نتائج البحث عن (وعا) 50 نتيجة

(التاسوعاء) الْيَوْم التَّاسِع من الْمحرم
(الوعاق) صَوت يسمع من بطن الدَّابَّة إِذا مشت
(الوعان) جمع الوعن والوعنة وخطوط فِي الْجبَال شَبيهَة بالشؤون
(الْوِعَاء) الظّرْف يوعى فِيهِ الشَّيْء (ج) أوعية
المرفوعات: هو ما اشتمل على علم الفاعلية.
(وعا)- قوله تعالى: {{جَمَعَ فَأَوْعَى}} : أي جَعَلَه في الوِعَاءِ.- وفي الحديث: "فاسْتَوْعَى له حَقَّه": أي استَوْفَاه كُلَّه، مأخُوذٌ مِن الوِعَاءِ.- وفي حَديث كَعْب بن الأشرَفِ: "سَمِعْنَا الوَاعِيَةَ"وهو الصُّرَاخُ علَى نَعِىِّ الميِّتِ، ولا يُصْرف منه فِعْلٌ، وقيل: الوَعَى: الجَلَبَة كالوَغَى، واسْتَوعَى كَأنّه مُطاوِع أَوْعَيْتُهُ.
الوعاء:[في الانكليزية] Cavity ،vessel [ في الفرنسية] Cavite ،vaisseau بالكسر وتخفيف العين عند الأطباء مرادف التجويف وقد سبق. كما يدلّ عليه ما في شرح القانونچة حيث قال: إنّ الفرق بين المجاري والأوعية أنّ التجويف الكائن في باطن العضو إن حوى شيئا ساكنا يسمّى وعاء ومتحركا منتقلا يسمّى مجرى، وإن لم يعتبر في ذلك ما يحويه يسمّى بطنا، والتقعير تجويف في ظاهر العضو لا يحوي شيئا انتهى. والمراد بالتجويف في كلامه المعنى اللغوي أي الفضاء والخلو.
(وَعَا)(هـ) فِيهِ «الاسْتِحياءُ مِنَ اللَّهِ حقَّ الْحَيَاءِ: أَلَّا تَنْسَوُا المقابرَ والبِلَى، والجَوْفَ وَمَا وَعَى» أَيْ مَا جَمَع مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، حَتَّى يَكُونَا مِنْ حِلِّهما .وَمِنْهُ حَدِيثُ الإسْراء «ذكَر فِي كُلِّ سَماءٍ أنبياءَ قَدْ سَمَّاهم، فَأَوْعَيْتُ مِنْهُمْ إِدْرِيسَ فِي الثَّانِيَةِ» هَكَذَا رُوِي. فَإِنْ صحَّ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: أدخَلْته فِي وِعَاءِ قَلْبي. يُقَالُ: أَوْعَيْتُ الشيءَ فِي الوِعاء، إِذَا أدْخَلتَه فِيهِ.وَلَوْ رُوي «وَعَيْتُ» بِمَعْنَى حَفِظْتُ، لَكَانَ أبْيَنَ وأظْهَر. يُقَالُ: وَعَيْتُ الْحَدِيثَ أَعِيهِ وَعْياً فَأَنَا وَاعٍ، إِذَا حَفِظْتَه وفِهِمْتَه. وفلانٌ أَوْعَى مِنْ فُلان: أَيْ أحْفَظُ وأفْهَم.(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقالَتي فوَعاها، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سامِعٍ» .(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ «لَا يُعَذِب اللَّهُ قَلْباً وَعَى القُرآن» أَيْ عَقَلَه إِيمَانًا بِهِ وعَمَلا. فأمَّا مَنْ حَفِظَ ألْفاظَه وضَيَّع حُدُودَهُ فَإِنَّهُ غَيْرُ وَاعٍ لَه. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.(س) وَفِيهِ «فَاسْتَوْعَى لَهُ حَقَّه» أَيِ اسْتَوْفاه كُلّه، مَأْخُوذٌ مِنَ الوِعاء.وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ «حَفِظْتُ عَنْ رسولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِعَاءَيْنِ مِنَ العِلْم» أَرَادَ الكِنايَةَ عَن مَحَلِّ العِلْم وجَمْعِه، فاسْتَعارَ لهُ الوِعَاءَ.وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا تُوعِي فَيُوعَى عَلَيكِ» أَيْ لَا تَجْمَعِي وَتَشِحِّي بالنَّفقة، فَيُشَحَّ عَلَيْكِ، وتُجَازَيْ بِتَضْيِيِقِ رِزْقِكِ.(س) وَفِي مَقْتل كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ أَوْ أَبِي رَافِعٍ «حَتَّى سَمِعْنَا الْوَاعِيَةَ» هُوَ الصُّرَاخُ عَلَى الْمَيِّتِ ونعْيُه. وَلَا يُبْنى مِنْهُ فِعْلٌ.وَقِيلَ: الْوَعْيُ كَالْوَغَى: الْجَلَبَةُ وَالصَّوْتُ الشَّدِيدُ.
أُم أَوْعَال:هضبة معروفة قرب برقة أنقد باليمامة، وهي أكمة بعينها، قال ابن السكيت: ويقال لكل هضبة فيها أوعال: أمّ أوعال، وأنشد:ولا أبوح بسرّ كنت أكتمه،...ما كان لحمي معصوبا بأوصاليحتى يبوح به عصماء عاقلة،...من عصم بدوة وحش أمّ أوعالوقال العجّاج:وأمّ أوعال بها أو أقربا،...ذات اليمين غير ما أن ينكباوقيل: أوعال جمع وعل، وهو كبش الجبل.
أَوْعالٌ:جمع وعل وهو كبش الجبل: اسم لجبال بها بئر عظيمة قديمة، وقيل: إنها هضبة يقال لها ذات أو عال، قال امرؤ القيس:وتحسب ليلى لا تزال كعهدنا ... بوادي الخزامى، أو على ذات أوعالوقال نصر: أو عال جبل بالحمى يقال له أمّ أوعال وذو أوعال، وقيل: أوعال أجبل صغار، وأمّ أوعال:هضبة، ومن قال إنها جبال ينشد قول عمرو بن الأهتم:قفا نبك من ذكرى حبيب وأطلال...بذي الرّضم فالرّمّانتين فأوعال
وِعَاب:
بكسر أوله، وآخره باء، جمع الوعب، والاستيعاب: هو الاستقصاء في الشيء والاستئصال، والوعب: الواسع، والوعاب: مواضع.
وُعال:
بالضم، والوعل: الملجأ، يقال: ما وجدت وعلا أي ملجأ، ومنه سمّيت الشاة الجبلية وعلا لأنه يلجأ إلى الجبل، قيل: هو جبل بسماوة كلب بين الكوفة والشام، قال النابغة:
أمن ظلّامة الدّمن البوالي ... بمرفضّ الحبيّ إلى وعال؟
وقال الأخطل:
لمن الديار بحائل فوعال ... درست وغيّرها سنون خوالي؟
وَعَّابِيّ
من (و ع ب) نسبة إلى وَعَّاب جمع الوعب بمعنى الواسع من كل شيء.
كَوْعَان
من (ك و ع) من عقر فمشي على كوعه لأنه لا يقدر على القيام.
مِوْعاد
صورة كتابية صوتية من معاد بمعنى الشيء المكرر.
طَوْعَاء
من (ط و ع) اللينة المنقادة السهلة.
الوِعاطُ، بالكسر والعَيْنِ المهملَةِ: الوَرْدُ الأحمرُ أو الأصْفَرُ.
وَعاهُ يَعِيهِ: حَفِظَه، وجَمَعَهُ،كأَوْعاهُ فيهما،وـ العَظْمُ: بَرَأَ على عَثْمٍ.والوَعْيُ: القَيْحُ، والمِدَّةُ، والجَلَبَةُ،كالوَعَى، أَو يَخُصُّ الكِلابَ.ومالي عنه وَعْيٌ: بُدٌّ.ولا وَعْيَ عن ذلك الأمْرِ: لا تَماسُكَ دونَه.والوِعاءُ، ويُضَمُّ،والإِعاءُ: الظَّرْفُج: أوعِيَةٌ.وأوعاهُ وأوْعَى عليه: قَتَّرَ عليه،ومنه: "لا تُوعي فيُوعِيَ اللهُ عليكِ"،وـ جَدْعَهُ: أوْعبهُ،كاسْتَوْعاهُ.والواعِيَةُ: الصُّراخُ، والصَّوْتُ لا الصارِخَةُ، ووَهِمَ الجوهرِيُّ،وواعِي اليَتيمِ: واليهِ.وهو مَوْعِيُّ الرُّسْغِ: مُوَثَّقُه.وفرسٌ وَعًى، كَفَتًى: شَديدٌ.

والسر فِيهِ أَن الافتقار نَوْعَانِ

دستور العلماء للأحمد نكري

والسر فِيهِ أَن الافتقار نَوْعَانِ: الأول: افتقار الْمَاهِيّة فِي الصُّدُور إِلَى جاعلها - وَالثَّانِي: افتقارها إِلَى المقومات والافتقار الأول يسْتَوْجب التباين الْحَقِيقِيّ بِالذَّاتِ والوجود بَين المفتقر والمفتقر إِلَيْهِ والافتقار الثَّانِي لَا يَقْتَضِي التباين الْمَذْكُور بل يَكْفِيهِ التغاير فِي نَحْو من اللحاظ كلحاظ الْإِبْهَام والتحصل والتعين وَأَيْضًا الأول يَقْتَضِي الْإِمْكَان الذاتي دون الثَّانِي حَتَّى لَو فرض انسلاخ الْمَاهِيّة المركبة عَن الْإِمْكَان الذاتي والافتقار الأول لَا يَنْسَلِخ عَنْهَا الافتقار الثَّانِي فيجامع الافتقار الثَّانِي مَعَ عدم الْإِمْكَان الذاتي فَلَا يُنَافِيهِ. فللماهية المركبة الممكنة افتقاران افتقار فِي الصُّدُور والمجعولية إِلَى الْجَاعِل من جِهَة الْإِمْكَان الذاتي. وافتقار إِلَى المقومات من جِهَة التَّرْكِيب والتأليف. وللماهية البسيطة الممكنة افتقار وَاحِد هُوَ افتقارها فِي المجعولية إِلَى الْجَاعِل من جِهَة إمكانها الذاتي. فالتركيب لَا يسْتَلْزم فِي نفس الْأَمر. وَأما إِمْكَانه وافتقاره من حَيْثُ التَّأْلِيف والتقوم على فرض التقرر والوجود فَلَا يَقْتَضِي الْإِمْكَان الذاتي فَلَا يُنَافِي الِامْتِنَاع الذاتي. فَيجوز أَن يكون شَيْئا مُمْتَنعا بِالذَّاتِ وممكنا بِحَسب التَّأْلِيف على فرض الْوُجُود. وَيكون مَفْهُوم مَجْمُوع شَرِيكي الْبَارِي من هَذَا الْقَبِيل.وَلَك أَن تَقول فِي تَقْرِير الْجَواب أَنه إِن أُرِيد أَن الْمركب مُمكن مفتقر فِي صدوره ووجوده إِلَى الْجَاعِل. فَقَوْلهم كل مركب مُمكن مَمْنُوع لجَوَاز أَن يكون بعض الْمركب مُمْتَنعا بِالذَّاتِ. وَإِن أُرِيد أَن الْمركب مُمكن مفتقر إِلَى مقوماته الَّتِي تدخل فِي قوام ماهيته فَمُسلم. لَكِن هَذَا الْإِمْكَان والافتقار لَا يُوجب الْإِمْكَان الذاتي الْمنَافِي للامتناع الذاتي. فَيجوز أَن يكون مَجْمُوع شَرِيكي الْبَارِي مُمكنا بِاعْتِبَار التَّرْكِيب والافتقار إِلَى المقومات مُمْتَنعا بِالذَّاتِ.وَاعْلَم أَنه لما ثَبت أَن الافتقار على نَوْعَيْنِ يكون المفتقر إِلَيْهِ وَهُوَ الْعلَّة الَّتِي تفْتَقر إِلَيْهَا الْمَاهِيّة الممكنة أَيْضا على نَوْعَيْنِ: أَحدهمَا: جاعلها الَّذِي يصدر عَنهُ نَفسهَا أَو اتصافها بالوجود على الِاخْتِلَاف فِي الْجعل. فافتقارها إِلَيْهِ افتقار صُدُور وَخُرُوج من الليس إِلَى الأيس من حَيْثُ إفادته فعليتها وقوامها بِحَسب إمكانها. وَهَذَا هُوَ عِلّة الْوُجُود. وَثَانِيهمَا: مقوماتها الَّتِي تدخل فِي قوامها ويتألف جوهرها مِنْهَا وافتقار الْمَاهِيّة إِلَيْهَا لَيْسَ افتقار صُدُور لِاسْتِحَالَة كَون ذَات الْمَاهِيّة مجعولة لجزئها بل افتقارها افتقار التَّأْلِيف والتركيب فِي تقوم ذَاتهَا. وَهَذَا هُوَ عِلّة الْمَاهِيّة بِالْمَعْنَى الاصطلاحي. وافتقار الشَّيْء إِلَى هَذِه الْعلَّة لَا يُوجب إِمْكَانه الذاتي وَقد يُقَال إِن عِلّة الْمَاهِيّة نَوْعَانِ الْجَاعِل والمقوم. فَلَا يُرَاد بهَا الْمَعْنى الاصطلاحي بل يُرَاد بهَا الْمَعْنى اللّغَوِيّ أَي مَا تفْتَقر إِلَيْهِ الْمَاهِيّة مُطلقًا أَي من غير تقيد بالصدور أَو القوام هَذَا وَلَعَلَّ عِنْد غَيْرِي أحسن من هَذَا.
الموضوعات اللغوية: الألفاظ الدالة على المعاني.
جَوْعانًاالجذر: ج و ع

مثال: كَانَ جَوْعانًاالرأي: مرفوضةالسبب: لتنوين الكلمة، مع أنها ممنوعة من الصرف.

الصواب والرتبة: -كان جَوْعانَ [فصيحة]-كان جَوْعانًا [صحيحة] التعليق: ذكر النحاة أنَّه من الصفات التي تستحقّ المنع من الصرف تلك المنتهية بألف ونون إذا كان مؤنثها على «فَعْلَى». ولكن حُكِي عن بني أسد تأنيث «فَعْلان» بالتاء وصرفها في النكرة، وهو ما أقرَّه مجمع اللغة المصريّ؛ وبذا يكون التعبير المرفوض صحيحًا.
جَوْعانةالجذر: ج و ع

مثال: امرأة جوعانةالرأي: مرفوضةالسبب: لزيادة تاء التأنيث على «فَعْلان» الصفة في المؤنث، خلافًا للقياس.

الصواب والرتبة: -امرأة جَوْعَى [فصيحة]-امرأة جَوْعانة [صحيحة] التعليق: الأكثر في الوصف على «فَعْلان» أن يكون مؤنثه على «فَعْلى». وحُكي عن بعض العرب تأنيث «فَعْلان» على «فَعْلانة»؛ ففي اللسان: «ولغة بني أسد امرأة غضبانة وملآنة وأشباههما». وقد اعتمد مجمع اللغة المصري على هذه اللغة فأجاز إلحاق تاء التأنيث بـ «فَعْلان» في المؤنث.
جَوْعَانِينالجذر: ج و ع

مثال: قتّر عليهم حتى أصبحوا جوعانينالرأي: مرفوضةالسبب: لمخالفة السماع والقياس بجمع «فَعْلان» جمعًا سالِمًا.

الصواب والرتبة: -قَتَّر عليهم حتى أصبحوا جوعانين [صحيحة] التعليق: ذكر النحاة أنَّ وصف «فَعْلان» الذي مؤنثه «فَعْلى» لا يجمع جمع مذكر سالمًا، ويمكن تصحيح الاستعمال المرفوض استنادًا إلى إجازة مجمع اللغة المصري له، حيث أقر جمع «فَعْلان» ومؤنثه «فَعْلانة» جمعي تصحيح، وقد اعتمد في قراره على لغة بني أسد في تأنيث «فَعْلان» بالتاء.
سَبْع موضوعاتالجذر: س ب ع

مثال: كَتَب سبْع موضوعات جديدةالرأي: مرفوضة عند الأكثرينالسبب: لخروجها على قاعدة الأعداد في التذكير والتأنيث.

الصواب والرتبة: -كتب سبعة موضوعات جديدة [فصيحة]-كتب سبْع موضوعات جديدة [صحيحة] التعليق: الفصيح في المثال تأنيث العدد «سبعة»؛ لأن المعدود «موضوعات» وإن كان مجموعًا جمع مؤنث فإن مفرده مذكر، ويمكن تصحيح المثال المرفوض استنادًا إلى ما أجازه بعض النحاة من صحة مراعاة الجمع بغض النظر عن جنس المفرد بالنسبة للمعدود المجموع جمع مؤنث سالمًا.
نَوْعًا ماالجذر: ن و ع

مثال: هذا المكان بعيد نوعًا ما عن العاصمةالرأي: مرفوضة عند الأكثرينالسبب: لعدم ورود «نوعًا ما» بهذا المعنى عن العرب. المعنى: قليلاً

الصواب والرتبة: -هذا المكان بعيدٌ إلى حد ما عن العاصمة [فصيحة]-هذا المكان بعيد قليلاً عن العاصمة [فصيحة]-هذا المكان بعيدٌ نوعًا ما عن العاصمة [مقبولة] التعليق: يشيع استعمال «نوعًا» و «نوعًا ما» بمعنى «قليلاً»، وهذا غير وارد عن العرب، ويمكن قبول هذا التعبير لوروده في الأساسي والمنجد، حيث أجاز كل منهما مجيء «نوعًا ما» بمعنى: إلى حد ما، وقد جاء له نظائر في المأثورات العربية كقولهم: «أحب حبيبك هونًا ما».

اسْتِعْمَال «تفعَّل» مطاوعًا لـ «فَعَّل»

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

اسْتِعْمَال «تفعَّل» مطاوعًا لـ «فَعَّل»

مثال: تَعَدَّلت الأحوالالرأي: مرفوضةالسبب: لأنها لم ترد في المعاجم القديمة.

الصواب والرتبة: -تَعَدَّلَت الأحوال [فصيحة] التعليق: (انظر: قياسية «تفعَّل» مطاوعًا لـ «فَعَّل»).

قِياسِيَّة «تفعَّل» مطاوعًا لـ «فَعَّل»

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

قِياسِيَّة «تفعَّل» مطاوعًا لـ «فَعَّل» الأمثلة: 1 - تَجَمَّد السائل 2 - تَجَنَّسَ بالجنسية الأردنية 3 - تَحَسَّسَ شعره بيديه 4 - تَعَدَّلت الأحوالالرأي: مرفوضة السبب: لأنها لم ترد في المعاجم القديمة.

الصواب والرتبة:1 - تَجَمَّد السائل [فصيحة]2 - تَجَنَّسَ بالجنسيَّة الأردنية [فصيحة]3 - تَحَسَّسَ شعره بيديه [فصيحة]4 - تَعَدَّلَت الأحوال [فصيحة] التعليق: الأفعال المرفوضة جارية على أقيسة العربية، فهي مطاوعة لـ «فَعَّل» المأخوذ من «فَعَل» بقصد المبالغة، وهو ما أقرَّ مجمع اللغة المصري قياسيّته. وقد ورد في المعاجم كثير من هذه الأفعال مثل: «تقوَّل، تفضَّل، تكحَّل»، كما ورد بعض هذه الأفعال في المعاجم الحديثة.
تحفة الوعاظ
لأبي الفرج: عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، البغدادي، الحنبلي.
المتوفى: سنة 597، سبع وتسعين وخمسمائة.
سماه: (تحفة الواعظ، ونزهة الملاحظ).
مشتمل على: خمسة وعشرين فصلا.
أوله: (الحمد لله على تعليمه حمدا يوجب المزيد... الخ).
المرْفُوعات: مَا اشْتَمَل على علم الفاعلية.
{{هَلُوعًا}}وسأل نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: {{هَلُوعًا}}فقال ابن عباس: ضَجِراً جزوعاً. وشاهده قول بشر بن أبي خازم:لا مانعاً لليتيم نِحلتَهُ. . . ولا مكُبَّا لخلقِه هَلعا(تق، ك، ط)= الكلمة من آية المعارج 19:{{إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا}}وحيدة في القرآن. صيغة ومادة. في معاني القرآن للفراء: الهلوع الضجور، وصفته كما قال تعالى: {{إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا}} يقال منه هَلعَ يهلَع هَلعا، مثل: جزع يجوع جزعا، وحكى القرطبي عن ثعلب. وخصها المعجميون بأفحش الجزع أو الجزع الشديد. وقيدها بعضهم بالجزع والفزع من الشر، وعدم الصبر على المصائب. والهالع: النعام السريع في مضيه لخفته وسرعة فزعه. والهلواع: الناقة السريعة السير. (س، ص، ق) ونقول مع الفراء، وثعلب: وصفته كما قال تعالى: {{إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا}} صدق الله العظيم.

صيرورة الْأَمر ومصيره وعاقبته

المخصص

صَاحب الْعين: صَار الْأَمر إِلَى كَذَا صيْراً ومَصِيراً وصَيرورة وصيَّرْته إِلَيْهِ، ومصير الْأَمر: مَا يصير إِلَيْهِ، وصِيرُه وصَيُّوره: آخِره.
وَقَالَ: أفرح الْأَمر وفرَّح: ظَهرت عاقبته.
غير وَاحِد: غِبُّ الْأَمر ومَغَبَته: عاقبته وَآخره، وَقد غَبَّ الْأَمر: صَار إِلَى آخِره، وجِئتُه غِبَّ الْأَمر: أَي بعده.

بَاب مَا جَاءَ مجموعا وَإِنَّمَا هُوَ اثْنَان أَو وَاحِد فِي الأَصْل

المخصص

قَالَ الْأَصْمَعِي يُقَال: ألْقاهُ فِي لَهَواتِ اللَّيْثِ وَإِنَّمَا لَهُ لَهاةٌ واحِدَةٌ، وَكَذَلِكَ وَقع فِي لَهَوات اللَّيثِ، وَقَالَ العجاج: عُوداً دُوَيْنَ اللَّهَوات مُولَجاً وَقَالَ: هُوَ رجلٌ عَظِيم المناكب وَإِنَّمَا لَهُ مَنكِبانِ، وَيُقَال: هُوَ رجلٌ عَظِيم الثّنادي، والثّنْدُوَةُ: وَاحِد وَهِي مَغْرِزُ الثّدي، وَيُقَال: رجلٌ ذُو أَلَيَاتٍ وَرجل غليظ الحواجب وشديد المرافِق، وَيُقَال هُوَ يمشي على كَراسيعِه وَهُوَ رجل ضخم المناخِر وعظيم البآدِلِ، والبأدَلَةُ: أصل لحم الْفَخْذ مَهْمُوزَة، قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْبَصْرِيّ: إِنَّمَا البأدلة لحْمَة فَوق الثّدي وَدون التّرقوة، فَأَما لحم أصُول الفخذين فَالَّذِي من باطنهما لَّرَبَلاتُ وَالَّذِي من مؤَخَّرهما الكاذَتانِ وَلم يقل الَّذِي قَالَ أَبُو يُوسُف أحدٌ غَيره، وَإنَّهُ لغليظُ الوَجَناتِ وَإِنَّمَا لَهُ وَجْنتان، وَيُقَال: امرأةٌ ذاتُ أوراكٍ وإنَّها لليِّنَةُ الأَجياد، قَالَ الْأسود: فَلَقَد أََرُوحُ إِلَى التّجارِ مُرَجَّلاً مَذِلاً بِمَالي لَيِّناً أجيادي وَإِنَّمَا لَهُ جيدٌ فعنَى جِيدَه وَمَا حوله يَقُول لم أكْبَرْ أَنا شابٌّ، وَيُقَال هُوَ مُذِلٌّ بمالِه أَي مُسْتَرْخٍ بِمَالِه ليِّنٌ بِهِ، وَامْرَأَة حَسَنةُ المآكم وَقَوله: رُكِّبَ فِي ضَخْمِ الذَّفارَى قَنْدَلِ وصف جملا وَإِنَّمَا لَهُ ذِفْرَيانِ والقَنْدَلُ الْعَظِيم الرّأس وَقَالَ: تَمُدُّ للمَشْيِ أوصالاً وأصلابا يَعْنِي نَاقَة وَإِنَّمَا لَهَا صُلْبٌ واحدٌ وَقَالَ العجاج: على كَراسيعي ومِرْفَقَيَّهْ وَإِنَّمَا لَهُ كُرْسوعان وَقَالَ أَيْضا:

من باكِر الأَشْراط أشْراطِيُّ وَإِنَّمَا هما شَرْطان وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب: فالعينُ بَعْدَهُم كأنَّ حَداقَها سُمِلَتْ بِشَوْكٍ فَهْيَ عُورٌ تَدْمَعُ فَقَالَ الْعين ثمَّ قَالَ حِداقها، وَقَالَ فَهِيَ عُورٌ.
قَالَ أَبُو عَليّ: هُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى: (وَإنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عليهِم مُصْبِحينَ وباللَّيل) ، وَيُقَال للْأَرْض العرَمَة سميت وَمَا حولهَا العَرَمات، والقُطَبِيَّة: بِئْر وَيُقَال لَهَا وَمَا حولهَا القُطَبِيَّات، وَلذَلِك يُقَال لكاظِمَةَ وَمَا حولهَا الكواظم وَإِنَّمَا هِيَ بِئْر، وعِجْلِز: اسْم كثيب وَيُقَال لَهُ وَمَا حوله: العَجالِزُ قَالَ زُهَيْر: عفى من آلِ ليلى بَطْنُ ساقٍ فأَكْثِبةُ العَجالِز فالقَصيمِ والعِجْلِزَةُ: النّاقة وَالْفرس الشّديدتا اللَّحْم، قَالَ مُحرِزُ بنُ مُكَعْبَرٍ الضّبِّيُّ: ظَلَّتْ ضِباعُ مُجيراتٍ يَلُذْنَ بهم فألحَموهُنَّ مِنْهُم أيَّ إلْحام أَرَادَ موضعا يُقَال لَهُ مجيرَة فَجَمعه بِمَا حوله، وَكَذَلِكَ أَذْرِعات إِنَّمَا هِيَ أذرعة، قَوْله فألحموهنَّ أَي أطعموهن اللَّحْم، يُقَال فلَان يُلْحِمُ عِياله: أَي يُطعمهُمْ اللَّحْم، وَقَالَ أَبُو كَبِير: ذهبَتْ بَشاشتُهُ وأصبحَ واضِحاً حَرِقَ المَفارِقِ كالبُراء الأَعفَرِ أَرَادَ بالمفارق: المَفرِقَ وَمَا حوله، والبُراءُ: جمع بُرايَةٍ وَهِي مَا نُحِتَ من القَوس، وَقَالَ العجاج: وبالحُجورِ وَثَنى الوَلِيُّ الحُجورُ مَوْضِع يُقَال لَهُ: حُجْرُ بُجَيْرٍ، والوليُّ: الْمَطَر، أَي ثنى مرَّةً بعد مرَّة.
الْبَاهِلِيّ: الأَفاكِلُ: جبَلٌ وَإِنَّمَا هُوَ أفْكَلٌ فجُمِع بِمَا حوله، وَكَذَلِكَ المناصِعُ إِنَّمَا هُوَ مَنْصَعةٌ: وَهُوَ ماءٌ لِبَلْحارِث بن سهْمِ بنِ باهِلَة، والأفاكلُ لبني حِصْنٍ ووادِ اسْمه المِيرادُ فَيُقَال لَهُ ولمائه الَّذِي يصُبُّ فِيهِ المَواريد بِأَرْض باهلة، وحَماطُ: جبل فَيُقَال لَهُ وَمَا حوله أُحَيْمِطَةُ وأُحَيمِطاتٌ قَالَ الشّاعر: تَذَكُّرُ مَرْتَعٍ بأُحَيْمِطاتٍ وشِرْبٍ لم يكن وَشَلاً مَعينا وزَلَفَةٌ: مَاء لبني عُصَيْم بن باهلة فَيُقَال لَهَا ولأحساءٍ تَقْرُب مِنْهَا الزّلَفُ.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقَالُوا للبعير ذُو عَثانِينَ وعَلى هَذَا وُجِّهَ قَوْلهم باناتُ الشّمس وعُشَيّانات وَسَيَأْتِي ذكره فِي نَوَادِر التّحقير.
الاسمان يكون أَحدهمَا مَعَ صَاحبه فيسمى باسم صَاحبه وَيتْرك اسْمه
أَبُو زيد: الظّعائن: الهَوادِج وَإِنَّمَا سميت النّساء ظَعائنَ لأنهنَّ يكنَّ فِي الهوادج، والرَّاوية: الْبَعِير الَّذِي يستسقى عَلَيْهِ المَاء وَالرجل المستقي يُقَال لَهُ رَوَيْتُ على أَهلِي رّيَّةً، والوعاء الَّذِي فِيهِ المَاء إِنَّمَا هُوَ المَزادة فسميت راوية لمَكَان الْبَعِير الَّذِي يحملهَا، والحَفَضُ: مَتَاع الْبَيْت إِذا هُيِّءَ ليُحْمَلَ عَلَيْهِ فَسُمي الْبَعِير الَّذِي يحملهُ حَفَضاً بِهِ وَأنْشد:

وَنحن إِذا عِمادُ الحَيِّ خَرَّت على الأَحْفاضِ نَمْنَعُ مَا يَلينا فَهِيَ هَهُنَا الإِبل وَإِنَّمَا هُوَ مَا عَلَيْهَا من الْأَحْمَال وَقد حَفَضْتُ الشّيءَ وحفَّضْتُه: ألقيتُه وَمِنْه قَول رؤبة: إِمَّا تَرَى دَهْري حَناني حَفْضا أَي ألقاني، والعَذِرَةُ: فِناء الدّار وَأنْشد: لَعَمْري لقد جَرَّبْتُكُمْ فوَجَدْتُكُم قِباحَ الوُجوه سَيِّئي العَذِراتِ وَإِنَّمَا سميت العَذِرَة لِأَنَّهَا كَانَت تُلقى فِي الأفنية، والغائطُ: الأَرْض المطمئنة وَإِنَّمَا قيل للخَلاء غائطٌ لأَنهم كَانُوا يأْتونَ إِلَى الْغَائِط فَسُمي بذلك.
(أَبْوَاب النّسب)
النّسَبُ على ضَرْبَيْنِ مِنْهُ مَا يَجِيء على غير قِيَاس وَمِنْه مَا يُعدَلُ وَهُوَ الْقيَاس الْجَارِي فِي كَلَامهم.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: قَالَ الْخَلِيل كلّ شَيْء من ذَلِك عدَلَتْه الْعَرَب ترَكَتْه على مَا عدَلَتْه عَلَيْهِ وَمَا جَاءَ تَاما لم تُحدث الْعَرَب فِيهِ شَيْئا فَهُوَ على الْقيَاس فَأَما المعدول الَّذِي يَجِيء على الْقيَاس فَلَيْسَ من غَرَض هَذَا الْكتاب، وَأما المعدول الَّذِي يَجِيء على غير قِيَاس فَإنَّا نذْكر مِنْهُ شَيْئا هَهُنَا ليَكُون الْكتاب مكتفياً بِنَفسِهِ.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: من المعدول الَّذِي هُوَ على غير قِيَاس قَوْلهم فِي هُذَيْلٍ هُذَلِيُّ وَفِي فُقَيْمِ كِنانةَ فُقَمِيُّ وَفِي مليح خُزاعةَ مُلَحِيُّ وَفِي ثقيفٍ ثَقَفيٌّ وَفِي زَبينَةَ زَبانِيُّ وَفِي طيءٍ طائيُّ وَفِي الْعَالِيَة عُلْوِيٌّ والباد بِهِ بَدَوِيٌّ وَفِي البصرَة بَصْرِيٌُّ وَفِي السّهل سُهْلِيٌّ وَفِي الدّهر دُهْرِيُّ وَفِي حيّ من بني عَديٍّ يُقَال لَهُم بَنو عَبيدَةَ عُبَدِيُّ فضمّوا الْعين وفتحوا الْبَاء، قَالَ وحدَّثنا من نثق بِهِ أَن بَعضهم يَقُول فِي بني جَذيمَةَ جُذَمِيّ فيضم الْجِيم ويُجريه مُجرى عُبَدِيّ، وَقَالُوا فِي بني الحُبْلَى من الْأَنْصَار حُبَليّ وَقَالُوا فِي صنعاءَ صنعانيّ وَقَالُوا فِي شتاءٍ شَتَوِيّ وَفِي بهراء قَبيلَة من قُضاعة بَهْرانِيّ وَفِي دَسْتَواءَ دَسْتَوانيّ مثل بَحرانيّ، وَزعم الْخَلِيل رَحمَه الله أَنهم كَانُوا بنوا الْبَحْر على فَعْلان وَإِنَّمَا كَانَ الْقيَاس أَن يَقُولُوا بَحْرِيّ، وَقَالُوا فِي الْأُفق أَفَقِيّ، وَمن الْعَرَب من يَقُول أُفُقِيّ فَهُوَ على الْقيَاس، وَقَالُوا فِي حَروراءَ وَهُوَ مَوْضِع حَرورِيّ وَفِي جَلولاء جَلولِيّ كَمَا قَالُوا فِي خُراسانَ خُرْسِيّ وخُراسانيّ أَكثر وخُراسِيّ لُغَة.
وَقَالَ بَعضهم: إبِلٌ حَمَضِيَّةٌ إِذا أكلت الحمْضَ وحمْضِيَّة أجوَد وأقيس وَأكْثر فِي كَلَامهم، وَقد يُقَال بعيرٌ حامِضٌ وعاضِهٌ إِذا أكل العِضاهَ وَهُوَ ضرْبٌ من الشّجر، وَقَالَ بَعضهم خَرْفِيّ أضَاف إِلَى الخريف وَحذف الْيَاء، والخَرفيّ فِي كَلَامهم أَكثر من الخريفيّ إِمَّا إِضَافَة إِلَى الخَرْفِ وَإِمَّا بنى الخريفَ على فَعْلٍ، وَقَالُوا إبلٌ طُلاحِيَّةٌ: إِذا أكلت الطّلْحَ، وَقَالُوا فِي عِضاهٍ عِضاهِيّ فِي قَول من جعل الْوَاحِدَة عِضاهَةً مثل قتادةٍ وقَتاد، والعِضاهة بِكَسْر الْعين على الْقيَاس فَأَما من جعل جَمِيع العِضَةِ عِضَواتٍ وَجعل الَّذِي ذهب الْوَاو فَإِنَّهُ يَقُول عِضَوِيّ، وَأما من جعله بِمَنْزِلَة الْمِيَاه وَجعل الْوَاحِدَة عِضاهَةً قَالَ عَضاهِيّ، قَالَ وَسَمعنَا من الْعَرَب أمَوِيّ فَهَذِهِ الفتحة كالضّمّة فِي السّهْل إِذا قَالُوا سُهْلِيُّ وَقَالُوا رَوْحانيُّ فِي الرّوْحاء، وَمِنْهُم من يَقُول رَوْحاويّ كَمَا قَالَ بَعضهم بَهْراوِيّ، حَدثنَا بذلك يُونُس، وروحاويّ أَكثر من بَهراويّ وَقَالُوا فِي القُفِّ قِفِيُّ.
قَالَ الْفَارِسِي: هَكَذَا وَقع فِي بعض النّسخ وَالَّذِي قرأته على أبي بكر بن السّرِيّ فِي هَذَا الْبَاب من كتاب سِيبَوَيْهٍ فِي القِفافِ قُفِّيُّ، فقِفْافٌ على هَذَا اسْم للْوَاحِد فإمَّا أَن يكون أضَاف إِلَى رجل يُسمى كَذَلِك وَلَا يجوز أَن يكون عنَى بالقِفاف جمعَ قُفٍّ لِأَن هَذَا إِنَّمَا يُضَاف إِلَيْهِ قُفِّيّ إِذْ هُوَ جمع وَالْجمع إِذا أُضيف إِلَيْهِ وَقعت الإِضافة إِلَى وَاحِدَة، فَإِن كَانَ قُفِّيّ مُضَافا إِلَى القِفاف وَهُوَ جمع فَلَيْسَ من

المعدول الَّذِي يَجِيء على غير قِيَاس، وَقد أدخلهُ هُوَ فِي هَذَا الْقسم أَعنِي المعدولَ الَّذِي يَجِيء على غير قِيَاس فثبتَ أَن القِفافَ وَاحِد فَكَانَ حكمه إِذا نسب إِلَيْهِ أَن يُقَال قِفافِيّ كَقَوْلِنَا فِي الإِضافة إِلَى مثالٍ وكتابٍ مِثاليّ وكتابيّ وَلكنه شذَّ فَهُوَ على هَذَا من الْقسم الَّذِي أومأَ إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقَالُوا فِي الإِضافة إِلَى طُهَيَّة طُهْوِيُّ وَقَالَ بَعضهم طُهَوِيّ على الْقيَاس كَمَا قَالَ الشّاعر: بكُلِّ قُرَيْشيٍّ إِذا مَا لَقيتهُ سَريعٍ إِلَى دَاعِي النّدى والتّكَرُّم وَمِمَّا جَاءَ محدوداً عَن بنائِهِ محذوفةً مِنْهُ إِحْدَى الياءين ياءَي الإِضافة: قولُك فِي الشّأْم شآمٍ وَفِي تِهامة تَهامٍ وَمن كسر التّاء قَالَ تِهامِيّ وَفِي اليَمَن يَمانٍ وَزعم الْخَلِيل رَحمَه الله أَنهم أَلْحَقوا هَذِه الأَلِفات عِوَضاً من ذهَاب إِحْدَى الياءين وكأنَّ الَّذِي حَذَفوا الْيَاء من ثَقيف وأشباهه جعلُوا الياءين عوضا مِنْهَا.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: فقلتُ أرأيتَ تِهامَ أَلَيْسَ فِيهَا الأَلِفُ، فَقَالَ إِنَّهُم كَسَّروا الِاسْم على أَنهم جَعَلُوهُ فعَلِيَّاً أَو فَعْلِيَّاً فَلَمَّا كَانَ من شَأْنهمْ أَن يحذفوا إِحْدَى الياءين ردوا الْألف كَأَنَّهُمْ بنوه تَهَمِيٌّ أَو تَهْمِيٌّ فكأنَّ الَّذين قَالُوا تِهام هَذَا الْبناء كَانَ عِنْدهم فِي الأَصْل وفَتْحَهم التّاءَ فِي تِهامة حَيْثُ قَالُوا تَهام يدلك على أَنهم لم يَدَعوا الِاسْم على بنائِهِ وَمِنْهُم من يَقُول تَهامِيّ ويَمانِيّ وشآمِيّ فَهَذَا كبَحْرانِيّ وأشباهه مِمَّا غُيِّر بِنَاؤُه فِي الإِضافة وَإِن شئتَ قلتَ يَمَنِيّ وَزعم أَبُو الخطّاب أَنه سمع من يَقُول فِي الإِضافة إِلَى الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ جَمِيعًا رُحانِيّ أُضيف إِلَى الرّوح وللجميع رأيتُ رُوحانِيِّين وَزعم أَبُو الْخطاب أَن الْعَرَب تَقوله لكل شَيْء فِيهِ الرّوح من النّاس والدّواب وَالْجِنّ وَزعم أَبُو الخطّاب أَنه سمع من الْعَرَب من يَقُول شَأمِي وَجَمِيع هَذَا إِذا صَار اسْما فِي غير هَذَا الْموضع فأضيف إِلَيْهِ جرى على الْقيَاس كَمَا يجْرِي تحقير لَيْلَة وإنسان وَنَحْوهمَا إِذا حوّلتهما فَجَعَلتهمَا اسْما علما وَإِذا سميت رجلا زَبِيْنَة لم تقل زَبانِيٌّ أَو دَهْراً لم تقل دُهْرِيٌّ وَلَكِن تَقول فِي الإِضافة إِلَيْهِ زَبَنِيٌّ ودَهْرِيٌّ.
وَأَنا أشرح هَذَا العَقْدَ كُلَّه أما مَا ذكر من النّسبة إِلَى هُذَيْل هُذَلِيّ فَهَذَا الْبَاب لكثرته كالخارج عَن الشّذوذ وَذَلِكَ خَاصَّة فِي الْعَرَب الَّذين بتهامة وَمَا يَقْرُب مِنْهَا لأَنهم قد قَالُوا قُرَشيّ وهُذَلِيّ وَفِي فُقَيْم كنَانَة فُقَمِيّ وَفِي مُلَيْح خُزاعة مُلَحِيّ، وَفِي خُثَيْمٍ وقُرَيْمٍ وجُرَيْب وهم من هُذَيْل قُرَمِيّ وخُثَمِيّ وجُرَبِيّ وَهَؤُلَاء كلهم متجاورون بتهامة وَمَا يدانيها، وَالْعلَّة فِي حذف الْيَاء أَنه يجْتَمع ثَلَاث ياءات وكسرة إِذا قَالُوا قرَيْشِيّ فعدَلوا إِلَى الْحَذف لذَلِك، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي ثقفيّ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي فُقَيْمِ كِنانةَ لِأَن فِي بني تَمِيم فُقيم بن جَرير بن دارِم والنّسبة إِلَيْهِ فُقَيْميّ، وَقَالَ فِي مٌلَيْح خُزاعةَ لِأَن فِي الْعَرَب مُلَيْح بنَ الهُونِ بن خُزَيمة وَفِي السّكون مُلَيْحَ بن عَمْرو بن ربيعَة وَيَنْبَغِي أَن تكون النّسبة إِلَيْهِمَا مٌلُيْحِيّ وَهَذَا الشّذوذ يَجِيء على ضرب مِنْهَا الْعُدُول عَن خَفِيف إِلَى مَا هُوَ أخف مِنْهُ وَمِنْهَا الْفرق بَين نسبتين إِلَى لفظ وَاحِد وَمِنْهَا التّشبيه بِشَيْء فِي مَعْنَاهُ، فَأَما قَوْلهم زَبانيُّ فِي زَبينَةَ فَكَانَ الْقيَاس فِيهِ زَبَنيّ بِحَذْف الْيَاء غير أَنهم كَرهُوا حذفهَا لتوفية الْكَلِمَة حروفها وكرهوا الاستثقال أَيْضا فأبدلوا من الْيَاء ألفا، وَأما النّسبة إِلَى طَيِّءٍ فَكَانَ الْقيَاس فِيهِ طيئيّ كَمَا ينْسب إِلَى ميتٍ مَيْتيّ وَإِلَى هيْنٍ هَيْنيّ فكرهوا اجْتِمَاع ثَلَاث ياءات بَينهَا همزَة، والهمزة من مخرج الْألف وَهِي تناسب الْيَاء وَهِي مَعَ ذَلِك مَكْسُورَة فقلبوا الْيَاء ألفا، وَيجوز أَن يكون نسبوا إِلَى مَا اشتق مِنْهُ، ذكر بعض النّحويين أَن طَيِئاً مُشْتَقّ من الطّاءة والطّاءة بُعْدُ الذَّهاب فِي الأَرْض وَفِي المرعى، ويروى أَن الْحجَّاج قَالَ لصَاحب خيله أَبْغِني فرسا بعيدَ الطّاءةِ، وَفِي بعض الأَخبار: فَكيف بكم إِذا انطاءَتِ الأَسْعار، أَي إِذا عَلَتْ وبَعُدَتْ عَن المُشترين، وَأما قَوْلهم فِي الْعَالِيَة عُلْوِيٌّ فَإِنَّمَا نسبوا إِلَى العُلْوِ لِأَنَّهُ فِي معنى الْعَالِيَة، والعالية بِقرب الْمَدِينَة مَوَاضِع مُرْتَفعَة على غَيرهَا، والعُلْوُ: الْمَكَان العالي، وَيجوز أَن يَكُونُوا أَرَادوا الْفرق بَين النّسبة إِلَيْهَا والنّسبة إِلَى امْرَأَة تسمى بِالْعَالِيَةِ، وَإِذا نسب إِلَى الْعَالِيَة على الْقيَاس قيل عاليُّ أَو عالَوِيّ، وَأما قَوْلهم فِي الْبَادِيَة بَدَوِيّ

فنسبوا إِلَى بَدا وَهُوَ مصدر وَالْفِعْل مِنْهُ بدا يَبْدو إِذا أَتَى الْبَادِيَة وفيهَا مَا يُقَال لَهُ بَدا قَالَ الشّاعر: وأنتِ التّي حَبَّبْتِ شَغْباً إِلَى بَداً إليَّ وأوطاني بلادٌ سواهُمَا والنّسبة إِلَيْهَا على الْقيَاس بادِيّ أَو بادَوِيّ، وَقَالُوا فِي البَصرة بِصْرِيّ وَالْقِيَاس بَصْرِيّ وَإِنَّمَا كسروا الْبَاء فَمن النّاس من يَقُول نسبوه إِلَى بِصْرٍ وَهِي حِجَارَة بيض تكون فِي الْموضع الَّذِي سمي بِالْبَصْرَةِ فَإِنَّمَا نسبوه إِلَى مَا فِيهَا قَالَ الشّاعر: إِن تَكُ جُلْمودَ بِصْرٍ لَا أُؤبِّسُه أوقِدْ عَلَيْهِ فأحْمِيهِ فيَنْصَدِعُ وَبَعض النّحويين قَالَ كسروا الْبَاء إتباعاً لكسرة الرّاء لِأَن الحاجز بَينهمَا سَاكن وَهُوَ غير حُصَيْن كَمَا قَالُوا مِنْتِنٌ ومِنْخِرٌ وَالْأَصْل مَنخِرٌ فكسروا الْمِيم لكسرة الْخَاء، وَقَوْلهمْ فِي السّهْل سُهْلِيّ وَفِي الدّهْرِ دُهْرِيّ قَالَ فِيهِ بعض النّحويين غُيِّرَ للْفرق وَذَلِكَ أَن الدّهريّ هُوَ الَّذِي يَقُول بالدّهر من أهل الإِلحاد، والدّهْرِيُّ: هُوَ الرَّجُل المُسِنُّ الَّذِي أَتَت عَلَيْهِ الدّهور، والسّهلِيّ هُوَ الرَّجُل الْمَنْسُوب إِلَى السّهل الَّذِي هُوَ خلاف الْجَبَل، والسّهلِيّ هُوَ الرَّجُل الْمَنْسُوب إِلَى سَهْلٍ اسْم رجل وحَيٌّ من بني عديّ يُقَال لَهُم بَنو عَبيدَة يُنسب إِلَيْهِم عُبَدِيّ كَأَنَّهُمْ أَرَادوا الْفرق بَينهم وَبَين عَبيدَةَ من قوم أُخَر، وَكَذَلِكَ بَنو الحُبلَى من الْأَنْصَار وَمن وَلَده عبد الله بن أُبَيّ بن سَلول رَأس الْمُنَافِقين يُقَال فِي النّسبة إِلَيْهِ حُبَلِيّ للْفرق بَينه وَبَين آخر، وَإِنَّمَا قيل لَهُ الحُبْلَى لعظم بَطْنه وَلَيْسَ اسْمه بالحُبلَى، وَقَالُوا فِي جَذِيمَةَ جُذَمِيّ لِأَن فِي الْعَرَب جمَاعَة اسمهم جَذيمَةُ، فَفِي قُرَيْش جَذيمة بن مَالك بن حِسْلٍ بن عَامر بن لؤَيّ، وَفِي خُزاعة جَذيمة وَهُوَ المصطَلِق، وَفِي الأَزدِ جَذيمةُ بن زَهران بن الحُجْر بن عمرَان، وَأما قَوْلهم فِي صنعاء صَنعانيّ وَفِي بهراء بَهرانيّ وَفِي دَسْتَواء دَسْتَوانيّ فَإِن الْألف والنّون تجْرِي مجْرى ألفي التّأنيث، وَقَالُوا فِي شتاء شَتْوِيّ كَأَنَّهُمْ نسبوه إِلَى شَتْوَةٍ.
قَالَ أَبُو سعيد: قَالَ بعض أَصْحَابنَا أَنه لَيْسَ بشاذّ لِأَن شتاءً جمع شَتْوةٍ كَقَوْلِنَا صحْفَةٍ وصِحافٍ، وَإِذا نسب إِلَى جمع فحقه أَن ينْسب إِلَى وَاحِدَة فنسب إِلَى شتوة لذَلِك وَهُوَ قِيَاس مطرد، وَأما النّسبة إِلَى الْبَحْر بحرانيّ فَالْقِيَاس أَن تحذف عَلامَة التّأنيث فِي النّسبة كَمَا تحذف هَاء التّأنيث غير أَنهم كَرهُوا اللَّبسَ ففرّقوا بَين النّسبة إِلَى الْبَحْر والبحرَيْن لما سمَّوا بِهِ على مِثَال سعْدانَ وسكْرانَ ونسبوا إِلَيْهِ على ذَلِك، وَقَوْلهمْ فِي النّسبة إِلَى الْأُفق أَفَقِيُّ فلأنّ فُعْلاً وفَعَلاً يَجْتَمِعَانِ كثيرا، وَأما قَوْلهم فِي ثَقيفٍ ثَقَفيٌّ وَفِي سُلَيْمٍ سُلَميٌّ فتغييره لما يلْزم آخِره الكسرة وَهُوَ الْفَاء من ثَقِيف وَالْمِيم من سُليم فَإِذا فعلنَا ذَلِك اجْتمع يَاء النّسبة والكسرة التّي قبلهَا اللَّازِمَة وياء فَعِيْل وفُعَيْل وكل ذَلِك جنس وَاحِد فحذفوا الْيَاء التّي فِي فَعيل وفُعَيْل استثقالاً وَإِن كَانَ الْقيَاس عِنْد سِيبَوَيْهٍ إِثْبَاتهَا فَيُقَال قُرَيْشِيّ وسُلَيْمِيّ فَإِذا كَانَ فِي آخِره هَاء التّأنيث وَجب حذفهَا ثمَّ لزم الكسرة للحرف الَّذِي قبل يَاء النّسبة فَصَارَ مَا فِيهِ يلْزمه تَغْيِير الْحَرَكَة وَحذف حرف فَكَانَ ذَلِك دَاعيا إِلَى لُزُوم حذف الْيَاء لِأَن الْكَلِمَة كلما ازْدَادَ التّغيير لَهَا كَانَ الْحَذف لَهَا الزّم فِيمَا يستثقل مِنْهَا وَإِن ساواها فِي الاستثقال غَيرهَا مِمَّا لَا يلْزم فِيهِ تَغْيِير كتغييرها وَجعل سِيبَوَيْهٍ فَعُولة فِي التّغيير بِمَنْزِلَة فَعيلة فأسقط الْوَاو كَمَا أسقط الْيَاء وَفتح عَيْنَ الْفِعْل المضمومة وَذهب فِي ذَلِك إِلَى أَن الْعَرَب قالتّ فِي النّسبة إِلَى شَنُوءة شَنَئِيٌّ وَتَقْدِيره شَنوعة وشَنَعِيّ وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد يَرُدُّ الْقيَاس على هَذَا وَيَقُول شَنَئيٌّ من شَاذ النّسبة الَّذِي لَا يُقَاس عَلَيْهِ وَاحْتج فِي ذَلِك بأَشْيَاء يفرق بهَا بَين الْوَاو وَالْيَاء فَمن ذَلِك أَنه لَا خلاف بَينهم أَنَّك تَنْسُب إِلَى عَديّ عَدَوِيّ وَإِلَى عَدُوّ عَدُوِّيّ ففصلوا بَين الْيَاء وَالْوَاو وَلم يُغيرُوا فِي الْوَاو وَمن ذَلِك أَنهم يَقُولُونَ فِي النّسبة إِلَى سَمُرةٍ وسَمُرٍ سَمُرِيّ وَإِلَى نَمِر نَمَرِيّ فغيروا فِي نمر من أجل الكسرة وَلم يُغيرُوا فِي سًمُر لأَنهم إِنَّمَا استثقلوا اجْتِمَاع الياآت والكسرات فَلَمَّا خَالَفت الضّمة الكسرة فِي نَمِر وسَمُر وَالْيَاء الْوَاو فِي عَدِيّ وعَدُوّ وَجب

أَن يُخالِف الياءُ فِي فَعيلة الْوَاو فِي فَعولة وَقد شَذَّ من هَذَا الْبَاب مَا جَاءَ على الأَصْل ذكر سِيبَوَيْهٍ أَنهم قَالُوا فِي سَلِيمَة سَلِيمِيّ وَفِي عَميرَةِ كَلْب عَميريّ وَفِي خُرَيْبَة خُرَيْبِيّ وَقَالُوا سَليقِيّ للرجل يكون من أهل السّليقة وَهُوَ الَّذِي يتَكَلَّم بِأَصْل طَبْعه ولغته وَيقْرَأ الْقُرْآن كَذَلِك وأظُنُّه من الإِعراب الَّذين لَا يقرؤن على سُنّة مَا يَقْرَؤُهُ القُرّاء وعَلى طَبْع القُرّاء وَيقْرَأ على طبع لغته وَقد جَاءَ أَيْضا رِماحٌ رُدَيْنِيَّة وَإِذا كَانَ أَيْضا فَعيلة أَو فَعيل أَو فُعَيْل عينُ الْفِعْل فِيهِ ولامه من جنس وَاحِد وَكَانَ عين الْفِعْل واواً لم يحذفوا كَقَوْلِك فِي النّسب إِلَى شَديدة أَو جَليلة شَديدِيّ وجَليلِيّ وَإِلَى بَني طَويلَة طَويليّ لِأَنَّك لَو حذفت الْيَاء وَجب أَن تَقول شَدَدِيٌّ فيجتمع حرفان من جنس وَذَلِكَ يستثقل وَلَو قلتَ طَوَلِيّ لَصَارَتْ الْوَاو على لفظ مَا يُوجب قلبَها ألفا لِأَن فعل إِذا كَانَ عين الْفِعْل مِنْهُ واواً وَجب قَلبهَا ألفا فَكَانَ يلْزم أَن يُقَال طالِيٌّ وَقد قالتّ الْعَرَب فِي بني حُوَيْزَة حُوَيْزِيّ وهم من تَيْم الرّباب قَبيلَة مَشْهُورَة.
وَلَيْسَت من قوانين النّسَب مِمَّا نَعْتَرِضُه فِي كتَابنَا هَذَا غير أنّي أذكُرُ مِنْهُ مَا شذّ كنحو مَا قدَّمتُ وآخُذُ بعد ذَلِك فِيمَا شابه اللُّغَة مِنْهُ على حسب الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ فأذكر النّسبَ إِلَى الاسمين اللَّذين يجعلان اسْما وَاحِدًا والنّسبَ إِلَى الْمُضَاف وَإِلَى الْحِكَايَة وَإِلَى الْجَمَاعَة.
فمما شَذَّ مِمَّا لم يذكرهُ سِيبَوَيْهٍ قَوْلهم فِي النّسب إِلَى الرّيْ رازِيّ وَإِلَى مَرْو مَرْوَزِيّ وَإِلَى درا بِجِرْد دَرا وَرْديّ وَإِلَى الْعَظِيم الفَخِذ فُخاذِيّ وَإِلَى عَظِيم الرّأس رُؤاسِيٌّ وَإِلَى الجُمَّة جُمَّانِيّ وَإِلَى الرّقَبة رَقَبانيّ وَإِلَى الْأنف أُنافيّ وَإِلَى اللِّحْيَة لِحْيانيّ وَإِلَى العَضُد عُضادِيّ وعَضادِيّ وَإِلَى الْأَيْدِي أَيادِيّ وَقد حكى بعض اللغويين أَن الإِضافة إِلَى عِظَم كل عُضْو على هَذَا مُطَّرد أَعنِي فُعاليَّاً وَقَالُوا فِي النّسب إِلَى البَلْغَم بَلْغَمانِيّ وحى أَبُو عُبَيْد: إِلَى لَحْيٍ لَحَوِيّ وَإِلَى الغَزْو غزَوِيّ، قَالَ وَقَالَ اليَزيدِيُّ سالنّي وَالْكسَائِيّ المَهْديّ عَن النّسبة إِلَى البَحْرَيْن وَإِلَى حِصْنَين لم قَالُوا حِصْنِيّ وبَحْرانِيّ، فَقَالَ الْكسَائي: كَرهُوا أَن يَقُولُوا حِصْناني لِاجْتِمَاع النّونين وَقلت أَنا كَرهُوا أَن يَقُولُوا بَحْرِيّ لئلاّ يُشبه النّسبةَ إِلَى البَحْر، قَالَ ونَسَبوا القصيدة التّي قوافيها على الْيَاء ياوِيَّة وعَلى التّاء تاوِيَّة وَإِلَى مَاء قلت ماوِيَّ وينسب إِلَى ذِرْوَة ذَرَوِيّ وَإِلَى بني لِحْيَة لَحَوِيّ وأدخلَ هُوَ فِي هَذَا الْبَاب النّسبَ إِلَى أَعْمى وأعْشى أَعْمَوِيّ وأَعْشَوِيّ وَقَالَ فِي كِسْرى كِسْرِيّ وكِسْرَوِيّ وَفِي مُعَلَّى مُعَلَّوِيّ.
قَالَ أَبُو عَليّ: رجل مَنْظَرانِيّ ومَخْبَرانِيّ، وكَوْكَبٌ دِرِّيٌّ بِالْكَسْرِ ودَرِّيٌّ بِالْفَتْح يجوز أَن يكون مَنْسُوبا إِلَى الدّرِّ، فَيكون من شَاذ النّسب.
صَاحب الْعين: الإِنسان قِبْطِيّ، والثّوب قُبْطِيّ.
ة طَويليّ لِأَنَّك لَو حذفت الْيَاء وَجب أَن تَقول شَدَدِيٌّ فيجتمع حرفان من جنس وَذَلِكَ يستثقل وَلَو قلتَ طَوَلِيّ لَصَارَتْ الْوَاو على لفظ مَا يُوجب قلبَها ألفا لِأَن فعل إِذا كَانَ عين الْفِعْل مِنْهُ واواً وَجب قَلبهَا ألفا فَكَانَ يلْزم أَن يُقَال طالِيٌّ وَقد قالتّ الْعَرَب فِي بني حُوَيْزَة حُوَيْزِيّ وهم من تَيْم الرّباب قَبيلَة مَشْهُورَة.
وَلَيْسَت من قوانين النّسَب مِمَّا نَعْتَرِضُه فِي كتَابنَا هَذَا غير أنّي أذكُرُ مِنْهُ مَا شذّ كنحو مَا قدَّمتُ وآخُذُ بعد ذَلِك فِيمَا شابه اللُّغَة مِنْهُ على حسب الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ فأذكر النّسبَ إِلَى الاسمين اللَّذين يجعلان اسْما وَاحِدًا والنّسبَ إِلَى الْمُضَاف وَإِلَى الْحِكَايَة وَإِلَى الْجَمَاعَة.
فمما شَذَّ مِمَّا لم يذكرهُ سِيبَوَيْهٍ قَوْلهم فِي النّسب إِلَى الرّيْ رازِيّ وَإِلَى مَرْو مَرْوَزِيّ وَإِلَى درا بِجِرْد دَرا وَرْديّ وَإِلَى الْعَظِيم الفَخِذ فُخاذِيّ وَإِلَى عَظِيم الرّأس رُؤاسِيٌّ وَإِلَى الجُمَّة جُمَّانِيّ وَإِلَى الرّقَبة رَقَبانيّ وَإِلَى الْأنف أُنافيّ وَإِلَى اللِّحْيَة لِحْيانيّ وَإِلَى العَضُد عُضادِيّ وعَضادِيّ وَإِلَى الْأَيْدِي أَيادِيّ وَقد حكى بعض اللغويين أَن الإِضافة إِلَى عِظَم كل عُضْو على هَذَا مُطَّرد أَعنِي فُعاليَّاً وَقَالُوا فِي النّسب إِلَى البَلْغَم بَلْغَمانِيّ وحى أَبُو عُبَيْد: إِلَى لَحْيٍ لَحَوِيّ وَإِلَى الغَزْو غزَوِيّ، قَالَ وَقَالَ اليَزيدِيُّ سالنّي وَالْكسَائِيّ المَهْديّ عَن النّسبة إِلَى البَحْرَيْن وَإِلَى حِصْنَين لم قَالُوا حِصْنِيّ وبَحْرانِيّ، فَقَالَ الْكسَائي: كَرهُوا أَن يَقُولُوا حِصْناني لِاجْتِمَاع النّونين وَقلت أَنا كَرهُوا أَن يَقُولُوا بَحْرِيّ لئلاّ يُشبه النّسبةَ إِلَى البَحْر، قَالَ ونَسَبوا القصيدة التّي قوافيها على الْيَاء ياوِيَّة وعَلى التّاء تاوِيَّة وَإِلَى مَاء قلت ماوِيَّ وينسب إِلَى ذِرْوَة ذَرَوِيّ وَإِلَى بني لِحْيَة لَحَوِيّ وأدخلَ هُوَ فِي هَذَا الْبَاب النّسبَ إِلَى أَعْمى وأعْشى أَعْمَوِيّ وأَعْشَوِيّ وَقَالَ فِي كِسْرى كِسْرِيّ وكِسْرَوِيّ وَفِي مُعَلَّى مُعَلَّوِيّ.
قَالَ أَبُو عَليّ: رجل مَنْظَرانِيّ ومَخْبَرانِيّ، وكَوْكَبٌ دِرِّيٌّ بِالْكَسْرِ ودَرِّيٌّ بِالْفَتْح يجوز أَن يكون مَنْسُوبا إِلَى الدّرِّ، فَيكون من شَاذ النّسب.
صَاحب الْعين: الإِنسان قِبْطِيّ، والثّوب قُبْطِيّ.

‏<br> وعاتكة بنت عبد المطلب. كانت عند أبي أمية بْن الْمُغِيرَةِ المخزومي، فولدت له عَبْد اللَّهِ وزهيرًا وقريبة.

الاستيعاب في معرفة الأصحاب

الصهيونية - إشكاليات وموضوعات أساسية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

التعريف بالصيهونية
الصهيونية: إشكالية التعريف
‏Zionism: The Problem of Definition
كلمة «صهيونية» يصعب تعريفها بشكل مباشر للأسباب التالية:
1 ـ التعريفات الشائعة في المعاجم الغربية تشير إلى "الأمل الصهيوني" وليس إلى الظاهرة الصهيونية، فتُعرَّف الصهيونية، على سبيل المثال بأنها "الحركة الرامية إلى عودة اليهود إلى وطن أجدادهم إرتس يسرائيل حسبما جاء في الوعد الإلهي والآمال المشيحانية لليهود! " وغني عن القول أن الأمل الصهيوني أو المتتالية المفترضة أو المتوقعة تختلف كثيراً عن الواقع الصهيوني أو المتتالية المتحققة.
2 ـ تختلط التعريفات بالاعتذاريات والمنظورات المختلفة بحيث لا تمكن التفرقة بين الواحد والآخر، فالصهيونية قد تكون من منظور البعض هي تحقيق الآمال المشيحانية، ولكنها من منظور البعض الآخر مخطط استعماري استيطاني.
3 ـ يشير المصطلح إلى نزعات وحركات ومنظمات سياسية غير متجانسة، بل متناقضة أحياناً، في أهدافها ومصالحها ورؤيتها للتاريخ، أو في أصولها الإثنية أو الدينية أو الطبقية.
4 ـ قد يُستخدَم المصطلح مع صفة تحدُّ من حقله الدلالي أو تُوسِّعه كأن نقول «الصهيونية العمالية» و «الصهيونية المسيحية» . بل هناك أيضاً «صهاينة صهيون» وهم معارضو مشروع شرق أفريقيا باعتبار أن دعاة هذا المشروع هم صهاينة بدون صهيون (كما أشار بعض دعاة الصهيونية الإثنية العلمانية إلى صهيونية هرتزل باعتبارها «صهيون بلا صهيونية «) .

