البركات بن الأنباري و الشيخ أحمد بن الرفاعي الزاهد و ابن بشكوال و يونس والد يونس الشافعي و أبو بكر بن طاهر الأحدب النحوي و أبو الفضل والد الرافعي و ابن ملكون النحوي و عبد الحق الإشبيلي صاحب [ الأحكام ] و أبو زيد السهيلي صاحب [ الروض الأنف ] و الحافظ أبو موسى المديني و ابن بري اللغوي و الحافظ أبو بكر الحازمي و الشرف ابن أبي عصرون و ابو القاسم البخاري والعتابي صاحب [ الجامع الكبير ] ـ من كبار الحنيفة و النجم الحبوشاني المشهور بالصلاح و أبو القاسم بن فيرة الشاطبي صاحب القصيدة و فخر الدين أبو شجاع محمد ابن علي بن شعيب بن الدهان الفرضي أول من وضع الفرائض على شكل المنبر و الرهان المرغيناني صاحب [ الهداية ] ـ من الحنفية و قاضيخان صاحب الفتاوي منهم و عبد الرحيم بن حجون الزاهد بالصعيد و أبو الوليد بن رشد صاحب العلوم الفلسفية و أبو بكر بن زهر الطبيب و الجمال بن فضلان من الشافعية و القاضي الفاضل صاحب الإنشاء و الترسل و الشهاب الطوسي و أبو الفرج بن الجوزي و العماد الكاتب و ابن عظيمة المقري و الحافظ عبد الغني المقدسي صاحب [ العمدة ] و البركي الطاوسي صاحب الخلاف و تميم الحلي و أبو ذر الخشني النحوي و الإمام فخر الدين الرازي و أبو السعادات ابن الأثير صاحب [ جامع الأصول ] و [ نهاية الغريب ] و العماد بن يونس صاحب شرح الوجيز و الشرف صاحب [ التنبيه ] و الحافظ أبو الحسن بن المفضل و أبو محمد بن حوط الله و أخوه أبو سليمان و الحافظ عبد القادر الرهاوي و الزاهد أبو الحسن بن الصباغ بقنا و الوجيه ابن الدهان النحوي و تقي الدين ابن المقترح و أبو اليمن الكندي النحوي و المعين الحاجري صاحب [ الكفاية ] ـ من الشافعية و الركن العميدي صاحب الطريقة في الخلاف و أبو البقاء العكبري صاحب [ الإعراب ] و ابن أبي أصيعبة الطبيب و عبد الرحيم بن السمعاني و نجم الدين الكبرى و ابن أبي الصيف اليمني و موفق الدين بن قدامة الحنبلي و فخر الدين بن عساكر و خلائق آخرون

الظاهر بأمر الله محمد بن الناصر لدين الله 622 هـ ـ 623 هـ

تاريخ الخلفاء للسيوطي

الظاهر بأمر الله محمد بن الناصر لدين الله 622 هـ ـ 623 ه

الظاهر بأمر الله : أبو نصر محمد بن الناصر لدين الله

ولد سنة إحدى و سبعين و خمسمائة و بايع له أبوه بولاية العهد و استخلف عند موت والده و هو ابن اثنتين و خمسين سنة فقيل له : ألا تتفسح ؟ قال : لقد يبس الزرع فقيل : يبارك الله في عمرك قال : من فتح دكانا بعد العصر إيش يكسب ؟

ثم إنه أحسن إلى الرعية و أبطل المكوس و أزال المظالم و فرق الأموال ذكر ذلك أبو شامة

و قال ابن الأثير في الكامل : لما ولي الظاهر الخلافة أظهر من العدل و الإحسان ما أعاد به سنة العمرين فلو قيل : إنهما ولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز مثله لكان القائل صادقا فإنه أعاد من الأموال المغصوبة و الأملاك المآخوذة في أيام أبيه و قبلها شيئا كثيرا و أبطل المكوس في البلاد جميعها و أمر بإعادة الخراج القديم في جميع العراق و بإسقاط جميع ما جدده أبوه و كان ذلك كثيرا لا يحصى

فمن ذلك أن قرية بعقوبا كان يحصل منها قديما عشرة آلاف دينار فلما استخلف الناصر كان يؤخذ منها في السنة ثمانون ألف دينار فاستغاث أهلها فأعادها الظاهر إلى الخراج الأول

و لما أعاد الخراج الأصلي على البلاد حضر خلق و ذكروا أن أملاكهم قد يبست أكثر أشجارها و خربت فأمر أن لا يؤخذ إلا من كل شجرة سالمة

و من عدله أن صنجة الخزانة كانت راجحة نصف قيراط في المثقال يقبضون بها و يعطون بصنجة البلد فخرج خطه إلى الوزير و أوله {{ ويل للمطففين }} الآيات و فيه : قد بلغنا أن الأمر كذا و كذا فتعاد صنجة الخزانة إلى ما يتعامل به الناس فكتبوا إليه أن هذا فيه تفاوتا كثيرا و قد حسبنا في العام الماضي فكان خمسة و ثلاثين ألف دينار فأعاد الجواب ينكر على القائل و يقول : يبطل و لو أنه ثلثمائة ألف و خمسون ألف دينار

و من عدله أن صاحب الديوان قدم من واسط و معه أزيد من مائة ألف دينار من ظلم فردها على أربابها و أخرج أهل الحبوس و أرسل إلى القاضي عشرة آلاف دينار ليوفيها عمن أعسر و فرق ليلة عيد النحر على العلماء و الصلحاء مائة ألف دينار و قيل له : هذا الذي تخرجه من الأموال لا تسمح نفس ببعضه فقال : أنا فتحت الدكان بعد العصر فاتركوني أفعل الخير فكم بقيت أعيش ؟

و وجد في بيت من داره ألوف رقاع كلها مختومة فقيل له : لم لا تفتحها ؟ قال : لا حاجة لنا فيها كلها سعايات و هذا كله كلام ابن الأثير

و قال سبط ابن الجوزي : لما دخل إلى الخزائن قال له خادم : كانت في أيام آبائك تمتلىء فقال : ما جعلت الخزائن لتمتلىء بل تفرغ و تنفق في سبيل الله فإن الجمع شغل التجار ؟

و قال ابن واصل : أظهر العدل و أزال المكس و ظهر للناس و كان أبوه لا يظهر إلا نادرا

توفي رحمه الله في ثالث عشر رجب سنة ثلاث و عشرين فكانت خلافته تسع أشهر و أياما

و قد روى الحديث عن والده بالإجازة ورى عنه أبو صالح نصر بن عبد الرزاق ابن الشيخ عبد القادر الجيلي

و لما توفي اتفق خسوف القمر مرتين في السنة فجاء ابن الأثير نصر الله رسولا من صاحب الموصل برسالة في التعزية ـ أولها :

ما لليل و النهار لا يعتذران و قد عظم حادثهما و ما للشمس و القمر لا ينكسفان و قد فقد ثالثهما :

( فيا وحشة الدنيا و كانت أنيسة ... و وحدة من فيها لمصرع واحد )

و هو سيدنا و مولانا الإمام الظاهر أمير المؤمنين الذي جعلت ولايته رحمة للعالمين إلى آخر الرسالة

المستنصر بالله أحمد بن الظاهر بأمر الله بن الناصر لدين الله 659هـ ـ

تاريخ الخلفاء للسيوطي

المستنصر بالله أحمد بن الظاهر بأمر الله بن الناصر لدين الله 659هـ ـ 661ه

المستنصر بالله : أحمد أبو القاسم بن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله أحمد

قال الشيخ قطب الدين : كان محبوسا ببغداد فلما أخذت التتار بغداد أطلق فهرب و صار إلى عرب العراق فلما تسلطن الملك الظاهر بيبرس وفد عليه في رجب و معه عشرة من بني مهارش فركب السلطان للقائه و معه القضاة و الدولة فشق القاهرة ثم أثبت نسبه على يد قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز ثم بويع له بالخلافة فأول من بايعه السلطان ثم قاضي القضاة تاج الدين ثم الشيخ عز الدين بن عبد السلام ثم الكبار على مراتبهم و ذلك في ثالث عشر رجب و نقش اسمه على السكة و خطب له و لقب بلقب أخيه و فرح الناس و ركب يوم الجمعة و عليه السواد إلى جامع القلعة و صعد المنبر و خطب خطبة ذكر فيها شرف بني العباس و دعا فيها للسلطان و المسلمين ثم صلى بالناس ثم رسم بعمل خلعة خليفة السلطان و بكتابة تقليد له ثم نصب خيمة بظاهر القاهرة و ركب المستنصر بالله يوم الاثنين رابع شعبان إلى الخيمة و حضر القضاة و الأمراء و الوزير فألبس الخليفة السلطان الخلعة بيده و طوقه و نصب منبر فصعد عليه فخر الدين بن لقمان فقرأ التقليد ثم ركب السلطان بالخلعة و دخل من باب النصر و زينت القاهرة و حمل الصاحب التقليد على رأسه راكبا و الأمراء مشاة و رتب السلطان للخليفة أتابكا و استادارا و شرابيا و حاجبا و كاتبا و عين له خزانة و جملة مماليك و مائة فرس و ثلاثين بغلا و عشرة قطارات جمال إلى أمثال ذلك

قال الذهبي : و لم يلي الخلافة أحد بعد ابن أخيه إلا هذا و المقتفي

و أما صاحب حلب الأمير شمس الدين أقوش فإنه أقام بحلب خليفة و لقبه الحاكم بأمر الله و خطب له و نقش اسمه على الدراهم

ثم إن المستنصر هذا عزم على التوجه إلى العراق فخرج معه السلطان يشيعه إلى أن دخلوا دمشق ثم جهز السلطان الخليفة و أولاد صاحب الموصل و غرم عليه و عليهم من الذهب ألف ألف دينار و ستين ألف درهم فسار الخليفة و معه ملوك الشرق و صاحب سنجار فاجتمع به الخليفة الحلبي الحاكم و دان له و دخل تحت طاعته ثم سار ففتح الحديثة ثم هيت فجاءه عسكر من التتار فتصافوا له فقتل من المسلمين جماعة و عدم الخليفة المستنصر فقيل : قتل و هو الظاهر و قيل : سلم و هرب فأضمرته البلاد و ذلك في الثالث من المحرم سنة ستين فكانت خلافته دون ستة أشهر و تولى بعده بسنة الحاكم الذي كان بويع بحلب في حياته

مسير الخليفة العبيدي (الفاطمي) المعز لدين الله إلى مصر.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

مسير الخليفة العبيدي (الفاطمي) المعز لدين الله إلى مصر.
361 شوال - 972 م
سار المعز الفاطمي من إفريقية يريد الديار المصرية، وكان أول مسيره أواخر شوال سنة إحدى وستين وثلاثمائة وكان أول رحيله من المنصورية، فأقام بسردانية، وهي قرية قريبة من القيروان، ولحقه بها رجاله، وعماله، وأهل بيته، وجميع ما كان له في قصره من أموال وأمتعة وغير ذلك، وسار عنها واستعمل على بلاد إفريقية يوسف بلكين بن زيري، وجعل على صقلية حسن بن علي بن أبي الحسين، وجعل على طرابلس عبدالله بن يخلف الكتامي، وجعل على جباية أموال إفريقية زيادة الله بن القديم، وعلى الخراج عبد الجبار الخراساني، وحسين بن خلف الموصدي، وأمرهم بالانقياد ليوسف بن زيري، فأقام بسردانية أربعة أشهر حتى فرغ من جميع ما يريد، ثم رحل عنها، ومعه يوسف بلكين وهو يوصيه بما يفعله، ثم سار المعز حتى وصل إلى الإسكندرية أواخر شعبان من السنة التالية، وأتاه أهل مصر وأعيانها، فلقيهم، وأكرمهم، وأحسن إليهم، وسار فدخل القاهرة خامس شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وأنزل عساكره مصر والقاهرة في الديار، وبقي كثير منهم في الخيام.

وفاة المعز لدين الله العبيدي (الفاطمي) وتولي ابنه العزيز بالله الخلافة العبيدية بمصر.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وفاة المعز لدين الله العبيدي (الفاطمي) وتولي ابنه العزيز بالله الخلافة العبيدية بمصر.
365 ربيع الثاني - 976 م
توفي المعز لدين الله أبو تميم معد بن المنصور بالله إسماعيل ابن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن المهدي أبي محمد عبيدالله بمصر، وكان موته سابع عشر شهر ربيع الآخر وكان سبب موته الحمى لشدة ما وجد من كلام على ملكه ومملكته، واتصل مرضه حتى مات، وكانت ولايته ثلاثاً وعشرين سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام، منها: مقامه بمصر سنتان وتسعة أشهر، والباقي بإفريقية، وهو أول الخلفاء العلويين ملك مصر، وخرج إليها، وكان مغرما بالنجوم، ويعمل بأقوال المنجمين، قال له منجمه: إن عليه قطعاً في وقت كذا، وأشار عليه بعمل سرداب يختفي فيه إلى أن يجوز ذلك الوقت، ففعل ما أمره وأحضر قواده، فقال لهم: إن بيني وبين الله عهداً أنا ماضٍ إليه، وقد استخلفت عليكم ابني نزارا، يعني العزيز، فاسمعوا له وأطيعوا، ونزل السرداب، فغاب سنة ثم ظهر، وبقي مدة، ومرض وتوفي، فستر ابنه العزيز موته إلى عيد النحر من السنة، فصلى بالناس وخطبهم، ودعا لنفسه، وعزى بأبيه، ولما استقر العزيز في الملك أطاعه العسكر، فاجتمعوا عليه، وكان هو يدبر الأمور منذ مات أبوه إلى أن أظهره، ثم سير إلى الغرب دنانير عليها اسمه، فرقت في الناس.

اغتيال الخليفة العبيدي (الفاطمي) الحاكم بأمر الله وتولي ابنه الظاهر لإعزاز دين الله الحكم بعده.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

اغتيال الخليفة العبيدي (الفاطمي) الحاكم بأمر الله وتولي ابنه الظاهر لإعزاز دين الله الحكم بعده.
411 شوال - 1021 م
في ليلة الاثنين لثلاث بقين من شوال، فقد الحاكم بأمر الله أبو علي المنصور بن العزيز بالله نزار بن المعز الفاطمي العبيدي صاحب مصر بها، ولم يعرف له خبر، وكان سبب فقده أنه خرج يطوف ليلة على رسمه، وأصبح عند قبر الفقاعي، وتوجه إلى شرقي حلوان ومعه ركابيان، فأعاد أحدهما مع جماعة من العرب إلى بيت المال، وأمر لهم بجائزة، ثم عاد الركابي الآخر، وذكر أنه خلفه عند العين والمقصبة، وبقي الناس على رسمهم يخرجون كل يوم يلتمسون رجوعه إلى سلخ شوال، فلما كان ثالث ذي القعدة خرج مظفر الصقلبي، وغيره من خواص الحاكم، ومعهم القاضي، فبلغوا عسفان، ودخلوا في الجبل، فبصروا بالحمار الذي كان عليه راكباً، وقد ضربت يداه بسيف فأثر فيهما، وعليه سرجه ولجامه، فاتبعوا الأثر، فانتهوا به إلى البركة التي شرقي حلوان، فرأوا ثيابه، وهي سبع قطع صوف، وهي مزررة بحالها لم تحل، وفيها أثر السكاكين، فعادوا ولم يشكوا في قتله، وقيل إن سبب قتله هو أنه كان كثير الشتم والسب لأخته ست الملك واتهمها بالفاحشة فعملت على قتله بحيث كانت تعرف يوم خروجه إلى الجبل لينظر في النجوم فتمالأت مع الوزير وأرسلوا عبدين أسودين فلما كان من الليل وسار إلى الجبل وحده قتله العبدان وأحضراه إلى أخته التي دفنته في داره وقررت تولية ولده وكان حينها بدمشق فأخبرت الناس أن الحاكم سيغيب سبعة أيام وهذا ليسكن الناس ويحضر ابنه من دمشق فلما حضر جهزته وأخرجته للناس على أنه الحاكم الجديد، وابنه هو أبو الحسن علي، ولقب الظاهر لإعزاز دين الله، وأخذت له البيعة، وكانت مدة تولي الحاكم على مصر خمسا وعشرين سنة.

وفاة الخليفة العبيدي (الفاطمي) الظاهر لدين الله وتولي ابنه المستنصر الحكم.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وفاة الخليفة العبيدي (الفاطمي) الظاهر لدين الله وتولي ابنه المستنصر الحكم.
427 شعبان - 1036 م
في منتصف شعبان توفي الظاهر لإعزاز دين الله أبو الحسن علي بن أبي علي المنصور الحاكم الفاطمي العبيدي بمصر، وكان عمره ثلاثاً وثلاثين سنة، وكانت خلافته خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وسبعة عشر يوماً، وكان له مصر، والشام، والخطبة له بإفريقية، وكان جميل السيرة، حسن السياسة، منصفاً للرعية، إلا أنه مشتغل بلذاته محب للدعة والراحة، قد فوض الأمور إلى وزيره أبي القاسم علي بن أحمد الجرجرائي لمعرفته بكفايته وأمانته، ولما مات ولي بعده ابنه تميم معد، ولقب المستنصر بالله وتكفل بأعباء المملكة بين يديه الأفضل أمير الجيوش، واسمه بدر بن عبد الله الجمالي، وكان عمر المستنصر هذا يوم نصب حاكما سبع سنين وعدة أشهر، وبقي حاكما أكثر من ستين سنة.

تنصيب الحافظ لدين الله خليفة للعبيديين (الفاطميين) واستبداد الوزير بالأمر وحجره على الخليفة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

تنصيب الحافظ لدين الله خليفة للعبيديين (الفاطميين) واستبداد الوزير بالأمر وحجره على الخليفة.
524 ذو القعدة - 1130 م
لما قتل الآمر بحكم الله الفاطمي ولم يكن له ولد ذكر بعده وقد كان عهد بالولاية لحمل كان ما يزال في بطن أمه منه، فولي بعده ابن عمه الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد ابن الأمير أبي القاسم بن المستنصر بالله، ولم يبايع بالخلافة، وإنما بويع له لينظر في أمر الحمل أيكون ذكرا أم أنثى ويكون هو نائباً عنه، ولما ولي استوزر أبا علي أحمد بن الأفضل بن بدر الجمالي، واستبد الوزير بالأمر، وتغلب على الحافظ، وحجر عليه، وأودعه في خزانة، ولا يدخل إليه إلا من يريده أبو علي، وبقي الحافظ له اسم لا معنى تحته، ونقل أبو علي كل ما في القصر إلى داره من الأموال وغيرها، ولم يزل الأمر كذلك إلى أن قتل أبو علي سنة ست وعشرين وخمسمائة فاستقامت أمور الحافظ، وحكم في دولته، وتمكن من ولايته وبلاده.

وفاة الخليفة العبيدي (الفاطمي) الحافظ لدين الله وتولي ابنه الظافر بأمر الله بمصر.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وفاة الخليفة العبيدي (الفاطمي) الحافظ لدين الله وتولي ابنه الظافر بأمر الله بمصر.
544 جمادى الآخرة - 1149 م
توفي الحافظ لدين الله عبد المجيد ابن الأمير أبي القاسم بن المستنصر بالله الفاطمي صاحب مصر، بعد أن أصابه مرض شديد وكانت قد ثارت فتنة بين العسكر والريحانية وهموا بخلعه فنقل إلى قصر لؤلؤة وهو مريض فمات به، وكانت خلافته عشرين سنة إلا خمسة أشهر، ولم يزل في جميع مدة حكمه محكوماً عليه، يحكم عليه وزراؤه، حتى إنه جعل ابنه حسناً وزيراً وولي عهده فحكم عليه واستبد بالأمر دونه وقتل كثيراً من أمراء دولته وصادر كثيراً، فلما رأى الحافظ ذلك سقاه سماً فمات، وولي الخلافة بعده في مصر ابنه الظافر بأمر الله أبو منصور إسماعيل بن عبد المجيد الحافظ، وبويع له في اليوم الذي مات فيه الحافظ لدين الله، وعمره سبع عشرة سنة وأربعة أشهر وعشرة أيام؛ بوصية من أبيه له بالخلافة. وكان أصغر أولاده.

وفاة الخليفة العباسي المستضيئ بأمر الله وخلافة ولده الناصر لدين الله.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وفاة الخليفة العباسي المستضيئ بأمر الله وخلافة ولده الناصر لدين الله.
575 ذو القعدة - 1180 م
في ثاني ذي القعدة، توفي الخليفة المستضيء بأمر الله أبو محمد الحسن بن يوسف المستنجد، وكانت خلافته نحو تسع سنين وسبعة أشهر، فلما مات المستضيء شرع ظهير الدين ابن العطار في أخذ البيعة لولده الناصر لدين الله، أمير المؤمنين، فلما تمت البيعة صار الحاكم في الدولة أستاذ الدار مجد الدين أبو الفضل بن الصاحب وسيرت الرسل إلى الآفاق لأخذ البيعة، فسير صدر الدين شيخ الشيوخ إلى البهلوان، صاحب همذان وأصفهان والري وغيرها، فامتنع من البيعة، فراجعه صدر الدين، وأغلظ له في القول، فاضطر إلى المبايعة والخطبة، وأرسل إلى رضي الدين القزويني مدرس النظامية إلى الموصل لأخذ البيعة، فبايع صاحبها، وخطب للخليفة الناصر لدين الله أمير المؤمنين.

وفاة الناصر لدين الله خليفة الموحدين بالمغرب والأندلس.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وفاة الناصر لدين الله خليفة الموحدين بالمغرب والأندلس.
610 - 1213 م
هو الناصر لدين الله محمد بن يعقوب المنصور بالله أمير الموحدين بويع له بعد وفاة أبيه سنة 595، وكان قد استرد تونس والمهدية وما كان استولى عليه علي بن غانية من إفريقيا كما استولى على طرابلس الغرب وانتزعها من الأمير قراقوش المصري كما انتزع جزيرة ميورقة وما حولها من الجزر جزر الباليار من بني غانية وكانوا نواب المرابطين فيها، وقاتل الأسبان فهزموه في وقعة العقاب عام 609هـ ولما عاد إلى مراكش أخذ البيعة لولده يوسف الملقب بالمستنصر بالله ثم احتجب هو في قصره إلى أن مات في هذا العام.

وفاة الخليفة العباسي الناصر لدين الله وتولي ابنه الظاهر بأمر الله.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وفاة الخليفة العباسي الناصر لدين الله وتولي ابنه الظاهر بأمر الله.
622 رمضان - 1225 م
آخر ليلة من شهر رمضان، توفي الخليفة الناصر لدين الله أبو العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله، وكانت خلافته ستاً وأربعين سنة وعشرة أشهر وثمانية وعشرين يوماً، وكان عمره نحو سبعين سنة تقريباً، فلم يل الخلافة أطول مدة منه إلا ما قيل عن المستنصر بالله العلوي، صاحب مصر، فإنه ولي ستين سنة، ولا اعتبار به، فإنه ولي وله سبع سنين، وبقي الناصر لدين الله ثلاث سنين عاطلاً عن الحركة بالكلية، وقد ذهبت إحدى عينيه والأخرى يبصر بها إبصاراً ضعيفاً، وفي آخر الأمر أصابه دوسنطاريا (وهو مرض عدم استطاعة التبول) عشرين يوماً ومات، وكان قبيح السيرة في رعيته، ظالماً، فخرب في أيامه العراق، بل إنه اتهم أنه هو من أطمع التتار بالبلاد من كثرة ما فعله وما تلهى به، وقد كانت سنة خمس وثمانين وخمسمائة الخطبة للأمير أبي نصر محمد بن الخليفة الناصر لدين الله بولاية العهد في العراق وغيره من البلاد، ثم بعد ذلك خلعه الخليفة من ولاية العهد، وأرسل إلى البلاد في قطع الخطبة له، وإنما فعل ذلك لأنه كان يميل إلى ولده الصغير علي، فاتفق أن الولد الصغير توفي سنة اثنتي عشرة وستمائة، ولم يكن للخليفة ولد غير ولي العهد، فاضطر إلى إعادته، إلا أنه تحت الاحتياط والحجر لا يتصرف في شيء، فلما توفي أبوه ولي الخلافة، وأحضر الناس لأخذ البيعة، وتلقب بالظاهر بأمر الله، وعلم أن أباه وجميع أصحابه أرادوا صرف الأمر عنه، فظهر وولي الخلافة بأمر الله لا بسعي أحد، ولما ولي الخلافة أظهر من العدل والإحسان ما أعاد به سنة العمرين.

371 - عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام ابن الداخل عبد الرحمن بن معاوية الأموي المرواني، الناصر لدين الله أبو المطرف صاحب الأندلس، الملقب أمير المؤمنين بالأندلس.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

371 - عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عبد الرحمن بن الحكم بن هشام ابن الداخل عبد الرحمن بن معاوية الأموي المرواني، الناصر لدين الله أبو المطرف صاحب الأندلس، الملقَّب أمير المؤمنين بالأندلس. [المتوفى: 350 هـ]
بقي فِي الإمرة خمسين سنة، وقام بعده ولده الحَكَم. وقد ذكرنا من أخباره فِي الحوادث.
وكان أَبُوهُ قد قتله أخوه المُطَرِّف فِي صدر دولة أبيهما. وخلف ابنه عَبْد الرَّحْمَن هذا ابن عشرين يومًا. وتوفي جدّه عَبْد اللَّه الأمير فِي سنة ثلاث مائة، فولي عَبْد الرَّحْمَن الأمر بعد جدُّه. وكان ذَلِكَ من غرائب الوجود، لأنّه كَانَ شابًّا وبالحضرة أكابر من أعمامه وأعمام أَبِيهِ. وتقدَّم هُوَ، وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، فاستقام لَهُ الأمر، وابتني مدينة الزَّهْراء. وقسم الخراج -[892]- أثلاثًا؛ ثلثا للجند وثُلُثًا يدّخره فِي النوائب، وثُلُثًا للنَّفقة فِي الزهراء، فجاءت من أحسن مدينةٍ على وجه الأرض. واتخذ لسطح العُليّة الصغرى التي عَلَى الصرح قراميد ذهب وفضة، وأنفق عليها أموالًا هائلة، وجعل سقفها صفراء فاقعةً إلى بيضاء ناصعة، تَسلُب الأبصار بلَمَعَانها، وجلس فِيهَا مسرورًا فرحًا، فدخل عَلِيّه القاضي أَبُو الحَكَم منذر بْن سعَيِد البلوطي، رحمه اللَّه، حزينًا، فقال: هَلْ رأيتَ ملكًا قبلي فَعَل مثل هذا؟ فبكي القاضي وقال: والله ما ظننتُ أنّ الشّيطان يبلغ منك هذا مَعَ ما آتاك اللَّه من الفضل، حتى أنزلك منازل الكافرين. فاقشعر من قوله، وقال: وكيف أنزلني منازل الكافرين؟ قَالَ: ألَيْسَ اللَّه يَقُولُ: {{وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فضةٍ}}، وتلا الآية كلَّها. فوجم عَبْد الرَّحْمَن ونكس رأسًه مليا ودموعُه تسيل عَلِيّ لِحْيته خشوعًا لله، وقال: جزاك اللَّه خيرًا، فالذي قلته الحقّ. وقام يستغفر اللَّه، وأمر بنقض السَّقْف الَّذِي للقُبّة.
وكان كَلِفًا بعمارة بلاده، وإقامة معالمها، وإنباط مياهها، وتخليد الآثار الغريبة الدّالّة عَلَى قوة مُلْكة.
وقد استفرغ الوسعَ فِي إتقان قصور الزهراء وزخرفتها. وقد أصابهم قحطٌ، وأراد النّاس الاستسقاء، فجاء عَبْد الرَّحْمَن الناصر رسولٌ من القاضي منذر بْن سعَيِد، رحمه الله، يحركه للخروج، فقال الرَّسُول لبعض الخدم: يا ليت شِعْري ما الَّذِي يصنعه الأمير؟ فقال: ما رَأَيْته أخشع لله منه فِي يومنا هذا، وأنّه منفردٌ بنفسه، لابسٌ أخشن ثيابه، يبكي ويعترف بذنوبه، وهو يَقُولُ: هذه ناصيتي بيدك، أتراك تعُذّب الرّعيّة من أجلي وأنت أحكم الحاكمين، لن يفوتك شيء منّي. فتهلّل وجه القاضي لمّا بلغه هذا، وقال: يا غلام أحمل الممْطَر معك، فقد إذِن اللَّه بسُقْيانا. إذا خشع جبار الأرض رحم جبّار السّماء. فخرج، وكان كما قَالَ.
وكان عبد الرحمن يرجع إلى دين متين وحسن خلق. وكان فِيهِ دُعابة. وكان مَهيبًا شجاعًا صارمًا، ولم يتسمَّ أحدٌ بأمير المؤمنين من أجداده. إنّما يُخطب لَهُم بالإمارة فقط. فلمّا كَانَ سنة سبع عشرة وثلاث مائة، وبلغه -[893]- ضعف الخلافة بالعراق، وظهور الشيعة بالقيروان، وهم بنو عُبّيْد الباطنية، تسميّ بأمير المؤمنين.
تُوُفّي في أوائل رمضان، وكانت حشمته وأُبَّهَتُهُ أعظم بكثيرٍ من خلفاء زمانه الذين بالعراق. وكان الوزير أَبُو مروان أَحْمَد بْن عَبْد الملك بْن شُهيد الأشجعي الأندلُسيّ مَعَ جلالته وزيره.
ولقد نقل بعد المؤرخين - أظنه أَبَا مروان بْن حيّان - أنّ ابن شُهَيْد قدَّم مرّةً للخليفة الناصر تقدمة تتجاوز الوصف، وهي هذه: من المال خمس مائة ألف دينار، ومن التبّرْ أربع مائة رطل برطْلهم، ومن سبائك الفضة مائتا بدرة، ومن العود الهندي اثنا عشر رطلًا، ومن العود الصنفي مائة وثمانون رطلًا، ومن العود الأشباه مائة رطل، ومن المسك مائة أُوقية واثنتا عشر أوقية، ومن العنبر الأشهب خمس مائة أُوقية، ومن الكافور ثلاث مائة أُوقيّة، ومن الثّياب ثلاثون شُقَّة، ومن الفراء عشرة من جلود الفنك، وستة سُرادقات عراقية، وثمانية وأربعون ملحفةً بغدادية لزينة الخيل من الحرير المرقوم بالذهب، وثلاثون شقة لسروج الهيئات، وعشرة قناطير سمّور، وأربعة آلاف رطل حرير مغزول، وألف رطل حرير بلا غزل، وثلاثون بساطًا، البساط عشرون ذراعًا، وخمسة عشر نخًا من معمول الخزّ، وألف ترس سلطانيّة، وثمان مائة من تخافيف التّزّيين يوم العرض، ومائة ألف سهم، وخمسة عشر فَرَسًا فائقة، وعشرون بغلًا مسرَّجة بمراكب الخلافة. ومن الخيل العتاق مائة رأس، ومن الغلمان أربعون وصيفًا وعشرون جارية. ومن التقدمة كتاب ضيعتين من خيار ملكه، ومن الخشب عشرون ألف عود تساوي خمسين ألف دينار. فولاه الوزارة، ولقّبه ذا الوزارتين.
وابتدأ الناصر فِي إنشاء مدينة الزهراء فِي سنة خمسٍ وعشرين وثلاث مائة، فأنفق عليها من الأموال ما لا يحصى، وأصعَد الماء إلى ذروتها، ومات ولم يُتمها، فأتمّها ابنه المستنصر. وجامعُها من أحسن المساجد لَهُ منارة عظيمة لا نظير لها، ومنبره من أعظم المنابر، لم يعمل مثله فِي الآفاق. وعدّة أبواب قصر الزَّهراء المصفّحة بالنحاس والحديد المنقوش، عَلَى ما نقل ابن حيّان، خمسة عشر ألف باب، والعهدة عليه.

173 - معد المعز لدين الله، أبو تميم ابن المنصور إسماعيل ابن القائم ابن المهدي العبيدي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

173 - مَعَدّ المُعِزّ لدين الله، أبو تميم ابن المنصور إسماعيل ابن القائم ابن المهدي العُبَيْدي. [المتوفى: 365 هـ]
صاحب المغرب، والذي بُنِيَتْ له القاهرة المعزّيَّة، وهو أول من تملّك ديار مصر من بني عُبَيْد الرّافضة المدَّعِين أنّهم عَلَويّون. وكان ولي عهد أبيه، فاستقلّ بالأمر في آخر سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وسار في نواحي إفريقية ليمهد مملكته، فذلّل العُصاة، واستعمل غلمانه على المدن، واستخدم الْجُنْدَ، ثم جهزّ مولاه جوهر القائد في جيش كثيف، فسار فافتتح سِجِلْمَاسَة، وسار حتى وصل إلى البحر المحيط، وصيد له من سمكه، -[248]- وافتتح مدينة فاس، وأرسل بصاحبها وبصاحب سَبْتَة أسيرين إلى المُعّز. ووطَّد له من إفريقية إلى البحر، سوى مدينة سبّتة، فإنّها بقيت لبني أميّة أصحاب الأندلس.
وذكر القفْطي أنّ المُعِزّ عزم على تجهيز عسكر إلى مصر، فسألته أمّه تأخير ذلك لتحجّ خفية، فأجابها، وحجّت، فلمّا حصلت بمصر، أحسّ بها الأستاذ كافور الإخشيدي، فحضر وخدمها وحمل إليها هدايا، وبعث في خدمتها أجنادًا، فلمّا رجعت من حجّها منعت ولدها من غزو بلاده، فلما تُوُفّي كافور بعث المُعِزّ جيوشه، فأخذوا مصر.
قال غيره: ولما بلغ المُعِزّ موت كافور صاحب ديار مصر، جهز جوهرا المذكور إليها، فجبي جوهر القطائع التي على البربر، فكانت خمسمائة ألف دينار، وسار المُعِزّ بنفسه إلى المهديّة في الشتاء، فأخرج من قصور آبائه من الأموال خمسمائة حِمْل، ثم سار جوهر في الجيوش إلى مصر في أوّل سنة ثمانٍ وخمسين، وأنفق الأموال. وكان في أُهْبَةٍ هائلة، وصادف بمصر الغلاء والوباء، فافتتحها، وافتتح الحجاز والشام، ثم أرسل يُعَرَّف المُعِزّ بانتظام الحال، فاستخلف على إفريقية بُلُكّين بن زيري الصَّنْهاجي، وسار في خزائنه وجيوشه في سنة إحدى وستّين. ودخل الإسكندريّة في شعبان سنة اثنتين وستّين، فتلقّاه قاضي مصر أبو الطاهر الذهلي والأعيان، فطال حديثهم معه، وأعلمهم بأنّ قَصْدَه القصد المبارك من إقامة الجهاد والحق، وأنْ يختم عمره بالأعمال الصالحة، وأن يعمل بما أمره به جَدُّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ووعظهم وطَوَّل حتى بكى بعضهم، ثم خلع على جماعة، وسار فنزل بالجيزة، فأخذ جيشه في التَّعْدِية إلى مصر، ثم دخل القاهرة، وقد بُنيت له بها دُور الإمرة. ولم يدخل مصر، وكانوا قد احتفلوا وزيّنوا مصر، فلما دخل القصر خرّ ساجدًا وصلّى ركعتين.
وكان عاقلاً، حازماً، أديباً، سرياً، جوادًا مُمَدّحًا، فيه عدل وإنصاف، فمن ذلك، قيل: إنّ زوجة الإخشيد لما زالت دولتهم أودعت -[249]- عند يهودي بغلطاقاً كلّه جوهر، ثم فيما بعد طالبته، فأنكر، فقالت: خُذْ كُمَّ البغلطاق، فأبي، فلم تزل حتى قالت: هات الكُمَّ وخُذِ الجميع، فلم يفعل. وكان فيه بضع عشرة درّة، فأتت قصر المُعِزّ فإذِن لها، فأخبرته بأمرها، فأحضره وقرّرَه، فلم يقرّ، فبعث إلى داره من خرب حيطانها، فظهرت جرة فيها البغلطان، فلما رآه المعز تحيّر من حُسْنه، ووجد اليهوديّ قد أخذ من صدره دُرّتين، فاعترف أنّه باعهما بألف وستمّائة دينار، فسلّمه بكماله، فاجتهدت أن يأخذه هديّة أو بثمن، فلم يفعل، فقالت: يا مولانا هذا كان يصلح لي وأنا صاحبة مصر، فأمّا اليوم فلا، ثم أخذته وانصرفت.
وجاء أنّ المنجّمين، أخبروه أنّ عليه قطْعًا، وأشاروا عليه أن يتّخذ سردابًا ويتوارى فيه سنة، ففعل، فلما طالت غيبته ظنّ جُنْدُهُ المغاربة أنّه قد رُفِع، فكان الفارس منهم إذا رأى الغمام ترجّل ويقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين. ثم خرج بعد السنة، وتُوُفّي بعد ذلك بيسير.
وكان قد قرأ فنوناً من العلم والأدب، والله أعلم بسريرته.
قيل: أنّه أحضر إليه بمصر كتاب فيه شهادة جدّه عُبَيْد الله بسَلَمِيّة، وكتب: " شهد عُبَيْد اللَّهِ بْن مُحَمَّدِ بْن عَبْد اللَّهِ الباهلي ". وفي الكتاب شهادة جماعة من أهل سَلَمِيَّةَ وحمص، فقال: نعم هذه شهادة جدنا، وأراد بقوله: الباهلي أنّه من أهل المُبَاهَلَة لا أنّه من باهِلَة.
وكان المُعِز أيضًا ينظر في النجوم.
وقيل: إنّه قال هذين البيتين:
أَطْلَعَ الحُسْنُ من جبينك شَمْسًا ... فوق ورْدٍ من وجنتيك أطلا
وكأن الجمال خاف على الور ... د ذُبُولًا فمدّ بالشَّعْرٍ ظلًا
وله فيما قيل:
لله ما صَنَعَتْ بنا ... تلك المحاجِرُ في المعاجر
أمضى وأقضى في النفو ... س من الخناجر في الحَناجر -[250]-
ولقد تعبت ببَيْنِكُم ... تَعَبَ المُهاجِرِ في الهواجِرُ
تُوُفّي في ربيع الآخر سنة خمسٍ وستّين، وله ستّ وأربعون سنة، وكان مولده بالمهديّة.

191 - الحكم المستنصر بالله، صاحب الأندلس أبو العاص ابن الناصر لدين الله عبد الرحمن الأموي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

191 - الحَكم المستنصر بالله، صاحب الأندلس أبو العاص ابن النّاصر لدين الله عبد الرحمن الأموي. [المتوفى: 366 هـ]
بقي في المملكة بعد أبيه ستّة عشر عامًا، وعاش ثلاثًا وستّين سنة. وكان حَسَنَ السّيرة، مُكْرِمًا للقادمين عليه. جَمَع من الكتب ما لا يحد ولا يوصف كثرة ونَفَاسةُ، مع العلم والنَّبَاهة، وحُسْن السّيرة وصفاء السريرة. -[255]-
سَمِعَ مِنْ: قاسم بْن أصبغ، وأَحْمَد بْن دُحَيْم، ومُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد السلام الخشنيّ، وزكريا بن خطاب، وأكثر عنه، وأجاز له ثابت بن قاسم، وكتب عن خلق كثير سوى هؤلاء.
وكان يستجلب المُصَنَّفات من الأقاليم والنّواحي، باذلًا فيها ما أمكن من الأموال، حتّى ضاقت عنها خزائنه، وكان ذا غرام بها، قد آثر ذلك على لذّات الملوك، فاستوسع عِلْمُهُ، ودقّ نظره، وجمّت استفادته. وكان في المعرفة بالرّجال والأنساب والأخبار أحوذياً نسيج وحده.
وكان أخوه الأمير عبد الله المعروف بالولد على هذا النَّمط من محبّة العلم، فقتل في أيّام أبيه.
وكان الحَكَم ثِقَةً فيما ينقله.
قال ابن الأبار: هذا وأضعافه فيه. وقال: عجبًا لابن الفَرَضيّ، وابن بَشْكَوال كيف لم يذكراه، كنيته أبو العاص. وولي الأمر في سنة خمسين وثلاثمائة بعد والده، وقلّ ما نجد له كتابا من خزانته إلا وله فيه قراءة أو نظر في أيّ فنّ كان، ويكتب فيه نَسَبَ المؤلّف ومَوْلِدَه ووفاته، ويأتي من ذلك بغرائب لا تكاد توجد إلّا عنده لعنايته بهذا الشأن.
تُوُفِّي بقصر قُرْطُبة في ثاني صفر، رحمه الله.
وقد شدّد في إبطال الخمور في مملكته تشديدًا مُفْرِطًا، ومات بالفالج، وولي الأمر بعده ابنه المؤيّد بالله هشام، وسِنّه يومئذٍ تسع سنين، وقام بتدبير المملكة الحاجب أبو عامر مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بن أَبِي عامر العامري القَحْطَاني الملقّب بالمنصور، فكان هو الكُلّ.