وإذا كانت الصهيونية تعني "تهجير بعض أعضاء الجماعات اليهودية إلى فلسطين وتوطينهم فيها"، فبأي معنى إذن يمكننا الحديث عن «صهيونية الدياسبورا» أو «الشتات» (الجماعات اليهودية في العالم) ،أي صهيونية اليهودي الذي يرفض أن يشترك في عملية الاستيطان الصهيوني وإن كان في الوقت نفسه يرى أن هذا الاستيطان هو الحل الوحيد لمشاكل اليهود؟ ولعل هذا هو الذي حدا بالمفكر الصهيوني العمالي بوروخوف إلى أن ينحت مصطلحاً في غاية الأهمية اختفى من الأدبيات والتواريخ الصهيونية وهو «صهيونية الصالونات» ، ويعني صهيونية الطبقة الوسطى التي تهتم بالجوانب الحضارية والثقافية والإثنية (أي ما يُسمَّى «الوعي اليهودي» ) ولا تهتم كثيراً بالاستيطان. كما نحت آخر (بعد تأسيس الدولة الصهيونية) مصطلح «صهيونية دفتر الشيكات» وهي صهيونية اليهودي الذي يُحدث أصواتاً صهيونية عالية ولكنه يكتفي بدفع مبلغ من المال للمنظمة الصهيونية. ولذا، فإن الصفة هنا في الواقع لا تُعدِّل دلالة المصطلح وحسب، وإنما تغير معناه تغييراً جوهرياً.
5 ـ وهنا يجب أن نثير قضية تتصل بالمجال الدلالي. فإن قَبلنا بأن الصهيوني "هو من يدعو إلى تهجير اليهود إلى فلسطين وتوطينهم فيها"، فهل يمكن أن نُطلق المصطلح على دعوة المعادين لليهود بطرد اليهود من أوطانهم وتوطينهم في فلسطين؟ بل هل يمكن أن نُطلق المصطلح على المشاريع النازية المختلفة للتخلص من اليهود؟ وهل يمكن الحديث عن النازيين كصهاينة؟ وعلى كل حال، فإن هذا ما فعله أدولف أيخمان أثناء محاكمته. فقد أشار إلى نفسه باعتباره صهيونياً يحاول أن يضع شيئاً من الأرض الراسخة تحت أقدام اليهود (باعتبار أن اليهود شعبٌ بلا أرض، أما الأرض الراسخة فهي فلسطين، أرض بلا شعب) .
الصهيونية: تاريخ المفهوم والمصطلح
‏Zionism: The History of the Concept and the Term

لم يُسك مصطلح «الصهيونية» إلا في القرن التاسع عشر، ولكنه مع هذا يُستخدَم للإشارة إلى بعض النزعات في التاريخ الغربي، بل داخل النسق الديني اليهودي قبل هذا التاريخ. وسنحاول فيما يلي أن نرصد بعض استخدامات المصطلح ونوردها ـ على قدر المستطاع ـ في تسلسلها التاريخي، مع العلم بأن كل دلالة جديدة لا تنسخ بالضرورة ما سبقها، وإنما تُضاف إلىها فتزيد المجال الدلالي اتساعاً وتناقضاً وتجعل المصطلح تركيباً جيولوجياً تراكمياً:

1 ـ الصهيونية بالمعنى الديني: تشير كلمة «صهيون» في التراث الديني اليهودي إلى جبل صهيون والقدس، بل إلى الأرض المقدَّسة ككل، ويُشير اليهود إلى أنفسهم باعتبارهم «بنت صهيون» . كما تُستخدَم الكلمة للإشارة إلى اليهود كجماعة دينية. والواقع أن العودة إلى صهيون فكرة محورية في النسق الديني اليهودي، إذ أن أتباع هذه العقيدة يؤمنون بأن الماشيح المخلِّص سيأتي في آخر الأيام ليقود شعبه إلى صهيون (الأرض ـ العاصمة) ويحكم العالم فيسود العدل والرخاء. ولكلمة «صهيون» إيحاءات شعرية دينية في الوجدان الديني اليهودي، فقد جاء في المزمور رقم 137/1 على لسان جماعة يسرائيل بعد تهجيرهم إلى بابل: "جلسنا على ضفاف أنهار بابل وذرفنا الدمع حينما تذكرنا صهيون". وقد وردت إشارات شتى في الكتاب المقدَّس إلى هذا الارتباط بصهيون الذي يُطلَق عليه عادةً «حب صهيون» ، وهو حب يعبِّر عن نفسه من خلال الصلاة والتجارب والطقوس الدينية المختلفة، وفي أحيان نادرة على شكل الذهاب إلى فلسطين للعيش فيها بغرض التعبد. ولذا، كان المهاجرون اليهود الذين يستقرون هناك لا يعملون ويعيشون على الصدقات التي يرسلها أعضاء الجماعات اليهودية في العالم. وقد كان العيش في فلسطين يُعَد عملاً من أعمال التقوى لا عملاً من أعمال الدنيا، وجزاؤه يكون في الآخرة أو في آخر الأيام، ولذا فإنه لا تربطه رابطة كبيرة بالاستيطان الصهيوني، وخصوصاً أن اليهودية الحاخامية (الأرثوذكسية) تُحرِّم محاولة العودة الجماعية الفعلية إلى فلسطين وتعتبرها تجديفاً وهرطقة ومن قبيل «دحيكات هاكتس» أي «التعجيل بالنهاية» . فاليهودية تؤمن بأن العودة إلى أرض الميعاد ستتم في الوقت الذي يحدده الرب وبطريقته، وأنها ليست فعلاً بشرياً يتم على يد البشر. وهذه النزعة الصهيونية الدينية (التي تؤكد عنصر تجاوز المادة) لا علاقة لها بالاستيطان الصهيوني الفعلي والمادي في فلسطين ولا حتى بما يُسمَّى «الصهيونية

الدينية» في الوقت الحالي.
2 ـ يُطلَق اصطلاح «الصهيونية» أيضاً على نظرة محددة لليهود ظهرت في أوربا (وخصوصاً في الأوساط البروتستانتية في إنجلترا ابتداءً من أواخر القرن السادس عشر) وترى أن اليهود ليسوا جزءاً عضوياً من التشكيل الحضاري الغربي، لهم ما لبقية المواطنين وعليهم ما عليهم، وإنما تنظر إليهم باعتبارهم شعباً عضوياً مختاراً وطنه المقدَّس في فلسطين ولذا يجب أن يُهجَّر إليه. وقد استمر هذا التيار المنادي بتوطين اليهود في فلسطين حتى بعد أن خمد الحماس الديني الذي صاحب حركة الإصلاح الديني. ويُطلَق على هذه النزعة اسم «الصهيونية المسيحية» ، وهي تمارس في الولايات المتحدة الآن بعثاً جديداً وخصوصاً في بعض الأوساط البروتستانتية (الأصولية) المتطرفة.
3 ـ مع تَزايُد معدلات العلمنة في المجتمعات الغربية، ظهرت نزعات ومفاهيم صهيونية في أوساط الفلاسفة (ولا سيما الرومانسيين) والمفكرين السياسيين والأدباء، تنادي بإعادة توطين اليهود في فلسطين باعتبار أنهم شعب عضوي منبوذ تربطه علاقة عضوية بها استناداً لأسباب تاريخية وسياسية بل"علمية". ويُطلَق على هذا الضرب من الصهيونية «صهيونية غير اليهود» أو «صهيونية الأغيار» .
4 ـ يُلاحَظ حتى الآن أن مصطلح «صهيونية» نفسه لم يكن قد تم سكه بعد، ومع هذا كان مفهوم الصهيونية مفهوماً مُتداوَلاً على نطاق واسع بين الفلاسفة والمفكرين والشعراء والمهووسين الدينيين. ولكن مع تبلور الهجمة الإمبريالية الغربية على الشرق، وبخاصة الشرق الإسلامي، ومع تبلور الفكر المعادي لليهود في الغرب (بسبب ظهور الدولة العلمانية المركزية التي همَّشت اليهود كجماعة وظيفية) ، ومع تصاعد معدلات العلمنة بدأ مفهوم الصهيونية نفسه في التبلور والتخلص من كثير من أبعاده الغيبية الدينية أو الرومانسية وانتقل إلى عالم السياسة والمنفعة المادية ومصالح الدول.

5 ـ ليس من الغريب إذن أن نجد أن نابليون بونابرت أول غاز غربي للشرق الإسلامي في العصر الحديث وواحد من أهم المعادين لليهود في العالم الغربي (كما يدل على ذلك سجله في فرنسا) وواحد من أهم دعاة العلمانية الشاملة هو أيضاً صاحب أول مشروع صهيوني حقيقي، إذ دعا الصهاينة إلى الاستيطان في "بلاد أجدادهم"!
6 ـ أصبح مفهوم الصهيونية مفهوماً أساسياً في الخطاب السياسي الغربي عام 1841 مع نجاح أوربا في بلورة مشروعها الاستعماري ضد العالم العربي والإسلامي الذي حقق أول نجاح حقيقي له في القضاء على مشروع محمد علي في تحديث مصر والدولة العثمانية، ومع تفاقم المسألة اليهودية التقت المسألة الشرقية بالمسألة اليهودية وساد التصوُّر القائل بإمكان حل المسألتين من خلال دمجهما.
7 ـ تمت بلورة المفاهيم الصهيونية وملامح المشروع الصهيوني بشكل كامل في الفترة بين منتصف القرن التاسع عشر وعام 1880 على يد المفكرين الصهاينة غير اليهود لورد شافتسبري ولورانس أوليفانت. وقد لخص شافتسبري التعريف الغربي لمفهوم الصهيونية في عبارة أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض (في كلمات تقترب كثيراً من الشعار الصهيوني)) . وقد حاول أوليفانت أن يضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ.
8 ـ يُلاحَظ أننا نضع تاريخ تطوُّر مفهوم الصهيونية في سياق التاريخ الفكري والسياسي والعسكري الغربي، ولا نعود إلى العهد القديم أو ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» (إلا في محاولة دراسة الديباجات) . فحتى العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر لم يكن يربط اليهود أو اليهودية علاقة كبيرة بالصهيونية كفكرة أو مفهوم أو مشروع سياسي واقتصادي عسكري. وقد كان هذا هو الرأي السائد في الأوساط الصهيونية حتى عهد قريب. فأول تاريخ رسمي للصهيونية، كُتب بتكليف من المنظمة الصهيونية وكتبه ناحوم سوكولوف (الذي تولى رئاسة المنظمة الصهيونية بعض الوقت) مكوَّن من جزأين كرِّس معظمها لتاريخ الصهيونية بين غير اليهود.

9 ـ بدأت النزعات الصهيونية تظهر بين اليهود أنفسهم في أواخر القرن التاسع عشر مع تفاقم المسألة اليهودية، وعبَّرت عن نفسها في بادئ الأمر عن طريق المساعدات التي كان أثرياء اليهود في الغرب يدفعونها للجمعيات التوطينية المختلفة التي كانت تهدف إلى توطين يهود شرق أوربا في أي بلد (ويشمل ذلك فلسطين) حتى لا يهاجروا إلى غربها فيعرِّضوا مكانتهم الاجتماعية وأوضاعهم الطبقية للخطر.
10 ـ عبَّرت النزعة الصهيونية في شرق أوربا عن نفسها من خلال جماعات أحباء صهيون التي حاولت التسلل إلى فلسطين للاستيطان فيها. وتُوصَف هذه النزعات أيضاً بأنها «صهيونية» رغم اختلاف الدوافع بين الفريقين الأول والثاني.

11 ـ وقد نحت المصطلح نفسه المفكر اليهودي النمساوي نيثان بيرنباوم في أبريل 1890 في مجلة الانعتاق الذاتي وشرح معناه في خطاب بتاريخ 6 نوفمبر 1891 قال فيه إن الصهيونية هي إقامة منظمة تضم الحزب القومي السياسي بالإضافة إلى الحزب ذي التوجه العملي (أحباء صهيون) الموجود حالياً. وفي مجال آخر (في المؤتمر الصهيوني الأول 1897 صرَّح بيرنباوم بأن الصهيونية ترى أن القومية والعرْق والشعب شيء واحد، وهكذا أعاد بيرنباوم تعريف دلالة مصطلح «الشعب اليهودي» الذي كان يشير فيما مضى إلى جماعة دينية إثنية، فأصبح يشير إلى جماعة عرْقية (بالمعنى السائد في ذلك الوقت) ، وتم استبعاد الجانب الديني منه تماماً. وأصبحت الصهيونية الدعوة القومية اليهودية التي جعلت السمات العرْقية اليهودية (ثم السمات الإثنية في مرحلة لاحقة) قيمة نهائية مطلقة بدلاً من الدين اليهودي، وخلَّصت اليهودية من المعتقدات المشيحانية والعناصر العجائبية الأخروية، وهي الحركة التي تحاول أن تصل إلى أهدافها من خلال العمل السياسي المنظم لا من خلال الصدقات. ورغم أن بيرنباوم كان يهدف إلى الدعوة إلى ضرب جديد من التنظيم السياسي مقابل جهود أحباء صهيون التسللية، فإن المصطلح استُخدم للإشارة إلى الفريقين معاً.
وبعد المؤتمر الصهيوني الأول 1897 في بازل، تحدَّد المصطلح وأصبح يشير إلى الدعوة التي تبشر بها المنظمة الصهيونية وإلى الجهود التي تبذلها، وأصبح الصهيوني هو من يؤمن ببرنامج بازل (في مقابل المرحلة السابقة على ذلك، أي مرحلة أحباء صهيون بجهودها التسللية المتفرقة)

12 ـ بعد ذلك، بدأت دلالات الكلمة تتفرع وتتشعب، فهناك «صهيونية سياسية» (يُشار إليها أحياناً بعبارة «الصهيونية الدبلوماسية» ) ، وأخرى «عملية» ، وتبعتها «الصهيونية التوفيقية» . وكل صهيونية لها توجُّهها وأسلوبها الخاص وإن كانت جميعاً لا تختلف في الهدف النهائي. وتذهب الصهيونية التوفيقية إلى أن كل الاتجاهات الصهيونية غير متناقضة بل يكمل الواحد منها الآخر، ومن ثم يَسهُل التوفيق بينها.
13 ـ تَبلور المفهوم الغربي للصهيونية تماماً في وعد بلفور الذي مُنح "للشعب اليهودي" (أُسقطت عبارة "العرْق اليهودي") والذي أشار للعرب باعتبارهم الجماعات غير اليهودية، أي أن اليهود أصبحوا شعباً بلا أرض وفلسطين أصبحت أرضاً بلا شعب.
14 ـ ثم ظهرت بعد ذلك «الصهيونية الثقافية» و «الدينية» التي أضافت إلى الصهيونية البعد الإثني (الديني والعلماني) .
15 ـ ثم ظهرت «الصهيونية الديموقراطية» و «الصهيونية العمالية» و «الصهيونية التصحيحية» و «الصهيونية الراديكالية «.
16 ـ وبعد عام 1948، ظهرت «صهيونية الدياسبورا «.
ونحن نذهب إلى أنه يوجد في الواقع صهيونيتان لا صهيونية واحدة (صهيونية توطينية وصهيونية استيطانية) . ومع هذا، فإنهما يُشار إليهما بدالٍّ واحد: «صهيونية» . وذلك برغم أنهما ظاهرتان مختلفتان تماماً، لهما جذور مختلفة وقيادات وأهداف مختلفة.

17 ـ ويُشبِّه يوري أفنيري الصهيونية بالبيوريتانية (بالإنجليزية: بيوريتانيزم Puritanism) في أمريكا، فهي أيديولوجيا الأصول التي أدَّت إلى ظهور المجتمع الأمريكي، ولكنها ماتت ولم تَعُد لها فعالية في هذا المجتمع. ويرى الكاتب الإسرائيلي بوعز إفرون أن على الإسرائيلي في علاقته بالصهيونية أن يكون مثل الأمريكي في علاقته بالبيوريتانية. وبذا، تصبح الدوافع الأيديولوجية أو الاقتصادية التي دفعت الرواد الأوائل (الصهاينة أو البيوريتان) إلى الاستيطان (في فلسطين أو الولايات المتحدة) موضوعاً ذا أهمية تاريخية أو أكاديمية محضة، وليس موضوعاً أساسياً.
ويتحدث الكاتب الإسرائيلي أبراهام يهوشاوا عن الصهيونية بوصفها حركة إنقاذ عملية ظهرت حلاًّ للمأزق اليهودي منذ قرن (أي المسألة اليهودية في شرق أوربا) ، وهو يعتقد أن العملية قد وصلت إلى نهايتها، أي أن الصهيونية كانت ولم تَعُد.

18 ـ وهناك مصطلح «الصهيونية الجغرافية» الذي ورد في رسالة بعث بها يوسف ضياء الدين الخالدي رئيس بلدية القدس إلى حاخام فرنسا الأكبر صادوق كاهن (الصديق المقرب لكلٍّ من هرتزل ونوردو) يُذكِّره بأن فلسطين جزء لا يتجزأ من الإمبراطورية العثمانية ويسكنها غير اليهود، ويتنبأ بقيام حركة شعبية ضد الصهيونية فيما لو استمرت الحال على ما هي عليه، ولذا فقد نصح الصهاينة بالتخلي عن «الصهيونية الجغرافية» ، أي الربط بين صهيون وفلسطين وبضرورة البحث عن أرض أو بلاد أخرى. ولعل هذا المصطلح هو المحاولة العربية الوحيدة لسك مصطلح مستقل لوصف الظاهرة. وهو مصطلح دقيق إلى حدًّ كبير، فهو يفصل بين الصهيونية وبين أية ديباجات دينية أو علمانية، ويبين أن المستهدف هو الأرض الفلسطينية. كما أن التركيز على عنصر الجغرافيا يبين أن عنصر التاريخ الحي قد استُبعد، ولذا فقد أشار الخالدي في خطابه إلى أن فلسطين هي بلاد اليهود "تاريخياً"، بمعنى أن جزءاً من تاريخهم مرتبط بها، ولكنه تاريخ متحفي بائد، إذ أن فلسطين أصبحت الآن جزءاً من التاريخ العربي الإسلامي. والواقع أن كلمة «جغرافية» تبين شراهة المشروع الصهيوني واستعماريته وإنكاره تاريخ المنطقة ووجود أهلها.
19 ـ وفي الوقت الحاضر، فإن كلمة «صهيونية» تعني في العالم العربي "الاستعمار الاستيطاني الإحلالي في فلسطين الذي تَرسَّخ بدعم من الغرب". وتحمل الكلمة إيحاءات دينية لدى كثير من العرب المسلمين أو المسيحيين الذين يرون أن الصراع العربي/الإسرائيلي صراع ديني.
20 ـ لا تحمل الكلمة أي معنى ديني في بلاد العالم الثالث، ولا تشارك شعوب العالم الثالث في الديباجات الصهيونية المختلفة عن "حق" اليهود بسبب اضطهادهم في أوربا أو عن الرابطة الأزلية بأرض الميعاد. وتحمل الكلمة تقريباً الدلالات نفسها التي تحملها في العالم العربي.

21 ـ وحتى نُبيِّن مدى خلل المجال الدلالي، يمكن أن نشير إلى أن الصهيونية حركة عنصرية حسب أحد قرارات هيئة الأمم وأنها ليست كذلك حسب قرارات أخرى.
22 ـ يُلاحَظ أن أزمة الصهيونية عبَّرت عن نفسها من خلال عدد لا ينتهي من المصطلحات تناولناها في الباب المعنون «أزمة الصهيونية «.
وقد حاولنا في هذه الموسوعة أن نحدِّد معنى لفظ «صهيونية» ومجاله الدلالي من خلال ما سميناه «الصيغة الصهيونية الأساسية» التي تحوَّلت إلى «الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة» والتي تم تهويدها وأصبحت «الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة اليهودية» أو «المُهوَّدة» . وقد عرَّفنا الديباجات والانقسامات المختلفة التي تعطي مضموناً للكلمة.
ويمكن اشتقاق فعل من كلمة «صهيونية» فنقول «صَهْيَنَ» َ (بالإنجليزية: زايونايز zionize) . ويُستخدَم المصدر من هذا الفعل عادةً بشكل شبه مجازي فيُقال «صهينة يهود العالم» بمعنى أن تسيطر العقيدة الصهيونية على بعض جوانب وجودهم لا كلها، ويُقال «صهينة اليهودية» بمعنى أن الرؤية الصهيونية للكون تصبح هي القيمة الحاكمة داخل النسق الديني اليهودي. وصهينة اليهود واليهودية هي الشكل الخاص الذي تتخذه عملية علمنتها.
الصهيونية: تعريف
‏Zionism: Definition

تتسم التعريفات الشائعة في المعاجم الغربية للصهيونية بضعف مقدرتها التفسيرية. فإن كانت الصهيونية هي حركة القومية اليهودية وعودة اليهود لأرض الأجداد (كما تقول بعض المعاجم) ، فكيف نُفسِّر أن أغلبية هذا الشعب اليهودي الساحقة لا تزال تعيش في «المنفى» متمسكة به، تدافع عن حقوقها فيه؟ وكيف نُفسِّر امتلاء مخيمات اللاجئين بملايين الفلسطينيين؟ كيف نُفسِّر ما يقومون به من مقاومة؟ ولذا لابد من طرح تعريفات جديدة أكثر تركيبية وشمولاً وتفسيرية تتجاوز كل الاعتذاريات والديباجات (الصهيونية والعربية) لنصل إلى بعض الثوابت الكامنة. وسنحاول إنجاز هذا من خلال عملية تفكيك لما هو ظاهر واكتشاف لما هو كامن وبلورته ثم نعيد التركيب ونطرح تعريفاً جديداً، له مقدرة تفسيرية أعلى.
ونحن نذهب إلى أن ثمة صيغة صهيونية أساسية شاملة تُشكل التعريف الحقيقي للصهيونية، وثمة عقد صامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية، كامن في هذه الصيغة، وثمة مادة بشرية مُستهدَفة (أعضاء الجماعات اليهودية خارج فلسطين والعرب الذين يعيشون فيها) .
المادة البشرية المستهدفة
‏Targeted Human Material
«المادة البشرية المُستهدَفة» اصطلاح نستخدمه للإشارة إلى المادة البشرية اليهودية التي تشير إليها الصيغة الصهيونية الأساسية باعتبار أنها شعب عضوي منبوذ نافع سيتم نقله خارج أوربا لتوظيفه، أي أن المصطلح يشير إلى اليهود باعتبارهم جماعة وظيفية استيطانية. واصطلاح «المادة البشرية» ليس من ابتداعنا فقد ورد في كتابات هرتزل الزعيم الصهيوني وفي تصريحات أيخمان الموظف النازي.

ويُلاحَظ وجود مادة بشرية أخرى مُستهدَفة هي «العرب» . ولكن مع هذا لم يأت لهم ذكر في العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية، ومن ثم لا تشير إليهم التعريفات الصهيونية من قريب أو بعيد، ولكن من المعروف أن السكان الأصليين المغيبين يكون مصيرهم، في المخططات الاستعمارية الغربية، هو عادةً الإبادة أو الطرد.
الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة
‏Underlying Zionist Premises
«الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة» مصطلح قمنا بصكه للإشارة إلى الثوابت والمسلمات النهائية الكامنة في الاتجاهات الصهيونية كافة مهما اختلفت دوافعها وميولها ومقاصدها وطموحاتها وديباجاتها واعتذارياتها. ولا يمكن وصف أي قول أو اتجاه بأنه صهيوني إن لم يتضمن هذه المسلمات، فهي بمنزلة البنية العامة الكامنة وهي التي تُشكِّل الأساس الكامن للإجماع الصهيوني. ويمكن تلخيصها فيما يلي:
أ) اليهود شعب عضوي منبوذ غير نافع، يجب نقله خارج أوربا ليتحوَّل إلى شعب عضوي نافع.
ب) يُنقل هذا الشعب إلى أي بقعة خارج أوربا [استقر الرأي، في نهاية الأمر، على فلسطين بسبب أهميتها الإستراتيجية للحضارة الغربية وبسب مقدرتها التعبوية بالنسبة للمادة البشرية المستهدفة] ليُوطَّن فيها وليحل محل سكانها الأصليين، الذين لابد أن تتم إبادتهم أو طَرْدهم على الأقل [كما هو الحال مع التجارب الاستعمارية الاستيطانية الإحلالية المماثلة [.
جـ) يتم توظيف هذا الشعب لصالح العالم الغربي الذي سيقوم بدعمه وضمان بقائه واستمراره، داخل إطار الدولة الوظيفية في فلسطين.
وهذه الصيغة الشاملة لم يُفصح عنها أحد بشكل مباشر، إلا بعض المتطرفين في بعض لحظات الصدق النماذجية النادرة. ولكن عدم الإفصاح عنها لا يعني غيابها، فهي تشكل هيكل المشروع الصهيوني والبنية الفكرية التي أدرك الصهاينة الواقع من خلالها.

ويُلاحَظ أن كثيراً من الأُسس التي تستند إليها الصيغة الشاملة قد اختفى بفعل التطورات التاريخية. فيهود العالم الغربي قد تناقص عددهم واندمجوا بشكل شبه تام في مجتمعاتهم، ولم يَعُد هناك مجال للحديث عن "عدم نفعهم". كما أن عملية نَقْل اليهود ونفي العرب اكتملت معالمها إلى حدٍّ كبير، وخصوصاً أن الترانسفير بعد تأسيس الدولة أصبح عملية هجرة تتم في ظلال قانون العودة. أما بالنسبة للسكان الأصليين فقد تم نفي غالبيتهم عام 1948، ولكن بعد عام 1967 أصبح من الصعب التخلص منهم. وما تبقَّى من الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة هو دولة وظيفية يدعمها الغرب ويضمن بقاءها وتقوم هي على خدمته وعلى تجنيد يهود العالم وراءها لخدمتها وخدمة العالم الغربي، وهذا ما يُشكِّل أساس الإجماع الصهيوني.
وعلى كلٍّ ما يتم الإفصاح عنه هو الصياغة المهوِّدة للصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، فهي أكثر صقلاً، وتبدو أكثر إنسانية، ولذا فإنها تحقق القبول الذي لا يمكن أن تحققه الصيغة غير المهودة بسبب إمبرياليتها وماديتها الشاملة.
الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة: تاريخ
‏Underlying Zionist Premises: History
لم تظهر الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة كاملةً بين يوم وليلة، وإنما ظهرت بالتدريج، وكان يُضاف لكل مرحلة عنصر جديد إلى أن اكتملت مع صدور وعد بلفور وتحوَّلت إلى الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. والواضح أن الصيغة الصهيونية الأساسية تضرب بجذورها في الحضارة الغربية. وفيما يلي تاريخ موجز لمراحل تشكُّلها واكتمالها:

1 ـ تضرب الصيغة بجذورها في موقف الحضارة الغربية من الجماعات اليهودية وفي وضعهم داخلها، وهو موقف صهيوني ومعاد لليهود في آن واحد؛ أو صهيوني لأنه معاد لليهود. فاليهود شعب مختار عضوي متماسك (شعب شاهد ـ جماعة وظيفية) ، ووجوده في مجتمع ما ليس له أهمية في حد ذاته وإنما بمقدار ما يخدم الوظيفة الموكلة إليه. وحين يفقد الشعب وظيفته، لابد من التخلص منه عن طريق نَقْله (أو ربما إبادته) . ومن هنا، فإن نقطة الانطلاق (الشعب العضوي المنبوذ) هي الرقعة المشتركة بين معاداة اليهود والصهيونية، وهي صيغة خروجية تصفوية إذ تطالب بإخراج اليهود من أوربا وتصفيتهم، فالعنصر الأول بشقيه هو جوهر عداء اليهود وهو أيضاً المقدمة الأساسية للصهيونية.
2 ـ وأضيف لهذه الصيغة العنصر الثاني (الكامن تاريخياً وبنيوياً في العنصر الأول) وهو اكتشاف نفع اليهود، ومن ثم إمكانية توظيفهم خارج أوربا (وإصلاحهم) . وقد اكتُشف هذا الجزء أو تم تأكيده ابتداءً من القرن السابع عشر، عصر ظهور الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية. ويُلاحَظ أن ما يميِّز الصهيونية عن معاداة اليهود هو هذا الجزء. فكلاهما يرى اليهود عنصراً غير نافع يوجد داخل الحضارة الغربية ولكنه لا ينتمي إليها ولا حل للمشكلة إلا بإخراج اليهود. وبينما يلجأ أعداء اليهود إلى إخراج اليهود بشكل عشوائي عن طريق طردهم أو إبادتهم دون تخطيط أو ترشيد، فإن الصهاينة يرشِّدون العملية كلها ويرون إمكانية إخراج اليهود بشكل منهجي وتحويلهم إلى عنصر نافع. كما يُلاحَظ أن مكونات هذين العنصرين (المنبوذين ـ النافعين الذين يمكن توظيفهم) هي ذاتها السمات الأساسية للجماعة الوظيفية. ومن ثم، فإن اكتشاف نفع اليهود كان أمراً متوقعاً، إذ أن ذلك لصيق ببنية الجماعة الوظيفية وهو سر وجودها وبقائها، إذ أنها لا يمكن أن يكتب لها البقاء في مجتمع إلا إذا كانت "نافعة" و"تلعب دوراً ضرورياً".