342 - محمد بن هشام بن عبد الجبار ابن الناصر لدين الله أبي المطرف عبد الرحمن بن محمد الأموي الملقب بالمهدي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

342 - مُحَمَّد بْن هشام بْن عبد الجبار ابن النّاصر لدين اللَّه أَبِي المُطَرِّف عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد الأموي الملقب بالمهدي. [المتوفى: 400 هـ]
توثب عَلَى الأمر بالأندلس، وخلع المؤيد بالله هشامًا، وحارب عبد الرحمن ابن الحاجب أَبِي عامر القحطاني شنشول الَّذِي وثب قبله بسنة، وسمى نفسه وليّ العهد، وجعل ابن عمه محمد بن المغيرة حاجبه، وأمر بإثبات كل من جاءه فِي الدّيوان، فلم يبق زاهد ولا جاهل ولا حجام ثم حتى جاءه، فاجتمع لَهُ نحوٌ من خمسين ألفا، وذلّت لَهُ الوزراء والصَّقالبة، وجاءوا وبايعوه، وأمر بنهب دور بني عامر، وانتهب جميع ما فِي الزَّهْراء من الْأموال والسلاح، حتى قُلِّعت الْأبواب، فيقال: إنَّ الَّذِي وصل إلى خزانة ابن عبد الجبار خمسة آلاف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، ومن الفضة ألف ألف دِرْهَم، ثم وجد بعد ذَلِكَ خوابي فيها ألف ألف ومائة ألف دينار، وخُطِب لَهُ بالخلافة بقُرْطُبَة، وتسمّى بالمهديّ، وقُطِعت دعوة المؤَيَّد، وصلّى المهدي الجمعة بالناس، وقُرئ كتابٌ بلعنة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي عامر الملّقب بشنشول، ثم سار إلى حربه إثْر ذَلِكَ فِي سنة تسع وتسعين، وكان القاضي ابن ذكوان يحرّض عَلَى قتاله، ويقول عَنْ شنشول: هُوَ كافر. وكان قد استعان بعسكرٍ من الفرنج وقام معه ابن غومس القومص، فسار إلى قرطبة، وأخذ أمر ابن عبد الجبار يقوى وأمر شنشول يَضْعُف، وأصحابه تتسحّب عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ القومص: ارجع بنا قبل أن يدهمنا العدوّ، فأبى ومال إلى دير شريش جَوْعَان سَهْران، فنزل لَهُ الرّاهب بخُبز ودجاجة، فأكل -[822]- وشرِب وسكِر، وجاء لحربه حاجب المهديّ فِي خمسمائة فارس، فَجدُّوا فِي السَّيْر وقبضوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنَا فِي طاعة المهديّ، وظهر منه جَزَع وذل، وقبل قدم الحاجب، ثم ضربت عنق شنشول، ونودي عَلَيْهِ " هذا شنشول المأبون المخذول ".
قَالَ الحُمَيْدِي: قام عَلَى المهديّ فِي شوّال سنة تسعٍ وتسعين ابن عمّه هشام بن سليمان ابن الناصر الْأمويّ مَعَ البربر، فحاربه، ثم انهزمت البربر، وأُسِر هشام فضرب المهديُّ عُنُقَه.
وقَالَ غيره: لما استوسق الْأمر لابن عَبْد الجبّار المهديّ أظهر من الخلاعة أكثر ممّا فعله شنشول، وأَرْبَى عَلَيْهِ فِي الفساد، وأخذ الحُرَم، وعمد إلى نصراني يشبه المؤيد بالله، ففصده حتى مات، وأخرجه إلى النّاس وقَالَ: هذا هشام، وصلى عَلَيْهِ ودفنه.
وفي رمضان وصل إلى ابن عَبْد الجبّار رَسُول صاحب طرابلس المغرب فلفل بْن سَعِيد الزّناتي، داخلا فِي الطّاعة، ويسأل إرسال سكّة يضرب بها الذَّهب عَلَى اسمه، كلّ ذَلِكَ ليُعِينه عَلَى باديس ابن المنصور، فخرج باديس وأخذ طرابلس، وكتب إلى عمّه حمّاد فِي إغراء القبائل عَلَى ابن عَبْد الجبار.
وكان ابن عَبْد الجبّار بخذلانه قد هَمّ بالغدر بالبربر الذين حوله، وصرّح بذلك لجهله، فَنمّ عَلَيْهِ بسببه هشام بن سليمان ابن النّاصر لدين اللَّه، وحرّضهم عَلَى خلعه، فقتلوا وزيريه مُحَمَّد بْن درّي وخَلَف بْن طريف، وثار الهيج، واجتمع لهشام عسكر، وحرقوا السراجين، وعبروا القنطرة، ثم تخاذلوا عَنْ هشام فأُخِذ، وأخذ ولده وأخوه أَبُو بَكْر فقتلهم ابن عَبْد الجبّار صبْرًا، وقُتِل خلْق من البربر، ثم تحيّز البربر إلى قلعة رباح وهرب معهم سُلَيْمَان بْن الحكم بن سليمان ابن الناصر هشام فبايعوه، وسمُّوه المستعين باللَّه، وجمعوا لَهُ مالا من كلّ قبيلة، حتى اجتمع لَهُ نحوٌ من مائة ألف دينار، فتوجّه بالبربر إلى طُلَيْطِلة، فامتنعوا عَلَيْهِ، ثم ملكها، وقتل واليها، فاعتدّ ابن عَبْد الجبّار للحصار، وجزع حتى جَرَّأ عَلَيْهِ العامّة، -[823]- ثم بعث عسكرًا فهزمهم سُلَيْمَان، فرتّب النّاس للقتال، وكان أكثر جُنْد ابن عَبْد الجبّار لحامين وحاكة، وقارب سُلَيْمَان قُرْطُبَة، فبرز إِلَيْهِ عسكر ابن عبد الجبار، فناجزهم سليمان، فكان من غرق منهم فِي الوادي أكثر ممّن قُتل، وكانت وقعة هائلة، وذهب خلق من الأخيار والمؤذنين والأئمّة، فلما أصبح ابن عَبْد الجبّار أخرج المؤيَّد باللَّه هشام بْن الحَكَم الَّذِي كَانَ اظهر موته، فأجلسه للنّاس، وأقبل القاضي يَقُولُ: هذا أمير المؤمنين، وإنما محمد نائبه، فقال له البربر: يا ابن ذكوان، بالأمس تصلّي عَلَيْهِ، واليوم تُحْيِيه! وخرج أهل قُرْطُبَة إلى المستعين سُلَيْمَان فأحسن مَلقَاهم، واختفى ابن عَبْد الجبّار، واستوسق أمر المستعين، ودخل القصر، ووارى النّاسُ قتلاهم، فكانوا نحو اثني عشر ألفًا.
ثم هرب ابن عَبْد الجبّار إلى طُلَيْطِلة، فقاموا معه، وكتب إلى الفرنجية ووعدهم بالأموال، فاجتمع إِلَيْهِ خلْق عظيم، وهو أوّل مالٍ انتقل من بيت المال بالأندلس إلى الفرنج، وكانت الثغور كلّها باقية عَلَى طاعة ابن عَبْد الجبار، فقصد قرطبة في جيش كبير، فكان الملتقى عَلَى عقبة البقر عَلَى بريدٍ من قُرْطُبَة، فاقتتلوا قتالا شديدًا، فانهزم سُلَيْمَان، واستولى المهديّ عَلَى قُرْطُبَة ثانيا، ثم خرج بعد أيام إلى قتال جَمْهرة البربر، فالتقاهم بوادي آره، فهزموه، ففر إلى قرطبة، فوثب عليه العبيد ثم انهزم ابن عَبْد الجبّار أقبح هزيمة، وقتل من الفرنج ثلاثة آلاف فِي السّنة، وغرق منهم خلق، وأُسِر ابن عَبْد الجبّار ثم ضُرِبت عنقه، وقُطِعت أربَعْتُه في ثامن ذي الحجة سنة أربعمائة، وله أربعٌ وثلاثون سنة؛ وثب عَلَيْهِ العبيد، إذ جاء قرطبة منهزماً.

344 - هشام بن عبيد الله ابن الناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد الأموي الأمير، أبو الوليد الأندلسي، ويعرف بصاحب الخضراء.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

344 - هشام بن عبيد الله ابن الناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد الْأمويّ الْأمير، أَبُو الوليد الأندلسي، ويُعرَف بصاحب الخضراء. [المتوفى: 400 هـ]
قال الأبار: كان خير من تبقى من أهل بيت الخلافة عفافًا ومروءة -[824]- وسخاء، إلى أدب ومعرفة، وجَمْعٍ للكتب، رغب المستعين باللَّه سُلَيْمَان فِي كتبه، فقُوِّمَتْ واشتراها.
توفي في أول سنة أربعمائة.

223 - سليمان بن الحكم بن سليمان ابن الناصر لدين الله عبد الرحمن الأموي المرواني الملقب بالمستعين.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

223 - سليمان بن الحكم بن سليمان ابن النّاصر لدين الله عَبْد الرَّحْمَن الأمويّ المروانيّ الملقب بالمستعين. [المتوفى: 407 هـ]
خرج قبل الأربعمائة والتفّ عَليْهِ خلق من جيوش البربر بالأندلس، وحاصر قُرْطُبَة إلى أن أخذها كما ذكرنا في سنة ثلاث وأربعمائة، وعاث هو وجيشه وأفسدوا، وقتلوا، وعملوا ما لا تعمله الفَرَنْج، وكان من أمراء جُنده القاسم وعليّ ابنا حمّود بْن ميمون الحسني الإدريسي، فقدمهما عَلَى البربر، ثمّ استعمل أحدهما علي سبْتَة وطْنَجَة، واستعمل القاسم عَلَى الجزيرة الخضراء. ثّم إنّ عليّا متولي سبْتة راسلَ جماعةً، وحدَّث نفسه بولاية الأندلس، فاستجاب لَهُ خلْق، وبايعوه، فزحف من سبْته وعدّى إلى الأندلس، فبايعه أمير مالقه، واستفحل أمره، ثمّ زحَف بالبربر إلى قُرْطُبَة، فجهّز المستعين لحربه ولده محمد بْن سليمان، فانكسر محمد، وهجَم عليّ بْن حمُّود قُرْطُبَة فدخلها، وذبح المستعين بيده صبرًا، وذبح أَبَاهُ الحَكَم وهو شيخ في عَشْر الثمانين، وذلك في المحرّم، وانقطعت دولة بني أُميّة في جميع الأندلس.
وكان قيام سليمان في شوّال سنة تسعٍ وتسعين ثمّ كمل أمره في ربيع الآخر سنة أربعمائة، وظفر بالمهديّ محمد بْن عَبْد الجبّار في ذي الحجّة من السّنة فقتله صبرًا، وهرب المؤيّد بالله هشام بْن الحَكَم، وسار سليمان في بلاد الأندلس يعيث ويفسد ويُغير حتى دوَّخ الإسلام وأهله.
قَالَ الحُميدي: لم يزل المستعين يجول بالبربر يفسد وينهب ويقفر المدائن والقري بالسيّف لا يُبقى - معه البربر - على صغيرٍ ولا كبير ولا امرأة إلى أن غلب على قرطبة في سنة ثلاثٍ في شوّال.
قلت: عاش سليمان المستعين نيفًا وخمسين سنة، وله شِعْر رائق فمنه:
عجبا يهاب الليث حد سِناني ... وأهاب لَحْظَ فواتِر الأجفانِ
وأُقَارِعُ الأهوالَ لا متهيبًا ... منها سوى الإعراضِ والهجرانِ
وتملّكت نفسي ثلاثٌ كالدُّمَى ... زُهْرُ الوُجُوه نواعمُ الأبدانِ
ككواكب الظَّلْماءِ لُحْن لناظرٍ ... مِن فوقِ أغصانِ عَلَى كثبانِ
هذي الهلال وتلك بِنْت المشتري ... حُسْنًا وهذِي أختُ غصنِ البانِ -[119]-
حاكمت فيهن السلُو إلى الصبا ... فقضى بسلطان على سلطاني
وإذا تجارى في الهوى أهلُ الهوى ... عاش الهوى في غبطةٍ وأمانِ

141 - عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار ابن الناصر لدين الله الأموي المرواني،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

141 - عَبْد الرَّحْمَن بْن هشام بن عبد الجبار ابن النّاصر لدين الله الأُمَوي المُروانيّ، [المتوفى: 414 هـ]
أخو محمد المهدي.
لما انهزم البربر عَنْ قُرْطُبَة مَعَ القاسم بْن حَمُّود الحَسَنيّ، اتفّق اهل قُرْطُبَة عَلَى ردّ الأمر إلى بني أُمَيَّة، وكانت دولتهم قد زالت مِن سنة سبع وأربعمائة بابني حمّود، فاختاروا ثلاثة: عَبْد الرَّحْمَن هذا، وسليمان ابن المرتضى، وآخر. ثم قدَّموا عَبْد الرَّحْمَن وبايعوه بالخلافة في رمضان مِن السُّنَّة، وله اثنتان -[237]- وعشرون سنة، وكُنْيته أبو المطرف، ولقّبوه بالمستظهر بالله. ثمّ قام عَليْهِ أحد بني عمّه أبو عَبْد الرَّحْمَن محمد بْن عَبْد الرحمن مَعَ طائفةٍ مِن الغَوْغاء، فقُتل المستظهر لثلاثٍ بقين مِن ذي القِعْدة.
وكان رحمه الله ذكيّا بليغًا فصيحًا مفوهًا، بارع الأدب، رقيق الطَّبْع، جيّد النَّظْم، ووزَر أبو محمد بْن حزْم الظّاهريّ لَهُ تِلْكَ الأيّام، ولم يُعقب.
ثمّ بويع أبو عَبْد الرَّحْمَن، فدام أمرُه عشرة أشهر، ولقّبوه بالمستكفي. ثمّ خُلِع ورجعَ الأمر إلى يحيى المعتلي، وسُمَّ أبو عَبْد الرحمن فهلك.

231 - محمد بن عبد الرحمن بن عبيد ابن الناصر لدين الله الأموي، أبو عبد الرحمن الملقب بالمستكفي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

231 - محمد بن عبد الرحمن بن عبيد ابن الناصر لدين الله الأمويّ، أبو عبد الرَّحْمَن الملقَّب بالمستكفي. [المتوفى: 415 هـ]
توثّب عام أوّل عَلَى ابن عمّه عَبْد الرَّحْمَن المستظهر فقتله، وبايعه أهل قُرطبة. وكان أحمق متخلفًا لا يصلُح لصالحة، وطروده ونفوه، ثمّ أطعموه حشيشةً قتّالة، فمات لوقته.

235 - علي بن منصور بن نزار بن معد بن إسماعيل بن محمد بن عبيد الله العبيدي. صاحب مصر الملقب بالظاهر لإعزاز دين الله، أبو هاشم أمير المؤمنين ابن الحاكم ابن العزيز ابن المعز،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

235 - عليّ بن منصور بن نزار بن مَعَدّ بن إسماعيل بن محمد بن عُبَيْد الله العُبَيْديّ. صاحب مصر المُلقَّب بالظّاهر لإعزاز دين الله، أبو هاشم أمير المؤمنين ابن الحاكم ابن العزيز ابن المعزّ، [المتوفى: 427 هـ]
الّذين يدّعون أنهم فاطميّون ليربطوا عليهم بذلك الرّافضة.
بايعوا الظّاهر بمصر لمّا قُتِل أبوه في شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وهي والشّام وإفريقيّة في حُكْم أبيه، فلمّا قام هذا الظّاهر طمع مَن طمع في أطراف بلاده، فقصد صالح بن مرداس الكِلابيّ حلب وبها مرتضى الدّولة بن لؤلؤ الحمدانيّ نيابة عن الظّاهر المذكور، فحاصرها صالح وأخذها، وتغلّب حسّان بن مفرّج البَدَويّ صاحبُ الرَّمْلة على أكثر الشّام، وتضعضعت دولة الظّاهر.
واستوزر الوزير نجيب الدّولة عليّ بن أحمد الْجَرْجرائيّ، كما استوزره فيما بعد ابنه المستنصر إلى أن مات سنة ست وثلاثين وأربعمائة، وكان من بيت حشْمة ووزارة، وكان أقْطعَ اليَدَين من المِرْفَقين، قطعهما الحاكم لكونه خان في سنة أربع وأربعمائة، وكان يكتب عنه العلّامة الْقَاضِي أبو عبد الله القُضاعيّ، وهي " الحمد لله شكرا لنعمته ".

246 - هشام بن محمد بن عبد الملك ابن الناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد المعتد بالله، أبو بكر الأموي المرواني الأندلسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

246 - هشام بن محمد بن عبد الملك ابن الناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد المعتدّ بالله، أبو بكر الأُمويّ المَرْوانيّ الأندلسيّ. [المتوفى: 427 هـ]
لمّا قُطِعت دعوة يحيى بن عليّ بن حَمُّود الإدريسيّ ثاني مرّة من قُرْطُبة أجمعوا على ردّ الأمر إلى بني أُمَيّة لأنهم ملوك الأندلس من أوّل ما فُتحت الأندلس، وكان عميد قُرْطُبة هو الوزير جَهْوَر بن محمد بن جَهْوَر، فاتّفق مع الأعيان على مبايعة هشام، وكان مقيمًا بالبُونت عند المتغلِّب بها محمد بن عبد الله بن قاسم، فبايعوه في ربيع الأوّل سنة ثمان عشرة، ولُقِّب بالمعتدّ بالله.
وكان كَهْلًا، وُلِد سنة أربع وستين وثلاثمائة، فبقي متردّدًا في الثُّغُور سنتين وعشرة أشهر، وثارت هناك فتنٌ كثيرة واضطرابٌ شديد، فاتّفق رأي الرّؤساء على تسييره إلى قَصَبة المُلْك قُرْطُبة، فدخلها في ليلة عَرَفَة، ولم يقم إلّا يسيرًا حتّى قامت عليه طائفة من الْجُنْد، فخُلع، وجرت أمورٌ طويلة، وأُخرج من القصر هو وحاشيته وحريمه، والنِّساء حاسرات عن وجوههن، حافية أقدامهن، إلى أن أدخلوا الجامع، فبقوا هنالك أيّامًا، ثمّ أُخرجوا عن قُرْطُبة، ولحِق المعتدّ بالله بابن هود المتغلب على سرقسطة، ولاردة، -[431]- وطرطوشة، فأقام في كنفه إلى أن مات سنة سبْعٍ وعشرين وأربعمائة، وهو آخر ملوك بني أمية في الأندلس.

294 - الحسن ابن الحافظ لدين الله عبد المجيد بن محمد ابن المستنصر العبيدي، المصري.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

294 - الحسن ابن الحافظ لدين اللَّه عبد المجيد بْن محمد ابن المستنصر العُبَيْديّ، المصريّ. [المتوفى: 529 هـ]
استوزره أبوه وجعله وليّ عهده في سنة ستٍ وعشرين، فظلم وعَسَف وسفك الدّماء، وقتل أعوان أبي عليّ الوزير الّذي قبله، حتّى قيل: إنّه قتل في ليلةٍ أربعين أميرًا، فخافه أبوه، وجهّز لحربه جماعةً، فحاربهم، واختبطت -[486]- الأمور، ثمّ دسَّ أبوه من سقاه السُّمّ، فهلك في هذه السّنة، ولكنّه كان يميل إلى أهل السنة.

223 - عبد المجيد الحافظ لدين الله، أبو الميمون بن محمد ابن المستنصر بالله معد ابن الظاهر علي ابن الحاكم العبيدي،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

223 - عبد المجيد الحافظ لدين الله، أبو الميمون بن محمد ابن المستنصر بالله معدّ ابن الظاهر علي ابن الحاكم العبيدي، [المتوفى: 544 هـ]
صاحب مصر.
بُويع يوم مقتل ابن عمّه الآمر بولاية العهد وتدبير المملكة، حتّى يولد حملٌ للآمر، فغلب عَلَيْهِ أبو علي أحمد بن الأفضل ابن بدر الجماليّ أمير الجيوش، وكان الآمر قد قتل الأفضل، وحبس ابنه أحمد، فلمّا قُتل الآمر وثب الأمراء فأخرجوا أحمد، وقدّموه عليهم، فسار إلى القصر، وقهر الحافظ، وغلب عَلَى الأمر، وبقي الحافظ معه صورةً من تحت حكمه، وقام في المُلك أحسن قيام، وعَدَل، وردَّ عَلَى المصادَرين أموالهم، ووقف عند مذهب الشّيعة، وتمسّك بالاثنّي عشر، وترك الأذان بحيِّ عَلَى خير العمل.
وقيل: بل أقرّ: حي على خير العمل، وأسقط: والحمد لله من الأذان: محمد وعلي خير البشر، كذا وجدت بخطّ النّسّابة، ورفض الحافظَ لدين الله وأهل بيته وآباءهُ، ودعا عَلَى المنابر للإمام المنتظَر صاحب الزّمان عَلَى زعْمهم، وكتب اسمه عَلَى السّكَة، وبقي عَلَى ذَلكَ إلى أن وثب عَلَيْهِ واحدٌ من الخاصَّة، فقتله بظاهر القاهرة في المحرَّم سنة ست وعشرين وخمسمائة، وكان ذَلكَ بتدبير الحافظ، فبادر الأجناد والدّولة إلى الحافظ، وأخرجوه من السّجن، وبايعوه ثانيًا، واستقلَّ بالأمور.
وكان مولده بعسقلان سنة سبْعٍ وستّين، وسبب ولادته بها أنّ أَبَاهُ خرج -[858]- إليها في غلاء مصر، وسبب تَوْليته أنّ الآمر لم يخلِّف ولدًا، وخلَّفَ حَمْلًا، فماج أهل مصر، وقال الجُهّال: هذا بيت لا يموت الإمام منهم حتّى يخلّف ولدًا وينصّ على إمامته، وكان الآمر قد نصّ لهم عَلَى الحمْل، فوضعت المرأة بنتًا، فبايعوا حينئذٍ الحافظ، وكان الحافظ كثير المرض بالقولَنج، فعمل لَهُ شيرماه الدَّيْلمي طَبْل القُولَنْج الّذي وجده السّلطان صلاح الدّين في خزائنهم، وكان مرَكَّبًا من المعادن السّبعة، والكواكب السّبعة في إشراقها، وكان إذا ضربه صاحب القُولَنْج خرج من باطنه رِيح وفسا، فاستراح من القُولَنْج.
تُوُفّي في خامس من جُمادى الأولى، وكانت خلافته عشرين سنة إلّا خمسة أشهر، وعاش بِضْعًا وسبعين سنة.
وكان كلّما أقام وزيرًا حكم عَلَيْهِ، فيتألّم ويعمل عَلَى هلاكه، ولي الأمر بعده ابنُه الظّافر إسماعيل، فَوَزَرَ لَهُ ابن مصّال أربعين يومًا، وخرج عَلَيْهِ ابن السّلّار فأهلكه.

503 - إسماعيل الظافر بالله، أبو منصور ابن الحافظ لدين الله عبد المجيد بن محمد ابن المستنصر بالله معد ابن الظاهر علي ابن الحاكم المصري، العبيدي،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

503 - إسماعيل الظّافر بالله، أبو منصور ابن الحافظ لدين اللَّه عبد المجيد بْن محمد ابن المستنصر بالله معدّ ابن الظاهر عليّ ابن الحاكم المصريّ، العُبَيْديّ، [المتوفى: 549 هـ]
أحد الخلفاء المصريّين، الشّيعة، الخارجين على الإمام.
قام بالأمر بعد أبيه الحافظ، وبقي في الخلافة خمس سِنين، ووَزَرَ لَهُ سليم بْن مصّال الأفضل إلى أن خرج على ابن مصّال العادل ابن السَّلَّار واستأصله، وتمكَّن من المملكة إلى أن قتله ابن ابن امرأته نصر بْن عبّاس سنة -[961]- ثمان، كما ذكرنا، وقام بعده في الوزارة أَبُوهُ عبّاس.
ثمّ إنّ نصرًا وأباه وَثَبا عَلَى الظّافر فقتلاه، وأخفياه، وجحداه في سلْخ شعبان، وأجلسا مكانه ولده الفائز عيسى.
والظّافر كَانَ شابًّا، صبيًّا، لعّابًا، لَهُ نهمة في الجواري والأغاني، وكان يَأْنَس بنصر بْن عبّاس، فدعاه إلى دار أبيه ليلًا، فجاء متنكرًا لم يعلم بِهِ أحد، وهذه الدّار هِيَ اليوم المدرسة السّيُوفيَّة، فقتله وطمره، وقيل: كان ذلك في منتصف المحرَّم، وقيل: في سَلْخه.
وكان من أحسن النّاس صورةً، عاش اثنتين وعشرين سنة، وكان نصر أيضًا في غاية الملاحة، وكان الظّافر يحبّه، فقتله نصر بأمر أبيه، ثمّ ركب عبّاس من الغد إلى القصر، فقال: أين مولانا؟ ففقدوه، وخرج إِلَيْهِ أَخَواه جبريل ويوسف، فقال: أين هو مولانا؟ فقالا: سَل ولدك، فإنّه أعلم بِهِ منّا، فقال: أنتما قتلتماه، وأمَرَ بهما فضُربت رِقابهما، ثمّ جَرَت أمور ستأتي.

252 - عبد الله العاضد لدين الله، أبو محمد بن يوسف ابن الحافظ لدين الله عبد المجيد بن محمد ابن المستنصر ابن الظاهر ابن الحاكم العبيدي، المصري، الرافضي،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

252 - عَبْد اللَّه العاضد لدين اللَّه، أبو محمد بن يوسف ابن الحافظ لدين اللَّه عَبْد المجيد بْن مُحَمَّد ابن المستنصر ابن الظاهر ابن الحاكم العُبَيْديّ، الْمَصْرِيّ، الرّافضيّ، [المتوفى: 567 هـ]
الَّذِي يزعم هُوَ وبيته أنّهم فاطميّون وهو آخر خلفاء مصر.
ولد سنة ست وخمسمائة فِي أوّلها. ولمّا هلك الفائز ابن عمّه واستولى الملك الصالح طلائع بْن رُزّيك عَلَى الدّيار المصريَّة بايع العاضد وأقامه صورة، وكان كالمحجور عَلَيْهِ لا يتصرَّف فِي كلّ ما يريد. ومع هذا فكان رافضيًّا، سَبّابًا، خبيثًا.
قَالَ ابن خَلِّكان: كَانَ إذا رَأَى سُنّيًّا استحلّ دمه. وسار وزيره الملك الصّالح سيرةً مذمومة، واحتكر الغلّات، فغلت الأسعار، وقتل أمراء الدّولة خِيفةً منهم، وأضعف أحوال دولتهم بقتل ذوي الرأي والبأس، وصادر أولي الثروة. وفي أيام العاضد ورد حسين بن نزار ابن المستنصر العُبَيْديّ من الغرب، وقد جمع وحشد، فلمّا قارب مصر غَدَر بِهِ أصحابه، وقبضوا عَلَيْهِ، وأتوا بِهِ إلى العاضد، فذُبِح صبرًا فِي سنة سبْعٍ وخمسين.
قلت: ثمّ قتل ابن رُزِّيك، ووَزَرَ لَهُ شاوَر، فكان سبب خراب دياره، ودخل أسد الدّين إلى ديار مصر كما ذكرنا، وَقُتِلَ شاوَر، ومات بعده أسد -[368]- الدّين، وقام فِي الأمر ابن أخيه صلاح الدين وتمكن من المملكة.
قَالَ القاضي جمال الدّين ابن واصل: حكى لي الأمير حسام الدين أبي علي قال: كان جدي في خدمة صلاح الدّين، فحكى أَنَّهُ لمّا وقعت هذه الوقعة، يعني وقعة السّودان، بالقاهرة الّتي زالت دولتهم فيها، ودولة آل عُبَيْد، قَالَ: شرع صلاح الدين فطلب من العاضد أشياء من الخَيل والرقيق والأموال ليتقوّى بذلك. قَالَ: فسيَّرني يومًا إلى العاضد أطلب منه فَرَسًا، ولم يبق عنده إلّا فرس واحد، فأتيه وهو راكب فِي بستانه المعروف بالكافوريّ الَّذِي يلي القصر، فقلت: صلاح الدّين يسلّم عليك، ويطلب منك فَرَسًا. فقال: ما عندي إلّا الفَرَس الَّذِي أَنَا راكبه؛ ونزل عَنْهُ وشق خُفَّيه ورمى بهما، وسلّم إليَّ الفَرَس، فأتيت بِهِ صلاحَ الدّين. ولِزم العاضد بيته.
قلت: واستقلّ صلاح الدّين بالأمر، وبقي العاضد معه صورةً إلى أن خلعه، وخطب فِي حياته لأمير المؤمنين المستضيء بأمر اللَّه العبّاسيّ، وأزال اللَّه تلك الدّولة المخذولة. وكانوا أربعة عشر متخلّفًا لا مستخلفًا.
قَالَ الْإِمَام شهاب الدّين أَبُو شامة: اجتمعت بالأمير أَبِي الفُتُوح ابن العاضد وهو مسجون مُقَيَّدٌ فِي سنة ثمانٍ وعشرين وستمائة، فحكى لي أنّ أَبَاهُ فِي مرضه استدعى صلاح الدّين فحضر، قَالَ: فأحضرونا، يعني أولاده، ونحن صغار، فأوصاه بنا، فالتزم إكرامنا واحترامنا.
قَالَ أَبُو شامة: كَانَ منهم ثلاثة بإفريقية وهم الملقّبون بالمهديّ، والقائم، والمنصور، وأحد عشر بمصر، وهم: المُعِزّ، والعزيز، والحاكم، والظّاهر، والمستنصر، والمستعلي، والآمر، والحافظ، والظّافر، والفائز، والعاضد، يدّعون الشَّرَف، ونسبتهم إلى مَجُوسيٍّ أو يهوديّ، حتّى اشتهر لهم ذَلِكَ بين العَوَامّ، فصاروا يقولون: الدّولة الفاطميَّة والدّولة العلويَّة. إنّما هِيَ الدّولة اليهوديَّة، أو المجوسيَّة الملحدة الباطنيَّة.
قَالَ: وقد ذكر ذَلِكَ جماعة من العلماء الأكابر أنّهم لم يكونوا لذلك -[369]- أهلًا، ولا نسبهم صحيحا، بل المعروف أنّهم بنو عُبَيْد. وكان والد عُبَيْد هذا من نسْل القدّاح الملحد المجوسيّ.
قَالَ: وقيل: كَانَ والد عُبَيْد هذا يهوديًّا من أهل سَلَمِيَّة، وكان حدّادًا. وعُبَيْد كَانَ اسمه سعيدا، فلمّا دخل المغرب تسمّى بعُبَيْد اللَّه، وادَّعَى نَسَبًا لَيْسَ بصحيح. وذكر ذَلِكَ جماعة من علماء الأنساب، ثمّ ترقَّت بِهِ الحال إلى أن ملك المغرب، وبنى المهديَّة، وتلقَّب بالمَهْديّ. وكان زِنْديقًا خبيثًا، عدوًّا للإسلام. قتل من الفُقَهاء، والمحدّثين، والصالحين جماعةً كبيرة، ونشأت ذُرّيته عَلَى ذَلِكَ. وبقي هذا البلاء عَلَى الْإِسْلَام من أول دولتهم إلى آخرها، وذلك من ذي الحجَّة سنة تسعٍ وتسعين ومائتين إلى سنة سبع وستين وخمسمائة.
وقد بيَّن نَسَبَهم جماعةٌ مثل القاضي أَبِي بَكْر الباقِلّانيّ، فإنّه كشف فِي أوّل كتابه المسمى " كشف أسرار الباطنية " عَنْ بُطْلان نَسَب هَؤُلَاءِ إلى علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكذلك القاضي عَبْد الْجَبّار بْن أحمد استقصى الكلام في أصولها، وبينها في آخر كتاب " تثبيت النبوة "، وبين بعض ما فعلوه من الكفريات والمنكرات.
قرأت فِي تاريخ صُنِّف عَلَى السِّنين فِي مجلَّدٍ صنّفه بعض الفُضَلاء سنة بضْعٍ وثلاثين وستَمائة، وقدّمه لصاحب مصر الملك الصالح قال: في سنة سبع وستين: وفاة العاضد فِي يوم عاشوراء بعد إقامة الخطبة بمصر بيويمات قلائل فِي أوّل جمعة من المحرَّم لأمير المؤمنين المستضيء بأمر الله، وهو آخر خلفاء مصر. فلمّا كانت الجمعة الثّانية خُطِب بالقاهرة أيضًا للمستضيء، ورجعت الدّعوة العبّاسيَّة بعد أن كانت قد قُطِعَت بها أكثر من مائتي سنة. وتسلم الملك الناصر صلاح الدّين قصر الخلافة، واستولى عَلَى ما كَانَ بِهِ من الأموال والذّخائر، وكانت عظيمة الوصف. وقبض عَلَى أولاد العاضد وأهل بيته، وحبسهم فِي مكانٍ واحدٍ بالقصر، وأجرى عليهم ما يمولهم، وعفّى آثارهم، وقمع مواليهم وسائر أنسبائهم.
قَالَ: وكانت هذه الفِعْلة من أشرف أفعاله، فَلَنِعْمَ ما فعل، فإن هَؤُلَاءِ كانوا باطنيَّةً زنادقة، دَعَوْا إلى مذهب التّناسخ، واعتقاد حلول الجزء الإلهيّ فِي أشباحهم. -[370]-
وقد ذكرنا أنّ الحاكم قَالَ لداعيه: كم فِي جريدتك؟ قَالَ: ستَّة عشر ألفًا يعتقدون أنك الإله. وقال قائلهم وأظنه فِي الحاكم:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكُمْ فأنت الواحدُ القَهّار
فلعن اللَّه المادحَ والممدوحَ، فليس هذا فِي القُبْح إلّا كقول فرعون {{أنا ربكم الأعلى}}.
وقال بعض شُعرائهم فِي المهديّ برَقّادة:
حَلّ برَقّادةَ المسيحُ ... حلّ بها آدمُ ونوحُ
حلّ بها الله في علاه ... وما سِوى اللَّه فهو رِيحُ
قَالَ: وهذا أعظم كُفرًا من النّصارى، لأن النّصارى يزعمون أنّ الجزء الإلهيّ حلّ بناسوت عيسى فقط، وهؤلاء يعتقدون حُلُوله فِي جسد آدم ونوح والأنبياء وجميع الأئمة. هذا اعتقادهم لعنهم اللَّه. فأمّا نَسَبهم فأئمَّة النّسَب مُجْمِعُون عَلَى أنّهم ليسوا من وُلِد عَلِيّ رضوان اللَّه عَلَيْهِ، بل ولا من قُريشٍ أصلًا.
قلت: قد ذكرنا فيما مضى أنّ القادر بالله كتب محضرًا يتضمَّن القدْح في نَسَبهم ومذهبهم، وأنّه شهد فِي ذَلِكَ المحضر خلْقٌ، منهم: الشّريفان الرّضيّ، والمرتضى، والشيخ أبو حامد الإسفراييني، وأبو جَعْفَر القُدُوريّ. وفي المحضر أنّ أصلهم من الدِّيصَانيَّة، وأنّهم خوارج أدعياء. وذلك فِي سنة اثنتين وأربعمائة.
وقال العماد الكاتب، يصف ما جرى عَلَى ما خَلَّفه العاضد من ولدٍ وخَدَم وأمتعة، إلى أن قَالَ: وهم الآن محصورون محسورون، ولم يظهروا، وقد نقص عددهم، وقلص مددهم. ثمّ عَرَض من بالقصر من الجواري والعبيد فوجد أكثرهنّ حرائر، فأطلقهنّ، وفرّق من بقي. وأخذ - يعني صلاح الدين - كل ما صلح لَهُ ولأهله وأمرائه من أخاير الذّخائر، وزواهر الجواهر، ونفائس الملابس، ومحاسن العرائس، والدُّرَّة اليتيمة، والياقوتة الغالية القيمة، والمَصُوغات التِّبْرِيَّة، والمصنوعات العنبريَّة، والأواني الفضّيَّة، والصّواني الصِّينيَّة، والمنسوجات المغربيَّة، والممزوجات الذهبية، والعقود والنُّقود، والمنظوم والمنضود، وما لا يعد إحصاءا. وأطلق البيع بعد ذَلِكَ فِي كلّ -[371]- جديدٍ وعتيق، وبالٍ وأسمال، واستمرّ البيع فيها مدَّة عشْر سِنِين، وانتقلت إلى البلاد بأيدي المسافرين.
وكتب السّلطان صلاح الدّين إلى وزير بغداد عَلَى يد شمس الدّين مُحَمَّد بْن المحسِّن بْن الْحُسَيْن بْن أَبِي المضاء البَعْلَبَكّيّ الَّذِي خطب أوّل شيءٍ بمصر لبني الْعَبَّاس فِي أوّل السّنة بإنشاء الفاضل كتابًا، فممّا فيه:
" وقد توالت الفُتُوح غربًا وشرقًا، ويَمَنًا وشامًا، وصارت البلاد والشّهر بل الدّهر حرمًا حراما، وأضحى الدِّينُ واحدًا بعدما كَانَ أديانا. والخلافة إذا ذُكِّر بها أهلُ الخِلاف لم يخرّوا عليها إلّا صُمًّا وعُمْيانا. والبِدْعة خاشعة، والجمعة جامعة، والمذلَّة فِي شِيَع الضّلال شائعة. ذَلِكَ أنّهم اتخذوا عباد الله من دونه أولياءَ، وسمّوا أعداءَ اللَّه أصفياء. وتقطّعوا فِي أمرهم شِيَعًا، وفرَّقوا أمر الأمَّة وكان مجتمِعا. وكذّبوا بالنّار، فعُجِّلَتْ لهم نار الحُتُوف، ونثرت أقلام الظباء حروف رؤوسهم نَثْر الأقلام للحروف. ومُزِّقوا كلّ ممزَّق، وأخذ منهم كلّ مخنق. وقطِع دابرهم، ووعظ آتِيهم غابرهم. ورَغمت أُنوفهم ومنابرهم، وحقَّت عليهمُ الكلمة تشريدًا وقتْلا، وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا، وليس السّيف عمّن سواهم من الفرنج بصائم، ولا اللّيل عَنِ السَّير إليهم بنائم. ولا خفاء عَنِ المجلس الصّاحبيّ أنّ من شدّ عقْد خلافة، وحلّ عقد خلاف، وقام بدولةٍ وقعد بأخرى قد عجز عَنْهَا الأخلاف والأسْلاف، فإنه مفتقر إلى أن يُشكر ما نصح، ويُقَلَّدَ ما فتح، ويبلغ ما اقترح، ويقدم حقّه ولا يطَّرَح، ويقرَّب مكانه وإن نَزَح، وتأتيه التّشريفات الشّريفة ".
إلى أن قَالَ: " وقد أُنهض لإيصال مُلَطَّفاته، وتُنَجز تشريفاته، خطيب الخُطباء بمصر، وهو الَّذِي اختاره لصعود المنبر، وقام بالأمر قيام من بَرّ، واستفتح بلبس السّواد الأعظم، الَّذِي جمع اللَّه عَلَيْهِ السَّوَاد الأعظم ".
وقال ابن أبي طيئ: لمّا فرغ السّلطان من أَمْر الخطْبة أَمَر بالقبض عَلَى القصور بما فيها، فلم يوجد فيها من المال كبيرُ أمرٍ، لأنّ شاوَر كَانَ قد ضيَّعه فِي إعطائه الفِرَنْج، بل وجد فيها ذخائر جليلة.
ومن عجيب ما وجد فيه قضيب زمرد طوله شِبْر وشيء فِي غِلَظ الإبهام، فأخذه السّلطان، وأحضر صائغًا ليقطعه، فأبي الصّائغ واستعفى، فرماه السّلطان، فانقطع ثلاثَ قِطَع، وفرَّقه -[372]- عَلَى نسائه. ووُجِد طبلُ القُولنْج الَّذِي صُنِع للظافر، وكان من ضربه خرج منه الرّيح واستراح من القُولنْج، فوقع إلى بعض الأكراد، فلم يدرِ ما هُوَ، فكسره، لأنه ضرب بِهِ فَحَبَق. ووُجد فِي الذّخائر إبريقٌ عظيم من الحجر المائع، فكان من جملة ما أُرسل من التُّحَف إلى بغداد. ثمّ وصل موفق الدين ابن القيسراني، واجتمع في مصر بصلاح الدين، وأبلغه رسالة السلطان نور الدّين، وطالَبَه بحساب جميع ما حصَّله، فصعُب ذَلِكَ عَلَيْهِ، وهَمّ بشقّ العصا، ثمّ سكن، وأمر النُّوّاب بعمل الحساب، وعرضه عَلَى ابن القَيْسَرانيّ، وأراه جرائد الأجناد بأخبارهم، وقد ذُكِر فِي الحوادث جميع ذَلِكَ.
وكان عُمارة اليمني الشاعر من العبيديين وممن يتولّاهم، فرثى العاضد بهذه:
رميتَ يا دهْرُ كفَّ المجد بالشَّلَلِ ... وجِيدَهُ بعد حُسْن الحلى بالعَطَلِ
سعيتَ فِي منهج الرّأي العثور فإنْ ... قدرت من عثرات الدهر فاستقل
جدعت مازنك الأعلى فأنْفُكَ لا ... يَنْفَكُّ ما بين أمرِ الشَّيْن والخَجَلِ
لَهَفِي ولَهف بني الآمال قاطبةً ... عَلَى فجيعتها فِي أَكرم الدُّوَلِ
قومٌ عرفت بهم كسب الألُوف ومن ... كمالها أنّها جاءت ولم أَسَلِ
يا عاذلي في هوى أبناء فاطمةٍ ... لك الملامةُ إن قَصَّرْتَ فِي عذلي
بالله زر ساحة القَصْريْنِ وَابْكِ معي ... عليهما لا عَلَى صِفِّين والْجَمَلِ
ماذا ترى كانت الإفرنْجُ فاعلةً ... فِي نَسْل آل أمير المؤمنين علي
أَسَلْتُ من أسفٍ دمعي غداةَ خَلَتْ ... رِحابُكُم وغَدَتْ مهجورَة السُّبُلِ
واللهِ لا فازَ يومَ الحشْر مُبْغِضُكُم ... ولا نجا من عذاب النّار غيرُ ولي
وهي طويلة.
قِيلَ: كَانَ موت العاضد بذَرَب مُفْرِطٍ أتْلَفه. وقيل: مات غمًّا لمّا سَمِعَ بقطْع خطْبته؟ وقيل: بل كَانَ لَهُ خاتم مسموم فامتصه، لمّا سَمِعَ بزوال دولته. والأوّل أقرب وأشبه.