3 ـ تظل الصيغة الصهيونية حتى نهاية القرن التاسع عشر مجرد فكرة، ولكنها تتحول إلى حركة منظمة بعد مرحلة هرتزل وبلفور ومضمونها أن يتم التوظيف من خلال دولة وظيفية على أن تشرف على العملية إحدى الدول الاستعمارية الكبرى في الغرب التي تُؤمِّن للمستوطنين موطئ قدم وتضمن بقاء واستمرار الدولة الوظيفية الاستيطانية. ومع وعد بلفور، يصبح المكان الذي ستقام فيه الدولة الوظيفية هو فلسطين وتتحول الصيغة الأساسية إلى الصيغة الشاملة.
ولنا أن نلاحظ أن المفهوم الكامن وراء الصيغة الأساسية الشاملة في الصهيونية الغربية مفهوم محوري في الحضارة الغربية، فلم يتم إدراك اليهود وحدهم من خلاله وإنما تم إدراك كل المنحرفين اجتماعياً، فمثلاً كان يتم نَقْل المساجين إلى أستراليا وتوظيفهم هناك بحيث يتحوَّلون إلى عناصر صالحة؛ أعضاء في الحضارة التي نبذتهم ونقلتهم.
والصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة محايدة تماماً، فهي صيغة علمانية نفعية مادية تماماً، رغم كل ما قد يحيط بها من ديباجات مسيحية أو رومانسية، فهي ترى اليهود، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، باعتبارهم مادة نافعة لا قداسة لها. وهي تنظر لوجود اليهود في العالم الغربى نظرة سلبية لابد من وضع نهاية له. ولذا، فهي صيغة تدعو اليهود إلى إنهاء السلبية الدينية والعودة المادية العلمانية إلى فلسطين دون انتظار أي أمر إلهي (الأمر الذي يتنافى مع العقيدة المسيحية الكاثوليكية واليهودية الأرثوذكسية)
والصيغة تُعلمن اليهود (فهم مادة نافعة تُنقَل) ، كما تُعلمن المكان الذي سيُنقَلون إليه (فهو مجرد حيز) ، وتُعلمن سكانه الأصليين (فمصيرهم إما النقل أو الإبادة) ، وتُعلمن وسيلة النقل (فهي الإمبريالية)

والصيغة الأساسية الشاملة هي القاسم المشترك الأعظم بين كل الصهيونيات: صهيونية اليهود ـ صهيونية غير اليهود ـ صهيونية اليهود المتدينين ـ صهيونية اليهود العماليين ـ صهيونية اليهود المتمسكين بإثنيتهم ـ صهيونية اليهود غير اليهود، وذلك بغض النظر عن الديباجات والاعتذاريات وزوايا الرؤية. ولا شك في أنها تصلح أساساً تصنيفياً للتفرقة بين الصهيونية وغيرها من الحركات التي توجهت للقضايا نفسها.
والصيغة الشاملة تصلح أيضاً إطاراً لكتابة تاريخ عام للصهيونية، باعتبارها حركة فكرية سياسية اقتصادية اجتماعية في الحضارة الغربية (لا بين أعضاء الجماعات اليهودية وحسب) ، بحيث لا يتم الفصل بين صهيونية اليهود وصهيونية غير اليهود كما هو مُتَّبع، وإنما يُنظَر إليهما كمراحل مترابطة في سياق تاريخي حضاري واحد.
والصيغة الشاملة هي الأساس الذي يستند إليه ما نسميه «العقد الصهيوني الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود الغرب» ، فهذا العقد يتيح الفرصة أمام يهود الغرب لأن يحققوا من خلال الخروج من العالم الغربي ما فشلوا في تحقيقه من خلال البقاء فيه. وعلى المستوى السياسي، يمكن القول بأن الصيغة الشاملة تعني ربط حل المسألة اليهودية (المادة البشرية المستهدفة) بالمسألة الشرقية (المجال الذي ستُنقَل فيه لتُوظَّف لصالح الحضارة الغربية) . وقد تم تهويد الصيغة الشاملة من خلال مجموعة من الديباجات بحيث أصبحت «الصيغة الشاملة المُهوَّدة» ، وذلك حتى يتحقق لليهود استيطانها.
ويُلاحَظ أنه في الوقت الحاضر بعد أن استقرت أوضاع الجماعات اليهودية في الغرب، وبعد دمجهم وتَناقُص أعدادهم أصبحت العناصر الأخيرة في الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة هي العنصر الأساسي (دولة وظيفية يدعمها الغرب ويضمن بقاءها وتقوم هي على خدمته وعلى تجنيد يهود العالم وراءها لخدمتها وخدمة العالم الغربي) . وأصبح هذا هو أساس الإجماع الصهيوني.

الصهيونية البنيوية
‏Structural Zionism
«الصهيونية البنيوية» هي تَشكُّل بنية المجتمع وعلاقاته بحيث يضطر أعضاء الجماعة اليهودية إلى الهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها. و «الصهيونية البنيوية» مرتبطة تمام الارتباط بـ «المعاداة البنيوية للسامية» . بل إن المعاداة البنيوية لليهود واليهودية (أي أن تلفظ بنية المجتمع نفسها أعضاء الجماعات اليهودية الأمر الذي يجعل حياتهم مستحيلة داخل هذا المجتمع ويجعلهم "شعباً عضوياً منبوذاً") هي الشرط الأساسي لظهور الصهيونية البنيوية. ومن ثم فالصهيونية البنيوية لا تختلف كثيراً عن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. فإذا كانت "الصيغة الشاملة" تشكل النموذج، فالصهيونية البنيوية هي تَحقُّق هذه الصيغة من خلال بنية المجتمع نفسه، حتى تصبح الجماعة اليهودية شعباً عضوياً منبوذاً غير نافع. ولكن حينما ننظر لبقية الصيغة الشاملة (نقل اليهود خارج أوربا ـ توظيفهم لصالح أوربا) نجد أنها ليست جزءاً من بنية المجتمع وإنما نتيجة مخطط صهيوني، أي أن البنيوي ليس الصهيونية وإنما» معاداة اليهود واليهودية «

وقد استخدم أحد المراجع مصطلح «صهيونية بنيوية» للإشارة لما حدث في كوبا بعد اندلاع ثورة كاسترو فقد كان القائمون بالثورة متعاطفين جداً مع أعضاء الجماعة اليهودية ويسَّروا لهم كل السُبل ليحققوا ذاتهم الدينية والإثنية. ومع هذا قامت حكومة الثورة بتأميم كثير من المصانع وإغلاق الكازينوهات وقطاع البغاء، وهي قطاعات كان يوجد فيها أعضاء الجماعة اليهودية بشكل ملحوظ. ولذا بدأ نزوح اليهود عن كوبا، حتى اختفت الجماعة اليهودية تماماً. ووُصف هذا الوضع بأنه صهيونية بنيوية، وهو ينم عن عدم فَهْم للواقع وفشل في إدراكه. فما حدث هو عملية تأميم نتج عنها تصفية بعض القطاعات الاقتصادية، وتصفية القائمين عليها يهوداً كانوا أم غير يهود. كما أن أعضاء الجماعة اليهودية الذين "خرجوا" لم "يعودوا" إلى فلسطين المحتلة، وإنما اتجه معظمهم إلى الولايات المتحدة، كما فعلت الآلاف غيرهم من المواطنين الكوبيين الذين رفضوا المشاركة في الثورة أو ممن فقدوا وظائفهم نتيجة التوجهات الاشتراكية للثورة.
الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المهودة
‏Underlying Judaized Zionist Premises
«الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المُهوَّدة» هي «الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة» بعد أن اكتسبت ديباجات ومسوغات يهودية جعل بإمكان المادة البشرية المستهدفة استبطانها. فالصيغة الشاملة تُعلمن اليهود تماماً وتُحوْسلهم إلى أقصى حد، وهي أيضاً تُعلمن الهدف من نقلهم والأرض التي سيُنقَلون إليها. وليس من السهل على المرء قبول أن يتحول إلى وسيلة وأن يُنقَل كما لو كان شيئاً لا قيمة له إلى أرض (أي أرض) . ولذا، نجد أن المقدرة التعبوية للصيغة الشاملة تكاد تكون منعدمة، إذ أنها تفترض أن ينظر اليهود إلى أنفسهم بشكل براني، وهذا أمر مستحيل بطبيعة الحال.

وقد طوَّر هرتزل الخطاب الصهيوني المراوغ الذي فتح الأبواب المغلقة أمام كل الديباجات اليهودية المتناقضة التي غطت، بسبب كثافتها، على الصيغة الأساسية الشاملة وأخفت إطارها المادي النفعي حتى حلَّت، بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية في الغرب بل بالنسبة لمعظم قطاعات العالم الغربي، محل الصيغة الأساسية الشاملة.
وقد تم إنجاز هذا بأن قامت الصهيونية الإثنية (الدينية والعلمانية) بإسقاط ديباجات الحلولية الكمونية (التي تلغي الحدود بين الإله والأرض والشعب وتخلع القداسة على كل ما هو يهودي) على الصيغة الشاملة بحيث يتحول اليهود من مادة نافعة إلى كيان مقدَّس له هدف وغاية ووسيلة ورسالة. وتجعل عملية نقله مسألة ذات أبعاد صوفية أو شبه صوفية نبيلة. لكل هذا أصبح من السهل على المادة البشرية أن تستبطن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة وأصبح من السهل التحالف بين الدينيين والعلمانيين: الجميع يتفق على قداسة الشعب ورسالته (ومطلقيته) ويختلفون حول مصدر القداسة وتجلياتها. ورغم كثافة الديباجات وإغراقها في الحلولية، تظل الثوابت كما هي، وتظل الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة كما هي.

وتذهب الصيغة المُهوَّدة إلى أن العالم هو «المنفى» وأن اليهود يشكلون «شعباً عضوياً واحداً» لابد أن يُنقَل من المنفى (فهو شعب عضوي منبوذ) إلى فلسطين «أرض الميعاد» . ورغم هذا الاتفاق المبدئي إلا أن الديباجات تختلف، فالشعب العضوي المنبوذ لا يُنبَذ بسبب كونه جماعة وظيفية فقدت دورها أو لأنه قاتل المسيح، وإنما لعدد من الأسباب تتغيَّر بتغيُّر صاحب الديباجة منها أنه شعب مقدَّس مكروه من الأغيار في كل زمان ومكان بسبب قداسته (الصهيونية الإثنية الدينية) أو بسبب تركيبه الطبقي غير السوي (الصهيونية العمالية) أو لأن هويته الإثنية العضوية لا يمكن أن تتحقق إلا في أرضه (الصهيونية الإثنية العلمانية [الثقافية] ) أو لأنه شعب ليبرالي عادي يود أن يكون مثل كل الشعوب، وخصوصاً الشعوب الغربية (الصهيونية السياسة) . ومهما اختلفت الأسباب، فإن هذا الشعب ينظر إلى نفسه فيرى كياناً عضوياً مطلقاً له قيمة إيجابية ذاتية (بل يجد أنه المطلق وموضع الحلول والكمون (.
أما الهدف من النقل فليس التخلص من اليهود أو تأسيس دولة وظيفية تقوم على خدمة الغرب وإنما هو إصلاح الشخصية اليهودية وتطبيعها وتأسيس دولة اشتراكية تحقق مُثُل الاشتراكية (الصهيونية العمالية) أو الاستجابة للحلم الأزلي في العودة وتحقيق رسالة اليهود الإلهية وتأسيس دولة تستند إلى الشريعة اليهودية (الصهيونية الدينية) أو تحقيق الهوية اليهودية وتأسيس دولة يهودية بالمعنى العلماني تكون بمنزلة مركز روحي وثقافي ليهود العالم (الصهيونية الإثنية العلمانية) أو تحقيق مُثُل الحرية وتأسيس دولة ديموقراطية غربية (الصهيونية السياسية) . كما اكتسب المكان الذي سيُنقل إليه الشعب معنى داخلياً إذ تصبح الأرض هي الأرض الوحيدة التي تَصلُح للخلاص (المشيحاني أو الاشتراكي أو الليبرالي) ، فهي «أرض الميعاد» الإثنية الدينية أو العلمانية، بل إن خلاص الشعب هو خلاص الأرض، وهو نفسه مشيئة الإله.

وآليات الانتقال ليست الاستعمار الغربي أو العنف والإرهاب وإنما هي "القانون الدولي العام" متمثلاً في وعد بلفور (في الصياغة الصهيونية السياسية) أو "تنفيذاً للوعد الإلهي والميثاق مع الإله" (في الصياغة الدينية) أو بسبب قوة اليهود الذاتية (في الصياغة الصهيونية التصحيحية) . كما أن النتيجة النهائية واحدة وهي تحويل اليهود إلى مستوطنين صهاينة وطرد الفلسطينيين من وطنهم وتحويلهم إلى مهاجرين. وعلى هذا، فإن عملية نقل اليهود من المنفى إلى فلسطين (سواء بسبب الوعد الإلهي أو بسبب وعد بلفور) تؤدي إلى نقل الفلسطينيين خارج وطنهم (إلى المنفى) .
ويُلاحَظ أن الصهيونية التصحيحية هي أكثر التيارات الصهيونية صراحة، فهي تُفصح عن الارتباط بالاستعمار ووظيفية الدولة وضرورة اللجوء للعنف، فهي تقترب من الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة ولا تختفي إلا وراء الحد الأدنى من الديباجات.
وقد اتجهت الصيغة المُهوَّدة لقضية يهود الغرب المندمجين في مجتمعاتهم والذين لا ينوون (لعدة أسباب خاصة بهم) الانتقال إلى أرض الميعاد الاشتراكية أو الرأسمالية أو اليهودية. فقبلت قرارهم هذا نظير تلقِّي دعمهم والتفافهم حولها على أن تلزم الحركة الصهيونية الصمت تجاه فضيحة الصهاينة الذين لا يهاجرون ومن هنا ولدت الصهيونيتان: الاستيطانية والتوطنيه.

وقد تنبَّه كثير من المفكرين الصهاينة إلى وجود الصيغة الشاملة المُهوَّدة أو اليهودية من وجهة نظرهم (رغم أن أحداً منهم لم يُسمِّها) ، فيشير حاييم لانداو، على سبيل المثال، إلى أن البرنامج الصهيوني يدور حول فكرة ثابتة واحدة "وكل القيم الأخرى إن هي إلا أداة في يد المطلق"، ثم يحدد هذا المطلق على أنه "الأمة". وقد وافقه موشيه ليلينبلوم، وكان ملحداً، على قوله هذا: "إن الأمة كلها أعز علينا من كل التقسيمات المتصلبة المتعلقة بالأمور الأرثوذكسية أو الليبرالية في الدين. فلا مؤمنين وكفار، فإن الجميع أبناء إبراهيم وإسحق ويعقوب ... لأننا كلنا مقدَّسون سواء كنا غير مؤمنين أو كنا أرثوذكسيين". والمعنى أن الشعب كله هو مركز الحلول، تجري في عروقه هذه القداسة بشكل متوارث. أما كلاتزكين، فإنه يوضح القضية بما ينم عن الذكاء في مقاله «الحدود» حيث يبين أن اليهودية تعتمد على الشكل لا على المضمون (الشكل يعني في واقع الأمر بنية العلاقات الكامنة وليس الشكل بالمعنى الدارج للكلمة) . وهذا الشكل الأساسي ـ كما يقول ـ هو تخليص "الشعب اليهودي" للأرض. أما المضامين الروحية أو الفكرية، فهي تختلف بشكل جذري، ولكن هذا لا يهم لأن مضمون الحياة نفسه (أي واقعها) سيصبح قومياً عندما تصبح أشكالها قومية. وقد تنبَّه هؤلاء المفكرون الصهاينة ـ وأولهم ديني متطرف في تَديُّنه والآخران علمانيان ـ إلى أن ثمة فكرة ثابتة، جوهراً ما، "مطلقاً" على حد قول الأول، و"شكلاً أساسياً" أو "قداسة معيَّنة" على حد قول المفكرين الآخرين. كما تنبهوا إلى أن هذا الجوهر هو الثابت وأنه يُغيِّر ما عداه ويُحوِّره ويسمه بميسمه. وقد حددوه بأنه مفهوم الأمة اليهودية.
أرض بلا شعب لشعب بلا أرض
‏A Land without a People for People without a Land

شعار صهيوني يصعب معرفة تاريخ ظهوره. ولكن يمكن القول بأنه صياغة معلمنة للرؤية الإنجيلية القائلة بأن فلسطين هي أرض الميعاد والأرض المقدَّسة، وأن اليهود هم الشعب المقدَّس، ومن ثم فالشعب المقدَّس لابد أن يعود للأرض المقدَّسة، فهو صاحبها.
ولعل أول من قام بعلمنة الصياغة هو اللورد شافتسبري الذي تحدث في منتصف القرن التاسع عشر عن "الأرض القديمة للشعب القديم". ثم اكتملت عملية العلمنة في الصياغة الحالية «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» . ويبدو أن إسرائيل زانجويل هو صاحب الصياغة الأخيرة.
ومهما كان الأمر فهذا الشعار السوقي الساذج هو إفراز طبيعي للخطاب الحضاري الغربي الحديث، الذي ينبع من الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية التي قامت بعلمنة الرؤى الإنجيلية وحولتها من صياغات مجازية تتحقق في آخر الأيام بمشيئة الإله إلى شعارات استيطانية حرفية تتحقق الآن وهنا بقوة السلاح. وهذه الرؤية للكون (الطبيعة والبشر) باعتباره مادة استعمالية، تضع الإنسان الغربي في المركز ومن ثم يصبح العالم كله فراغاً بلا تاريخ وبلا بشر، وإن وُجد بشر فهم مادة استعمالية عرضية لا قيمة لها، ومن ثم تصبح فلسطين أرضاً مأهولة بلا شعب. ويصبح الفلسطينيون مادة استعمالية لا قيمة لها في حد ذاتها.
ويخضع أعضاء الجماعات اليهودية لنفس العملية فهم بدلاً من أن يكونوا الشعب المقدَّس بالمعنى المجازي يصبحون الشعب اليهودي بالمعنى الحرفي، وحيث إنهم شعب، فهم إذن لا ينتمون للحضارة الغربية التي لا تضم سوى الشعوب الغربية ومن ثم لا أرض لهم.
لا يبقى بعد هذا إلا عملية الحوسلة والتوظيف التي تأخذ شكل ترانسفير مزدوج: تحريك اليهود من المنفى إلى الأرض، وتحريك السكان الأصليين من الأرض إلى المنفى، وكل هذا يتم تحت رعاية الحضارة الغربية ولخدمة مصالحها، وهذا هو المشروع الصهيوني.

ويتسم شعار «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» بتناسقه اللفظي الساحر، فهو ينقسم إلى قسمين متساويين يستخدم كل قسم القدر نفسه من الكلمات. وكلمة «بلا» في القسمين هي المركز الثابت والعنصر المشترك، وما يتحرك هو كلمتا «الأرض» و «الشعب» فيتبادلان مواقعهما تماماً كما سيتبادل اليهود والعرب مواقعهم.
ويتسم الشعار بالتماسك العضوي والوحدة الكاملة، فلا يوجد حرف زائد ولا توجد كلمة ليست في موضعها، وهو تعبير جيد عن الرؤية العضوية المغلقة التي تسم الخطاب الغربي الحديث، الذي يُفضِّل الصيغ الجميلة المتماسكة لفظياً، بحيث تصبح الصيغة مرجعية ذاتها مكتفية بذاتها كالأيقونة. وقد ينبهر المرء بجمال العبارة فينسى أنها عبارة إبادية، تعني اختفاء العرب وتغييبهم. والترجمة السياسية للعبارة في وعد بلفور هي الإشارة للعرب باعتبارهم «الجماعات غير اليهودية» . وقد عبَّر الشعار عن نفسه فيما نسميه مقولة «العربي الغائب» في الخطاب الصهيوني العنصري. ونحن نذهب إلى أن إدراك العالم الغربي للفلسطينيين لا يزال يتحرك في إطار مقولة «أرض بلا شعب» ومن هنا سلوكه الذي قد يبدو لا عقلانياً بالنسبة لنا.
والصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة هي تنويع تفصيلي على شعار أرض بلا شعب. فالشعب العضوي المنبوذ هو الشعب بلا أرض الذي سيُنقل لأرض يتم إبادة شعبها أو طردهم، وبذلك يصبح الشعب المنبوذ شعباً نافعاً داخل إطار الدولة الوظيفية.

وغني عن القول أن هذه الصيغة الصهيونية السوقية التي تكشف المضمون الحقيقي للصهيونية وتبيِّن نزعتها العنصرية الإبادية الشرسة، قد اختفت تماماً من الخطاب الصهيوني، وحل محلها صيغ أكثر صقلاً وتركيباً، مثل «الحقوق المطلقة للشعب اليهودي» التي تعني في واقع الأمر أن حقوق الآخرين (العرب) نسبية عرضية ومن ثم يمكن تهميشها، وفي نهاية الأمر إلغاءها. كما أن الخطاب الصهيوني بعد عام 1967 وبعد ضم الأراضي الفلسطينية التي تحوي كثافة بشرية عالية اضطر أن يعترف بوجود شعب على الأرض، فلجأ لعملية تحايل كي يفرض الشعار القديم على الواقع. فمفهوم الحكم الذاتي الإسرائيلي يعني حقوق الفلسطينيين دون أن يكون لهم أي حقوق على الأرض (أي أن الفلسطينيين أصبحوا شعباً بلا أرض) . كما أن الطرق الالتفافية هي تعبير عن اعتراف ضمني بوجود الشعب الفلسطيني الذي لا يملك المستعمرون إلا "الالتفاف" حوله.
القومية اليهودية
‏Jewish Nationalism
«القومية اليهودية» عبارة مرادفة لمصطلح «الصهيونية» وهي تفترض أن اليهود يشكلون جماعة قومية أو شعباً يهودياً. فالنسق الديني اليهودي، من حيث هو تركيب جيولوجي، يحوي داخله تياراً قومياً قوياً جداً يرتبط ارتباطاً تاماً بالبنية الحلولية، إذ يرى اليهود أنفسهم كياناً دينياً متماسكاً يُسمَّى «بنو يسرائيل» يتمتع بعلاقة خاصة مع الإله الذي يحل فيهم ويمنحهم درجة عالية من القداسة ويتولى قيادتهم وتوجيه تاريخهم القومي المقدَّس الفريد الذي بدأ بخروجهم من مصر. وقد أرسل الإله التوراة إليهم باعتبارهم شعبه المختار. ولذا، فإن اليهودية، من هذا المنظور، قومية دينية، وهي بذلك لا تختلف كثيراً عن الأديان الوثنية الحلولية حيث يقتصر الدين والإله على شعب واحد دون غيره من الشعوب. وتتلخص مهمة هذا الشعب اليهودي المقدَّس في أنه يقف شاهداً على التاريخ وعلى وجود الإله أمام الشعوب الأخرى.

اليهودية، إذن، من هذا المنظور، هي دين قومي عرْقي، أو قومية دينية مقدَّسة تمزج الوجود التاريخي المتعيِّن والتصور الديني المثالي. ولذلك، فهي ديانة حلولية تعرف ثنوية الأنا والآخر ولكنها لا تعرف الثنائية الفضفاضة الناجمة عن الإيمان بإله واحد منزَّه. ولذا فاليهودية لا تفرِّق بين الإله والتاريخ أو بين الأرض والسماء. ولذلك، فإننا نجد أن الملكوت السماوي وآخر الأيام يكتسبان في اليهودية الحلولية طابعاً قومياً، فهما مرتبطان بمجئ الماشيَّح الذي يأتي ليعود بشعبه إلى أرض الميعاد. وقد عرَّفت الشريعة اليهودية اليهودي بأنه من وُلد لأم يهودية أو من تهوَّد، وقد اعتمدت بذلك تعريفاً قومياً دينياً للهوية.
هذا من ناحية الرؤية. أما من ناحية الواقع التاريخي المتعيِّن، فنحن نرى أنه لا تُوجَد قومية يهودية أو شعب يهودي وإنما جماعات يهودية منتشرة في العالم تحكَّمت في صياغتها حركيتان أساسيتان متكاملتان:
1 ـ فالجماعات اليهودية لم تكن قط تشكل كتلة بشرية متماسكة تتبع مركزاً ثقافياً أو دينياً واحداً يحدد معايير مثالية أو واقعية يصوغ أعضاء هذه الجماعات رؤيتهم لأنفسهم وأسلوب حياتهم تبعاً لها، بل لم يكن لديهم ميراث ثقافي أو ديني واحد. فالجماعات اليهودية كانت منتشرة في كثير من بقاع الأرض داخل معظم التشكيلات الحضارية المعروفة وداخل البنَى التاريخية والقومية المختلفة، تتفاعل معها وتساهم فيها وترقى برقيها وتتخلف بتخلفها. فاليهودي في الأندلس كان عربياً، واليهودي في روسيا كان روسياً، وفي اليمن كان يمنياً، وهو أمريكي في الولايات المتحدة. وقد أدَّى هذا إلى تحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية إلى تركيب جيولوجي غير متجانس، ولا يختلف ذلك عن العقيدة اليهودية بخاصيتها الجيولوجية.

2 ـ وقد كان معظم الجماعات اليهودية يشكل جماعات وظيفية، وهي جماعات تحافظ على عزلتها وانفصالها، ويساعدها المجتمع على ذلك حتى يتيسر لها أن تلعب دورها الوظيفي. فهي، إذن، ذات سمات إثنية خاصة تميِّز كل واحدة منها عن أعضاء الأغلبية في المجتمعات التي يعيش اليهود بين ظهرانيها. ولكن هذه السمات الإثنية لم تكن قط سمات قومية عامة تسم كل اليهود أينما كانوا. فرغم أن كل جماعة يهودية كانت منفصلة عن محيطها، فإنها كانت تحدِّد هويتها من خلاله، كما أن انفصالها عن محيطها لا يعني بالضرورة اتصالها بأعضاء الجماعات اليهودية الأخرى. فاليديشية الجرمانية كانت تَعزل أعضاء الجماعة اليهودية عن محيطهم الثقافي السلافي في بولندا. ولكنها، مع هذا، لم تَكُن لها أية علاقة باللادينو (اللاتينية) التي كانت تَعزل يهود السفارد عن محيطهم العربي الإسلامي في الدولة العثمانية. أما العبرية (وهي اللغة الوحيدة المشتركة) ، فقد ظلت من ناحية الأساس لغة الصلاة واللغة التي كُتبت بها النصوص الدينية وحسب، أي أن العنصر المشترك لم يتعد في جوهره الصلوات والعبادات وبعض المؤلفات. وظلت العلاقة بين أعضاء الجماعات اليهودية علاقة دينية أو وظيفية باعتبارهم أعضاء في الجماعة الدينية نفسها أو أعضاء في جماعات تضطلع بالوظيفة نفسها في كثير من المجتمعات. وعلى كلٍّ، لم تكن الرابطة الدينية بمعزل عن الوظيفة الاقتصادية أو الاجتماعية تماماً إذ أن الجماعة الوظيفية تضرب حول نفسها العزلة ويساعدها في ذلك المجتمع المضيف. وتُعدُّ العقائد الحلولية من أهم آليات العزلة.

لكن المجتمع الغربي استغنى عن الجماعات الوظيفية، وأخذ في تصفيتها بعدة طرق منها مساعدة أعضاء هذه الجماعات (ومن هؤلاء اليهود) على التخلص من خصوصيتهم الإثنية، وفي دمجهم في المجتمع أو تشجيعهم على الاندماج. واستجابةً لذلك، ظهرت حركة التنوير وحركة اليهودية الإصلاحية اللتان قامتا بتعريف ما يُسمَّى «الهوية اليهودية» تعريفاً دينياً.
وقد عارضت الصهيونية هاتين الحركتين، وراحت تعمل على تحويل كلٍّ من الإحساس بالانتماء الديني إلى جماعة دينية واحدة والارتباط العاطفي بأرض الميعاد إلى شعور قومي وبرنامج سياسي. كما قامت الصهيونيةبعلمنة المفاهيم الدينية. فبعد أن كانت كلمة «شعب» تعني أن اليهود جماعة دينية قومية، أصبحت الكلمة في المعجم الصهيوني تعني «الشعب» بالمعنى القومي والعرْقي الذي كان سائداً في أوربا في القرن التاسع عشر. وقد تأثر الفكر الصهيوني بفكرة الشعب العضوي، أي الفولك، فنظر الصهاينة إلى اليهود كشعب عضوي قوميته عضوية وعناصره كافة (الأرض والتراث والشخصية واللغة ... إلخ) مترابطة عضوياً. وقد تعمقت هذه الفكرة في كتابات دعاة الصهيونية الإثنية العلمانية الذين نادوا بأن الانتماء القومي لليهود يستند إلى ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» و «التراث اليهودي» ، وما العقيدة اليهودية سوى جزء عضوي من هذا التراث. أما دعاة الصهيونية الإثنية الدينية، فإنهم يرون أن اليهودية دين قومي أو قومية دينية، وأن ما يربط اليهود كشعب هو دينهم القومي أو قوميتهم الدينية.

وقد انطلق المشروع الصهيوني من هذا الافتراض، وأُسِّست الدولة الصهيونية تحقيقاً لفكرة القومية اليهودية. ولكن من الواضح أن القومية اليهودية هي رؤية غير واقعية وبرنامج إصلاحي ليس له ما يسنده في الواقع التاريخي، فقد كان اليهود في القرن التاسع عشر، عند ظهور الصهيونية، خليطاً هائلاً غير متجانس: بينهم يهود اليديشية من الإشكناز، ويهود العالم العربي، ويهود العالم الإسلامي من السفارد، واليهود المستعربة. كما كان هناك القرّاءون والحاخاميون الذين انقسموا بدورهم إلى أرثوذكس ومحافظين وإصلاحيين، هذا غير عشرات الانقسامات الدينية والإثنية والعرْقية الأخرى. وقد أطلق الصهاينة على كل هؤلاء اسم «الشعب الواحد» أو «أين فولك» حسب تعبير هرتزل. لقد طرحوا شعارهم، ونجحوا في تهجير نسبة مئوية محدودة وحسب إلى إسرائيل. بل إن الهجرة في كثير من الأحيان، لم تكن تتم لأسباب قومية وإنما لأسباب نفعية محضة. ويواجه الصهاينة أزمة في المصادر البشرية نتيجة لأن سلوك أعضاء الجماعات اليهودية في العالم لا يَصدُر عن إيمانهم بمقولة «القومية اليهودية» . ومن هنا، فإن الهجرة اليهودية ما زالت متجهة إلي الولايات المتحدة من ناحية الأساس. وهكذا، فإننا نجد أن أغلبية أتباع القومية اليهودية لا يزالون في المنفى يرفضون العودة إلى وطنهم القومي. ويتضح زيف مقولة «القومية اليهودية» في فشل الدولة اليهودية في تعريف اليهودي، أي في تعريف ما يُسمَّى «الهوية اليهودية» . وحينما يهاجر أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة إلى أمريكا اللاتينية، فإنهم يكتشفون عدم تجانسهم، إذ أن اليهودي الألماني يكتشف أن الصفات الإثنية المشتركة بينه وبين المهاجر الألماني غير اليهودي أكثر من السمات المشتركة بينه وبين أعضاء الجماعات اليهودية الآخرىن. وقد ظهرت هذه القضية في أمريكا اللاتينية أكثر من أية منطقة أخرى في العالم. وفي الولايات المتحدة، وفي دول الهجرة الأخرى مثل كندا

وأستراليا، تُطرَح على المهاجرين هوية قومية جديدة عليهم تَبنِّيها. وقد فعل المهاجرون اليهود ذلك بكفاءة شديدة، واحتفظوا بشيء من يهوديتهم، ولكن هذه الملامح اتضح أنها مجرد ملامح يهودية داخل شخصية أمريكية واضحة. أما في أمريكا اللاتينية، فلا توجد هوية قومية جديدة، وإن وُجدَت فهي كاثوليكية أي استمرار للموروث الأوربي للقارة. وقد امتثل المهاجرون اليهود لهذا النمط، فأكدت كل جماعة يهودية مهاجرة ميراثها الإثني السابق، الأمر الذي أدَّى إلى تبعثر اليهود تماماً وانقسامهم إلى عشرات الجماعات وإلى ظهور انعدام تجانسهم بحدة. ويوجد في المكسيك، على سبيل المثال، عشرات الجماعات اليهودية من بينها جماعتان سوريتان، أي من أصل سوري، إحداهما دمشقية والأخرى حلبية! لكلٍّ منهما مؤسساتها. وفي الآونة الأخيرة، بدأت الحواجز تَسقُط، ولكن هذا يتم داخل إطار أمريكي لاتيني لا داخل إطار يهودي.
وتحاول الدولة الصهيونية بذل محاولات جاهدة لدمج المهاجرين الوافدين إليها. ولكن، مع هذا، يتضح عدم تجانسهم في انقسامهم الحاد. وحتى لو قُدِّر النجاح لمحاولة إسرائيل مَزْج أعضاء الجماعات اليهودية، فإن ثمرة هذه المحاولة لن تكون «الشعب اليهودي» وتحقيق «القومية اليهودية» وإنما ستكون كياناً جديداً يمكن تسميته «الشعب الإسرائيلي» و «القومية الإسرائيلية» .