506 - زمرد خاتون، التركية الجهة المعظمة، أم أمير المؤمنين الناصر لدين الله.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

506 - زُمُرُّد خاتون، التُّركيَّة الجهة المعظّمة، أمّ أمير المؤمنين النّاصر لدين اللَّه. [المتوفى: 599 هـ]
عاشت فِي خلافة ابنها أربعًا وعشرين سنة. وحجّت، ووقفت المدارس والرُّبَط والجوامع. ولها وقوفٌ كثيرة فِي القُرُبات. وقد أنفقت فِي حَجَّتها نحوًا من ثلاث مائة ألف دينار.
وحزن عليها الخليفة ومشى أمام تابوتها، وحُمِلت إِلَى تُربة معروف الكَرْخِيّ، وشيّعها الأكابر. وكاد الوزير أن يهلك من المشْي، وقعد يستريح مرّات، وعُمِل عزاؤها شهرًا وأُنشِدَت المراثي. وأمر الخليفة بتفريق ما خلَفته من ذهب وجوهر وثياب.
وتُوُفّيت فِي ربيع الآخر.
قال لنا ابن البُزُوري فِي تاريخه: عظُمَ على الخليفة مُصابُها، وتجرّع لفقْدها مُرّ الأحزان وصابَها. وتقدّم إِلَى الوزير وأرباب الدّولة، الكلّ والمدّرسين بالحضور إِلَى باطن دار الخلافة للصّلاة عليها، فلبِسوا ثياب العزاء، ورفعت الغرز والطَّرْحات والبَسْمَلة من بين يدي الأمراء. وخرج الوزير نصير الدين ابن مهديّ ماشيًا من داره إِلَى دار الخلافة. وصلى عليها ولدُها، ثُمَّ أمَّ بالجماعة الوزير، وأُنزِلت فِي الشَّبّارة، ونزل النّاس فِي السُّفن قيامًا، ولم يزل الوزير وأرباب المناصب يتردّدون إِلَى التُّرْبة شهرًا كاملًا بثياب العزاء. ولا ضُرِبَ طبل، ولا شُهِر سيف، ولا نودي ببسم اللَّه. قال: ودام لبْس ثياب العزاء سنة كاملة.
قلت: وهذا أمرٌ لم يُعمل مثله بأحدٍ بل ولا بخليفة.

95 - علي، الملك المعظم أبو الحسن، ولي العهد، ابن الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد ابن المستضيء بأمر الله الحسن.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

95 - عَليّ، الملك المعظَّم أَبُو الحَسَن، وليّ العهد، ابن الإِمَام النّاصر لدين اللَّه أبي العباس أحمد ابن المستضيء بأمر اللَّه الحَسَن. [المتوفى: 612 هـ]
كَانَ أَبُوه يُحبه، حَتَّى إِنَّهُ خلع أخاه أَبَا نصر مُحَمَّدًا، وجعل هَذَا وليَّ العهد، وَكَانَ شابًّا فلم يُمتَّع، ومات في ذي القِعْدَة.
ومن غريب الاتفاق ما ذكر أبو المظفر ابن الجَوزي، قَالَ: دخل يوم الْجُمُعة رأس منكلي مملوك السُّلْطَان أُزبك الَّذِي كَانَ قد عصى عَلَى أُستاذه وَعَلَى الخليفة وقطع الطّريق وقتل ونهب، ثُمَّ جُهّزت إِلَيْهِ العساكر فظفروا بِهِ بقُرب همذان، فانكسر وقُتلت أصحابه، ونُهبت أثقاله وهرب ليلًا، ثُمَّ قُتل وحُمل رأسه إلى أُزبك، فبعث بِهِ إلى الخليفة، فأُدخل بَغْدَاد، وزُيّنت بغداد، -[347]- فَلَمَّا مرُّوا بِهِ عَلَى باب درب حَبيب، وافق تِلْكَ الساعة وفاة عَليّ هَذَا، فوقع الصُّراخ والنُّوح، وانقلب الفرح مأتمًا، وأمرَ الخليفة بالنِّياحة عَلَيْهِ في نواحي بَغْدَاد، وفرشوا البواري والرماد، ولطم النسوان، غُلّقت الْأسواق والحمامات. وخلّف ولدين صغيرين الحُسَيْن وَيَحْيَى.
قُلْتُ: وجَزِع النّاصر لموته وَسَمِعَ النَّاس بكاءه وصُراخه عَلَيْهِ، وعُمل لَهُ مأتم ببَغْدَاد لم يُسمع بِمِثْلِهِ من الْأعمار، وأقامت لَهُ الملوك الْأعْزية في بُلدانهم، ورثَتْه الشعراء.

67 - أحمد أمير المؤمنين الإمام الناصر لدين الله، أبو العباس ابن الإمام المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن ابن الإمام المستنجد بالله أبي المظفر يوسف ابن الإمام المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد ابن الإمام المستظهر بالله أحمد ابن المقتدي بأمر الله أبي القاسم الهاشمي العباسي البغدادي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