ويرفض كثير من المفكرين اليهود، وكذلك التنظيمات اليهودية، فكرة القومية اليهودية، إما من منظور ديني أو من منظور ليبرالي أو اشتراكي، فيرون أن اليهود ليسوا شعباً وإنما أقلية دينية، كما يرون أنهم ينتمون إلى الشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها. ويرفض دعاة قومية الجماعات (الدياسبورا) فكرة القومية اليهودية العالمية المجردة والمرتبطة بفلسطين، ويرون أنه إذا كان ثمة انتماء قومي يهودي فهو عبارة عن انتماءات قومية مختلفة متنوعة مرتبطة بمجتمعات سواء أكانت هذه المجتمعات في شرق أوربا أم كانت في الولايات المتحدة. ومن ثم، يمكننا أن نتحدث عن «الجماعة اليهودية القومية في شرق أوربا» التي لا تختلف عن الأقليات القومية الأخرى، ولكن لا يمكننا أن نتحدث عن «الشعب اليهودي» بشكل عام. وثمة تيار فكري داخل إسرائيل يُسمَّى «الحركة الكنعانية» (نسبة إلى أرض كنعان) يرفض فكرة القومية اليهودية ويطرح بدلاً منها فكرة «القومية الإسرائيلية» .
وتتواتر كلمة «الشعب» في الكتابات الدينية عند اليهود، ولكن المقصود بهذه الكلمة هو جماعة دينية ذات عقيدة دينية وانتماء ديني واحد. كما نجد مصطلحات دينية مماثلة، مثل «الشعب المختار» و «أمة الروح» و «الشعب المقدَّس» ، وهي مصطلحات تهدف إلى الإشارة إلى تجمُّع ديني أو أخلاقي وحسب.
ولكن الصهيونية تستخدم التشابه بين المصطلح الديني والمصطلح القومي الشائع كدليل على أن اليهود أول شعب ظهر على الأرض وأول قومية في التاريخ. ومن ثم، فلابد أن يبتعد الباحث العربي عن استخدام مصطلحات مثل «الشعب اليهودي» و «القومية اليهودية» أو حتى «الصراع العربي اليهودي» لأنه لا يوجد بين الدين الإسلامي والقومية العربية من ناحية والدين اليهودي من ناحية أخرى أي صراع سياسي مسلح أو غير مسلح، وإنما الصراع عربي إسرائيلي، أي صراع بين العرب والمستوطنين الصهاينة الذين استوطنوا فلسطين عن طريق العنف.

وفي بطاقة تحقيق الشخصية عند الإسرائيليين، توجد ثلاثة بنود: المواطنة، والدين، والقومية. فجميع المواطنين «إسرائيليون» ومن ذلك العرب. أما الدين، فيختلف فيه مواطن عن آخر، فهو الإسلام بالنسبة إلى المسلمين، والمسيحية بالنسبة إلى المسيحيين، واليهودية بالنسبة إلى اليهود. أما القومية، فهي عربية عند العرب، وبالنسبة إلى الإسرائيليين اليهود فلابد أن تكون القومية هي «اليهودية» ، إذ لابد أن يتفق بندا الدين والقومية (في حالة اليهود) حسب الرؤية الصهيونية.
الوطن القومي اليهودي
‏Jewish National Home
«الوطن القومي» مصطلح يتواتر في الكتابات الصهيونية والمعادية لليهود، ويعني أن اليهود لا ينتمون إلى أوطانهم وإنما إلى وطن قومي واحد هو فلسطين التي يُشار إلىها أيضاً باسم «إرتس يسرائيل» ، أو «إسرائيل» أو «أرض الميعاد» أو «الأرض المقدَّسة» أو «الأرض» وحسب. كما يعني المصطلح أن البلاد التي يقيم اليهود فيها إنما هي منفى أو مَهْجَر أو بابل (بإيحاءات السبي البابلي) أو مصر (بإيحاءات العودة والخروج) . ويعني المصطلح أيضاً أن اليهود في حالة شتات يشكلون دياسبورا، وهي حالة يشعرون بها منذ هَدْم الهيكل على يد تيتوس. وقد ورد المصطلح في وعد بلفور، رغم احتجاجات قيادة الجماعة اليهودية في إنجلترا، واكتسب شرعية سياسية منذ ذلك التاريخ.

لكن مصطلح «الوطن القومي» مصطلح ليست له مقدرة تفسيرية عالية، إذ أن كثيراً من الوقائع التاريخية لا تسانده. ومن الثابت تاريخياً أن عدد اليهود خارج فلسطين فاق عددهم داخلها قبل هدم الهيكل. كما أن من الثابت أن أكبر الهجرات في تواريخ الجماعات اليهودية، والتي بدأت في أواخر القرن التاسع عشر، اتجهت إلى الولايات المتحدة (ولو كانت فلسطين وطن اليهود القومي لاتجهوا إليها) . وقد بلغت نسبتهم نحو 80% من جملة المهاجرين اليهود، بل لم يَعُد يُشار في الأدبيات الصهيونية إلى الولايات المتحدة باعتبارها منفى وإنما أصبح يُشار إليها باعتبارها وطناً قومياً آخر لليهود، وباعتبارها أيضاً «البلد الذهبي» (باليديشية: جولدن مدينا) الذي يحقِّق تطلعات المهاجرين المادية. ولا ندري هل هي وطن قومي ثان أم هي وطن قومي أول بالنسبة إلى اليهود؟ ففي الخطاب السياسي يأتي مصطلح «الوطن القومي» دائماً في صيغة المفرد إذ لا معنى له في صيغة المثنى أو الجمع. وعلى كلٍّ، فقد حسم يهود الولايات المتحدة القضية بأن حوَّلوا إسرائيل (فلسطين) من وطن قومي إلى مسقط الرأس والوطن الأصلي السابق، أما الولايات المتحدة فهي الوطن القومي الحالي الذي يعيشون فيه بالفعل، وبذا أصبح الأمريكيون اليهود أمريكيين يهوداً على غرار الأمريكيين العرب أو الأمريكيين الأيرلنديين. ولكن هذا يعني أن أسطورة الذات الجديدة تصفي الأسطورة الصهيونية، إذ أن مسقط الرأس (إسرائيل) هو البلد الذي يهاجر اليهودي منه لا إليه!
الدولة اليهودية
‏The Jewish State

«الدولة اليهودية» اصطلاح مرادف لمصطلح «الدولة الصهيونية» . ونحن نفضل المصطلح الأخير لدقته إذ يفترض المصطلح الأول أن دولة إسرائيل هي استمرار للمملكة العبرانية المتحدة التي يُشار إليها بـ (الكومنولث الأول) . كما أن الاصطلاح يفترض وحدة اليهود في العالم، وأن هذه الدولة دولتهم التي تعبِّر عن إرادتهم وتطلعاتهم، وهذا أبعد ما يكون عن الصحة إذ لا تزال دولة إسرائيل هي دولة 20% من يهود العالم وحسب.
وعلاوة على كل هذا، يفترض المصطلح أيضاً يهودية هذه الدولة، وهذا أمر محل نقاش حتى في إسرائيل نفسها. فالدولة الصهيونية لا ترتبط بأية قيم أخلاقية يهودية، بل تسلك حسبما تملي عليها مصلحتها العملية. ولعل إيمانها بمصلحتها العملية هو الذي جعلها تحوِّل نفسها إلى ثكنات عسكرية يصعب وصفها باليهودية. ويُلاحَظ أن سكان إسرائيل من الصابرا لا يشعرون بالانتماء اليهودي، بل إن بعضهم يُكن الاحتقار ليهود العالم (الدياسبورا) الهامشيين. ولعله أمر طريف حقاً أن هذه الدولة التي تصف نفسها باليهودية لم تصل بعد إلى تعريف لليهودي.
ولذا، يظل مصطلح «الدولة الصهيونية» أكثر دقة وتحدداً في وصف الكيان الصهيوني، فهو يؤكد استيطانية الكيان القائم الآن في الشرق العربي وطموحاته الإحلالية، ويفصله عن أية تصورات دينية أو عاطفية.
الصهيونية العالمية
‏World Zionism
«الصهيونية العالمية» ترجمة للمصطلح الإنجليزي «ورلد زايونيزم World Zionism» . وقد شاع المصطلح في اللغة العربية. ويفترض هذا المصطلح أن الصهيونية حركة عالمية، أي تمارس نشاطها في أنحاء العالم بين جميع أعضاء الجماعات اليهودية في كل البلاد. وثمة خلل أساسي في المصطلح يعود إلى ما يلي:

1 ـ نشأت الصهيونية في الغرب في البلاد الاستعمارية (البروتستانتية) في بداية الأمر، ثم تبناها يهود العالم الغربي (في شرق أوربا ثم غربها) لأغراض مختلفة. فالصهيونية ليست عالمية من ناحية النشأة، وخصوصاً أن 90%من يهود العالم كانوا يوجدون داخل التشكيل الحضاري الغربي مع نهاية القرن التاسع عشر وهي المرحلة التي نشأت فيها الصهيونية.
2 ـ كانت الصهيونية ولا تزال جزءاً من التاريخ الاقتصادي والسياسي والحضاري، والإمبريالية الغربية هي الآلية الأساسية لتحويل الصهيونية من مجرد فكرة إلى دولة استيطانية.
وعلى هذا، فإن الصهيونية لم تنشأ في العالم ككل أو داخل التاريخ العالمي بشكل مطلق، أو حتى بين كل أعضاء الجماعات الدينية والإثنية اليهودية المتناثرة في العالم، وإنما هي إفراز تشكيل حضاري محدَّد في لحظة زمنية محددة ولا يمكن دراستها خارج هذا التشكيل، ولا يمكن فهمها دون الرجوع إلى مراحل تطوره وأزماته والطريقة التي يحل بها هذه الأزمات. لكن هذا لا يعني، بطبيعة الحال، إسقاط السمات التي تُشكِّل خصوصية الحركة الصهيونية الغربية.
ولعل الإنسان الغربي أطلق صفة «العالمية» على الصهيونية للأسباب التالية:
1 ـ ينظر الخطاب الإنجيلي إلى اليهود باعتبارهم شعباً مختاراً وجزءاً من الدراما الكونية التي يتحرك في إطارها تاريخ العالم والعالمين. والتاريخ اليهودي ـ حسب الرؤية الإنجيلية ـ تاريخ مستقل عن تاريخ الأغيار. ومع هذا، يشكل هذا التاريخ الركيزة الأساسية لتاريخ العالم. وهذا الخطاب الإنجيلي متغلغل تماماً في الوجدان الغربي.

2 ـ بعد أن ظهرت الصهيونية بين يهود الغرب، قامت بصهينة معظم يهود العالم، خصوصاً بعد إنشاء الدولة الصهيونية، ومن ثم فهي حركة عالمية بهذا المعنى. ولابد أن نسارع بالقول بأن الغالبية الساحقة من يهود العالم توجد الآن إما داخل التشكيل الحضاري الغربي (فرنسا ـ إنجلترا ـ روسيا) أو داخل التشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي (الولايات المتحدة ـ كندا ـ أستراليا ونيوزيلندا ـ أمريكا اللاتينية ـ جنوب أفريقيا ـ إسرائيل) ، وعلى وجه التحديد داخل التشكيل الاستعماري الاستيطاني الأنجلو ساكسوني.
3 ـ الحركة الإمبريالية التي حوَّلت الصهيونية إلى كيان استيطاني هي حركة عالمية رغم أصولها الغربية، فقد جعلت العالم كله مجالاً لحركتها والتهامها وافتراسها. والإمبريالية عالمية لا لأنها حركة نشأت بين كل البشر وإنما لأنها حوَّلت البشر كلهم إلى مستعمر أو مستعمَر. وتكتسب الصهيونية صفة العالمية من ارتباطها بالإمبريالية الغربية العالمية.
4 ـ يُلاحَظ أن الأدبيات السياسية الغربية، الصهيونية وغير الصهيونية، تستخدم كلمة «عالمي» بمعنى «غربي» . ولعل هذا يعود إلى أن الإنسان الأبيض في الغرب في القرن التاسع عشر كان يتصوَّر أنه مركز العالم وقمة رقيِّه، وأن الحضارات الأخرى حضارات متخلفة ستتطور لتلحق به وتصل إلى النموذج الحضاري العالمي نفسه. ويُلاحَظ في كتابات هرتزل أنه حينما يتحدث عن ضرورة إقامة المشروع الصهيوني "بضمان القانون الدولي العام"، فإن عبارة (القانون الدولي العام) تعني هنا (القانون الغربي) . ولذا، والتزاماً بالدقة، يجب أن نتحدث عن (الصهيونية الغربية) أو عن (الصهيونية) وحسب دون وصفها ليكون مفهوماً أنها حركة غربية وليست عالمية.

الصهيونية - إشكاليات وموضوعات أساسية - التيارات الصهيونية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

التناقضات الأساسية الثلاثة بين الحركات الصهيونية المختلفة
‏Three Basic Contradictions between Different Zionist Trends
قَبل كل الصهاينة الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة (والعقد الصامت بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية بشأن يهود العالم) ثم تم تهويد هذه الصيغة حتى يمكن تجنيد المادة البشرية المستهدفة. وقد ظهرت مجالات عديدة للخلاف بين الصهاينة قد تبدو لأول وهلة عميقة ولكنها في واقع الأمر سطحية إلى حدٍّ كبير، إذ أن رقعة الاختلاف تظل محكومة بالقبول المبدئي والجوهري للصيغة الأساسية الشاملة.
وحتى يمكننا طرح إطار تصنيفي جديد للتيارات الصهيونية المختلفة سنحاول حَصْر مصادر الخلاف وكيف تبدت في عدة نقاط محدَّدة.
وفي تصوُّرنا توجد ثلاثة مصادر أساسية للخلاف:
1 ـ الخلاف بين الصهاينة التوطينيين والاستيطانيين وهو ما نسميه «إشكالية الصهيونيتين» .
2 ـ الخلافات الأيديولوجية المختلفة بين الصهاينة، وهي الخلافات التي تعبِّر عن نفسها في عدة نقاط أهمها الخلاف بشأن الدولة الصهيونية (موقفها ـ حدودها ـ توجُّهها الأيديولوجي.. إلخ) .
3 ـ الخلاف بين الصهاينة الإثنيين الدينيين والإثنيين العلمانيين.
الصهيونيتان: التوطينية والاستيطانية
‏Two Zionisms: Settlement and Settler Colonial Zionism
تُستخدَم كلمة «صهيونية» للإشارة إلى عدة مدلولات مختلفة يمكن أن تضمها جميعاً الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، وهي الصيغة التي تم تهويدها بحيث أصبحت صالحة كإطار لكلٍّ من الصهاينة اليهود والصهاينة غير اليهود. وتوجد داخل هذه الوحدة العامة عدة انقسامات لعل أهمها ما نسميه «الصهيونيتين» . فنحن نذهب إلى أنه يوجد ضربان أساسيان من الصهيونية: صهيونية توطينية وأخرى استيطانية، لكلٍّ اتجاهه وتاريخه وجماهيره:

1 ـ صهيونية توطينية. وقد ظهرت في بداية الأمر بين الصهاينة غير اليهود (من المسيحيين والعلمانيين) وبين يهود الغرب المندمجين، وعلى وجه الخصوص أثرياؤهم. ثم عبَّرت الصهيونية التوطينية عن نفسها في الصهيونية الدبلوماسية وصهيونية الدياسبورا. وجمهور هذه الصهيونية هم مؤيدو المشروع الصهيوني في العالم الغربي ويهود الغرب الذين يؤيدون المشروع الصهيوني ولكنهم لا ينوون الهجرة، وهم يشكلون غالبية يهود وصهاينة العالم، وكذلك كل يهود غرب أوربا والولايات المتحدة تقريباً.
2 ـ صهيونية استيطانية: وقد ظهرت في بداية الأمر على هيئة صهيونية تسللية ثم تحوَّلت إلى صهيونية استيطانية بعد مرحلة هرتزل وبلفور. وأهم التيارات الاستيطانية التيار العمالي، ويأتي معظم الصهاينة الاستيطانيين من يهود شرق أوربا.
وتقسيم «توطيني/استيطاني» ينصرف إلى المجال الذي يختاره كل صهيوني ليمارس نشاطه. ولنا أن نلاحظ وجود انقسامات فرعية داخل كل تيار بشأن التوجه السياسي (اشتراكي/رأسمالي) والموقف من التراث والهوية (ديني/علماني) . ويجب ألا نتصور أن هناك فصلاً قاطعاً بين الفريقين، فثمة تشابك وتداخُل بين الصهيونيتين (التوطينية والاستيطانية) قد يتبدَّى في الشخص الواحد نفسه، كما هو الحال مع وايزمان الذي قضى معظم حياته يقوم بنشاط في الخارج نيابة عن الداخل، ولكنه عاد بعد إعلان الدولة ليترأسها ويصبح من المستوطنين (وإن كان قد عاش في عزلة نظراً لأن زعيم الصهاينة الاستيطانيين ـ بن جوريون ـ لم يكن يرغب في أن يشاركه وايزمان السلطة) . ويظهر هذا التداخل في شخصية آحاد هعام، فيلسوف الصهيونية الإثنية العلمانية، الذي قام بجهود دبلوماسية ثم استوطن فلسطين نهائياً، ولكنه مع هذا ظل يشعر بالغربة فيها وبالحنين إلى المنفى والشتات!

ويظهر التداخل في الوقت الحاضر حين يقرر يهودي من دول الكومنولث المستقلة (الاتحاد السوفيتي سابقاً) الهجرة إلى إسرائيل فيبدأ بالحديث عن هويته اليهودية ورغبته العارمة في الهجرة إلى وطنه القومي المزعوم، ثم يحصل على تأشيرة على أساس نيته الصهيونية الاستيطانية. ولكنه يغيِّر رأيه في النمسا ويقطع مسار هجرته ويتجه إلى الولايات المتحدة بدلاً من إسرائيل لينخرط في صفوف صهاينة الخارج التوطينيين. وهناك بطبيعة الحال الصهاينة الاستيطانيون الذين يتركون إسرائيل ليستوطنوا الولايات المتحدة ويستمروا في تأييد المشروع الصهيوني (ولكن من منظور توطيني هذه المرة) .
والجدير بالذكر أن للاتجاهات الصهيونية المختلفة فروعاً في الداخل والخارج. فهناك فروع للأحزاب العمالية مثل الماباي والمابام في الولايات المتحدة، ولكن الأساس التصنيفي يظل هو الأساس الذي نقترحه. فمثلاً، رغم أن التنظيم الذي يُقال له الماباي في الخارج مرتبط بتنظيم الماباي في الدولة الصهيونية من الناحية التنظيمية، فإن التنظيمين يؤديان وظيفتين مختلفتين تماماً، ولا يشتركان بالتالي إلا في الاسم والديباجات السياسية والعقائدية التي تتسم بالعمومية الشديدة (مثل الإيمان بأزلية الشعب اليهودي وعدم التفريط في شبر من أرض إسرائيل الكبرى والإيمان بالاقتصاد الاشتراكي، وهكذا) . ويكتفي أعضاء عمال صهيون في الولايات المتحدة أو إنجلترا بإرسال الأموال والتوقيعات وبرقيات التأييد، كما يحضرون كل المهرجانات الصهيونية ويرسلون الرسائل إلى الصحف المحلية وإلى أعضاء الكونجرس دفاعاً عن الدولة الصهيونية. وأما أعضاء الحزب المماثل في إسرائيل فهم الذين يقومون بالنشاط الاستيطاني من استيلاء على الأرض وقتال ضد السكان الأصليين وغزو أراضي الدول المجاورة.

ولا يعني هذا أن الصهيونية أصبحت وحدة متكاملة، بين التوطينيين والاستيطانيين، بل العكس. فقد ظلت التوترات تعبِّر عن نفسها بحدة، وكل ما حدث أنه تم امتصاصها (وليس استيعابها) من خلال الخطاب الصهيوني المراوغ. وأهم هذه التوترات الصراع الذي نشب على قيادة المنظمة الصهيونية بين الصهاينة التوطينيين والصهاينة الاستيطانيين بعد إنشاء الدولة. وقد حُسم الخلاف باستيلاء الاستيطانيين على المنظمة تماماً. وحتى بعد إنشاء الدولة تظهر صراعات، فبعض الصهاينة التوطينيين لا يقنع بالعمل في مجاله في الخارج ويحاول أن يفرض توجهات بعينها على الداخل كما حدث في حالة برانديز. ويحدث أحياناً أن الصهاينة الاستيطانيين لا يقنعون بالدعم المالي والسياسي ويطلبون من الصهاينة التوطينيين أن يتخذوا مواقف أكثر راديكالية كما حدث في المؤتمر الثامن والعشرين (1972حينما تقدَّم بعض الصهاينة الاستيطانيين بمشروع قرار ينص على أن القادة الصهاينة الذين لا يستوطنون في إسرائيل بعد فترتين من الخدمة يفقدون الحق في ترشيح أنفسهم مرة أخرى، فانسحب كل مندوبي الهاداساه (أكبر تنظيم صهيوني في العالم والذي يمثل أكثر من نصف الوفد الأمريكي) احتجاجاً على الاقتراح. وحدث الشيء نفسه تقريباً حينما وقعت الأزمة بين الدينيين والعلمانيين في إسرائيل مؤخراً إذ قامت جماعة من العلمانيين بحرق معبد يهودي، وقامت جماعة من الدينيين برش الإعلانات الإباحية في محطات الأتوبيس، فألقى المفكر الإسرائيلي العلماني شلومو أفنيري بالتبعة على يهود الولايات المتحدة، الإصلاحيين والمحافظين المندمجين التوطينيين (والذين لا يكفون عن الشكوى من التزمت الديني في إسرائيل) قائلاً لهم إنه لو هاجر منهم 100 ألف وحسب، فإن هذا سيرجِّح كفة العلمانيين وسيتم تكوين الحكومة دون الحاجة إلى أصوات الأحزاب الدينية.

والعكس يحدث أحياناً، إذ يجد الصهاينة التوطينيون أن سلوك حكومة المستوطنين تسبب لهم كثيراً من الحرج في مجتمعاتهم الديموقراطية، كما يحدث عادةً بعد ارتكاب المذابح الواضحة (مثل مذبحة صبرا وشتيلا) وبعد الغزوات الفاضحة (غزو لبنان) ، إذ يصبح من الصعب الحفاظ على أساطير كثيرة مثل «إسرائيل المُحاصَرة» أو «إسرائيل الباحثة عن السلام» وكما يحدث بعد حادثة مثل حادثة بولارد (المواطن الأمريكي اليهودي الذي قام بالتجسُّس على حكومة بلده لصالح الدولة اليهودية (.
ولكن معظم هذه الخلافات خلافات سطحية إذ تظل الصهيونية بشقيها التوطيني والاستيطاني متسمة بالوفاق. وقد عاد وفد الهاداساه المنسحب إلى قاعة المؤتمر بعد أن قرر منظمو المؤتمر أن مشروع القرار المقدم لم يكن دستورياً، ولا يزال معظم الصهاينة التوطينيين يؤيدون الدولة الصهيونية علناً ويقفون وراءها رغم كل توسعاتها. وتتولى المؤسسة الصهيونية القضاء على معظم الجماعات اليهودية والصهيونية المنشقة، وقد فعلت ذلك مع بريرا، وتحاول الشيء نفسه الآن مع التنظيمات اليهودية التي لا تقبل الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، أو توجِّه لها بعض النقد.
بعض الاختلافات الصهيونية بشأن الدولة الصهيونية
‏Some Zionist Disagreements Regarding the Zionist State

«الدولة الصهيونية» مفهوم صهيوني محوري. والمشروع الصهيوني، في أهم صوره، يرى أن الحل الوحيد للمسألة اليهودية هو إنشاء "دولة يهودية ذات سيادة" (شعار المؤتمر الصهيوني الأول 1897] ) . ويُلاحَظ أن ثمة ترادفاً في الخطاب الصهيوني بين عبارتي «الدولة الصهيونية» و «الدولة اليهودية» . وقد أصبحت الصيغة الصهيونية الأساسية صيغة أساسية شاملة بعد أن تم تحديد الدولة الصهيونية إطاراً لعملية التوظيف. وقد قام هرتزل بصياغة المفهوم والعقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية الذي تتعهد بمقتضاه الحضارة الغربية بأن تقوم بنقل اليهود إلى فلسطين وتأسيس دولة وظيفية لهم فيها، ورعايتها وحمايتها وضمان بقائها واستمرارها نظير أن يقوم اليهود على خدمة مصالح الغرب. ومع صدور وعد بلفور، يستقر المفهوم تماماً وتتحدد ملامحه وآليات تطبيقه.

ومع هذا، بدأت الدعوة لإنشاء الدولة قبل هذا التاريخ بين الصهاينة غير اليهود من المفكرين والزعماء أصحاب المطامع الاستعمارية في الشرق. وكانت هذه الدعوة غريبة على الجماهير اليهودية وعلى المفكرين اليهود، لأنهم كانوا إما متدينين ينتظرون مقدم الماشيَّح المخلِّص ليعود بهم ليؤسس هو الدولة (دون أي تَدخُّل بشري) ، أو علمانيين يدافعون عن الاندماج في أوطانهم. وقد طرح المفكر الصهيوني موسى هس الفكرة في منتصف القرن التاسع عشر في كتابه ذي الطابع الاستعماري الواضح روما والقدس، ولكن الكتاب لم يُتداوَل بين أعضاء الجماعات اليهودية ولم يكن معروفاً لديهم. وقد عالج ليو بنسكر الفكرة نفسها في كتابه الانعتاق الذاتي، غير أن فكره ظل مقصوراً على بعض قطاعات المثقفين في شرق أوربا، ثم تعرَّض هرتزل للموضوع نفسه في كتابه دولة اليهود وجعلها فكرة أساسية. وقد أدرك هرتزل حتمية الاعتماد على الإمبريالية كآلية لتحقيق المشروع الصهيوني، وضرورة أن تكون الدولة الصهيونية دولة وظيفية تابعة تستند شرعيتها إلى الوظيفة التي تضطلع بها وتحصل الدعم الاستعماري بسببها.
وقد أصبحت الدولة بعد مرحلة هرتزل وبلفور جزءاً من الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. وكما هو الحال عادةً، نجد أن الإجماع الصهيوني لا ينصرف إلا إلى هذه الصيغة الأساسية الشاملة، أما ما عدا ذلك فهو موضع خلاف وصراع (دون قتال) بسبب الطبيعة المراوغة للخطاب الصهيوني. وقد واجهت الفكرة معارضة من اليهود الإصلاحيين، وبعض اليهود الأرثوذكس ودعاة القومية اليديشية، وحزب البوند والاشتراكيين، وذلك لأسباب مختلفة. كما أن الصهاينة التوطينيين عارضوا فكرة الدولة في بداية الأمر خوفاً من أن يُتهَموا بازدواج الولاء. ولم يُكتَب للفكرة أن تتحقق إلا حينما تبنَّت الدول الإمبريالية المشروع الصهيوني ثم فرضت التجمع الاستيطاني على الواقع العربي.

والفكر الصهيوني يشبه في بنيته بنية العقائد العلمانية الشاملة في التشكيل الحضاري الغربي الحديث. فمع تزايد معدلات العلمنة، تزايدت أهمية الدولة حتى أصبحت الركيزة الأساسية للمجتمع ومصدر تماسكه الوحيد (بدلاً من القيم الدينية) ، ثم أصبحت الدولة المطلق موضع التقديس الذي يحل محل الكنيسة والإله وأصبحت مصلحة الدولة العليا الإطار المرجعي للمنظومة القيمية. ومع ظهور القومية العضوية، أصبحت الدولة الإطار الذي يعبِّر الشعب العضوي من خلاله عن ذاته ويحقق تماسكه العضوي. ثم يصل هذا التيار إلى ذروته مع الفكر الهيجلي إذ أصبحت الدولة الأداة التي تتوسل بها «الفكرة المطلقة» لتحقيق ذاتها، بل أصبحت تجسد الفكرة المطلقة في التاريخ.
والفكر الصهيوني لا يختلف، إلا في التفاصيل، عن الفكر الغربي، فالدولة اليهودية هي الإطار الذي سيعبِّر الشعب العضوي المنبوذ) أي المادة البشرية التي سيتم نقلها) عن هويته من خلاله. وتكتسب الدولة في الفكر الصهيوني دلالة أخرى هي فكرة الدولة الراعية الغربية. فقد أدرك الصهاينة من اليهود في مرحلة هرتزل أنهم لن يتأتى لهم تحقيق مشروعهم القومي إلا من داخل مشروع استعماري غربي. ومن هنا كان البحث عن دولة غربية عظمى تقوم بعملية نقل اليهود وتوطينهم وتأمين موطئ قدم لهم والدفاع عنهم ضد السكان الأصليين.
وبالتدريج، اكتسبت الدولة اليهودية أبعاداً دينية مطلقة وأصبحت هي آلية تَحقُّق الحلم المشيحاني بل مركز الحلول. وبعد إعلان الدولة الصهيونية بدأ كثير من اليهود ينظرون إليها باعتبارها الكنيس المركزي وإلى رئيس وزرائها باعتباره الحاخام الأعظم. ومع انتشار لاهوت موت الإله بين اليهود، أصبحت الدولة حرفياً هي تَجسُّد المطلق في العالم، الآن وهنا، فهي على حد قول أحد المفكرين اليهود «العجل الذهبي» (وقد تراجع هذا التيار نحو تقديس الدولة مع الانتفاضة وظهور لاهوت التحرير بين اليهود (.

وقد نشأت عدة صراعات بين الصهاينة حول عدة قضايا نوجزها فيما يلي:
1 ـ موقع الدولة:
دارت أولى الصراعات حول موقع الدولة، وهو صراع دار بين الاستيطانيين والتوطينيين (قبل مرحلة هرتزل وبلفور) . فالتوطينيون الذين كان همهم التخلص من اليهود كانوا في عجلة من أمرهم، ولذا كانوا على استعداد "لأن يلقوا باليهود في أي مكان" (عبارة نوردو وجابوتنسكي) سواء في فلسطين أو خارجها. ومن هنا المشاريع الصهيونية المختلفة (العريش ـ شرق أفريقيا ـ الأحساء ـ ليبيا ـ مدغشقر.. إلخ) . وقد حُسم الأمر بعد بلفور فوُضعت فلسطين تحت الانتداب ودخلت الفلك الاستعماري وتقرَّر تحويلها إلى مكان لتوطين اليهود ومن ثم توقَّف الحديث عن موقع الدولة.
2 ـ آليات إنشاء الدولة:
يختلف الصهاينة فيما بينهم حول أسلوب إنشاء الدولة. ففي البداية كان هناك الصهيونية التسللية التي وقعت أسيرة وهم كبير، إذ تصوَّر التسلليون أن بإمكانهم الاستيطان دون مساعدة الإمبريالية الغربية وقد اختفى هذا التيار مع تأسيس المنظمة الصهيونية.

ولكن حتى بعد تأسيس المنظمة وقبول المظلة الإمبريالية اختلف الصهاينة فيما بينهم. فدعاة الصهيونية الدبلوماسية (الاستعمارية) كانوا يرون أن الطريق الأسلم هو التفاوض مع القوى الاستعمارية والتأكد من ضمانها للدولة. أما دعاة الصهيونية الإثنية العلمانية، فقد كانوا يرون ضرورة اتباع أسلوب العمل الثقافي البطيء بين جماهير اليهود في العالم وفي فلسطين. أما الصهاينة العماليون الاستيطانيون، فكانوا يرون أن خير وسيلة هي خَلْق الحقائق الاستيطانية في فلسطين. وكان بعض التصحيحيين (التوطينيين) ممن ضاقوا ذرعاً بالوجود اليهودي في المنفى يجدون أن خير وسيلة هي التحالف الفوري مع القوى الإمبريالية وفَرْض أغلبية يهودية على الفلسطينيين بالقوة العسكرية لإنشاء وطن يهودي على ضفتي نهر الأردن. وكان جوزيف ترومبلدور يحلم باختزال كل المسافات الزمانية والمكانية بتكوين جيش يهودي جرار قوامه 100 ألف يهودي يقتحم فلسطين ويستوطن فيها، ثم عدل عن خطته «الرهيبة» وأخذ يفكر في جيش قوامه عشرة آلاف. لكنه لم يتمكن من تحقيق حلمه العسكري الضخم الأول ولا حلمه العسكري الهزيل الثاني. ولا تزال الإشكالية تعبِّر عن نفسها وإن أصبحت تنصرف إلى آليات إدارة الدولة وإلى كيفية التعامل مع العرب.
3 ـ حدود الدولة:

ظهر خلاف عنيف بين الصهاينة حول حدود الدولة. وهذا يعود إلى عدة أسباب، من بينها أن إرتس إسرائيل ليست ذات حدود معروفة، كما أن الدولة العبرانية القديمة لم تكن لها حدود مستقرة. وكان هناك من الصهاينة مَنْ يدرك أهمية الموازنات الدولية ويقنَع بحدود تتفق مع قرار الدولة الراعية. ولكن كان هناك أيضاً مَنْ لا يدرك هذه الموازنات ويظل يدور في إطار الرؤى الحلولية الدينية والتاريخية القديمة وأحلام النيل والفرات. وبعد إنشاء الدولة، لم تُحسَم المسألة قط. فهناك من يحاول ربط حدود الدولة بالكثافة البشرية اليهودية. ومع تصاعد الأزمة السكانية الاستيطانية ظهر دعاة ما يُسمَّى «الصهيونية السوسيولوجية» أو «الصهيونية السكانية» المهتمون بالطابع اليهودي للدولة، وهم يطالبون بحد أدنى على عكس دعاة ما يُسمَّى «الصهيونية العضوية الحلولية» و «صهيونية الأراضي» ، فهؤلاء يصرون على الحد الأقصى. وتعبِّر الإشكالية عن نفسها في الوقت الحاضر من خلال الحديث عن الحدود الآمنة للدولة، إذ تتغير الرؤية للحدود بتغيُّر الرؤية لأمن الدولة ومقوماته.
4 ـ التوجُّه الأيديولوجي للدولة:

لم تتعرض الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة بعد بلفور للتوجُّه الأيديولوجي للدولة، إذ يبدو أن الصهاينة التوطينيين كانوا واعين بحقائق الموقف في فلسطين، وبصعوبات الاستيطان. كما لم يكن توجُّه الدولة الصهيونية يعنيهم من قريب أو بعيد مادامت تؤدي الأغراض المطلوبة منها، مثل إبعاد يهود شرق أوربا عنهم، والقيام بدور المدافع عن المصالح الإمبريالية. ولذلك، فإنهم لم يمانعوا قط في تأييد بعض الأفكار والممارسات الصهيونية التي ترتدي زياً اشتراكياً. ولعل الصيغة المراوغة التي توصلت إليها المنظمة الصهيونية العالمية بشأن الاستيطان كانت محاولة للتوفيق بين كل الصهاينة والجمع بينهم وراء الحد الأدنى الصهيوني، فقد تحدَّد هدف الحركة الصهيونية في الحصول على أراض في فلسطين كي تكون ملكاً للشعب اليهودي ولا يمكن التفريط فيها، وأن يكون الصندوق القومي اليهودي قائماً كلياً على تبرعات تلقائية من اليهود في جميع أنحاء العالم. فالهدف هنا لم يحدد شكل الدولة الصهيونية، ولا شكل ملكية الأرض، ولا المُثل الاجتماعية أو العقائدية الظاهرة أو الكامنة، وإنما تحدَّث فقط عن الحصول على أرض فلسطين كي تكون ملكاً للشعب اليهودي بشكل مبهم ومجرد. ولهذا، يَصعُب الحديث عن يمين أو يسار داخل الحركة الصهيونية، فمن الناحية البنيوية يتفق الجميع على الحد الأدنى.
أما الشكل الاجتماعي والمضمون الطبقي لهذه الدولة، فهو أمر متروك لكل فريق بحيث يستمر الحوار بشأنه أو الصراع حوله دون قتال. بل إننا نجد أن الرأسماليين الصهاينة يقبلون بعض الأشكال الاشتراكية وأن الاشتراكيين يقبلون كثيراً من الممارسات الرأسمالية، كما أن المتدينيين يغضون الطرف عن كثير من ممارسات أعضاء النخبة الإلحادية. وكثير من أعضاء النخبة يؤدون بعض الشعائر الدينية رغم إلحادهم، إذ يدرك الجميع أن ثمة صيغة أساسية تنتظمهم جميعاً.
5 ـ التكوين السكاني للدولة:

نشأ صراع حول التكوين السكاني للدولة، إذ تنبَّه بعض الصهاينة منذ البداية إلى أن طبيعة الدولة الصهيونية كدولة إحلالية شاملة ستُؤلِّب السكان الأصليين ضدها وتجعلها تعيش في صراع دائم، ومن ثم ظهرت فكرة الدولة ثنائية القومية التي دعا إليها بوبر وماجنيس وجماعة إيحود وحزب المابام. ولكن معظم الصهاينة أصروا على الطبيعة الإحلالية الشاملة للدولة الصهيونية. وقد خمد الصراع بين الفريقين ولكنه عاد إلى الظهور في أشكال أخرى، من بينها الصراع بين دعاة الصهيونية السوسيولوجية ودعاة صهيونية الأراضي.
6 ـ نطاق سيادة الدولة:
طُرح سؤال بشأن نطاق سيادة الدولة الصهيونية: هل هي دولة الشعب اليهودي بأسره، داخل حدودها وخارجها، أم أنها دولة المستوطنين الصهاينة (وهو الصراع نفسه بين التوطينيين والاستيطانيين) . ويحاول الاستيطانيون أن يؤكدوا أن الدولة هي دولة الشعب اليهودي بأسره، ولذا تم إعلان قيام الدولة عن طريق مجلس قومي يتحدث باسم كل اليهود، سواء في فلسطين أو في خارجها.
وقد أصدرت الدولة الصهيونية قوانين كثيرة، وأقامت هيئات مختلفة بهدف ترجمة مفهوم الشعب اليهودي إلى واقع قائم. ومن أهم هذه القوانين قانون العودة الذي يمنح جميع اليهود حق مغادرة مسقط رأسهم والعودة إلى "وطنهم القومي". وتعمل المنظمة الصهيونية العالمية على تكريس الوحدة اليهودية دون أية مراعاة للحدود الوطنية للدول المختلفة. ويحدد ميثاق المنظمة مهمتها بأنها "لمُّ شمل المنفيين في أرض إسرائيل التاريخية، وتدعيم وحدة الشعب اليهودي".

وتأسيساً على هذا الهدف الصهيوني/الإسرائيلي، وعلى أساس هذا الأسلوب في العمل، فإن ميثاق المنظمة الصهيونية العالمية يتحدث عن واجبات المنظمة تجاه الدولة، مثل "تقوية دولة إسرائيل"، و"تعبئة الرأي العام العالمي" لتأييدها، ووردت بالميثاق أيضاً إشارة إلى "الأنشطة التي تتم خارج إسرائيل"، وقد أدَّى هذا المفهوم إلى درجة من التوتر. فالتوطينيون حاولوا، من خلال المنظمة، فَرْض سيطرتهم على الدولة، ولكن الاستيطانيين نجحوا في عزلهم والهيمنة على المنظمة. وقد استمر الصراع بعد انتصار الاستيطانيين، إذ يحاول التوطينيون أن يؤكدوا أن الدولة ليست لها سيادة عليهم وإنما على مواطنيها وحسب. وهذا اتجاه له صداه في إسرائيل إذ توجد جماعات ترى أن الدولة الصهيونية هي دولة الإسرائيليين وحسب (الحركة الكنعانية وغيرها) .
وهكذا نرى أن الاختلافات بين الاتجاهات الصهيونية المختلفة إنما ينصرف إلى موقع الدولة والآليات المتبعة في إنشائها (وإدارتها) أو حدودها أو توجُّهها الأيديولوجي أو تكوينها السكاني أو نطاق سيادتها. ولكن ثمة اتفاقاً على المبدأ نفسه، أى ضرورة إنشاء الدولة. كما أن هناك قبولاً للعقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن وظيفية الدولة. ومن هنا كانت الوحدة الأساسية بين كل الصهاينة.

ومع هذا، لجأت الحركة الصهيونية إلى أسلوب التدرج لتعلن عن حدها الأدنى الصهيوني بسبب الموازنات الدولية، وبسبب العلاقة المتوترة بين الاستيطانيين والتوطينيين، وبسبب الخوف من السكان المحليين. ويمكننا متابعة هذا التدرج بتأمل قرارات المؤتمرات الصهيونية المختلفة. فإذا ما نظرنا إلى قرارات المؤتمر الصهيوني الأول (1897 ثم إلى قرارات مؤتمر بلتيمور (1942) ، ثم إلى قرارات المؤتمر الصهيوني السابع والعشرين الذي عُقد في القدس (1968 للاحظنا التباين الشاسع ولرأينا كيف أن الحركة صاعدة من الحد الأدنى إلى الحد الأقصى. فقد صيغت قرارات المؤتمر الأول بشكل لا يزعج الأغيار (المطلوب عونهم في ذلك الوقت) ولا يزعج حكومة سويسرا (التي عُقد على أرضها المؤتمر) ولا يزعج يهود الغرب المندمجين (المطلوب دعمهم) ولا ينبه السكان الأصليين (المطلوب تصفيتهم) . ولذلك طلب المؤتمر إقامة «وطن قومي» (وليس دولة) في فلسطين يضمنه «القانون العام» (وليس الاستعمار الغربي ولا العنف أو الإرهاب) . كما دعا المؤتمر إلى تقوية الوعي والعواطف اليهودية وحسب دون أن يؤدي هذا إلى أي ازدواج في الولاء. ولم تصبح فكرة الدولة الصهيونية الشعار الرسمي للحركة الصهيونية إلا عام 1942 في مؤتمر بلتيمور، غير أن المُؤتمرين الصهاينة عبَّروا في قرارات هذا المؤتمر عن أملهم في انتصار الإنسانية والديموقراطية وما شابه ذلك، كما رحبوا بالتعاون مع العرب وبالبعث العربي اليهودي المشترك. وبرغم أن المطلقات الحلولية بدأت في الظهور، فإن الصياغة ظلت ديموقراطية ليبرالية إلى حدٍّ كبير. أما قرارات المؤتمر السابع والعشرين الذي عُقد بعد حرب يونية وبعد "توحيد" القدس على الطريقة الصهيونية وبعد ضم أراض عربية، فقد جعلت حدود الدولة الصهيونية تقترب بعض الشيء من تصوراتهم عن الحدود التاريخية أي المقدَّسة. ونحن هنا نجد الحلولية العضوية تسفر عن وجهها وأن الأهداف المعلنة قد قطعت شوطاً

كبيراً في رحلتها إلى المطلق، فأصبحت أهداف الصهيونية هي وحدة الشعب اليهودي، ومركزية دولة إسرائيل في حياته، وتجميع المنفيين من الشعب اليهودي في وطنه التاريخي عن طريق الهجرة من جميع البلاد، وتدعيم دولة إسرائيل القائمة على مُثُل الأنبياء في العدل والسلام، والمحافظة على أصالة الشعب اليهودي بتنمية التعليم اليهودي واللغة العبرية اليهودية والثقافة اليهودية وتقوية التحالف الإستراتيجي مع الحضارة الغربية.
الصراع بين الإثنيين الدينيين والإثنيين العلمانيين
‏Conflict between Religious and Secular Ethnic Zionists
نشب صراع حاد بين الصهاينة الإثنيين الدينيين والإثنيين العلمانيين. ولفهم طبيعة الصراع بإمكان القارئ أن يعود للأبواب التالية: «الصهيونية والعلمانية الشاملة» ـ «الصهيونية الإثنية الدينية» ـ «الصهيونية الإثنية العلمانية «.
مواطن الاختلاف بين التيارات الصهيونية المختلفة
‏Points of Disagreement between Various Zionist Trends
قد يكون من المفيد حصر بعض الموضوعات الأساسية التي يختلف الصهاينة بشأنها، وكل موضوع سيأخذ شكل سؤال يجيب عنه كل تيار صهيوني بطريقته. ويُلاحَظ أن طريقة الإجابة على السؤال تُحدِّدها ثلاثة عناصر أساسية: هل الصهيوني توطيني أو استيطاني؟ هل الصهيوني إثني ديني أو إثني علماني؟ هل الصهيوني اشتراكي أو رأسمالي ... إلخ؟ (كان هناك تساؤلات تُطرَح قبل مرحلة هرتزل وبلفور تم حسمها فيما بعد وقد استبعدناها من قائمة الأسئلة على قدر المستطاع) .
1 ـ ما الموقف من اليهودية؟
* عقيدة الشعب اليهودي التي يجب اتباعها.
* فلكلور الشعب اليهودي الذي يجب الحفاظ عليه.
* تراث ميت يشكل عبئاً على الشعب اليهودي لابد من التخلص منه.
2 ـ من هو اليهودي؟
* إشكنازي وحسب.
* كل يهود العالم.
* من يؤمن باليهودية.
* من وُلد لأم يهودية.
* من تهود حسب الشريعة (أى على يد حاخام أرثوذكسي) .
* من يشعر في قرارة نفسه أنه يهودي.

* من يكتشف أن جده كان يهودياً.
3 ـ ما الموقف من ظاهرة العداء لليهود؟
* ظاهرة حتمية أزلية.
* ظاهرة سلبية يمكن القضاء عليها أو تخفيف حدتها.
* ظاهرة سببها اليهود أنفسهم (باعتبار أنهم شعب مختار أو شعب طفيلي أو شعب يرفض الاندماج أو شعب ذو وضع طبقي متميِّز) .
4 ـ ما طبيعة هذا الشعب اليهودي؟
* شعب مقدَّس.
* شعب مختار.
* طبقة وسطى هرمها الإنتاجي مقلوب.
* مجموعة من الطفيليين.
* شعب مثل كل الشعوب.
* قومية عضوية.
5 ـ من ينبغي نقله من أعضاء هذا الشعب؟
* كل اليهود (وتصفى الدياسبورا) .
* الفائض اليهودي البشري وحسب.
* فقراء اليهود.
* يهود اليديشية.
* أي يهودي غير مندمج.
6 ـ ما سبب النقل (نظرية الحقوق) ؟
* كي يعود الشعب المختار لأرض الميعاد ليؤسس دولته.
* كي يعود اليهود (الشعب الشاهد) إلى أرض الميعاد حيث يتم تنصيره تعجيلاً بالخلاص.
* طفيلية اليهود التي لابد من القضاء عليها (أي تطبيع الشخصية اليهودية) .
* فائض بشري لابد من التخلص منه.
* ضحايا دائمون للأغيار.
* مادة استيطانية جيدة.
* رُسُل الحضارة الغربية البيضاء الذين سيأتون بالتقدم ويشكلون قاعدة للاستعمار الغربي.
* تثوير المنطقة على يد الاشتراكيين اليهود عن طريق إقامة مجتمع اشتراكي.
* مساعدة الإمبريالية الغربية.
7 ـ ما طبيعة الدولة الصهيونية؟
* وطن قومي وحسب.
* دولة رأسمالية.
* دولة اشتراكية.
* دولة دينية.
* دولة فاشية.
* دولة مستقلة عن الغرب.
* دولة تابعة للغرب.
8 ـ ما حدود الدولة؟
* قرار التقسيم.
* حدود 48.
* ضفتا نهر الأردن.
* من النيل إلى الفرات.
* حدود عملية تتحدد حسب عدد المهاجرين المستوطنين.
* حدود جغرافية آمنة.
* حدود تحددها القوة الذاتية للدولة.
9 ـ ما وظيفة الدولة؟
* دولة قومية للشعب اليهودي.
* واحة للديموقراطية الغربية.
* مكان لتطبيع اليهود وتخليصهم من طفيليتهم.

* قاعدة للمصالح الغربية (ضد الوحدة العربية وفي مواجهة القومية العربية والشيوعية) .
* مكان يحقق اليهود فيه هويتهم الدينية والإثنية.
* مكان يحقق اليهود فيه مستوى معيشياً مرتفعاً.
* مركز ثقافي لكل يهود العالم.
* قاعدة للنظام العالمي الجديد (ضد الإسلام) .
10 ـ ما علاقة يهود العالم بالدولة؟
* هي الدولة التي يستوطنون فيها والتي عليهم أن يستوطنوا فيها.
* دعم الاستيطان.
* تكوين مراكز قوة وضغط (لوبي) في بلادهم لدعم الدولة.
* التبعية للدولة اليهودية.
* تبعية الدولة اليهودية لهم.
* الدولة هي مجرد مركز ثقافي لهم.
11 ـ ما فلسطين؟
* أرض الميعاد.
* موقع إستراتيجي بين آسيا وأفريقيا.
* بقعة جيدة للاستثمار.
12 ـ ما مصير العرب؟
* لابد من رحيلهم من خلال الإقناع.
* لابد من رحيلهم من خلال العنف.
* دولة مزدوجة الجنسية.
إن شقة الخلاف واسعة حيث يجيب كل تيار صهيوني عن الأسئلة بطريقة مختلفة. ومع هذا، تظل البنية الكامنة هي الصيغة الشاملة التي تفترض أن المادة البشرية اليهودية سيتم نقلها إلى فلسطين لإقامة دولة وظيفية بمساعدة الاستعمار الغربي. ثم تضاف إليها أية ديباجات تروق للصهيوني. فالمادة البشرية يمكن أن تكون الشعب المختار أو طليعة الطبقة العاملة ... إلخ.
التيارات الصهيونية: إطار تصنيفي
‏Zionist Trends: Framework for Classification
نستخدم مصطلح «التيارات الصهيونية» للإشارة إلى التيارات الفكرية والتنظيمية داخل الحركة الصهيونية. ويُلاحَظ أننا لم نستخدم كلمة «مدارس» لأن هذه الكلمة قد توحي بأن ثمة اختلافات عميقة وجوهرية بين تلك التيارات، وهو أمر مناف للحقيقة. أما الصراعات داخل التيارات المختلفة فنشير إليها باعتبارها «اتجاهات» .

وتعود الوحدة الأساسية بين التيارات الصهيونية المختلفة إلى أنها تدور في إطار الصيغة الصهيونية الأساسية بعد أن تحولت إلى صيغة أساسية شاملة وبعد تهويدها. فمهما احتدم الصراع بين تيار وآخر، يظل هناك الاتفاق المبدئي على الأهداف النهائية وعلى آليات تنفيذها. ومع هذا، تحدُث بعض الانقسامات داخل التيارات الصهيونية يمكن تصنيفها على النحو التالي:
أولاً: التقسيم على أساس مجال النشاط الصهيوني.
ينقسم الصهاينة من هذا المنظور إلى صهاينة استيطانيين يمارسون نشاطهم في فلسطين، وإلى آخرين توطينيين في الخارج (انظر: «الصهيونيتان» ـ «الصهيونية التوطينية» ـ «الصهيونية الاستيطانية» ) .
ثانياً: التقسيم على أساس إثني (ديني/علماني) .
ينقسم الصهاينة من المنظور الإثني إلى تيارين: صهيونية إثنية دينية وأخرى إثنية علمانية (انظر: «الصهيونية الإثنية الدينية» ـ «الصهيونية الإثنية العلمانية» ) . والتقسيمان السابقان يتعاملان مع اليهود على مستويين مختلفين، ومن ثم فهما لا يتداخلان ولا يوجد بينهما أي تناقض. وثمة تكامل بينهما، فيمكن أن تبذل الصهيونية التوطينية (التي استوعبت الصهيونية الدبلوماسية والسياسية الاستعمارية وصهيونية يهود الغرب المندمجين) الجهود المكثفة وتقوم بالمحاولات الدائبة لتأمين الدعم الاستعماري وإيجاد آليات إخلاء أوربا من اليهود ونَقْلهم خارجها. وتصوغ الصهيونية الإثنية (الدينية والعلمانية) المصطلح اللازم لإثارة حماس الجماهير المطلوب نقلها، وذلك بإطلاق اسم «الشعب اليهودي» عليها وبربطها عاطفياً بفلسطين، أو «إرتس يسرائيل» كما يسمونها. أما الصهيونية العمالية الاستيطانية، فإنها تُقدِّم المظلة العسكرية والسياسية الواقعية واللازمة لعملية الاستيطان في بيئة معادية. وفي تصوُّرنا أن هذه الطريقة لتصنيف التيارات الصهيونية ذات قيمة تفسيرية عالية وتشكل الإطار الحقيقي للانقسامات الصهيونية.

ثالثاً: التقسيم على أساس إثني (إشكنازي/سفاردي، وغربي/شرقي (.
فرغم عدم اشتراك يهود البلاد العربية في إفراز الفكر الصهيوني أو الحركة الصهيونية، ورغم أن الصهيونية (بشقيها الشرقي الاستيطاني والغربي التوطيني) لم تتوجه إليهم بشكلٍّ خاص ولم تحاول تجنيدهم بشكل عام وواسع قبل عام 1948، إلا أن إنشاء الدولة قد خلق حركيات تتخطى إرادتهم. كما أن حاجة الدولة الصهيونية إلى طاقة بشرية (بعد عزل يهود الشرق أو اختفائهم، وبعد رفض يهود الغرب الهجرة) ، جعلها تهتم بهم وتجندهم وتفرض عليهم في نهاية الأمر مصيراً صهيونياً، أي الخروج من أوطانهم. كما أن رغبتهم في الحراك الاجتماعي (فيما نسميه الصهيونية النفعية) قد ساعدت على ذلك. وقد استقرت أعداد كبيرة منهم في الدولة الصهيونية، وإن كان من الملحوظ أن أعداداً أكبر قد استقرت خارجها.
والانقسام على أساس إثني (إشكنازي/سفاردي، وغربي/شرقي) هو انقسام مهم وخطير، فرغم أنه لم يؤثر في الأطروحات الفكرية النظرية الصهيونية الأساسية إلا أنه ترك أعمق الأثر في حركيات الدولة الصهيونية.
رابعاً: التقسيم على أساس العقيدة السياسية.
ينقسم الصهاينة من المنظور السياسي إلى قسمين أساسيين: اشتراكي (عمالي) ورأسمالي ليبرالي من دعاة المشروع الحر. وهو تقسيم ذو قيمة تفسيرية ضعيفة، وذلك بسبب طبيعة الدولة الصهيونية الوظيفية وقيام الإمبريالية الغربية بتمويلها بكل قطاعاتها الرأسمالية والاشتراكية. وهناك تصنيفات سياسية أخرى مثل انقسام الصهاينة إلى ديموقراطيين وفاشيين، وهكذا. لكن هذا التقسيم لا يقل في ضعفه من ناحية مقدرته التفسيرية عن التقسيم على أساس اشتراكي/رأسمالي للسبب السابق نفسه. ولعله، بعد تَساقُط المنظومة الاشتراكية في العالم، لم تَعُد لهذا التقسيم قيمة كبيرة. وهناك أيضاً الانقسام على أساس حدود الدولة ومستقبلها.

ونحن نقترح هذا الإطار كأساس تصنيفي لكل التيارات الصهيونية إذا نظرنا إليها من منظور الصهيونية ككل لا من منظور إسرائيل وحسب. ولذا، فإننا نذهب إلى أن الصهيوني لابد أن يكون واحداً من أربعة انتماءات محتملة:
1ـ أ) صهيوني توطيني ديني.
ب) صهيوني توطيني علماني.
2ـ أ) صهيوني استيطاني ديني.
ب) صهيوني استيطاني علماني.
وخريطة الأحزاب في التجمُّع الصهيوني تعكس هذه الاختلافات، فتُقسَّم الأحزاب حسب الأيديولوجية (مشروع حر مثل الليكود و"عمالية" مثل المعراخ) . وحسب ازدواجية الديني/العلماني (أحزاب دينية مثل مزراحي وأحزاب علمانية مثل ميرتز) . وحسب ازدواجية الشرقي والغربي (حزب جيشر السفاردي وحزب إسرائيل بعاليا الروسي) . وحسب الموقف من حدود إسرائيل وتكوينها السكاني (موليديت وميرتس) . ويمكن أن يعكس حزب واحد كثيراً من هذه الازدواجيات أو يتأرجح بينها (شاس السفاردي الديني الذي يؤيد التوسع وضم الأراضي أحياناً ويتراجع عن ذلك أحياناً) . ولكن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة تظل في البداية العقد الاجتماعي الصامت والمرجعية النهائية التي يتقبلها الجميع.
الصهيونية التوفيقية
‏Synthetic Zionism
مصطلح «الصهيونية التوفيقية» تعبير آخر عما يُسمَّى «الصهيونية التركيبية» (بالإنجليزية: سينثيتيك زايونيزم Synthetic Zionism) . وهو مصطلح استخدمه وايزمان في المؤتمر الصهيوني الثامن 1907 حين طالب الصهاينة العمليين والصهاينة الدبلوماسيين بمزج أساليبهم في العمل. وقد أكد وايزمان أنه لا يرفض الأساليب الدبلوماسية (الاستعمارية) ولكنه يجدها غير كافية في حد ذاتها إذ لابد أن يساعدها نشاط استيطاني، وهو بذلك يكون قد قَبل الصهيونية الاستيطانية والصهيونية التوطينية.

وقد عبَّر أتو ووربورج، رئيس المنظمة منذ عام 1911 وحتى عام 1920، عن هذه الصهيونية التوفيقية بشكل أدق إذ قال: إن "الحق التاريخي الذي تستند إليه ملكيتنا لفلسطين ... لا تأثير له وحده وفي حد ذاته على الدول الكبرى. بل يتوجب علينا إيجاد صيغة عصرية لذلك الحق تضاف إليه. وهذه الصيغة تقوم على برهنتنا، إن لم يكن شرعياً أو حقوقياً (دي جوري de jure) فبحكم الواقع الفعلي (دي فاكتو de facto) ، على أن فلسطين تخضع اقتصادياً لنفوذنا، وأن جميع ما أحرزته تلك البلاد من تَقدُّم كبير وملموس يرجع في الأصل إلى مبادرتنا وقوة وسائلنا الاقتصادية وفعاليتها ولم ينشأ إلا بفضلها". وهو هنا لا يشير إلى الصهيونية الدبلوماسية التوطينية وحسب، أو إلى الصهيونية الاستيطانية وحسب، وإنما يشير أيضاً إلى الصهيونية الإثنية (الحق التاريخي) ، كما أنه ينظر إلى فلسطين من منظور التيارات الصهيونية الثلاثة وإن كان يؤكد أهمية الاستيطان وسياسة خلق الحقائق.
ولعل كلمات أوسيشكين (بعد وفاة هرتزل) هي أدق التصريحات، فقد اقترح العودة لا إلى صهيونية أحباء صهيون الاستيطانية ولا إلى الصهيونية الروحية (الصهيونية الإثنية) ولا إلى الصهيونية الدبلوماسية (التوطينية) وإنما إلى مزيج من هذه التيارات الثلاثة معاً، أي إلى الصهيونية السياسية كما نص عليها برنامج بازل. وهي، إذن، دعوة إلى الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المُهوَّدة وإلى وحدة كل التيارات الصهيونية داخل إطار هذه الوحدة.

وقد حقق الصهاينة قدراً كبيراً من الوحدة عبر تاريخهم. فأثناء المحادثات بشأن وعد بلفور، نجد أن وايزمان التوطيني يبذل جهوداً دبلوماسية غير عادية ويستفيد من التغيرات الدولية من أجل تحقيق هدف استيطاني (استصدار ضمان دولي لعملية الاستيطان الصهيوني في فلسطين) ، وفي خلفية هذه النشاطات كان يوجد آحاد هعام (أستاذ وايزمان ومؤسِّس التيار الصهيوني الإثني العلماني) يزودهم منذ عام 1908 بالمشورة وينصحهم بأن يبحثوا عن موافقة وتأييد بريطانيا لمشاريعهم الاستيطانية المختلفة. ثم يَصدُر وعد بلفور بالفعل على هيئة رسالة موجهة إلى أحد أثرياء الغرب المندمجين الذين غيَّروا موقفهم من رفض المشروع الصهيوني إلى قبوله.

ويمكننا أن نقول إن الصهيونية الحقة، شأنها في هذا شأن إسرائيل، هي الصهيونية التي تمزج جميع التيارات الصهيونية؛ عمالية كانت أو رأسمالية، راديكالية أو تصحيحية، دينية أو علمانية، توطينية أو استيطانية، ذلك أن صهاينة الخارج يتحركون على الصعيد السياسي لصالح المُستوطَن الصهيوني ويقومون بتجنيد يهود العالم وراءه ويجمعون الضرائب لدعمه (الصهيونية التوطينية، أي كل التيارات الصهيونية في الخارج) . ويقوم المستوطنون بخلق حقائق جديدة (الصهيونية الاستيطانية، أي التيارات الصهيونية المختلفة في الداخل) . وتصر الصهيونية في الداخل على وحدة الهوية اليهودية (صهيونية إثنية) ، وهي هوية نابعة من التراث الديني (صهيونية إثنية دينية) وفق أحد التيارات الدينية، أو لا علاقة لها بالدين وإنما تنبع من التراث (صهيونية إثنية علمانية) حسب تصوُّر التيار العلماني. ومع ذلك، وبغض النظر عن كل هذه التصنيفات، نجد أن جميع التيارات الصهيونية تشترك في الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المُهوَّدة، وفي الاعتماد شبه الكامل على الدعم الإمبريالي من خلال الراعي الإمبريالي والجماعة اليهودية في الغرب. ولذا، فيمكننا أن نزعم أن جميع الصهاينة، في نهاية الأمر، توفيقيون.
الصهيونية: القيم السياسية
‏Zionism: Political Values

يجتمع في الإطار السياسي النظري للصهيونية نظم أساسية ومختلفة من القيم: اليهودية التي تمت صهينتها، والعنصرية، والقومية السياسية، والقومية العضوية، والاشتراكية، والليبرالية، الأمر الذي يجعل مبدأ "القوة" كأساس للمشروعية السياسية - ولا نقول للشرعية (المبدئية) - المبدأ الأساسي الذي يحكم مدركات التعامل السياسي الإسرائيلي. ولذا يتحكَّم هذا المبدأ في الحياة والمستقبل الإسرائيليين تحكُّماً يتجاوز في مداه وعمقه تأثير طاقات أيٍّ من تلك النظم المختلفة من القيم. ولإيضاح هذا، يتوجب تحديد ما نعنيه هنا بتلك النظم من القيم، وبمبدأ القوة كأساس للتعامل السياسي، وذلك في إطار تناولنا الصهيونية باعتبارها تلك العقيدة السياسية التي تدعو يهود العالم للتجمُّع في فلسطين لتكوين وبناء الدولة الإسرائيلية.
ويمكن القول بأن المنهجية "التلفيقية" هي السمة البارزة في خطاب الصهيونية، لا ينهض الجانب الدعوي من هذا الخطاب بدونها، سواء في التعامل مع القوى غير اليهودية، أو في التعامل مع الجماعات اليهودية نفسها، أو في بناء فكرها نفسه. ولبيان ذلك علينا ملاحظة أن أياً من نظم القيم السياسية إنما يتكون، كغيره من نظم القيم الأخرى، من قيمة جماعية عليا (كالديموقراطية: احتراماً للكرامة الإنسانية، في نسق قيم الحضارة الغربية الحديثة) ، يرتبط بها ويعبِّر عنها نسق من القيم السياسية الفردية.

وعَبْر هذا النسق من القيم السياسية الفردية، يتميَّز أيُّ نسق من القيم عن أنساق القيم الأخرى تميُّزاً لا يتحدد بالضرورة بهذه القيم كمفردات، بل يتحدد بالعلاقة فيما بينها في نسق القيم الذي يجمعها. فنسق القيم الشيوعي، في رفضه نسق القيم الغربي الليبرالي، لا يرفض مفردات قيمه السياسية الفردية، من حرية ومساواة وعدالة، ولكنه في الأساس يرفض أولوية قيمة الحرية على المساواة والعدالة؛ ويتبنَّى المساواة كقيمة سياسية عليا في نسق قيمه، جاعلاً لها الأولوية على الحرية مثلاً، منطلقاً في ذلك من فهم الشيوعية للعلاقة بين الظاهرة السياسية والظاهرة الاقتصادية، التي تعتبر مفهوم "الكفاف الاقتصادي" أساساً للديموقراطية السياسية. بل تمضي أبعد من ذلك لتعتبر أن تحقُّق "العدالة" مرهون بتحقُّق المساواة الفعلية في الأوضاع الاقتصادية.
ولكن الأمر جدُّ مختلف بالنسبة للصهيونية إذ نجد أنفسنا أمام إطار من القيم تتداخل فيه أنساق من القيم، وليس مجرد مفردات من القيم. وهي بطبيعتها أنساق مختلفة، غير منسجمة مع بعضها البعض. وهو ما يجعل محاولة تبيُّن سمات نسق قيم الصهيونية عملية صعبة، بل قد تكون غير ممكنة، ما لم نلحظ السمة التلفيقية فيها بين أنساق من القيم وليس بين مفردات.