67 - أحمدُ أمير المؤمنين الإمام النّاصر لدين الله، أبو العبّاس ابن الإمام المستضيء بأمر الله أبي محمد الحَسَن ابن الإمام المستنجد بالله أبي المُظَفَّر يوسُف ابن الإمام المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد ابن الإمام المستظهر بالله أحمد ابن المقتديّ بأمر الله أبي القاسم الهاشميّ العبّاسيُّ البَغْداديُّ. [المتوفى: 622 هـ]
وُلِدَ يوم الاثنين عاشر رجب سَنةَ ثلاثٍ وخمسين وخمسمائة. وبويع أوّل ذي القعدة سَنةَ خمسٍ وسبعين.
وكان أبيضَ اللون، تُركيّ الوجه، مليحَ العَيْنَيْنِ، أنورَ الجبهة، أقنى الأنف، خفيفَ العارِضين، أشقرَ اللحية، مليحَ المحاسن. نَقْشُ خاتمه " رجائي مِن الله عفوُه ".
أجاز لَهُ أبو الحُسَيْن عبد الحقّ اليُوسُفيّ، وأبو الحَسَن عليُّ بن عساكر البَطائحيّ، وشُهْدَة، وجماعة. وأجاز هُوَ لجماعةٍ من الكبار، فكانوا يُحدِّثون عنه في حياته، ويتنافسُون في ذلك، وما غَرَضهُم العلو ولا الإِسْنَاد، بل غرضُهم التّفاخُرُ، وإقامة الشعار والوَهْم.
ولم تكن الخلافةُ لأحد أطولَ مُدَّة منه، إلّا ما ذُكِرَ عن الخوارج العُبيديّين، فإنَّه بقي في الأمر بديار مصر المُسْتَنْصِرُ نحوًا من ستّين سَنةَ. وكذا بقي الأميرُ عبدُ الرحمن صاحبُ الأندلس خمسين سنةً.
وكان المستضيء أبوه قد تخوّف منه، فاعتقله، ومال إلى أخيه أبي منصور. وكان ابن العطّار، وأكثر الدّولة مع أبي منصور، وحظيّة المستضيء بنفشا، والمجد ابن الصّاحبِ، ونفرٌ يسير مع أبي العبّاس. فلمّا بويع أبو العبّاس، قَبَضَ على ابن العطّار وسَلَّمه إلى المماليك. وكان قد أساء إليهم، فأُخْرِجَ بَعْدَ أيَّام ميتًا، وسُحِبَ في شوارع بغدادَ. وتمكَّن المجدُ ابن الصّاحب فوق الحدّ وطغا، وآلت به الحالُ إلى أنّ قُتِلَ.
قال الموفّق عبد اللّطيف: وكان النّاصِرُ لدين الله، شابًّا مرِحًا، عنده مَيْعَة الشباب. يَشُقُّ الدُّروبَ والأسواق أكثرَ الّليل والنّاسُ يتهَيَّبون لقاءَه. وظهر -[687]- التَشيّعُ بسبب ابن الصّاحب، ثمّ انطفى بهلاكه. وظهر التَّسنُّنُ المُفْرِطُ ثمّ زال. وَظَهَرتِ الفُتُوةُ والبُنْدق والحَمَام الهادي، وتفنَّن النّاسُ في ذلك. ودخل فيه الأجِلّاءُ ثمّ الملوك، فألبسوا الملك العادِلَ وأولادَه سراويلَ الفُتُوَّة، وكذا ألبسوا شهاب الدِّين الغوريّ ملك غَزْنة والهند، وصاحب كميش، وأتابَك سَعْد صاحب شيراز، والملكَ الظّاهر صاحب حلب، وتخوَّفوا من السُّلطان طُغْريل. وجرت بينهم حروبٌ. وفي الآخر استدعوا تِكش لحربه، وهُوَ خُوارِزم شاه، فخرج في جحفلٍ لجبٍ، والتقى معه على الرَّيّ، واحتزَّ رأسَه، وسيَّره إلى بغداد. ثمّ تقدَّم تِكش نحو بغداد يلتمسُ رسومَ السلطنة، فتحرَّكت عليه أُمَّةُ الخَطَا، فَرَجَعَ إلى خُوارزم، وما لَبِثَ أن مات. وكان النّاصرُ لدين الله قد خطب لولده الأكبر أبي نصر بولاية العهد، ثُمّ ضيَّق عليه لما استشعر منه، وعيَّن أخاه، ثمّ ألزم أبا نصر بأن أشهدَ على نفسه أنَّه لا يَصْلُح، وأنّه قد نزل عن الأمر. وأكبر الأسباب في نفور النّاصر من ولده هو الوزير نصير الدّين ابن مهديّ العلويّ، فإنَّه خَيَّلَ إلى الخليفة فساد نيَّة ولده بوجوهٍ كثيرة. وهذا الوزيرُ أفسد على الخليفة قلوبَ الرعية والْجُند، وبَغَّضَهُ إليهم وإلى ملوكِ الأطراف، وكاد يُخلي بغداد عن أهلها، بالإرهاب تارةً وبالقتل أخرى، ولا يَقْدِرُ أحد أنّ يكشِفَ للخليفة حالَ الوزير، حَتّى تمكّن الفسادُ وظهر، فقبض عليه برِفق. وفي أثناء ذلك، ظهر بخُراسان وما وراءَ النهر خُوارزم شاه محمد بن تكش وتجبّر وطوى البلاد، واستبعد الملوكَ الكِبَارَ وفَتَكَ بكثيرٍ منهم، وأباد أممًا كثيرةً من التُّرْك، فأباد أُمَّة الخَطا، وأُمَّة التُّرْك، وأساء إلى باقي الأمم الّذين لم يصل إليهم سَيْفُه. ورَهِبَه النّاسُ كُلُّهم. وقَطَعَ خطبة بني العبَّاس من بلاده، وصرَّح بالوقيعة فيهم. وقَصَدَ بغداد فوصل إلى هَمَذَانَ وبوادِرُه إلى حُلوان فوقع عليهم ثلج عظيمٌ عشرين يومًا، فغطّاهم في غير إبَّانِهِ، فأشعره بعضُ خواصِّه أنّ ذلك غضبٌ مِن الله، حيث نقصِدُ بيتَ النُّبُوّة. والخليفة مع ذلك قد جَمَعَ الجموعَ، وأنفق النفقاتِ، واستعدَّ بكُلِّ ما تصل المُكنةُ إليه، لكنّ الله وقَى شرَّه وردَّه على عقبه. وسَمِعَ أنَّ أمم التُّرْك قد تألَّبوا عليه وطَمِعُوا في البلاد لِبُعده عنها، فقصدهم، فقصدُوه، ثمّ كايدوه، وكاثروه إلى أن مزَّقوه في كلّ وِجْهة، وبَلْبَلوا لُبَّه، وشتَّتوا شملَهُ، وملكوا عليه أقطارَ الأرض، حَتّى ضاقت عليه بما رَحُبَتْ، وصار أين توجَّه، وَجَدَ سيوفَهم متحكّمة فيه، فتقاذفت به البلادُ حتّى -[688]- لم يجد موضعًا يحويه، ولا صديقًا يُؤويه، فشرَّق وغرَّب، وأنجد وأسهل، وأصحرَ وأجبل، والرُّعْبُ قد ملك لُبّه، فعند ذلك قضى نحبه.
قال: وكان الشيخ شهاب الدِّين لَمّا جاء في الرسالة خاطبه بِكُلِّ قولٍ ولاطفهُ، ولا يزدادُ إلّا طغيانًا وعُتوًّا، ولم يزل الإمامُ النّاصر مُدَّة حياته في عزٍّ وجلالةٍ، وقمْع للأعداء، واستظهارٍ على الملوك، لم يجد ضَيْمًا، ولا خرج عليه خارجيّ إلّا قمعه، ولا مخالفٌ إلّا دَمَغه، وكلّ مَنْ أَضْمر لَهُ سوءًا رماه الله بالخِذلان. وأبادَه. وكان مع سعادة جَدِّه شديدُ الاهتمام بمصالح المُلك، لا يخفى عليه شيء من أحوال رعيّته كبارِهم وصغارِهم. وأصحابُ أخباره في أقطار البلاد يُوصلون إليه أحوال الملوك الظاهرة والباطنة حَتّى يُشاهد جميعَ البلادِ دفعة واحدة. وكانت لَهُ حيلٌ لطيفة، ومكايدُ غامضة، وخدعٌ لا يَفْطَنُ لها أحد. يُوقِعُ الصداقةَ بين ملوك متعادين وهم لا يشعرون، ويُوقع العداوة بين ملوكٍ متّفقين وهم لا يَفْطَنُونَ.
قال: ولو أخذنا في نوادِر حكاياته، لاحتاجت إلى صحفٍ كثيرة.
ولَمّا دخل رسول صاحب مازندران بغدادَ، كانت تأتيه ورقةٌ كُلّ صباح بما عَمِلَ في الّليل، فصار يُبالغ في التّكتُّم، والورقة تأتيه، فاختلى ليلةً بامرأةٍ دخلت من باب السِّرِّ، فصبّحته الورقة بذلك، وفيها: كَانَ عليكم دواجٌ فيه صُورة الأفْيلة. فتحيَّر، وخرج من بغداد وهُوَ لا يشكّ أنّ الخليفة يَعْلَمُ الغيب؛ لأنّ الإمامية يعتقدون أنّ الإمام المعصوم يعلم ما في بطن الحامل، وما وراء الجدار.
وقيل: إنَّ النّاصر كَانَ مخدومًا من الجنّ.
وأتى رسولُ خُوارزم شاه برسالةٍ مَخْفيّة وكتابٍ مختوم، فقيل: ارجع، فقد عرفنا ما جئتَ به، فرجع وهُوَ يظنّ أنّهم يعلمون الغيب.
ووصل رسول آخر فقال: الرسالة معي مشافهة إلى الخليفة، فحُبِسَ، -[689]- ونُسِيَ ثمانية أشهر، ثمّ أُخْرج وأُعطي عشرة آلاف دينار، فذهب إلى خُوارزم شاه، وصار صاحبَ خبرٍ لهم، وسيَّر جاسوسًا يُطْلِعُه على أخبار عسكر خُوارزم شاه لَمّا وجَّه إلى بغداد، وكان لا يقدِرُ أحدٌ أنّ يَدْخُلَ بينهم إلّا قتلوه، فابتدأ الجاسوسُ وشوَّه خِلقته وأظهر الجنونَ، وأنّه قد ضاع لَهُ حمار فأنِسُوا به، وضَحِكُوا منه، وتردّد بينهم أربعين يومًا، ثمّ عاد إلى بغداد، فقال: هم مائة وتسعون ألفًا إلّا أنّ يزيدوا ألفًا أو يَنْقُصُوا ألفًا.
وكان النّاصرُ إذا أَطعم أشبع، وإذا ضَرَبَ أوجع، ولَهُ مَوَاطِنُ يُعطي فيها عطاء من لا يخاف الفقر. ووصلَ رجلٌ معه بَبّغاء تَقرأ " {{قُلْ هُوَ اللَّهُ أحدٌ}} " تُحفةً للخليفة من الهند، فأصبحت ميتةً، وأصبح حيرانَ، فجاءه فرّاش يطلب منه الببغاء، فبكى، وقال: اللّيلة ماتت، فقال: قد عرفنا هاتِها ميتة، وقال: كم كَانَ في ظَنِّكَ أنّ يعطيك الخليفة؟ قال: خمسمائة دينار، فقال: هذه خمسمائة دينار خُذها، فقد أرسلها إليك أميرُ المؤمنين، فإنَّه علم بحالك مذ خرجت من الهند!
وكان صدر جهان قد صار إلى بغداد ومعه جمعٌ من الفقهاء، وواحد منهم لَمّا خرج من داره من سمرقند على فرسٍ جميلة، فقال لَهُ أهلُه: لو تركتَها عندنا لئلا تُؤْخَذَ منك في بغداد؟ فقال: الخَليفةُ لا يقدر أنّ يأخذها منّي، فأمر بعض الوقّادين أنَّه حين يَدْخُلُ بغداد يَضْرِبُه، ويأخُذُ الفرس ويَهْرُبُ في الزَّحمة، ففعل، فجاء الفقِيهُ يستغيثُ فلا يُغاث، فلمّا رجعوا من الحجِّ خُلِعَ على صَدْرِ جهان وأصحابه سوى ذلك الفقيه، وبعدَ الفراغ منهم، خُلِعَ عليه، وأُخرج إلى الباب وقُدِّمَتْ لَهُ فرسُه وعليها سرجٌ من ذهب وطوق، وقيل لَهُ: لم يأخذ فَرَسَك الخليفةُ، إنّما أخذها أتونيٌّ، فخرَّ مَغْشِيًّا عليه، وأسجل بكراماتهم.
قلت: يجوز أنّ يكون الخليفة أو لبعضِ خواصُه رَئِيٌّ من الجنّ، فيخبره بأضعاف هذا، والخطبُ في هذا سهل، فقد رأينا أنموذجَ هذا في زماننا بل وأكثر منه.
قال الموفقُ عبدُ اللّطيف: وفي وسط ولايته اشتغل برواية الحديث، -[690]- واستنابَ نُوابًا في ذلك، وأجرى عليهم جراياتٍ، وكتبَ للملوك والعلماءِ إجازات. وجمع كتابًا سبعينَ حديثًا ووصل على يدِ شهاب الدِّين إلى حَلَب، وسمعه الملكُ الظَّاهر وجماهيرُ الدَّولة، وشرحتُهُ شرحًا حسنًا، وسيَّرتُه صُحبة شهاب الدِّين. وسبب انعكافه على الحديث أنّ الشريفَ العبّاسيّ قاضي القضاة نُسِبَ إليه تزوير، فأحضر القاضي وثلاثة شهود، فعزّز القاضي بأنّ حرّكت عمامته فقط، وعزّز الثلاثة بأنْ أُرْكِبوا جِمالًا وَطِيفَ بهم المدينة يُضربون بالدِّرَّةِ، فمات واحد تلك اللّيلة، وآخر لبس لُبْسَ الفُسَّاق ودخل بيوتهم، والثالث لَزِمَ بيتَه واختفى وهُوَ البَنْدنيجيّ المُحدِّث رفيقنا. فَبَعْدَ مدّةٍ احتاج، وأراد بيع كُتُبه، ففتّش الْجُزازَ، فوجد فيه إجازة للخليفة من مشايخ بغداد، فرفعها، فَخُلِعَ عليه، وأُعطِيَ مائة دينار، وجُعِلَ وكيلًا عن أمير المؤمنين في الإِجازة والتّسميع.
قلت: أجاز النّاصرُ لجماعةٍ من الأعيان فحدّثوا عنه منهم: أبو أحمد بن سكينة، وأبو محمد ابن الأخضر، وقاضي القضاة أبو القاسم ابن الدَّامغانيّ، وولده الظّاهر بأمرِ الله، والملك العادلُ، وبنوه المعظَّم والكامِلُ والأشرفُ.
قال ابن النّجّار: شرّفني بالإِجازة، فرويتُ عنه بالحَرَمَين، وبيتِ المقدس، ودمشقَ، وحلبَ، وبغدادَ، وأصبَهَان، ونَيْسَابُور، ومَرْوَ، وهَمَذَانَ. ثمّ روى عنه حديثًا بالإجازة التي أذِن لَهُ بخطِّه.
وقال الموفّق عبد اللّطيف: وأقام سنين يُراسِلُ جلالَ الدِّين حسن صاحب أَلَموت يُراوِدُه أن يُعيد شعارَ الْإِسْلَام منَ الصّلاة والصيام وغير ذلك ممّا رفعوه في زمان سِنَان، ويقول: إنكم إذا فعلتم ذلك كنّا يدًا واحدة، ولم يتغيَّرْ عليكم مِن أحوالكم شيءٌ، ومَنْ يروم هذا مِن هؤلاء، فقد رام منال العَيُّوق، واتّفق أنّ رسول خُوارزم شاه بن تِكش ورد في أمرٍ من الأُمور، فزُوِّر على لسانه كُتُبٌ في حقِّ الملاحِدَةِ تشتمل على الوعيدِ، وعَزْمِ الإيقاع بهم، وأنه سيخرب -[691]- قِلاعَهم، ويطلبُ من الخليفة المعونةَ في ذلك، وأُحْضِرَ رجل منهم كَانَ قاطنًا ببغدادَ، ووُقِّفَ على الكتب، وأُخْرِجَ بها وبكُتب أخرى على وجه النصيحةِ نصفَ اللّيلِ على البريد، فلمّا وصل أَلَمُوتَ، أرهبهم، فما وجدوا مخلصًا إلّا التَّظَاهُرَ بالإسلام، وإقامة شِعاره. وسيَّروا إلى بغداد رسولًا ومعه مائتا شابّ منهم، ودنانيرَ كبارًا في مخانق، وعليها " لا إله إلّا الله مُحَمَّد رَسُول اللَّه "، وطافُوا بها في بغداد، وجميعُ من حولها يُعلِنُ بالشهادتين.
وكان النّاصرُ لدين الله قد ملأ القلوبَ هيبةً وخيفة. فكان يَرْهَبُه أهلُ الهند ومصر كما يَرْهَبُهُ أهل بغداد، فأحيى هيبةَ الخِلافة وكانت قد ماتت بموت المعتصم، ثمّ ماتت بموته. ولقد كُنْتُ بمصر والشّام في خلواتِ الملوكِ والأكابرِ، فإذا جرى ذِكْرُهُ، خفضوا أصواتهم هيبة وإجلالاً.
وورد بغدادَ تاجرٌ معه متاع دِمياط المُذهب، فسألوه عنه، فأنكر، فأُعطي علاماتٍ فيه مِن عدده وألوانه وأصنافه، فازداد إنكارُه، فقيل لَهُ: مِن العلامات أنَّك نَقَمْتَ على مملوكك التّركيّ فلان، فأخذْتَه إلى سَيفِ بَحْرِ دمياط خلوةً، وقتلتَه ودفنتَه هناك، ولم يشعر بذلك أحد.
قال ابن النّجّار في ترجمة النّاصر: دانت لَهُ السلاطينُ، ودخل تحتَ طاعته مَنْ كَانَ من المخالفين، وذَلَّتْ لَهُ العُتاة والطُّغاة، وانقهرت بسيفه الجبابرة والبُغاة، واندحضَ أضدادُه وأعداؤه، وكَثُرَ أنصارُه وأولياؤُه، وفَتَحَ البلادَ العديده، وملك مِن الممالك ما لم يملِكُه مَنْ تقدَّمه مِن الخلفاء والملوك أحد، وخُطِبَ لَهُ ببلادِ الأندلس وبلاد الصّين، وكان أسدَ بني العبّاس، تتصدَّع لهيبته الجبال، وتذِلُ لسطوته الأقيال. وكان حَسَنَ الخَلْقِ، لَطِيفُ الخُلُق، كامل الظَّرْفِ، فصيحَ اللّسان، بليغَ البيان، لَهُ التّوقيعاتُ المسدَّدة، والكلماتُ المؤيَّدة، كانت أيّامُه غُرَّةً في وجه الدّهر، ودُرَّةً في تاج الفخر. وقد حدَّثني الحاجب أبو طالب عليُّ بن مُحَمَّد بن جعفر قال: برز توقيعٌ من النّاصر لدين -[692]- الله إلى جلال الدّين ابن يونس صدر المخزن: " لا ينبغي لأرباب هذا المقام أن يُقَدِمُوا على أمرٍ لم ينظروا في عاقبته، فإنّ النظرَ قبل الإقدام خيرٌ من الندم بعد الفوات، ولا يؤخذ البراء بقول الأعداء، فلكلِّ ناصح كاشح، ولا يُطالب بالأموال من لم يَخُنْ في الأعمال، فإنّ المصادرة مكافأةً للظالمين، وليكُن العفافُ والتُقى رقيبان عليك ". قال الحاجبُ أبو طالب: وبرز توقيعٌ آخر منه إلى ابن يونس: " قد تكرر تَقَدُّمنا إليك مِمّا افترضه الله علينا، ويلزمنا القيامُ به؛ كيف يُهْمَلُ حال النّاس حَتّى تمَّ عليهم ما قد بُيّن في باطنها، فتنصف الرجل، وتقابل العامل إن لم يُفلج بحجّة شرعية ".
وقال القاضي ابن واصل: كَانَ النّاصرُ شَهمًا، شُجاعًا، ذا فكرةٍ صائبةٍ وعقلٍ رصينٍ، ومكرٍ ودهاءٍ، وكانت هيبتُه عظيمة جِدًّا، ولَهُ أصحابُ أخبار في العِراق وسائر الأطراف، يُطالعونه بجزئيات الأمورِ، حَتّى ذُكِرَ أنّ رجلًا ببغداد عمل دعوةً، وغسّل يَده قبل أضيافه، فطالع صاحبُ الخبر النّاصر بذلك. فكتب في جواب ذلك: " سوءُ أدبٍ من صاحب الدّار، وفضولٍ من كاتب المطالعة ".
قال: وكان مع ذلك رديءَ السِّيرة في الرعية، مائلًا إلى الظُّلم والعَسْفِ، فخِربَتْ في أيامه العِراق، وتفرَّق أهلُها في البلاد، وأخذ أموالَهم وأملاكَهم، وكان يفعل أفعالًا متضادّة، إلى أن قال: وكان يتشيَّعُ، ويميل إلى مذهب الإِمامية بخلاف آبائه، إلى أن قال: وبلغني أنّ شخصًا كَانَ يرى صحّة خلافةِ يزيد، فأحضره الخليفةُ لِيعاقبه، فقيل لَهُ: أتقولُ بصحّة خلافة يزيد؟ فقال: أنا أقولُ: إن الإمام لا ينعزِلُ بارتكاب الفِسْقِ، فأعرض النّاصرُ عنه، وأمر بإطلاقه، وخاف المحاققة.
قال: وسئل ابن الجوزيّ، والخليفة يسمع: مَن أفضلُ الناس بعد -[693]- رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَقَالَ: أفضلُهم بعده من كانت ابنتُه تحته، وهذا جوابٌ محتمل لأبي بكر وعليّ - رَضِيَ اللَّهُ عنهما -.
وكتب إلى النّاصر خادمٌ لَهُ اسمه يُمن ورقه فيها يعتب، فوقع فيها: " بِمَن يَمُنُّ يُمْن، ثمنُ يمنٍ ثُمْن ".
وقال أبو المُظَفَّر الجوزيّ: قلّ بَصَرُ الخليفة في الآخر، وقيل: ذهب جملةً. وكان خادمُه رشيقٌ قد استولى على الخلافة، وأقام مدّة يوقّع عنه. وكان بالخليفة أمراض مختلفة، منها عسر البول، والحصى، ووجد منه شدّةً وشَقَّ ذَكره مرارًا، وما زال يعتريه حَتّى قتله. وغسّله خالي محيي الدِّين يوسُف.
وقال الموفّق: أما مرضُ موته، فسهوٌ نسيان، بقي به ستّةَ أشهر ولم يشعر أحد من الرعية بكُنْه حاله، حَتّى خَفِيَ على الوزير وأهلِ الدار. وكان لَهُ جاريةٌ قد علّمها الخطِّ بنفسه، فكانت تكتُبُ مثل خطِّه، فتكتب على التّواقيع بمشورة قَهْرَمَانَةِ الدار. وفي أثناء ذلك نزل جلال الدِّين محمد خُوارزم شاه على ضواحي بغداد هاربًا مُنَفَّضًا مِن المال والرجال والدّوابُ، فَأَفْسَدَ بقدر ما كانت تَصِلُ يدُه إليه. وكانوا يُدارونه ولا يُمضون فيه أمرًا لِغيبة رأي الخليفة عنهم، إلى أنّ راح إلى أَذْرَبَيْجَان، ونهب في ذهابه دَقُوقًا واستباحها. وكانت خلافتُه سبعًا وأربعين سَنةَ. تُوُفّي في سَلْخ رمضان، وبُويَع لِولده أبي نصر ولُقِّبَ بالظَّاهر بأمر الله؛ فكانت خلافتُه تسعة أشهر.
وذكر العَدْلُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن أَبِي بَكْرٍ الْجَزَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي وَالِدِي قَالَ: سَمِعْتُ الْوَزِيرَ مُؤَيَّدَ الدِّينِ ابن العلقميّ لمّا كان -[694]- على الأستاذداريّة، يَقُولُ: إِنَّ الْمَاءَ الَّذِي يَشْرَبُهُ الإِمَامُ النَّاصِرُ كانت تجيء به الدّواب من فوق بغداد بسبعة فراسخ، ويغلى سبعة غَلْوَاتٍ، كُلَّ يَوْمٍ غَلْوَةٌ، ثُمَّ يُحْبَسُ فِي الأَوْعِيَةِ سَبْعَةَ أيََّامٍ، ثُمَّ يَشْرَبُ مِنْهُ، وَبَعْدَ هذا مَا مَاتَ حَتّى سُقِيَ الْمُرَقِّدَ ثَلاثَ مِرَارٍ وَشُقَّ ذَكَرُهُ وَأُخْرِجَ مِنْهُ الْحُصَى.
وقال ابن الساعي: فأصبح النّاسُ يوم الاحد - يعني يوم الثلاثين من رمضان - وقد أغلقت أبوابُ دارِ الخلافة، وتولّى غسله محيي الدّين ابن الجوزيّ، وصَلَّى عليه ولدُه الظّاهر بأمر الله بعد أن بُويع، بايعه أولًا أقاربه، ثمّ نائب الوزارة مؤيّد الدِّين محمد القُمي وولدُه فخر الدِّين أحمد، والأستاذ دار عَضُدِ الدّولة أبو نصر ابن الضّحّاك، وقاضي القضاة محيي الدّين ابن فَضْلان الشّافعيّ، والنقيبُ قِوام الدِّين أبو عليّ الموسويّ. ودُفِنَ بصحن الدَّار، ثمّ نُقِلَ بعد شهرين إلى التُّرَبِ، ومشى الخلقُ بَيْنَ يدي جنازته. وأما بيعةُ الظّاهر، فهي في سَنَةِ اثنتين في الحوادث.
وقال ابن الأَثير: بقي النّاصرُ ثلاثَ سنين عاطلًا عن الحركة بالكُلِّية وقد ذهبت إحدى عينيه، وفي الآخر أصابه دُوسنطاريا عشرين يومًا، ومات ولم يُطلِقْ في طول مرضه شيئًا ممّا كَانَ أحدثه من الرسوم. وكان سيئَ السِّيرة خَرِبَ في أيَّامه العراقُ، وتفرَّق أهلُه في البلاد، وأخذ أموالَهم وأملاكَهم. قال: وكان يفعلُ الشيءَ وضِدَّه، جعل همَّه في رمي البُنْدِق والطُّيور المناسيب، وسراويلات الفُتُوّة.
ونقل الظّهير الكازرونيّ في " تاريخه " وأجازه لي أنّ النّاصر في وسط خلافته هَمَّ بترك الخِلافة، والانقطاع إلى التَّعبّد. وكتب عنه ابن الضّحّاك -[695]- توقيعًا فقُرِئَ على الأعيان، وبني رباطًا للفقراء، وأتَّخذ إلى جانب الرِّباط دارًا لنفسه كَانَ يتردَّدُ إليها، ويحادث الصوفية وعمل لَهُ ثيابًا كثيرةً بزِيّ الصُّوفية.
قلت: ثمّ تركَ ذلك، ومَلَّ، الله تعالى يُسامِحُه ويَرْحَمُهُ.

200 - محمد، أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله أبو نصر ابن أمير المؤمنين الناصر لدين الله أحمد ابن المستضيء بأمر الله الحسن بن يوسف الهاشمي العباسي البغدادي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

200 - مُحَمَّد، أمير المؤمنين الظّاهر بأمرِ الله أبو نصر ابن أمير المؤمنين النّاصر لدين الله أحمد ابن المستضيء بأمر الله الحَسَن بن يوسُف الهاشمي العباسيّ البغداديّ. [المتوفى: 623 هـ]
ولد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وبايع لَهُ أبوه بولاية العهد في سَنَةِ خمسٍ وثمانين، وخُطب لَهُ على المنابر، ونُثر عند ذِكره الدّنانير وعليها اسمه. ولم يَزَلِ الأمرُ على ذلك حَتّى قطع ذلك أبوه في سَنَةِ إحدى وستّمائة وخلعه وأكرهه، وزوى الأمر عنه إلى ولده الآخر. فلمّا مات ذلك الولد، اضطرّ أبوه إلى إعادته، فبايع لَهُ وخطب لَهُ في شَوَّال سَنَة ثمانٍ عشرة. واستخلف عند موت والده، فكانت خلافته تسعة أشهر ونصفًا. وقد روى عن والده بالإجازة قبل أن يستخلف.
قال ابن النّجّار: تَقَدَّمَ أبوهُ بجلوسِهِ بالتّاج الشريف في كلّ جُمُعة، ويقعد في خدمته أستاذ الدّار، ليُقْرأ عليه " مُسْند أحمد بن حنبل " بإجازته من والده. ثمّ قال: أَخْبَرَنَا أبو صالح الجيليّ، قال: أَخْبَرَنَا الظّاهرُ بأمر الله أبو نصر بقراءتي، قال: أنبأنا أبي، قال: أنبأنا عبد المغيث بن زهير وغيره، قالوا: أَخْبَرَنَا ابن الحُصَيْن، فذكر حديثًا بهذا السَّنَد النَّازل - كما ترى -.
قال ابن الأثير في " كامله ": ولَمّا ولي الظّاهر أظهر من العَدْل والإِحسان ما أعاد به سَنَة العمرين؛ فإنَّه لو قيل: ما وَلِيَ الْخِلافَةَ بَعْدَ عُمَر بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مثلَهُ لكان القائل صادقًا، فإنَّه أعادَ من الأموال المَغْصُوبة، والأملاك الموخوذَة في أيام أبيه وقبلها شيئاً كثيرًا، وأطلقَ المكوس في البلاد جميعها، وأمرَ بإعادة الخراج القديم في جميع العراق، وبإسقاطِ جميع ما جدَّدَهُ أبوه، وكان ذلك كثيرًا لا يحصى؛ فمن ذلك: بعقوبا، كان يحصل منها قديماً عشرة آلاف دينار، فلمّا استخلف النّاصرُ كَانَ يُؤخذ منها في السنة ثمانون ألف دينار، -[748]- فاستغاث أهلُها، وذكروا أنّ أملاكهم أُخِذَتْ، فأعادها الظّاهرُ إلى الخراج الأَوَّل، ولَمّا أعاد الخراج الأصليّ على البلاد حضرَ خلقٌ، وذكروا أنّ أملاكهم قد يَبِسَتْ أكثر أَشجارها وخَرِبَتْ؛ فأمر أن لا يُؤخذ إلّا من كلّ شجرةٍ سالمةٍ، وهذا عظيمٌ جِدًّا. ومن عدله أنّ سَنْجَة المخزن كانت راجحةً نصفَ قِيراط في المِثقال يقبضون بها، ويُعطون بِسَنْجَة البلد، فخرج خطّه إلى الوزير وأوّله: " {{ويلٌ للمطفّفين}} " الآيات، وفيه: قد بَلَغَنَا كذا وكذا فتعاد سَنْجَة الخِزانة إلى ما يتعامل به النّاس. فكتبوا إليه؛ إنّ هذا فيه تفاوت كثير، وقد حسبناه في العام الماضي، فكان خمسةً وثلاثين ألف دينار. فأعاد الجواب يُنكر على القائل ويقول: يبطل ولو أنّه ثلاثمائة ألف وخمسون ألف دينار.
ومِن عدله: أنّ صاحب الدِّيوان قَدِمَ من واسط ومعه أزيد من مائة ألف دينار من ظلمٍ، فردَّها على أربابها، وأخرجَ المُحبسين، وأرسل إلى القاضي عشرة آلاف دينار ليوفيها عمَّن أَعْسَر. وقيل لَهُ: في هذا الّذي تخرجه من الأموال لا تسمحُ نفسٌ ببعضها، فقال: أنا فتحت الدُّكان بعد العصر، فاتركوني أفعل الخير، فكم بقيت أعيش؟
قال: وتصدَّقَ ليلةَ النَّحْر بشيءٍ كثير.
قلت: ولم يأت عليه عيدٌ سواه، فإنّ عيدَ الفِطْر كَانَ يومَ مبايعته.
قال: تصدّق وفرَّق في العلماء والصلحاء مائة ألف دينار.
وكان نِعْمَ الخليفة، جمع الخشوعَ مع الخضوع لربّه والعَدْلَ والإِحسان إلى رعيَّته، ولم يَزَلْ كلّ يوم يزدادُ من الخير والإِحسان. وكان قبل موته قد أخرج توقيعًا بخطِّه إلى الوزير ليقرأه على الأكابر، فقال رسولُه: أمير المؤمنين يقول: ليس غرضُنا أنّ يقال: برزَ مرسومٌ أو نفذ مِثال، ثمّ لا يبين لَهُ أثرٌ، بل أنتُم إلى إمام فعّالٍ أحوجُ منكم إلى إمام قَوَّال، فقرأَهُ الوزيرُ، فإذا في أوله: أعلموا أنَّه ليسَ إمهالُنا إهمالاً، ولا إغضاءنا إغفالًا، ولكن لِنَبْلُوَكُم أيُّكم أحسنُ -[749]- أعمالًا، وقد عفونا لكم عمّا سَلَف من أخرابِ البلاد، وتشريدِ الرعايا، وتقبيح السُّمْعَة، وإظهارِ الباطل الجليِّ في صورة الحقّ الخَفِيّ حيلةً ومَكِيدةٍ، وتسميةِ الاستئصال والاجتياح استيفاءً واستدراكًا لأغراض انتهزتم فرصتها مختلسة من براثن ليث باسلٍ وأنياب أسدٍ مَهيب، تتّفقون بألفاظٍ مختلفة على معنى واحدٍ وأنتم أُمناؤه وثقاتُه، فتُميلون رأيَه إلى هواكم، فَيُطيعكم وأنتم لَهُ عاصون. والآن فقد بَدَّل اللهُ بخوفكم أمنًا، وَبِفقركم غِنًى، وبباطلكم حقًّا، ورزقكم سُلطانًا يُقِيلُ العَثْرَةَ، ولا يُؤاخذ إلّا مَنْ أَصَرَّ، ولا ينتقِمُ إلّا ممّن استمرَّ، يأمُرُكم بالعَدْلِ وهُوَ يُريده منكم، وينهاكُم عن الْجَوْرِ ويكرهُه لكم، يخافُ الله ويخوِّفكم مَكْرَهُ، ويرجو الله ويرغَّبكم في طاعتِه. فإن سلكتُم مسالك نواب خلفاءِ الله في أرضه وأمنائِهِ على خَلْقه، وإلّا هلكتُم، والسلام.
قال: ولَمّا تُوُفّي وُجِد في بيتٍ من داره ألوفُ رقاعٍ كلها مختومة لم [يفتحها] فقيل لَهُ: لِم لا تفتحها؟ قال: لا حاجةَ لنا فيها، كلّها سعايات.
وقال أبو شامة في " تاريخه ": وكان أميرُ المؤمنين أبو نصر، جميلَ الصورة، أبيضَ مُشْربًا حُمرة، حُلْوَ الشَّمائِل، شديد القوى، بويع وهو ابن اثنتين وخمسين سنة. فقيل له: ألا تتفسّح؟ قال: قد لقس الزرع، فقيل: يبارك الله في عمرك، قال: من فتح دكانا بعد العصر أيشٍ يكسب؟ ثمّ إنَّه أحسن إلى النّاس، وفرَّق الأَموال، وأبطلَ المكوس، وأزالَ المظالم.
وقال أبو المظفّر الجوزيّ: حُكي لي عنه: أنَّه دخل إلى الخزائن، فقال لَهُ خادم: في أيامك تمتلئُ، فقال: ما فُعِلَتِ الخزائنُ لتُملأ، بل لِتُفرغ، وتُنْفَق في سبيل الله تعالى، فإنَّ الجمعَ شُغْلُ التّجّار!
وقال ابن واصل: أظهرَ العَدْل، وأزال المَكْسَ، وظَهَرَ للناس، وكان أبوه لا يظهر إلاّ نادراً. -[750]-
قلت: تُوُفّي في ثالث عشر رجب، وبُويعَ بعدَه ولدُه المستنصر بالله.

692 - منصور المستنصر بالله، أمير المؤمنين، أبو جعفر ابن الظاهر بأمر الله أمير المؤمنين محمد ابن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد ابن المستضيء بأمر الله الحسن ابن المستنجد يوسف ابن المقتفي الهاشمي العباسي البغدادي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

692 - منصورٌ المستنصرُ بالله، أميرُ المؤمنين، أَبُو جعفرٍ ابنُ الظاهر بأمر اللَّه أمير المؤمنين محمد ابن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد ابن المستضيء بأمر الله الحسن ابن المستنجد يوسف ابن المقتفي الهاشميّ العباسيُّ البغداديّ. [المتوفى: 640 هـ]
وُلِد سنة ثمانٍ وثمانين وخمسمائة. وأمُّه جاريةٌ تركيةٌ. بُوِيعَ بعدَ موت أَبِيهِ فِي رجب سنة ثلاثٍ وعشرين.
قَالَ ابنُ النجار: فنشر العدلَ فِي الرعايا، وبَذَلَ الإنصافَ فِي القضايا، وقَرَّبَ أهلَ العلمِ والدّين، وبنَى المساجدَ والرُّبط والمدارسَ والمارستانات، وأقامَ منارَ الدينِ، وقَمَعَ المتمرِّدة، ونَشَرَ السُّنَنَ، وكَفَّ الفِتَنَ، وحَمَلَ الناسَ عَلَى أقومِ سَنَنِ، وقامَ بأمر الجهاد أحسنَ قيام، وجَمَعَ الجيوش لنُصْرةِ الإِسلْام، وحَفِظَ الثُّغورَ، وافتتحَ الحُصون. إلى أن قَالَ: وكان أبيضَ، أشقرَ الشَّعْرِ، ضَخْمًا، قصيرًا، وَخَطَّهُ الشيبُ، فخَضَبَ بالحِنَّاء، ثمّ تَرَكَ الخِضَابَ.
وقال المُوَفَّق عبدُ اللطيف: بُويعَ أَبُو جعْفَر، وسارَ السِّيرةَ الجميلةَ، وعَمَّرَ طرق المعروف الداثرة، وأقام شعار الدينِ ومنارَ الإسلامِ، وعَمَّرَ بسخَائِه وبَذْلِه. واجتمعَتِ القلوبُ عَلَى حُبِّه والألسنةٌ عَلَى مدحِه.
ولم يَجِدْ أحدٌ من المتعنتة فِيهِ مَعَابًا، قد أطبقوا عَلَيْهِ. وكان جدُّه الناصرُ يُقِّربُه ويُحِبُّه ويُسميه القاضي لعقله وهديه وإنكارِه ما يجدُ من المُنكَرِ. والناسُ معه اليوم فِي بُلَهْنِيَةٍ هنيةٍ، وعيشةٍ -[331]-
مرضيةٍ.
وسيرَّ إِلَيْهِ خُوارزم شاه يَلْتَمِسُ منه سَرَاوِيلَ الفُتُوة، فسيَّره إِلَيْهِ مَعَ أموال جمَّةٍ وتُحَفٍ. وفيما سيَّر إِلَيْهِ فرسُ النَّوبة، فسُرَّ بذلك وابتهجَ، وقبَّلَ الأرض مراتٍ شكرًا لله عَلَى هذه المنزلَة التي رُزِقَها وحُرِمَها أَبُوهُ، ثمّ إنه أذْعَنَ بالعبوديَّةِ والطاعةِ.
وقال ابنُ واصل: بَنَى المستنصرُ عَلَى دِجْلةَ من الجانب الشرقيّ ممّا يلي دارَ الخلافةِ مدرسةً ما بُنِيَ عَلَى وجه الأرضِ أحسنُ منها ولا أكثُر وقفًا، وهي بأربعة مُدرّسين عَلَى المذاهبِ الأربعة. وعمل فيها بيمارستاناً كبيرًا، ورتَّبَ فيها مَطْبَخًا للفُقهاءِ، ومزملة للماءِ الباردِ.
ورَتَّبَ لبيوتِ الفقهاءِ الحُصُرَ، والبُسُطَ، والفَحْمَ، والأطعمةَ، والوَرَقَ، والحِبْرَ، والزَّيتَ، وغيرَ ذَلِكَ. وللفقيه - بعد ذَلِكَ - فِي الشهر ديناران، ورَتَّبَ لهم حَمَّامًا، ورَتَّبَ لهمِ بالحمَّام قَومَةً. وهذا ما سُبق إِلَيْهِ.
وللمدرسةِ شبابيك عَلَى دِجْلة. وللخليفةِ منظرةٌ مطلةٌ عَلَى المدرسةِ يَحضُر فيها الخليفةٌ، ويَسَمعُ الدّرسَ.
إلى أن قالَ: واستخدمَ عساكرَ عظيمةً لم يَستخدِمْ مثلَها أَبُوهُ ولا جدُّه، وكانت تزيدُ عَلَى مائة ألفٍ وعشرين ألفَ فارسٍ، وأكثرَ منَ ذَلِكَ، كذا قَالَ ابنُ واصل. وكان ذا هِمَّةٍ عاليةٍ، وشجاعةٍ وإقدامٍ عظيمٍ.
قصدت التتار البلاد فلقيهم عسكره فهزموا التتار هزيمة عظيمة. وكان له أخٌ يُقَالُ لَهُ: الخَفَاجي، فِيهِ شهامةٌ زائدةٌ، كانَ يَقُولُ: إنْ وُلِّيتُ لأعْبُرَنَّ بالعساكر نهرَ جَيْحون، وآخذُ البلاد من أيدي التتار وأستأصلهم.
فلمّا ماتَ المستنصرُ لم يَرَ الدُّويدارُ ولا الشَّرابيّ تقليدَ الخَفاجيّ خَوفًا منه، وأقاما أَبَا أَحْمَد للِينةِ وضَعْفِ رأيه؛ ليكونَ لهما الأمرُ ليُنفذَ اللَّه أمرَه فِي عُبَادة. وقد رَثَاه الناصرُ داودُ بقصيدةٍ فائقةٍ مَطْلَعُها:
أيا رَنَّةَ الناعي عَبَثْتِ بَمسْمَعِي ... وأجَّجْتِ نارَ الحُزنِ ما بَيْنَ أضْلُعِي
وأخْرَسْتِ منِّي مِقْوَلًا ذا براعةٍ
يَصُوغُ أفَانِين القَريضِ المُوشَّع ... نَعَيْت إليَّ البَأْسَ والْجُودَ والحِجَى
فَأوْقَفْتِ آمالي وأجْرَيْتِ أدْمُعي -[332]-
وقال الحافظُ عبدُ العظيمِ: مولدُه فِي صفر سنة ثمانٍ وثمانين، وتُوُفّي فِي العشرين من جُمَادَى الأولى.
قَالَ: وكانَ راغبًا فِي فِعلِ الخير، مجتهداً فِي تكثير أعمالِ البِرِّ. وله فِي ذَلِكَ آثارُ جميلةٌ كثيرة، وأنشأ المدرسة المعروفة بِهِ، ورَتَّبَ فيها من الأمور الدّالَّةِ عَلَى تفقُّدِه لأحوالِ أهل العلم وكثرةِ فكرتِه فيما يقضي براحتهِم وإزاحةِ عِللهم ما هُوَ معروفٌ لمن شاهده وسَمِعَ بِهِ.
وأنبأني ابنُ البُزُوريّ أَنَّهُ تُوُفّي يومَ الجمعة عاشر جُمَادَى الآخرة، وكذا قَالَ ابنُ النّجّار فِي " تاريخه "، وغيرهُ. وهو الصحيحُ. وقولُ المنذريّ وَهْم.
قَالَ ابنُ البُزُوريّ: تُوُفّي بُكْرةً عن إحدى وخمسين سنة وأربعة أشهر وسبعة أيّام. وكُتِمَ يومئذٍ موتهُ فخَطَبوا لَهُ يومئذٍ، فحضرَ شرفُ الدّين إقبال الشَّرابيّ ومعه جمعٌ من الخَدَم إلى التاج الشريف، وحَضَروا بين يدي ولدِه أَبِي أَحْمَد عَبْد اللَّه، فَسَلَّم عَلَيْهِ إقبال بإمرَة المؤمنين، واستدعاهُ إلى سُدَّةِ الخلافةِ.
ثمّ عَرَفَ الوزيرُ، وأستاذُ الدّار ذَلِكَ، واسْتكْتماه إلى اللّيل. ثمّ استدُعيّ الوزيرُ، فجاء من باب السِّرِّ الّذِي بدارِ الأمير علاء الدّين الدُّويدار المقابل لداره، واستدعي - وهو عاجزٌ - فِي محفةٍ، وأحضر أيضًا مؤيَّدُ الدين محمد ابن العَلْقَميّ أستاذُ دار. فمَثَلا بينَ يَدي السُّدّة، فقَبَّلا الأرضَ وهنَّآه بالخلافَة، وعَزَّياه بالمستنصرِ وبايَعاه.
وأحْضِرَ جماعةٌ من الأسرةِ الشريفَة من أعمامِه وأولادِ الخُلفاء، ثمّ خَرَجَ الوزيرُ وسَلَّم إلى الزعماء والولاة محال بغداد، وأمر أن لا يركبَ أحدٌ من الأمراءِ من داره. وفي بُكرةِ السَّبْتِ رَأَى الناسُ أبوابَ الخلافةِ مُغْلَقةً، وجلسَ عبدُ اللطيف بن عَبْد الوَهَّاب الواعظُ وأخبرَ بوفاةِ الخليفة وجلوس ولدِه المُستعصم بالله، ومولده سنة تسعٍ وستمائة.
ثم لما ارتفع النهار استدعي الأعيان للبَيْعَةِ وجلسَ الوزيرُ لعَجزِه، ودونَه بمرقاة أستاذ الدار، وكانَ يأخُذُ البيعةَ عَلَى الناسِ، وصورتُها: " أبايعُ سيِّدَنا ومولانا أمير المؤمنينَ عَلَى كتاب اللَّه وسنةِ رسوله واجتهادِ رأيه الشريف وأن لا خليفة -[333]-
للمسلمين سواه "
.
فبايَعَ النَّاسُ عَلَى درجاتِهم. ثمّ أسْبلت السَّتارةُ. وبايعَ من الغدِ الأمراءُ الصغارُ والمماليكُ الميامينُ. ثمّ بايعَ فِي اليوم الثالث مَنْ تَبقَّى من الأمراءِ والتّجّارُ وبياضُ الناس.
ثمّ جلسَ المَلأ للعزاءِ بالمستنصرِ، وتكلّمَ المحتسبُ جمالُ الدّين أَبُو الفَرَج عبدُ الرَّحْمَن ابن محيي الدين يوسف ابن الإمام أبي الفرج ابن الْجَوْزيّ. وتكلَّم الشُّعراءُ، فأوَّلُ مَنْ أوردْ مقدمهم صفيُّ الدُّين عَبْد اللَّه بن جميل حاجبُ المخزن بقصيدته التي يَقُولُ فيها:
عَزَّ العَزَاءُ وأعوزَ الإلمامُ
واسْتَرجَعَتْ ما أعطتِ الأيَّامُ ... فَدَعِ العُيونَ تَسُحُّ بَعْد فِراقِهم
عِوَضَ الدُّموعِ دمًا فَلَيسَ تُلامُ
بانُوا فلا قَلْبي يَقِرُّ قَرَارُه ... أسَفًا ولا جَفْني القرِيحُ يَنَامُ
فَعَلى الذين فقدتُهُم وعَدِمْتُهُم
مِنِّي تحيةُ موجعٍ وسَلامُ
ثمّ أنشد الشعراء وعزوا بالمستنصر، وهنؤوا بالمُستعصِمِ. ثمّ بَرَزَت مطالعةٌ عَلَى يد إقبالٍ الشرابيّ فِي كيسٍ، وبَسْمَل الخَدَمُ بينَ يديها، فقرأها الوزيرُ، ثمّ قَرَأها أستاذُ الدّارِ عَلَى الناسِ قائمًا، خُلاصتُها التأسِّي والتَّسَلِّي والوعدُ بالعَدْلِ والإحسانِ.
قلتُ: بلغَ ارتفاعُ وقوفِ المستنصريةِ فِي بعضِ الأعوام نيفًا وسبعين ألفَ مِثْقال، وتليها فِي الكِبَر وكثرةِ الرَّيْع المنصوريةُ بالقاهرة، وبها ضريحُ السُّلطان فِي قبةٍ عظيمة، وبها دارُ حديث، وبها بيمارستان عديم النظير، إلا أن يكون الذي بدمشق.
فمن جُملة القُري الموقوفة عَلَى المدرسة المستنصرية ما مساحتُه مائة ألف جَريب، وخمسون ألفَ جَريب سوى الخاناتِ والرِّباع، وغير ذَلِكَ. ويقرُبُ من وقِفها وقوفُ جامع دمشق وهي أكثرُ منه وُقوفًا. لكن اليومَ ما يدخُلُ المستنصريَّة عُشرُ ذَلِكَ، بل أقَلُّ بكثير.

58 - بكبرس بن يلتقلح، أبو شجاع التركي، مولى الإمام الناصر لدين الله، ويعرف بنجم الدين الزاهد، وبالحاجي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

58 - بكْبِرْس بن يَلتقلح، أَبُو شُجاع التُّركيّ، مولى الإِمَام النّاصر لدين الله، ويُعرف بنجم الدين الزاهد، وبالحاجي. [المتوفى: 652 هـ]
كان فقيهًا عارفًا بمذهب أَبِي حنيفة، حدث عن: عبد العزيز بن منينا. روى عنه: أبو محمد الدّمياطيّ، والقُطْب ابن القسطلاني، ومحمد بن مُحَمَّد الكَنْجيّ. وكان أيضًا عارفًا بالأصُول.
قال الدمياطي: كان مقدمًا على مماليك المستعصم بالله. وتُوُفيّ فِي منتصف صَفَر.
وقال ابن النّجّار في تراجم أناس: فقيهٌ جليل القْدْر، مُفْتٍِ، له مصنفات. وهو صالح ديِّن، قرأ الكثير بنفسه على أصحاب أبي الوقت.