وأول تلك الأنساق هي اليهودية التي تمت صهينتها أو الصهيونية ذات الديباجات الدينية اليهودية، ونعني بها تلك المعتقدات من اليهودية التي توظِّفها الصهيونية في مشروعها لبناء الدولة الصهيونية. ولا نقصد بذلك أن هذا التوظيف يتوافر على رؤية معرفية كلية، على درجة من الثبات المنهجي، تفسر الوجود السياسي، وتقيِّم الحركة السياسية، بصورة منطقية ومتجانسة. فاليهودية بوصفها تركيباً جيولوجياً تراكمياً عاجزة وعصيِّة تماماً على الانصهار في مثل تلك الرؤية المعرفية المحددة. غير أن هذه السمة الجيولوجية التراكمية نفسها، بما تشتمل عليه من أنساق وأفكار ومعتقدات ومفاهيم متعددة ومختلفة ومتناقضة، جعلت من اليسير على الصهيونية أن تختار الإطار المعتقدي أو المنطلق القيمي المناسب والمطلوب، لتقييم كل حركة أو مرحلة سياسية أو تبريرها، والتعامل معها؛ كما أنها (أي السمة التركيبية الجيولوجية التراكمية) تسمح بتفسير أو تبرير كل حالة سياسية، أو حتى الوجود السياسي نفسه، وذلك كله تبعاً لتغيُّر الإطار - أو حتى الظرف - التاريخي والسياسي والاجتماعي، أو تبعاً لاختلاف طبيعة التوظيف المعتقدي المطلوب سواء كان دعوياً يتجه إلى تأكيد رابطة الولاء والانتماء اليهودي للكيان الصهيوني، أو دعائياً يرمي إلى كسب التعاطف والتأييد الخارجي (الدولي) لهذا الكيان. ومع أن مثل هذا التوظيف التلفيقي يعمل على صبغ الصهيونية وشحنها بالمفاهيم والأطروحات المتناقضة الأمر الذي يدفعها في النهاية للانفجار والتفتت الفكري، إلا أنه يهيئ لها من جهة أخرى، وبخاصة في ظل ظروف وتحالفات دولية مواتية، استمراراً مرحلياً ما دامت تواجه بيئة سياسية واهنة أو مسترخية فكرياً وسياسياً، كما هو الحال في البيئة الثقافية والسياسية العربية الراهنة، وذلك بغض النظر عن الطاقات والإمكانات الفكرية والسياسية الكامنة لهذه البيئة (العربية) .

إن مقولة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» مثلاً، إنما تعبِّر في توظيفها، الدعوي والدعائي، عن تلك المنهجية الصهيونية التلفيقية، حيث يتم إحياء مفاهيم وتقاليد معينة في هذا التراث وتجاهُل أخرى، وذلك تبعاً لما يتطلبه الإطار التاريخي أو الظرف السياسي والاجتماعي، الذي تجرى فيه عملية التوظيف التلفيقية تلك. فعلى المستوى الدعوي المعني بتأكيد الانتماء والولاء اليهودي، وبخاصة نحو المشروع الصهيوني، يمكن توظيف المفاهيم الحلولية في التراث اليهودي كما يمثلها الثالوث الحلولي: الإله والأرض والشعب، فيحل الإله في فلسطين لتصبح أرضاً مقدَّسة، ويحل في يهود العالم ليصبحوا شعباً مقدَّساً، ومختاراً من الإله للتمركز في الأرض المقدَّسة، من أجل خلاصهم وخلاص العالم بأن ويتولوا قيادته حضارياً. ويمكن في مستهل المشروع الصهيوني، وعَبْر هذا التوظيف، اعتبار الأرض المقدَّسة أرضاً بلا شعب، فالأغيار (من عرب فلسطين) يمكن اعتبارهم مستباحين ومدنَّسين (بخلاف الشعب المقدَّس) ، فيستوي بذلك وجودهم وعدمه.

وعندما يؤدي نضال عرب فلسطين إلى أن يصبح وجودهم وانتماؤهم لأرضهم حقيقة عصيّة أمام التوظيف الدعائي (لهذا الطرح الدعوي) ، فيمكن حينئذ - وعند اللزوم - تخفيف الطابع العنصري والحلولي الفج لمفهوم الاختيار، والاستعاضة عنه بمفهوم «البروليتاري الأزلي» كتصور لليهودي الذي أختير منذ الأزل لتأدية رسالة أزلية اشتراكية (كما هو الحال عند المفكر الصهيوني الاشتراكي نحمان سيركين) ثم يوظِّف هذا المفهوم لكسب تأييد الاشتراكيين ومعسكرهم من جهة، ومن جهة أخرى لخلق وتأكيد علاقة انتماء فعلية بين اليهودي وأرض فلسطين. كما يمكن أيضاً توظيف مفهوم اليهودي باعتباره «الديموقراطي الأزلي» الذي تحدَّث عنه لويس برانديز باعتبار أن اليهودي هو الجدير بحمل رسالة الديموقراطية (وخصوصاً في الوسط العربي الغريب عنها) ما دام الإله قد اختار اليهود للحوار الحق معه دون باقي أمم الأرض. وبالطبع، يمكن أن تجد هذه المفاهيم سندها داخل التركيب الجيولوجي التراكمي لليهودية، وذلك عبر إحياء فكرة "الاختيار الرسالي" التي دعت إليها اليهودية الإصلاحية، إلى جانب حركة التنوير اليهودية، وكلتاهما تمردت على فجاجة الطابع العنصري للرؤية اليهودية الحلولية لمفهوم الاختيار.
هذا على صعيد تبرير وإضفاء المشروعية على الوجود الصهيوني السياسي نفسه، وهو تبرير يتم التعبير عنه، دعوياً ودعائياً، على مستوى مفكري وقادة المشروع الصهيوني أنفسهم. غير أن بإمكاننا تتبُّع هذه السمة التلفيقية، على مستوى تقييم تيارات وقوى يهودية في الكيان الصهيوني، لمشروعية هذا الكيان، وذلك في إطار مسيرته السياسية ومدى نجاحه في فَرْض وجوده الإقليمي والدولي. ويمكن أن نأخذ مثلاً على ذلك رؤية مثل تلك التيارات أو القوى للمشروع الصهيوني، في ضوء العقيدة المشيحانية التي تؤمن بأن خلاص اليهود وجَمْعهم من الشتات إنما يكون بقدوم الماشيَّح في آخر الأيام.

لقد ظلت أكثرية التيارات والجماعات الدينية اليهودية تحافظ على موقف غير صهيوني من المشروع الصهيوني (الانتظار لمشيئة الإله) . ولكن هذه التيارات بدأت بعد إعلان الدولة الصهيونية تنقاد بالتدريج للتعايش مع المفهوم الصهيوني للعودة. وبعد حرب 1967، بدأت أحزاب دينية صهيونية عديدة تنظر إلى نتائج هذه الحرب باعتبارها معجزة و"إشارة ربانية" إلى بداية الخلاص، وأن دولة إسرائيل ما هي إلا مقدمة مجيء الماشيِّح المخلِّص، مضفية بذلك على دولة إسرائيل سمات دينية مشيحانية. بل اعتبرها البعض استجابة لنداء الرب، بل هي "الإرادة الإلهية نفسها" (على حد تعبير الحاخام كوك الأب الروحي لحركة جوش إيمونيم) .
كذلك تتضح هذه المنهجية التلفيقية على صعيد مبادئ وأُسس النظام السياسي والاجتماعي في الكيان الصهيوني، وسواء أتعلَّق ذلك بتصور الصهيونية لهذه المبادئ والأُسس أم تعلَّق بتعاملها معها. وهكذا، فإن الصهيونية توظف فكرة العودة مثلاً لحث أكبر عدد من يهود العالم على الهجرة إلى فلسطين، بينما يظل التساؤل حول المعيار المحدد للهوية اليهودية (من هو اليهودي؟) بغير جواب حاسم من مؤسسة دولة إسرائيل، لئلا يقود - كما رأت جولدا مائير مثلاً - تبنِّي معيار متساهل لتحديد الهوية اليهودية إلى اندماج يهود الخارج في مجتمعاتهم، بينما يقود التشدد في ذلك إلى عواقب وخيمة على بنية الكيان الصهيوني نفسه في فلسطين؛ وعبر مثل هذا التوظيف (العملي) الذي تمارسه هنا جولدا مائير أحد أقطاب الصهيونية العمالية لأطروحات الصهيونية الإثنية، يظل تحديد من هو اليهودي خاضعاً، عن وعي وتصميم، لاعتبارات ظرفية غير عقائدية، وذلك رغم المحورية المركزية الطاغية لصفة اليهودي في المشروع الصهيوني.

ويخضع تحديد مبادئ وأُسس الحياة الاجتماعية والسياسية في الكيان الصهيوني لتوازن معقد بين التيارات والقوى والأحزاب التي يُقال لها "علمانية" من جهة، ومن جهة أخرى التيارات ذات الديباجات الدينية فيها. ومع هذا لا يمكن الاكتفاء بإرجاع غياب الحسم العقائدي، في قضية مركزية في محوريتها، تهيمن على تعريف "المواطنة" نفسه، إلى غَلَبة إرادة العلماني على إرادة الديني في مركز القرار الإسرائيلي. فمن المعروف أن تشريعات "اليهودية الحاخامية" (كما تعبِّر عنها التشريعات التلمودية) ، تسيطر على تنظيم الأحوال الشخصية في الكيان الصهيوني، وذلك رغم أن الإحصاءات الاستطلاعية تشير (عام 1987 إلى أن 84%من يهود هذا الكيان لم يطَّلعوا على التلمود قط. كما نجحت الأحزاب الدينية (عام 1950) ، على سبيل المثال، في فرض إرادتها في أن تكون لها اليد الطولى في الإشراف على النظام التعليمي في معسكرات المهاجرين اليهود في فلسطين، وذلك بالرغم مما يفرضه هذا من تأثير داخلي جذري على مستقبل النظام السياسي والاجتماعي في الكيان الصهيوني.

إن ما سبق من أمثلة يُظهر أن المعوَّل عليه في نهاية المطاف، بالنسبة للصهيونية، ليس إطاراً معتقدياً معيناً مستمداً من إحدى طبقات التركيب الجيولوجي التراكمي للعقيدة اليهودية، يتم تبنِّيه والثبات عليه؛ وإنما تفرض كل مرحلة حلاً مؤقتاً كل ما يُشتَرط فيه أن يكفُل التميُّز، ولكنه تميُّز لا مضمون له وإنما هو تميُّز وكفى. ولذلك، فحينما يعني التمسك بهوية (صلبة) للتميُّز (تحدِّد مثلاً من هو اليهودي؟) ، فإن التميُّز من حيث هو اختلاف عن الآخر، يصبح مصدر تهديد، ومن ثم يتم العدول عنه، ويتم تبنِّي تعريف للهوية يسمح بقدر من السيولة. وهي ظاهرة تتبدى في الحيرة والصراع داخل الكيان الصهيوني، حول الخيارات المستقبلية لمضمون تميُّزه، وهي قضية وثيقة الصلة بالصراع العربي الصهيوني: القبول بدولة فلسطينية مستقلة في سبيل نقاء الكيان الصهيوني؟ أم السماح بالوجود العربي داخل إطار الدولة الصهيونية، في سبيل إسرائيل الكبرى؟ إن الصراع هنا هو صراع بين الرؤية الصهيونية التقليدية (الحلولية المادية الصلبة) التي تتمسك بمفاهيم مثل إسرائيل الكبرى جغرافياً، والرؤية الإسرائيلية البرجماتية (الحلولية الشاملة السائلة) التي لا تُمانع في التنازل عن هذا المفهوم في سبيل الوصول إلى إسرائيل العظمى اقتصادياً. وهو ما يعكسه توجُّه اتفاقيات أسلو (1993وما بعدها، التي تمت بقيادة تيار فاعل في المؤسسة الإسرائيلية تنَّبه قبل عقود من هذه الاتفاقيات (وبخاصة عبر شيمون بيريز) إلى عناصر الحيرة والصراع التي تكتنف عملية حَسْم هوية المشروع الصهيوني. فكانت اتفاقيات أوسلو إيذاناً بتكريس توجُّه إسرائيل كبرى مختلفة: يعمل، وذلك بعد أن واتته الفرصة بعد حرب الخليج الثانية (1991) ، على إرساء نظام شرق أوسطي متمركز اقتصادياً حول الكيان الصهيوني؛ أي أنه توجُّه يعمل، عن وعي وإرادة، على تمييز الكيان الصهيوني بسطوة سائلة حلولية صهيونية اقتصادية، وذلك على حساب

تميُّزه بهويته الحلولية الصهيونية العنصرية الصلبة.
وباختصار، فإن المنهجية التلفيقية تهيمن بالضرورة، على تصوُّر الصهيونية لأُسس تبرير مشروعية الوجود الصهيوني السياسي نفسه، فضلاً عن مبادئ وأُسس النظام السياسي والاجتماعي في الكيان الصهيوني؛ والاصطدام (الكامن دوماً والمتفجر دورياً) ، الذي يقع بين هذه المنهجية التلفيقية من جهة، وبين حقائق الواقع والحقيقة الصلبة من جهة أخرى، لا يقودها إلى إعادة النظر في عناصر رؤيتها المعرفية (اليهودية الحلولية التراكمية) ؛ بل يدفعها (متأثرة طبعاً بحلوليتها اليهودية التراكمية هذه) إلى إعادة تشكيل مبادئها وأُسسها بنفس المنهجية التلفيقية. إنها تلفيقية مسكونة بهدف البقاء المتميِّز، تجعل مبدأ القوة المادية أساساً لتبرير مشروعيتها وتقييم، ثم إعادة تشكيل، مبادئ وأُسس حركتها ونُظُمها. ويُبرز وصف ديفيد بن جوريون للجيش الإسرائيلي بأنه "خير مفسِّر للتوراة"، هذه التلفيقية بجلاء وهي التلفيقية التي كانت تجعل بن جوريون يُفسِّر التوراة والتلمود، فضلاً عن الواقع والتاريخ، من خلال توظيف انتصارات جيش الدفاع الإسرائيلي. إن قيم اليهودية التي تمت صهينتها كرافد أصيل في تركيب إطار قيم الصهيونية، إنما تجعل مبدأ القوة مثاليتها وقيمتها العليا المحددة.

الصهيونية - إشكاليات وموضوعات أساسية - العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم
‏Silent Contract between Western Civilization and the Zionist Movent regarding Western Jewry
«العقد» هو اتفاق بين طرفين يلتزمان بمقتضاه تنفيذ بنوده، أما «العقد الصامت» فهو عقد ضمني غير مكتوب لا يتم الإفصاح عنه أو التصريح به. والعقد الصامت في أغلب الأحيان غير واع ومع هذا فهو يعبِّر عن نفسه من خلال سلوك الأفراد والجماعات والمؤسسات.

ويمكن القول بأن كل مجتمع إنساني يستند إلى عقد صامت بين أعضائه ينطلق من بعض المقولات الأولية القَبْلية التي يؤمن بها أعضاء هذا المجتمع، وتستمد السلطة الحاكمة شرعية وجودها واستمرارها من هذا العقد. والحديث عن «العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية» هو محاولة من جانبنا لتسمية شيء كامن مهم مُتضمَّن لم يُسمِّه أحد من قبل، رغم المقدرة التفسيرية للمصطلح.
وقد ظل تاريخ الصهيونية متعثراً قبل ظهور هرتزل وظلت الصهيونية فكرة غير قادرة على التحقق لأسباب عديدة من أهمها أن دعاة الفكر الصهيوني كانوا من الصهاينة غير اليهود أو من أعداء اليهود، الأمر الذي جعل أعضاء المادة البشرية المستهدفة (أي اليهود) يرفضون الدعوة إلى استيطان فلسطين. كما أنه لم تكن هناك أية أطر تنظيمية تضم كل الجماعات اليهودية. وعلاوة على هذا كان هناك يهود الغرب المندمجين الذين كانوا يرون أن المشروع الصهيوني يهدد وجودهم ومكانتهم وكل ما حققوه من مكاسب.
وقد حل هرتزل كل هذه الإشكاليات، فقام بوضع العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية استناداً للصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي نبعت من صميم هذه الحضارة ومن تاريخها الفكري والاقتصادي والسياسي. ولم يكتف هرتزل بوضع العقد وإنما قام بتأسيس المنظمة الصهيونية التي طرحت نفسها كإطار تنظيمي يمكن من خلاله توقيع العقد مع الحضارة الغربية وفرض الصيغة الصهيونية الشاملة على الجماهير اليهودية بحيث تتحول هذه الجماهير إلى مادة استيطانية ويدخل المشروع الصهيوني إلى حيز التنفيذ. كما طوَّر هرتزل الخطاب المراوغ الذي جعل بالإمكان إرضاء مختلف قطاعات يهود العالم الغربي (في غرب أوربا وشرقها) ، بل استيعاب كل ما قد يجد من مشاكل في المستقبل، الأمر الذي فتح الباب أمام تهويد الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة.

وهرتزل، واضع العقد الصامت، لم يكن مفكراً من الطراز الأول أو مُنظِّراً قادراً على التجريد وإنما كان صحفياً ذكياً سطحياً قليل الثقافة وخبرته السياسية محدودة، ولذا فإن تَوجُّهه كان برجماتياً عملياً. ومع هذا، فإن كتاباته تضم مادة هذا العقد الصهيوني الصامت كما تضم كتابات من لحقه مواد تكميلية للعقد.
وكما أسلفنا هذا عقد صامت، غير مكتوب، أي أن كلمة «عقد» هنا تُستخدَم مجازاً. ومع هذا يمكننا القول بأن هذه الصورة المجازية ليست من نحتنا إلا بشكل جزئي. فهي تتواتر في الأدبيات الصهيونية غير اليهودية (وهذا أمر متوقع، فهي صهيونية كانت تنظر لليهود كعنصر نافع غريب يمكن توظيفه) ثم انتقلت الكلمة إلى كتابات الصهاينة اليهود. فقد أشار هرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول (1897 إلى ضرورة التفاهم التام مع الوحدات السياسية المعنية حتى يتم الحديث عن حقوق الاستعمار وعن المنافع التي سيقدمها الشعب اليهودي برمته مقابل ما يُعطَى له. كما أشار إلى أن هذا سيأخذ شكل اتفاقية وإلى أن الاتفاقية سوف تصاغ على أساس الحقوق (التي ستُمنَح لليهود) وعلى أساس تعهدات قانونية معترف بها. وحينما طلب القيصر ولهلم الثاني من هرتزل أن يلخص له مطالب الصهيونية، قال هذا "تشارتر charter"، أي «ميثاق» أو «براءة» أو «عقد شركة» . وكان الصهاينة يشيرون إلى وعد بلفور باعتباره هذا الميثاق أو البراءة أو العقد الذي مُنح للحركة الصهيونية.
وقد كان هرتزل يهدف إلى تحديث المسألة اليهودية، ولذا فقد كان من اللازم أن يستخدم (فعلاً أو ضمناً) اللغة التعاقدية النفعية التي تفهمها الحضارة الغربية.

وإذا حاولنا ترجمة هذا العقد الصامت الذي يستند إلى الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة والصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المُهوَّدة إلى لغة تعاقدية بسيطة، فإنه سيأخذ الشكل التالي: عقد بين المنظمة الصهيونية (كمتحدث غير مُنتخَب باسم يهود شرق أوربا وغربها) وبين العالم الغربي (وضمنه المعادون لليهود) ، وتفاهم ضمني بين يهود غرب أوربا ويهود اليديشية. تتعهد الحركة الصهيونية بمقتضى هذا العقد بإخلاء أوربا من يهودها (أو على الأقل الفائض البشري اليهودي) وتوطينهم في منطقة خارج هذا العالم الغربي (داخل دولة وظيفية) ، ويتحقق نتيجة ذلك ما يلي:
1 ـ الهدف الأكبر:
يُؤسِّس المستوطنون، في موقعهم الجديد، قاعدة للاستعمار الغربي، وتتعهد الصهيونية بتحقيق مطالب الغرب ذات الطابع الإستراتيجي ومنها الحفاظ على تَفتُّت المنطقة العربية.
2 ـ أهداف أخرى:
أ) يتم بذلك تخليص العالم الغربي من اليهود الزائدين، باستيعابهم في ذلك الجيب وتحويل فيض المهاجرين من يهود اليديشية.
ب) عن طريق نَقْل اليهود، ستقوم الحركة الصهيونية بالسيطرة على الشباب اليهودي وتسريب طاقته الثورية من خلال القنوات الصهيونية.
جـ) ستقوم الحركة الصهيونية بحشد يهود العالم وراء المشروع الصهيوني الغربي بحيث يصبحون عملاء ووكلاء للغرب أينما كانوا.
د) ستقوم الحركة الصهيونية بتجنيد يهود الغرب المعروفين بثرائهم ليدعموا هذا المشروع الغربي دون أن تطالبهم بالهجرة.
هـ) عن طريق نقل اليهود، ستقضي الصهيونية على معاداة اليهود في الغرب.
ونظير ذلك، سيقوم الغرب (ككل) برعاية هذا المشروع ودَعْمه، كما أنه سيساعد الحركة الصهيونية في الهيمنة على يهود العالم الغربي (الذين يشكلون غالبية يهود العالم) .

ولم يتوجه العقد بطبيعة الحال لمشكلة السكان الأصليين وكيفية حلها، ومع هذا يمكن القول بأن الحل مُتضمَّن في تَعهُّد الدول الغربية بضمان بقاء الدولة الوظيفية، الأمر الذي يعني استعدادها لاستخدام الآليات المألوفة المختلفة ضد السكان الأصليين من طَرْد أو إبادة أو محاصرة.
وبرغم تناقض بنود العقد، إلا أنه تم توقيعه (مجازاً) وأصبح قيام الصهيونية بـ "خدمة اليهود والمسيحيين" (على حد قول نوردو) ممكناً وبتوظيف المادة البشرية اليهودية في خدمة الحضارة الغربية، ولذا "ستقام الصلوات في المعابد] اليهودية] من أجل نجاح هذا المشروع، وستُقام الصلوات في الكنائس أيضاً" (على حد قول هرتزل) .
وقد أُضيف بعد ذلك عقد تكميلي أو تفاهم بين يهود الغرب التوطينيين ويهود شرق أوربا الاستيطانيين بحيث تَكفَّل يهود الغرب بالجانب التوطيني بدعم المُستوطَن الصهيوني مالياً والضغط من أجله سياسياً شريطة ألا تناقض مصالح المُستوطَن الصهيوني مصالح بلادهم، وبحيث يكتسبون شيئاً من هويتهم من خلال تَوحُّدهم العاطفي مع المُستوطَن الصهيوني مع بقاء ولائهم لأوطانهم، كما يتعيَّن على الصهاينة الاستيطانيين ألا يقوموا بشيء من شأنه إحراجهم أمام حكوماتهم أو وَضْع ولائهم لأوطانهم موضع الشك. أما الاستيطان والقتال والدفاع عن المصالح الإستراتيجية، فيقوم به الاستيطانيون في صهيون: أرض الميعاد والقتال.
وقد لعبت الصياغة الصهيونية المراوغة دوراً أساسياً في صياغة العقد وترويجه. كما تم توقيع العقد بإصدار إنجلترا وعد أو عقد بلفور. وقد عبَّر العقد عن نفسه عبر تاريخ الصهيونية من خلال مذكرات تفاهم واتفاقيات عسكرية وإستراتيجية ودعم عسكري ومالي وسياسي فعلي.
الوعود البلفورية
‏Balfour Declarations

«الوعود البلفورية» مصطلح نستخدمه للإشارة إلى مجموعة من التصريحات التي أصدرها بعض رجال السياسة في الغرب يدعون فيها اليهود لإقامة وطن قومي لهم في فلسطين ويعدون بدعمه وتأمينه نظير أن يقوم اليهود على خدمة مصالح الدولة الراعية، أي أنها دعوة لتوقيع العقد الصامت بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية.
والوعود البلفورية تعبير عن نموذج كامن في الحضارة الغربية يضرب بجذوره فيها. وهي حضارة تنحو منحى عضوياً، وتجعل التماسك العضوي مثلاً أعلى. ونظراً لأن التماسك العضوي هو المثل الأعلى، فإن عدم التجانس يصبح سلبياً كريهاً. وينتج عن هذه الرؤية للكون رفض الآخر في شكل الأقليات. ومن ثم، نجد أن الحضارة الغربية (والمسيحية الغربية) لم تتوصل إلى إطار تتعامل من خلاله مع الأقليات، وبالذات اليهود، وإنما همَّشتهم (شعب شاهد) وحوسلتهم (جماعة وظيفية) . ومنذ عصر النهضة الغربية والثورة العلمانية الشاملة، بدأت أزمة الجماعات اليهودية وظهرت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي تُعَد جزءاً من فكرة العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم: شعب عضوي منبوذ ـ نافع ـ يُنقَل خارج أوربا إلى فلسطين ليُوظَّف لصالحها في إطار الدولة الوظيفية.
وقد صدرت معظم الوعود البلفورية في القرن التاسع عشر واستمرت حتى صدور وعد بلفور عام 1917، الذي حسم مسألة علاقة اليهود بالحضارة الغربية. وسنقوم بمحاولة تحليل عدد من الوعود البلفورية وسنقسمها إلى ثلاثة عناصر أساسية:
1 ـ نص الوعد
2 ـ الديباجة العلنية (أو الأسباب المعلنة) التي عادةً ما ترد في الوعد نفسه أو في مجال الدفاع عنه.
3 ـ الدوافع الخفية (العميقة أو الحقيقية) وهي عادةً لا ترد في أيٍّ من الوعود، وعلينا أن نبحث عنها في نصوص وحقائق تاريخية تشكِّل السياق التاريخي للوعد البلفوري موضع البحث.

ويُعتبَر نابليون بونابرت من أوائل القادة الغربيين الذين أصدروا وعداً بلفورياً وهو أيضاً أول غاز للشرق في العصر الحديث. وفيما يلي الجزء المهم من نص الوعد:
"من نابليون القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية في أفريقيا وآسيا إلى ورثة فلسطين الشرعيين.
أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد، الذين لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبهم اسمهم ووجودهم القومي وإن كانت قد سلبتهم أرض الأجداد فقط.
إن مراقبي مصائر الشعوب الواعين المحايدين ـ وإن لم تكن لهم مواهب المتنبئين مثل أشعياء ويوئيل ـ قد أدركوا ما تنبأ به هؤلاء بإيمانهم الرفيع من دمار وشيك لمملكتهم ووطنهم: أدركوا أن عتقاء الإله سيعودون لصهيون وهم يُغنّون، وسيُولَد الابتهاج بتَملُّكهم إرثهم دون إزعاج، فرحاً دائماً في نفوسهم (أشعياء 35/10) .
انهضوا إذن بسرور أيها المبعدون. إن حرباً لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، تخوضها أمة دفاعاً عن نفسها بعد أن اعتبر أعداؤها أرضها التي توارثوها عن الأجداد غنيمة ينبغي أن تُقسَّم بينهم حسب أهوائهم. وبجرة قلم من مجلس الوزراء تقوم للثأر وللعار الذي لحق بها وبالأمم الأخرى البعيدة. ولقد نُسي ذلك العار تحت قيد العبودية والخزي الذي أصابكم منذ ألفي عام. ولئن كان الوقت والظروف غير ملائمة للتصريح بمطالبكم أو التعبير عنها، بل وإرغامكم على التخلي عنها، فإن فرنسا تقدم لكم إرث إسرائيل في هذا الوقت بالذات، وعلى عكس جميع التوقعات.
إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به، والذي يقوده العدل ويواكبه النصر، جعل القدس مقراً لقيادتي، وخلال بضعة أيام سينتقل إلى دمشق المجاورة التي لم تَعُد تُرهب مدينة داود.
يا ورثة فلسطين الشرعيين:

إن الأمة التي لا تتاجر بالرجال والأوطان، كما فعل أولئك الذين باعوا أجدادهم لجميع الشعوب (يوئيل 4/6) ، تدعوكم لا للاستيلاء على إرثكم بل لأخذ ما تم فتحه والاحتفاظ به بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء.
انهضوا وأظهروا أن قوة الطغاة القاهرة لم تُخمد شجاعة أحفاد هؤلاء الأبطال الذين كان تَحالُفهم الأخوي شرفاً لإسبرطة وروما (مكابيون 12/15) ، وأن معاملة العبودية التي دامت ألفي عام لم تُفلح في إخمادها.
سارعوا! إن هذه هي اللحظة المناسبة ـ التي قد لا تتكرر لآلاف السنين ـ للمطالبة باستعادة حقوقكم ومكانتكم بين شعوب العالم، تلك الحقوق التي سُلبت منكم لآلاف السنين، وهي وجودكم السياسي كأمة بين الأمم، وحقكم الطبيعي في عبادة يهوه، طبقاً لعقيدتكم، علناً وإلى الأبد. (يوئيل 4/20.
وفيما يتعلق بوعد نابليون البلفوري، يمكن ملاحظة ما يلي:
1 ـ جوهر الوعد هو العبارة التالية: "تقدِّم فرنسا فلسطين لليهود في هذا الوقت بالذات، وعلى عكس جميع التوقعات ... وهذه هي اللحظة المناسبة التي قد لا تتكرر لآلاف السنين". "تدعوكم [فرنسا] لا للاستيلاء على إرثكم بل لأخذ ما تم فتحه والاحتفاظ به بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء". "وجودكم السياسي كأمة بين الأمم، وحقكم الطبيعي في عبادة يهوه طبقاً لعقيدتكم، علناً وإلى الأبد".
2 ـ لا يختلف تصريح نابليون عن وعد بلفور، فنابليون يعتبر أعضاء الجماعات اليهودية شعباً غريباً عن وطنه (وهو ما يعني إسقاط المواطنة عنه) وهو شعب مرتبط بفلسطين. وقد وجه نابليون نداءه إلى "الشعب الفريد" و"المبعدين" الذين عاشوا "تحت قيد العبودية والخزي ... منذ ألف عام" و"ورثة فلسطين الشرعيين" (أي الشعب العضوي المنبوذ) بأن يتبعوا فرنسا التي ستقدم لهم إرث إسرائيل، أي أرض فلسطين، أي أنهم سيتم خروجهم من فرنسا وتوطينهم في فلسطين.

3 ـ ثم نأتي ثالثاً إلى الدوافع الخفية الحقيقية، وليس من الصعب تخمينها، فنابليون لم يَكُن يُكن كثيراً من الحب أو الاحترام لليهود، وهذا يظهر في تشريعاته داخل فرنسا. ولذا، فإن إرسالهم إلى فلسطين فيه حل للمسألة اليهودية في فرنسا (والتي كانت قد بدأت في التفاقم) . ومع هذا، كان نابليون يهدف إلى توظيف اليهود في خدمة مشاريعه وتحويلهم إلى عملاء له، وهذا ما قاله ملك إيطاليا لهرتزل (وقد وافقه الزعيم الصهيوني على رأيه) . ولعل إشارة نابليون إلى التقاليد المكابية هو إشارة خفية للدور القتالي (المملوكي) الذي يمكن أن تلعبه الدولة اليهودية المقترحة في خدمة المصالح الغربية.
وقد صدرت أيضاً عدة وعود بلفورية ألمانية. ويمكننا هنا أن نتوقف قليلاً عند واحد من أهم إسهامات هرتزل للحركة الصهيونية وهو أنه إذا كانت الفكرة الصهيونية إمكانية كامنة في الحضارة الغربية تود أن تتحقق، فلم يكن بإمكانها أن تخرج من عالم الوجود بالقوة إلى عالم الوجود بالفعل إلا من خلال آليات محددة أهمها تنظيم المادة البشرية (اليهودية) التي سيتم ترحيلها وتأسيس إطار تنظيمي يستطيع أن يتلقى الوعود وأن يقوم بتنفيذها. وحينما أصدر نابليون وعده البلفوري لم يكن هناك تنظيم يهودي يمكنه تلقِّي هذا الوعد والعمل على تسخير المادة البشرية لتنفيذه. وهذا ما أنجزه هرتزل بعد أن نشر كتابه دولة اليهود الذي وضَّح فيه ما نسميه «العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية» . فقرَّر هرتزل أن يأخذ بزمام الأمور وأن يتوجه للدول العظمى. وقد ساعده في مسعاه هذا القس (الواعظ) الصهيوني نصف المجنون هشلر إذ قدمه إلى أحد كبار المسئولين الألمان الذي تحدَّث إلى القيصر عن الموضوع. وكانت ثمرة هذه الاتصالات وعد بلفوري ورد في خطاب من دون إيلونبرج باسم حكومة القيصر إلى هرتزل (مؤرخ في سبتمبر 1898وجاء فيه:

"إن صاحب الجلالة على استعداد أكيد أن يناقش الأمر [توطين اليهود] مع السلطان، وأنه سيسعده أن يستمع إلى مزيد من التفاصيل منكم في القدس.
وقد أصدر جلالته أوامره بأن تُذلِّل كل الصعاب التي تواجه استقبال وفدكم.
وأخيراً يحب جلالته أن يخبركم عن استعداده أن يأخذ على عاتقه مسئولية محمية [يهودية] في حالة تأسيسها. وجلالته، حينما يكشف لكم عن نواياه، فهو يعوِّل، بطبيعة الحال، على مقدرتكم على الكتمان. وكم يسعدني أن أنقل لكم هذه المعلومات، وأتمنى أن تنجح في الوصول إلى القدس في الموعد المحدد. وفي الحقيقة، فإن فشلك في هذا سيسبب لجلالته خيبة الأمل. وأترك لكم، بما تتميزون به من لباقة، أن تقرروا ما إذا كنتم تودون الوصول إلى إستنبول في الوقت الذي يصل فيه جلالته إليها أم لا ".
ويمكننا ملاحظة ما يلي:
1 ـ جوهر الوعد يُوجَد في العبارة: "يحب جلالته أن يخبركم عن استعداده أن يأخذ على عاتقه مسئولية محمية [يهودية] في حالة تأسيسها" وأنه "على استعداد أكيد أن يناقش الأمر [توطين اليهود] مع السلطان".
2 ـ وإذا انتقلنا بعد ذلك إلى الديباجة العلنية والنوايا المعلنة، فإننا لن نجد لها أيَّ أثر، فقيصر ألمانيا لم يكن تحت أية ضغوط للبحث عن مسوغات رومانسية، بل إن العكس في حالته هو الصحيح، إذ كان عليه أن يبرر أمام شعبه مسألة تعاطفه مع المشروع الصهيوني وتأييده له، بل واستعداده لأن يضع الصهاينة تحت حمايته. وكما قال في خطابه المؤرخ 29سبتمبر 1898والمُرسَل إلى دوق بادن، فإن تسعة أعشار شعبه سيُصدَم صدمة عميقة إذا اكتشف هذه الحقيقة. فاليهود ـ كما يقول ـ هم قتلة المسيح، وهو يعترف بهذه الحقيقة، ولكنه يضيف قائلاً: "إن الإله قد أنزل بهم العقاب على ما اقترفوه من آثام، إلا أنه لم يأمر المسيحيين بأن يسيئوا معاملة هذا الشعب".

3 ـ وأما العنصر الثالث، أي الدوافع الحقيقية الخفية، فهي موجودة وبغزارة، في خطاب القيصر المذكور، وفي تعليقه على تقرير سفير ألمانيا في سويسرا عن المؤتمر الصهيوني الأول (1897 فهو، في مجال تسويغ تعاونه مع "قتلة المسيح"، يورد الأسباب التالية لتأييد ألمانيا للمشروع الصهيوني:
أ) سينتج عن توطين شعب إسرائيل رخاء للمنطقة، ولا سيما أن الملايين ستصب في الأكياس العثمانية، الأمر الذي قد يؤدي إلى شفاء الرجل المريض.
ب) ستُوجَّه طاقة اليهود ومواهبهم إلى أهداف أكثر نبلاً من استغلال المسيحيين.
جـ) إفراغ ألمانيا من اليهود الذين فيها "وكلما عجلوا بالذهاب..، كان ذلك أفضل. فلن أضع أية عراقيل في طريقهم".
د) إذا بُحثت المسألة من منظور الحقائق السياسية [لا الأخلاقية] ، فإن ألمانيا ستستفيد غاية الاستفادة لأن رأس المال اليهودي العالمي، بكل خطورته، سينظر بعين العرفان إلى ألمانيا.
ولعل موقف القيصر من اليهود، بما يتسم به من كره عميق لهم وترحيب شديد بالتخلص منهم واستعداد تام لتوظيفهم في خدمة المصالح الألمانية، لا يختلف كثيراً عن موقف نابليون من قبله أو موقف بلفور من بعده.
ورغم وعود القيصر، ورغم حرصه على تبنِّي المشروع الصهيوني، إلا أنه لم يكن مدركاً مدى عُمْق الرفض العثماني للمشروع الصهيوني، وهو الأمر الذي أدركه إبان زيارته لإستنبول. ولذا، فحينما تم اللقاء في نهاية الأمر في القدس، حيث كان من المتوقع أن يُصدر القيصر وعده البلفوري العلني الكامل، تراجع واكتفى ببعض المجاملات الخالية من المعنى.

ومن الأمثلة الأخرى على الوعود البلفورية، الوعد البلفوري الروسي القيصري. فقد قام هرتزل بمقابلة فون بليفيه، وزير الداخلية الروسي المعادي لليهود، بتفويض من المؤتمر الصهيوني الخامس (1901) ، حتى يَحصُل على تصريح يعبِّر عن نوايا الروس يتلوه في المؤتمر الصهيوني السادس المزمع عقده سنة 1903. وبالفعل، صَدَر الوعد البلفوري القيصري على النحو التالي (في شكل رسالة وجهها فون بليفيه إلى تيودور هرتزل) . وهذا هو منطوق الوعد:
"ما دامت الصهيونية تحاول تأسيس دولة مستقلة في فلسطين، وتنظيم هجرة اليهود الروس، فمن المؤكد أن تظل الحكومة الروسية تحبذ ذلك. وتستطيع الصهيونية أن تعتمد على تأييد معنوي ومادي من روسيا إذا ساعدت الإجراءات العملية التي يفكر فيها على تخفيف عدد اليهود في روسيا".
وقد توصَّل هرتزل أيضاً إلى اتفاق مع المسئولين الروس مفاده: أنْ تبذل الحكومة الروسية مساعيها الحميدة لدى تركيا لتسهيل دخول اليهود إلى فلسطين. وستقدم مساعدات مالية للمهاجرين تُجمَع من مصادر يهودية، وستُسهِّل تنظيم الجمعيات الصهيونية الملتزمة ببرنامج بازل. وقد سُمح أيضاً لبنك الاستيطان اليهودي ببيع أسهمه في روسيا شريطة أن يفتح فرعاً له في البلد لكي تستطيع السلطات مراقبة عمليات البيع. كذلك قام بليفيه بتزويد هرتزل برسالة موقعة منه، وبعد أن بحث محتوياتها مع القيصر، أعلن فيها أن الحكومة الروسية تنظر بعين العطف إلى الصهيونية ما دام هدفها إقامة دولة مستقلة في فلسطين، وأنها على استعداد لمساعدتها. وهذه المساعدة قد تتخذ شكل حماية الممثلين الصهاينة أمام الحكومة العثمانية، وتسهيل نشاط جمعيات الهجرة ومساعدتها مالياً من الضرائب التي تُجبى من اليهود. وقد استغل هرتزل هذه الرسالة، في أكثر من مناسبة، فيما بعد.

ويُلاحَظ أنه لا توجد أية ديباجات رومانسية في هذا الوعد، فهو مسألة تعاقدية جافة يتحدث فيها كل طرف عن الفائدة المرجوة وعلى العائد من الصفقة. ولذا، فقد أكد فون بليفيه دون مواربة أو حياء أن الهدف هو التخلص من اليهود عامة باستثناء الأثرياء منهم، وجاء هذا واضحاً في قوله: " ... إن نجاح اليهود في إقامة دولة مستقلة لهم تستوعب عدة ملايين منهم لهو أمر نقبله وندعمه ... إننا لا نريد التخلص من جميع اليهود الروس ... إننا نريد فقط التخلص من المعدمين والمضطربين". وحذر فون بليفيه من أن التأييد الروسي القيصري سيتم سحبه إن كان هدف الصهيونية، غير المعلن، هو تحقيق تركيز قومي لليهود في روسيا، فالدعم الروسي مشروط بالتخلص من اليهود.

وقد كان ذلك مفهوماً تماماً لدى هرتزل الذي أكد في مفاوضاته مع بليفيه أن الحركة الصهيونية "ستستقطب جميع اليهود وضمنهم المتطرفون [أي العناصر الثورية التي كانت تقض مضجع الدولة الروسية القيصرية] . أما إذا انهارت آمالنا، فإن الوضع سينقلب رأساً على عقب وستكسب الأحزاب الثورية إلى صفوفها أولئك الذين سينسحبون من الصهيونية التي أمثلها أنا وزملائي". كما أن هرتزل فهم تماماً تحذير بليفيه. وهكذا فإننا نجده، في المؤتمر الصهيوني السادس (1903، يؤكد للمجتمعين أن الحكومة الروسية لن تسبب أية مشاكل للحركة الصهيونية، ما دام نشاطها منحصراً ضمن النظام والقانون (أي في عملية التخلص من اليهود وتفريغ روسيا منهم) . واستطاع هرتزل بجهد وتصميم أن يحول بين المؤتمر وبين مناقشة مذابح كيشينيف، وقد علق على الموضوع في رسالة بعث بها إلى بليفيه قال فيها: " ... رغم المصاعب التي واجهتني في إدارة جلسات المؤتمر بجوها المشحون نتيجة الأحداث المؤلمة (مذابح كيشينيف) ، إلا أنني نجحت في المحافظة على النظام وإعادة الهدوء إلى الجلسات.. ولا شك في أن الفضل يعود في ذلك إلى رسالتكم التي تكرمت بإرسالها في 2 1أغسطس والتي كشفت محتوياتها لأخمد بذلك كل جدال ثار حول تلك الأحداث".
ويمكن أن ننظر إلى مشروع شرق أفريقيا باعتباره أحد أهم الوعود البلفورية وهو لا يختلف كثيراً عن الوعود البلفورية التي أشرنا إليها وإن كان أكثر جدية وأكثر تحدداً منها. كما أنه يشبه في كثير من النواحي وعد بلفور الذي صدر في نهاية الأمر. (انظر الباب المعنون «الصهيونية الإقليمية» ) .

وقد صدر آخر الوعود البلفورية عن ألمانيا بعد صدور وعد بلفور نفسه عن إنجلترا، إذ استغل الصهاينة الوضع الدولي الناشيء عن الجمود الذي ساد جبهات القتال عام 1916 واتجهوا إلى حث الحكومة الألمانية على إصدار بيان رسمي يتضمن العطف على الصهيونية في فلسطين. ولكن الحكومة الألمانية كانت لا تزال مرتبطة بتحالف مع الحكومة العثمانية. كما كانت تخشى أن يؤدي تدهور الوضع العسكري إلى أن تسارع الحكومة العثمانية بعقد صلح منفرد مع الحلفاء. وحيث إن ألمانيا لن تضحي بتحالفها من أجل الصهاينة، فإنها ترددت كثيراً في الاستجابة للمطلب الصهيوني. ثم صدر وعد بلفور نفسه عام 1917، وعند هذه النقطة. وحسبما جاء في دراسة الدكتور محافظة، "اندفع الصهاينة يلحون على حكومة برلين لتلبية مطالبهم مع تشكيل وزارة طلعت باشا في عام 1917 وحاولت الحكومة الألمانية إرضاء الصهاينة بتَدخُّلها الحاسم لإلغاء التدابير العسكرية التي فرضها جمال باشا على اليهود في فلسطين عام 1917. وبعد صدور تصريح بلفور، اتجه الصهاينة إلى برلين لإستصدار تصريح مماثل. كما انتهزوا زيارة الصدر الأعظم (طلعت باشا) في مطلع يناير 1918، فقابله الزعيم الصهيوني ألفريد نوسيج الذي بحث معه موضوع اليهود في الدولة العثمانية (ومما يجدر ذكره أن هذا الزعيم الصهيوني أصبح عميلاً للجستابو النازي فيما بعد، كما وضع خطة لإبادة يهود أوربا. وقد قبض عليه ثوار جيتو وارسو. وبعد محاكمة قصيرة، نُفِّذ فيه حكم الإعدام) . وطلب نوسيج باسم الصهاينة إلغاء القيود المفروضة على هجرة اليهود إلى فلسطين. فوعدهم الصدر الأعظم بأن الباب العالي سوف يعيد تنظيم الأوضاع حالما تعود القدس وجنوب فلسطين إلى السيادة العثمانية بصورة تَكفُل الرضا التام لليهود وتحقق أمانيهم كافة. وقد نُشر هذا التصريح في الصحف الألمانية في اليوم التالي للقاء.

ولا يمكن أن نسمي هذا التصريح وعداً بلفورياً بمعنى الكلمة وإن كان يقترب من ذلك. ومن الواضح أن ذلك يمثل إحدى الحيل التي كانت تستعملها الدولة العثمانية على ممثلي العالم الغربي، وهو فن تَملَّك العثمانيون ناصيته نظراً لضعفهم العسكري. ولكن أهمية هذا التصريح لا تكمن فيه وإنما في أنه أعطى الضوء الأخضر للدولة الألمانية. وقد استمر الصهاينة في ضغوطهم حتى حصلوا على تصريح من وكيل وزارة الخارجية الألمانية في اليوم التالي لتصريح الصدر الأعظم هذا نصه:
"نحن نؤيد رغبة الأقليات اليهودية، في البلدان التي لهم فيها ثقافة متطورة، في أن تختط طريقها الخاص بها، ونميل إلى دعم أمانيها. أما بالنسبة إلى أماني اليهود، وبخاصة أماني الصهاينة منهم في فلسطين، فإن الحكومة [الألمانية] ترحب بالتصريح الذي أدلى به مؤخراً الصدر الأعظم، طلعت باشا، والذي يعبِّر عن عزم الحكومة التركية، المتفق مع نظرتها الودية نحو اليهود بوجه عام، على تنمية استقرار يهودي مزدهر في فلسطين، عن طريق الهجرة غير المُقيَدة والاستيطان ضمن قدرة البلاد الاستيعابية وقيام حكم ذاتي يتفق وقوانين البلاد والتطور الحر لحضارتها".

ويُلاحَظ أن صياغة هذا الوعد تميل نحو الإبهام الشديد، فهو يؤكد حق اليهود المندمجين في الاستمرار في اندماجهم، وهو يميِّز بينهم وبين الصهاينة الذين لهم أمان في فلسطين حيث سيسمح لهم "باستقرار يهودي مزدهر في فلسطين"، وهي عبارة غامضة حاول الوعد تحديدها عن طريق عبارة "قيام حكم ذاتي"، ثم عاد وعدَّلها من خلال إضافة عبارة "يتفق وقوانين البلاد والتطور الحر لحضارتها". ولنلاحظ أن فكرة "قوانين البلاد" تحل محل عبارة "القانون العام" أو "القانون الدولي" التي ترد في الأدبيات الصهيونية، خصوصاً في صياغتها الهرتزلية، وهي عبارة تعني "حسب القانون الغربي أو الاستعماري". فكأن الوعد هنا ينزع المشروع الصهيوني من سياقه الغربي ويضعه في سياق عثماني، الأمر الذي يعني فقدانه كل معنى، فالمستوطنون الصهاينة كان معروضاً عليهم دائماً أن يحصلوا على المواطنة العثمانية ويستقروا في فلسطين كعثمانيين لا كعنصر استيطاني تابع لدولة غربية. والقضية لم تكن قضية عدة آلاف يهودي لا وطن لهم، أو مضطَّهدين في أوطانهم ويبحثون عن مأوى لهم، وإنما هي قضية غَرْس عنصر بشري غريب يتحول إلى دولة ذات تَوجُّه غربي استعماري استيطاني رفض هذا الحل.

وبعد صدور الوعد البلفوري الألماني، استمر الصهاينة في الضغط على الدولة العثمانية. وكلَّف الصدر الأعظم، بعد عودته من برلين، النائب اليهودي التركي قاراصو بتأليف لجنة يهودية عثمانية لوضع التفاصيل العملية لإنشاء شركة ذات امتياز في إستنبول تتولَّى العمل في المناطق المأهولة باليهود لإقامة حكم ذاتي فيها. وأمر طلعت باشا بدراسة الخطة التي وضعهتا اللجنة ووعد بتبنيها عند بَحْث شروط الصلح بعد انتهاء الحرب. وسعى الصهاينة، انطلاقاً من هذا الوعد، إلى الحصول على مزيد من التنازلات من الجانب العثماني، وإصدار تصريح عثماني مماثل لتصريح بلفور. وقد تمكنوا من الحصول على هذا التصريح في 4 1تموز 1918، وتشكلت لجنة عثمانية لوضع ما جاء فيه موضع التنفيذ.
ويمكننا ملاحظة اختفاء الديباجات العلنية المزخرفة أو الإشارة إلى الدوافع الحقيقية، فلا توجد أية إشارة للشعب اليهودي أو أمانيه القومية أو ارتباطه الأزلي بالأرض، وإنما هي إشارة روتينية إلى "أماني الصهاينة" وحديث عن استقرار يهودي مزدهر. ومقابل هذا، لا توجد أية إشارة لكره اليهود أو الرغبة في استخدامهم أو تأسيس حامية عسكرية يقطنون فيها كمادة قتالية. ولا شك في أن وجود العثمانيين كطرف هو الذي أفضى إلى هذا الوضع. فهم لم يتحمسوا قط للمشروع الصهيوني، بل كانوا يرونه جزءاً من المحاولة الغربية لتفتيت حكمهم ودولتهم. ومع هذا، فقد اضطروا كارهين للدخول في حوار مع الصهاينة وتقديم بعض التنازلات بسبب تدهور الوضع العسكري العام على الجبهات كافة وفقدان معظم فلسطين، واعتقاد الدولة العثمانية أن تحقيق بعض المطالب الصهيونية قد يُحسِّن وضعها في مؤتمر الصلح الذي كان مقبلاً.
ويمكننا أن نقول إن وعد بلفور هو أهم حدث في تاريخ الصهيونية وتاريخ الجماعات اليهودية في العالم، كما أن أهميته بالنسبة لفلسطين والفلسطينيين لا تخفى على أحد.
وعد بلفور
‏Balfour Declaration

«وعد بلفور» هو التصريح الشهير الذي أصدرته الحكومة البريطانية عام 1917 تعلن فيه عن تعاطفها مع الأماني اليهودية في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وحين صدر الوعد كان عدد أعضاء الجماعة اليهودية في فلسطين لا يزيد عن 5% من مجموع عدد السكان. وقد أخذ الوعد شكل رسالة بعث بها لورد بلفور في 2 نوفمبر 1917 إلى اللورد إدموند دي روتشيلد أحد زعماء الحركة الصهيونية آنذاك. وفيما يلي النص الكامل للرسالة:
"عزيزي اللورد روتشيلد:
يسعدني كثيراً أن أنهي إليكم، نيابةً عن حكومة جلالة الملك، التصريح التالي تعاطفاً مع أماني اليهود الصهاينة التي قدموها ووافق عليها مجلس الوزراء. إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين وسوف تبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف. وليكن مفهوماً بجلاء أنه لن يتم شيء من شأنه الإخلال بالحقوق المدنية للجماعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين أو بالحقوق أو الأوضاع القانونية التي يتمتع بها اليهود في أية دولة أخرى.
وسوف أكون مديناً بالعرفان لو قمتم بإبلاغ هذا التصريح إلى الاتحاد الصهيوني.
) إمضاء (
وفيما يتصل بهذا النص، نلاحظ ما يلى:
1 ـ صيغة الوعد واضحة تماماً هنا إذ تُوجَد هيئة حكومية (حكومة جلالة الملك) تؤكد أنها تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي سيضم "الشعب اليهودي"، أي أنه تم الاعتراف باليهود لا كلاجئين أو مضطهدين مساكين، كما أن الهدف من الوعد ليس هدفاً خيرياً ولكنه هدف سياسي (استعماري) . كما أن هذه الحكومة التي أصدرت الوعد لن تكتفي بالأمنيات وإنما سوف تبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف. هذا هو الجوهر الواضح للوعد.

2 ـ ثم تبدأ بعد ذلك الديباجات التي تهدف إلى التغطية، فالوعد لن يضر بمصالح الجماعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين ولا بمصالح الجماعات اليهودية التي لا تود المساهمة في المشروع الصهيوني، بل تود الاستمرار في التمتع بما حققته من اندماج وحراك اجتماعي. وسنلاحظ أن الديباجات تتسم بكثير من الغموض إذ أن الوعد لم يتحدث عن كيفية ضمان هذه الحقوق.
ثم نأتي الآن للأسباب التي يوردها بعض المؤرخين (الصهاينة أو المتعاطفون مع الصهيونية) لتفسير إصدار إنجلترا لوعد بلفور. فهناك نظرية مفادها أن بلفور قد صدر في موقفه هذا عن إحساس عميق بالشفقة تجاه اليهود بسبب ما عانوه من اضطهاد وبأن الوقت قد حان لأن تقوم الحضارة المسيحية بعمل شيء لليهود، ولذلك، فإنه كان يرى أن إنشاء دولة صهيونية هو أحد أعمال التعويض التاريخية. ولكن من الثابت تاريخياً أن بلفور كان معادياً لليهود، وأنه حينما تولى رئاسة الوزارة الإنجليزية بين عامي 1903 و1905 هاجم اليهود المهاجرين إلى إنجلترا لرفضهم الاندماج مع السكان واستصدر تشريعات تحد من الهجرة اليهودية لخشيته من الشر الأكيد الذي قد يلحق ببلاده.
وقد كان لويد جورج رئيس الوزراء لا يقل كرهاً لأعضاء الجماعات اليهوديةعن بلفور، تماماً مثل تشامبرلين قبلهما، والذي كان وراء الوعد البلفوري الخاص بشرق أفريقيا. وينطبق الوضع نفسه على الشخصيات الأساسية الأخرى وراء الوعد مثل جورج ملنر وإيان سمطس، وكلها شخصيات لعبت دوراً أساسياً في التشكيل الاستعماري الغربي.

ويرى بعض المؤرخين أن إنجلترا أصدرت الوعد تعبيراً عن اعترافها بالجميل لوايزمان لاختراعه مادة الأسيتون المحرقة أثناء الحرب العالمية الأولى، وهو تفسير تافه لأقصى حد لا يستحق الذكر إلا لأنه ورد في بعض الدراسات الصهيونية والدراسات العربية المتأثرة بها. ويبدو أن وايزمان نفسه قد تقبَّل هذا التفسير بعض الوقت. ولذا، حينما توترت العلاقات بين إنجلترا والمستوطنين الصهاينة في الأربعينيات، وضع وايزمان مواهبه العلمية تحت تصرف الإمبراطورية، متصوراً أن بإمكانه ممارسة بعض التأثير عليها. وبطبيعة الحال، لم يُوفَّق وايزمان في مساعيه. وفيما يتصل بجهوده الدبلوماسية نفسها أثناء الحرب، يمكن القول بأنه كان شخصية محدودة الذكاء، فلم يدرك الأبعاد الإمبريالية للمشروع الصهيوني أو لوحشية المشروع الإمبريالي، وغير مدرك حتى لدقائق السياسة البريطانية (وهذا هو وصف موظفي الخارجية البريطانية له في تقاريرهم السرية التي تم الكشف عنها مؤخراً) . وحينما اندلعت الحرب العالمية الأولى، كان وايزمان قد وصل لتوه إلى سويسرا في إجازة صيفية. ثم اضطر إلى العودة إلى بريطانيا، فطلب منه لويد جورج أن يقابل هربرت صمويل، فعبَّر عن خوفه من أن يكون صمويل مثل سائر يهود إنجلترا معادياً للصهيونية، ولكنه فوجئ بأن صمويل هذا صهيوني هو الآخر. وحينما تقدَّم بطلباته الصهيونية، أخبره صمويل بأن طلباته هذه متواضعة أكثر من اللازم وأن عليه أن يفكر على مستوى أكبر من ذلك (ويبدو أن هرتزل لم يشف التسلليين تماماً من ضيق الأفق والفشل في إدراك عالمية الظاهرة الإمبريالية ووحشيتها) . ثم أخبره صمويل بأن أعضاء الوزارة يفكرون في أهداف صهيونية، ودوَّن وايزمان بعد ذلك العبارة التالية: "لو كنت يهودياً متديناً لظننت أن عودة الماشيَّح قد دنت". ومع هذا، وكما سنبيِّن فيما بعد، أظهر وايزمان شيئاً من الذكاء باكتشافه بريطانيا (لا ألمانيا) باعتبارها القوة الإمبريالية

الصاعدة التي يمكنها أن ترعى المشروع الصهيوني. ولعل الأمر لا يدل على ذكاء بقدر ما ينبع من وجوده في إنجلترا بالفعل وتَحرُّكه داخل إطار المصالح البريطانية. ولعله لو وُجد في فرنسا لما أدرك شيئاً.
وهناك نظرية تذهب إلى أن الضغط الصهيوني (واليهودي) العام هو الذي أدَّى إلى صدور وعد بلفور، ولكن من المعروف أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يكونوا كتلة بشرية ضخمة في بلاد غرب أوربا، وهم لم يكونوا من الشعوب المهمة التي كان على القوى العظمى أن تساعدها أو تعاديها، بل كان من الممكن تجاهلهم. ويمكن القول بأن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا مصدر ضيق وحسب، ولم يكونوا قط مصدر تهديد. أما الصهاينة فلم تكُن لهم أية قوة عسكرية أو سياسية أو حتى مالية (فأثرياء اليهود كانوا ضد الحركة الصهيونية) . ولكل هذا، لم يكن مفر من أن تكون المطالب الصهيونية على هيئة طلب لخدمة مصالح إحدى الدول العظمى الإمبريالية.
ولعل أكبر دليل على أن الضغط الصهيوني أو اليهودي لا يشكل عنصراً فعالاً في عملية استصدار وعد بلفور وأنه عنصر ثانوي على أحسن تقدير، هو نجاح الصهاينة في إنجلترا وفشلهم في ألمانيا. فقد بذل صهاينة ألمانيا جهوداً محمومة لاستصدار وعد بلفوري، وكانت توجد عندهم مقومات النجاح، ولكن كل هذا لم يُجد فتيلا:
1 ـ بذل صهاينة ألمانيا قصارى جهدهم ليبينوا للحكومة الألمانية مدى نفع اليهود للمشروع الاستعماري الألماني، وقد كان هناك كثير من المفكرين الألمان غير اليهود يشاركون في هذه الرؤية.
2 ـ كان عدد كبير من الزعماء الصهاينة يقف وراء ألمانيا، وكانت برلين لوقت طويل المقر الرئيسي للمنظمة.
3 ـ كانت ألمانيا حليفة لتركيا التي كانت فلسطين تابعة لها.
4 ـ كانت لغة المؤتمرات الصهيونية هي الألمانية، كما كانت ثقافة مؤسسي الحركة الصهيونية ألمانية.

5 ـ كانت الجماعة اليهودية في ألمانيا مُشرَّبة بالثقافة الألمانية، وكان كثير من أعضاء النخبة الثقافية الألمانية من اليهود، وقد يسَّر هذا على اليهود الحركة داخل المجتمع الألماني.
6 ـ كانت الجماعة اليهودية في ألمانيا ذات ثقل مالي وثقافي وسياسي كبير إذ كانت أهم البنوك الألمانية في أيد يهودية.
7 ـ اشترك أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا في القوات الألمانية أثناء الحرب بأعداد تفوق نسبتهم القومية.
8 ـ كانت القوات الألمانية في الحرب العالمية الأولى تقوم بما سمته «تحرير» بولندا وليتوانيا وغرب روسيا (مراكز الكثافة البشرية اليهودية) واعتبرت اليهود عنصراً بشرياً ألمانياً تابعاً لألمانيا. وقد أسَّس الزعيم الصهيوني ماكس بودنهايمر لجنة لتحرير يهود روسيا عام 1914. وكان بين أعضائها ليو موتزكين. وقد تم إصدار نشرة بالعبرية كتب ناحوم سوكولوف افتتاحيتها. وكان أمل الصهاينة أن تستولي القوات الألمانية على غرب روسيا حيث كان يوجد معظم اليهود. ومعنى هذا أنه كان ثمة تلاق بين الآمال الصهيونية والآمال التوسعية الألمانية.
9 ـ كانت أرستقراطية اليهود في أمريكا (كبار المموِّلين) من أصل ألماني، وقد كانت هذه الأرستقراطية متعاطفة تماماً مع ألمانيا ومؤيدة لها.
ويمكن أن نقارن هذا الوضع بوضع الجماعة اليهودية في إنجلترا، التي كانت صغيرة العدد ومندمجة ومعادية للصهيونية، وكانت الحركة الصهيونية فيها ضعيفة للغاية. ومع هذا، فشل صهاينة ألمانيا في استصدار وعد بلفوري من ألمانيا. وحينما نجحوا، كان ذلك في مرحلة متأخرة من الحرب وكان وعداً باهتاً للغاية، بينما نجح صهاينة إنجلترا فيما فشل فيه صهاينة ألمانيا.

وفي الواقع، يمكننا تفسير الفشل الصهيوني في ألمانيا والنجاح الصهيوني في إنجلترا، لا بالقوة والضعف الذاتيين الصهيونيين، ولا بحجم الضغوط الصهيونية مهما كانت ضخمة ومهمة وحيوية، ولكن بالعودة إلى المصالح الإستراتيجية الغربية. ويبدو أن ألمانيا، بسبب علاقتها الحميمة مع تركيا، لم يكن بإمكانها أن تُصدر مثل هذا الوعد (تماماً كما كان الوضع مع إنجلترا عام 1904 حينما أصدرت وعد شرق أفريقيا البلفوري ولم تذكر فلسطين من قريب أو بعيد لأن علاقتها مع الدولة العثمانية لم تكن تسمح بذلك) . ومن المعروف أن وايزمان، كي ينجح في الحصول على وعد بلفور، قطع علاقته مع اللجنة التنفيذية الصهيونية في برلين ورفض التراسل مع زملائه في دول الوفاق Entente ورفض موقف الحياد الرسمي الذي اتخذته المنظمة. كما أنه لم يخبر المقر الرئيسي للمنظمة في كوبنهاجن بمباحثاته مع إنجلترا. ويُقال إن انقسام الحركة الصهيونية لم يُعق جهوده بل ساعدها. والواقع أن نجاحه في إنجلترا، تماماً مثل الفشل الصهيوني في ألمانيا، يمكن تفسيره بإستراتيجية الإمبراطورية الإنجليزية التي قررت تقسيم الدولة العثمانية واحتلال