270 - عبد الله المستعصم بالله، أبو أحمد، أمير المؤمنين، الشهيد، ابن المستنصر بالله أبي جعفر منصور ابن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد ابن الناصر لدين الله أحمد الهاشمي العباسي، البغدادي،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

270 - عَبْد الله المستعصم بالله، أَبُو أَحْمَد، أمير المؤمنين، الشهيد، ابن المستنصر بالله أَبِي جَعْفَر منصور ابن الظّاهر بأمر الله أبي نصر محمد ابن النّاصر لدين الله أَحْمَد الهاشمي العباسي، البغدادي، [المتوفى: 656 هـ]
رحمه الله تعالى.
آخر الخلفاء العراقيين.
وكان ملكهم من سنة اثنتين وثلاثين ومائة إلى هذا الوقت.
وُلد أبو أحمد سنة تسعٍ وستمائة، وبُويع بالخلافة فِي العشرين مِنْ جمادى الأولى سنة أربعين، والأصح أَنَّهُ بويع بعد موت والده في عاشر شهر جمادى الآخرة.
وكان مليح الخطّ، قرأ القرآن عَلَى الشَّيْخ عليّ ابن النيار الشّافعيّ، وعُمِلت دعوةٌ عظيمةٌ وقْت ختْمه، وخُلع عَلَى الشَّيْخ، وأُعطي مِن الذهب العِين ستة آلاف دينار. ويوم خلافته بلغت الخِلع ثلاثة عشر ألف خِلْعة وسبعمائة -[819]-
وخمسين خِلْعة. وأجاز له: على يد ابن النّجّار: المؤيد الطُّوسي، وأبو روْح الهَرَوي، وجماعة.
سَمِعَ منه شيخه الَّذِي لقنه القرآن أبو الحسن علي ابن النيار، وحدَّث عَنْهُ. وروى عَنْهُ الإجازة فِي خلافته: محيي الدين يوسف ابن الجوْزي، ونجم الدّين عبد الله الباذرائي. وروى عَنْهُ بمَرَاغَة: ولدهُ الأميرُ مبارك.
وكان كريمًا حليمًا، سُلَيْم الباطن، حَسَن الديانة.
قَالَ الشَّيْخ قطْب الدين: كَانَ متدينًا متمسكًا بالسُّنَّة كأبيه وجده، ولكنه لم يكن عَلَى ما كَانَ عليه أبوه وجده النّاصر مِن التّيقُّظ والحزْم وعُلُوّ الهمة. فإن المستنصر بالله كَانَ ذا همّةٍ عالية، وشجاعةٍ وافرة، ونفْسِ أبيَّة، وعنده إقدام عظيم. استخدم مِن الجيوش ما يزيد عَلَى مائة ألف. وكان لَهُ أخ يُعرف بالخَفَاجي يزيد عَلَيْهِ فِي الشهامة والشجاعة، وكان يَقُولُ: إنْ ملّكني الله الأمر لأعبُرَنَّ بالجيوش نهر جيْحُون وانتزع البلاد مِن التّتار واستأصلهم.
فلمّا تُوُفي المستنصر لم يرَ الدّويْدار والشرابي والكبار تقليدَ الخَفَاجي الأمر، وخافوا منه، وآثروا المستعصم لما يعلمون من لينه وانقياده وضعْف رأيه، ليكون الأمر إليهم. فأقاموا المستعصم، ثُمَّ رَكَن إلى وزيره ابن العلقمي، فأهلك الحرْث والنَّسل، وحسَّن لَهُ جمْع الأموال، والاقتصار عَلَى بعض العساكر، وقطْع الأكثر. فوافقه عَلَى ذَلِكَ. وكان فيه شحٌّ، وقلة معرفة، وعدم تدبير، وحبٌّ للمال، وإهمال للأمور. وكان يتكل عَلَى غيره، ويُقدم عَلَى ما لَا يليق وعلى ما يُستقبح. ولو لم يكن إلّا ما فعله مَعَ النّاصر دَاوُد فِي أمر الوديعة.
قلت: وكان يلعب بالحَمَام، ويُهمل أمر الإسلام، وابنُ العَلْقَمي يلعب بِهِ كيف أراد، ولا يُطلعه عَلَى الأخبار. وإذا جاءته نصيحةٌ فِي السر أطلع عليها ابن العَلْقَمِي ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.
فحكى جمال الدين سليمان بْن عَبْد الله بْن رطلين قَالَ: جاء هولاوو فِي نحو مائتي ألف، ثُمَّ طلب الخليفة، فطلع ومعه القُضاة والمدرسون والأعيان في نحو سبعمائة نفس، فلمّا وصلوا إلى الحربية جاء الأمر بحضور الخليفة ومعه -[820]-
سبعة عشر نفْساً، فاتفق أن أَبِي كَانَ أحدهم، فحدثني أنهم ساقوا مَعَ الخليفة، وأنزلوا مِنْ بقي عَنْ خيْلهم، وضربوا رقابهم. ووقع السيف فِي بغداد، فعمل القتْلُ أربعين يومًا. وأنزلوا الخليفة فِي خيمةٍ صغيرة، والسبعة عشر فِي خيمة. قَالَ أبي: فكان الخليفة يجيء إلى عندنا كل ليلةٍ ويقول: ادعوا لي. قال: فاتفق أَنَّهُ نزل عَلَى خيمته طائرٌ، فطلبه هولاوو وقال: أيش عملُ هذا الطائر؟ وأيْش قَالَ لك؟
ثُمَّ جرت لَهُ محاوراتٌ معه ومع ابن الخليفة أبي بَكْر. ثُمَّ أمر بهما فأُخرجا، ورفسوهما حتّى ماتا، وأطلقوا السَّبعة عشر، وأعطوهم نشابة، فقُتل منهم رجلان وطلب الباقون بيوتهم فوجدوها بلاقع. فأتوا المدرسة المُغيثيَّة، وقد كنتُ ظهرتُ فبقيتُ أسأل عَنْ أَبِي، فدُللت عَلَيْهِ، فأتيتُه وهو ورفاقه، فسلمت عليهم، فلم يعرفني أحدٌ منهم، وقالوا: ما تريد؟ قلت: أريد فخْر الدين ابن رطلين. وقد عرفتُه، فالتفت إلى وقال: ما تريد منه؟ قلت: أَنَا ولده. فنظر إلى وتحقَّقني، فلمّا عَرَفني بكى، وكان معي قليل سمْسِم فتركته بينهم. وأقمنا هناك إلى صفَر، إلى أن رُفع السّيف، فأتيا دار فخر الدّين أحمد ابن الدّامَغَانيّ صاحب الديوان، وقد أراد ابن العلْقمي أن يضرّه فنفعه، فقال لهولاكو: هذا يعرف أموال الخليفة وذخائره وأموره، وهذا كَانَ يتولاها. فقال: إذا كَانَ الخليفة اختاره لنفسه فأنا أوْلى أن أوليه. وكتب لَهُ الفَرَمان، وقال للوزير: لَا تفعل شيئًا إلّا بموافقته. ثُمَّ إن ابن العَلْقَمِيّ عمل على أن لا يخطب بالجوامع، ولا تصلّى الجماعة، وأن يبني مدرسة عَلَى مذهب الشيعة فلم يحصل له أملُه، وفُتحت الجوامع، وأقيمت الجماعات. وحدثني أَبِي فخر الدين قَالَ: كَانَ قد مشى حال الخليفة بأن يكون للتتار نصف دخْل البلاد، وَمَا بقي شيء أن يتم ذَلِكَ، وإنما الوزير ابن العلْقمي، قَالَ: ما هذا مصلحة، والمصلحة قتْله، وإلاّ ما يتمّ لكم ملْك العراق.
قلت: تُوُفّي الخليفة فِي أواخر المحرَّم أوْ فِي صَفَر، وَمَا أظنه دفن، فإنا لله وإنا إِليْهِ راجعون. وكان الأمر أعظم مِنْ أن يوجد مؤرّخٌ لموته، أوْ مُوارٍ لجسده. وراح تحت السيف أممٌ لَا يحصيهم أحد إلّا الله، فيقال: إنهم أكثر مِنْ ألف ألف، واستغْنت التّتار إلى الأبد، وسبوا مِن النساء والولدان ما ضاق بِهِ الفضاء. وقد بينا ذَلِكَ فِي الحوادث. وقتلوا الخليفة خنْقاً، وقيل: غمّوه فِي -[821]-
بساطٍ حتى مات. والأشهر أَنَّهُ رُفس حتى خرجتْ روحه.
وحكى جمال الدين ابن رِطلين، عن أبيه، قَالَ: أخذوا الخليفة ليقتلوه، وكان معه خادم يقال لَهُ قُرُنْفُل، فألقى عَلَيْهِ نفسه يَقِيه مِن القتْل، فقتلوا الخادم، وعادوا إلى رفْس الخليفة حتى مات. وكانوا يسمونه: الأبْلَه.
وحدثني شيخنا ابن الدباهي قَالَ: لمّا بقي بين التّتار وبين بغداد يومين أعلم الخليفة حينئذ فقال: عدْلين يروحون يُبْصرون إنْ كَانَ هذا الخبر صحيح. ثُمَّ طلب والدي، فحضر إلى بين يديه وطلب منه الرأيَ: وقال: كيف نعمل؟ فصاح والدي وقال: فات الأمر كنتم صبرتم زاده.
وفي " تاريخ " الظهير الكازروني أن المستعصم دخل بغداد بعد أن خرج إلى هولاكو، فاخرج لهم الأموال، ثمّ خرج في رابع صفر، وشرع السيف في البلد في خامس صفر، وقتل الخليفة يوم الأربعاء رابع عشر صفر. قيل: جُعِل في غرارة ورُفِس إلى أن مات. ثُمَّ دُفن وعُفي أثَرُه. وقد بلغ ستًا وأربعين سنة وأربعة أشهر.
وقُتِل ابناه أحمد وعبد الرَّحْمَن، وبقي ابنه الصغير مبارك، وأخَواته فاطمه، وخديجة، ومريم، فِي أسْر التّتار.
ورأيت فِي " تاريخ ابن الكازروني " أن الخليفة بقي أربعة أيام عند التّتار، ثُمَّ دخل بغداد ومعه أمراء مِن المُغْل والنصير الطُّوسي، فأخرج إليهم مِن الأموال والجواهر والزَّركش والثياب والذخائر جُملةً عظيمة، ورجع ليومه، وقُتل فِي غِرارة، وقُتل ابنُهُ أحمد وعُمُرُه خمسٌ وعشرون سنة، وعُمر أخيه عَبْد الرحمن ثلاثٌ وعشرون سنة، ولكلِّ منهما أولاد أُسِروا، وقُتل عددٌ مِنْ أعمام الخليفة وأقاربه.

522 - أحمد، المستنصر بالله أمير المؤمنين، أبو القاسم ابن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد ابن الناصر لدين الله أحمد ابن المستضيء بالله الهاشمي العباسي، البغدادي، الأسود.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

522 - أحمد، المستنصر بالله أمير المؤمنين، أبو القاسم ابن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد ابن الناصر لدين الله أحمد ابن المستضيء بالله الهاشميّ العبّاسي، البغداديّ، الأسود. [المتوفى: 660 هـ]-[926]-
وُلّي الخلافة بعد قتْل ابن أخيه المستعصم بالله ابن المستنصر بالله منصور بثلاث سنين، فخلا الوقت فيها من خليفة.
قَالَ الإمام أبو شامة: فِي رجب قرئ بالعادلية كتاب السُّلطان إلى قاضي القضاة نجم الدين ابن سَنِي الدّولة بأنه قِدم عليهم مصر أبو القاسم أحمد ابن الظاهر ابن النّاصر، وهو أخو المستنصر بالله، وأنه جمع لَهُ النّاس من الأمراء والعُلماء والتجار، وأثبت نَسَبَه عند قاضي القضاة فِي ذَلِكَ المجلس، فلمّا ثبت بايعه النّاس، وبدأ بالبيعة السُّلطان الملك الظاهر، ثم الكبار على مراتبهم، ونقش اسمه عَلَى السكة، وخطب لَهُ ولقب بلَقب أخيه، وفرح النّاس.
وقال الشَّيْخ قُطْبُ الدين: كَانَ المستنصر أبو القاسم محبوسًا ببغداد، فلمّا أخذت التّتار بغداد أُطلق، فصار إلى عرب العراق، واختلط بهم، فلمّا تسلطن المُلْك الظاهر وَفَدَ عليه فِي رجب ومعه عشرةٌ من بني مهارش، فركب السُّلطان للقائه ومعه القُضاة والدولة، فشق القاهرة، ثُمَّ أثبت نسبه عَلَى الحاكم، وبويع بالخلافة، وركب يوم الجمعة من البُرج الَّذِي كَانَ بالقلعة، وعليه السواد إلى جامع القلعة، فصعِد المنبرَ، وخطب خُطْبة ذكر فيها شَرَفُ بني العبّاس، ودعا فيها للسلطان وللمسلمين، ثُمَّ صلى بالناس.
قَالَ: وفي شَعْبان رُسِم بعمل خِلْعة خليفتية للسلطان، وبكتابة تقليدٍ لَهُ.
ثُمَّ نُصِبت خَيْمة بظاهر القاهرة، وركب المستنصر بالله والسُّلطان يوم الإثنين رابع شَعْبان إلى الخيمة، وحضر القُضاة والأمراء والوزير، فألبس الخليفةُ السُّلطان الخِلْعة بيده، وطوقه وقيده، ونصب منبرٌ فصعد عليه فخر الدّين ابن لُقمان، فقرأ التقليد، وهو من إنشاء ابن لُقمان، ثُمَّ ركب السُّلطان بالخِلعة، ودخل من باب النصر، وزُينت القاهرة، وحمَل الصاحب التقليدَ عَلَى رأسه راكبًا، والأمراء مُشَاة، وهذا هُوَ الثامن والثلاثون من خلفاء بني العبّاس، وكانت بَيْعته بقلعة الجبل، فِي ثالث عشر رجب.
قَالَ: وأول من بايعه قاضي القُضاة تاج الدين، ثُمَّ السُّلطان، ثُمَّ الشَّيْخ -[927]-
عز الدّين ابن عَبْد السلام، وكان شديد السمرة، جسيمًا، عالي الهِمّة، شجاعًا، وَمَا بويع أحدٌ بالخلافة بعد ابن أخيه إلّا هُوَ، والمقتفي ابن المستظهر، بويع بعد الراشد ابن المسترشد ابن المستظهر، وقد وُلّي الأمر ثلاثة إخوة: الراضي، والمتقي، والمطيع بنو المقتدر، وولي قبلهم: المكتفي، والمقتدر، والقاهر بنو المعتضد، وولي من قبلهم: المنتصر، والمعتز، والمعتمد بنو المتوكل، ووليها: الأمين، والمأمون، والمعتصم بنو الرشيد، وولي من بنى أُمَيَّة الإخوة الأربعة: الوليد، وسليمان، ويزيد، وهشام بنو عَبْد المُلْك بْن مروان.
قَالَ: ورتب لَهُ السُّلطان أتابكًا، وأستاذ دار، وشرابيا، وخزندارا، وحاجبًا، وكاتبًا، وعين لَهُ خزانة وجملة مماليك، ومائة فَرَس، وثلاثين بغلًا، وعشرة قطارات جمال، إلى أمثال ذَلِكَ.
قرأت بخط العلاء الكِنْديّ: حدثنا قاضي القُضاة جمال الدين محمد بن سليمان المالكي، قال: حدّثني شيخنا عز الدّين ابن عَبْد السلام، قَالَ: لمّا أخذْنا فِي بيعة المستنصر قلت للملك الظاهر: بايعه، فقال: ما أُحسِن، لكن بايعه أنت أولًا وأنا بعدك، فلمّا فرغنا البيعة حضرنا عند السُّلطان من الغد، فمدح الخليفة وقال: من جملة بركته إنني دخلت أمس الدار فقصدت مسجدًا فيها للصلاة، فرأيت فيه مصطبةٌ نافرة، فقلت للغلمان: أخربوا هذه، فلمّا هدموها انفتح تحتها سربٌ، فنزلوا، فإذا فيه صناديق كثيرة مملوءة ذَهَب وفضة من ذخائر الملك الكامل، ثم إنه عزم عَلَى التوجه إلى العراق.
قلت: وحسن لَهُ السُّلطان ذَلِكَ وأعانه.
قَالَ قُطْبُ الدين: فأقطع إقطاعاتٍ هناك لمن قصده أوْ وفد عَلَيْهِ.
وسار من مصر هُوَ والسُّلطان فِي تاسع عشر رمضان فدخلوا دمشق فِي سابع ذي القِعْدة، ثُمَّ جهز السُّلطان الخليفة وأولاد صاحب الموصل، وغرِم عَلَيْهِ وعليهم من الذَّهَب فوق الألف ألف دينار، فسار الخليفة ومعه ملوك الشرق، صاحب المَوْصِل، وصاحب سنجار والجزيرة من دمشق في الحادي والعشرين من ذي القعدة. -[928]-
وذكر ابن عبد الظاهر في " السيرة الظاهرية ": قَالَ لي مولانا السُّلطان: إن الَّذِي أنفقه عَلَى الخليفة والملوك المَوَاصِلة ألف ألف دينار وستين ألف دينار عينًا.
قَالَ أبو شامة: نزل الخليفة بالتربة النّاصرية بقاسيون، ودخل يوم الجمعة إلى جامع دمشق إلى المقصورة، وجاء إليها بعده السُّلطان المُلْك الظاهر ثُمَّ خرجا ومشيا إلى جهة مركوب الخليفة بباب البريد، ثُمَّ رجع السُّلطان إلى باب الزيادة.
قَالَ قُطْبُ الدين: سافر الخليفة وصاحب المَوْصِل إلى الرحبة، ففارق صاحب المَوْصِل وأخوه الخليفة، ثُمَّ نزل الخليفة بمن معه مشهدَ عَلَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، ولما وصلوا إلى عانَةَ وجدوا بها الحاكم بأمر الله أحمد، ومعه نحو من سبعمائة نفس فاستمالهم الخليفة المستنصر، وأنزل الحاكم معه فِي دهليزه، وتسلم الخليفة عانَة، وحمل إِليْهِ واليها وناظرُها الإقامةَ فأقطعها، ثُمَّ وصل إلى الحديثة ففتحها أهلُها لَهُ، فلمّا اتصل ذَلِكَ بمقدم المُغْل بالعراق وبشِحْنة بغداد خرج المقدم بخمسة آلاف وقصد الأنبار فدخلها، وقتل جميع من فيها، ثُمَّ لحِقَه الشحنة، ووصل الخليفة إلى هيت، فأغلق أهلها الأبواب، فحصرها ثُمَّ دخلها فِي التاسع والعشرين من ذي الحجّة، ونهب من بها من أهل الذمة، ثُمَّ نزل الدور، وبعث طليعة، فوصلت إلى الأنبار فِي الثالث من المحرَّم سنة ستين، فعبرت التّتار ليلًا فِي المخائض والمراكب، فلمّا أسفر الصبح التقي عسكر الخليفة والتّتار فانكسر أولًا الشحنة، ووقع مُعظَم أصحابه فِي الفُرات، ثُمَّ خرج كمينٌ للتتار، فهرَب التركمان والعرب، وأحاط الكمين بعسكر الخليفة، فصدقوا الحملة، فأفرج لهم التّتار، فنجا جماعةٌ من المسلمين، منهم الحاكم ونحو خمسين نفسًا، وقُتِل جماعة، وأما الخليفة فالظاهر أنه قتل، وقيل سلِم وأضمرته البلاد، وعن بعضهم أن الخليفة قُتِل يومئذٍ ثلاثةً ثُمَّ قُتِل.

*العاضد لدين الله الفاطمي

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

*العاضد لدين الله الفاطمي خليفة فاطمى تولى الخلافة (555هـ) خلف «الفائز»، فتخلص من الوزير «طلائع» بقتله، وأسند منصبه إلى ابنه «أبى شجاع العادل بن طلائع»، فرأى «شاور» والى الصعيد أنه أحق بالوزارة من «أبى شجاع»، وقدم على رأس قواته، وتمكن من خلع «أبى شجاع» من الوزارة، وتنصيب نفسه مكانه سنة (558هـ)، ولكنه لم يهنأ بمنصبه الجديد إذ استطاع «ضرغام» أمير البرقية (فرقة من المغاربة) خلعه، فهرب «شاور» إلى الشام مستنجدًا بنور الدين محمود ليعيده إلى منصبه، فأحس «ضرغام» بالخطر وخشى من ضياع منصبه فاستنجد بعمورى الصليبى ملك «بيت المقدس»، ولبى كل طرف نداء مَنْ استنجد به، وقدمت القوات الإسلامية كما قدمت القوات الصليبية فى ثلاث حملات، ولكن «أسد الدين شيركوه» قائد حملات «نور الدين محمود» كانت له عقلية سياسية حكيمة، كما كان يجيد التخطيط الجيد، فتولى الوزارة بنفسه بعد أن قُضى على الخصمين المتنافرين، وظل على ذلك حتى مات، فخلفه فى منصبه ابن أخيه «صلاح الدين الأيوبى» السنىُّ المذهب.
وتوفى العاضد سنة 567هـ وبوفاته سقطت الدولة الفاطمية.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت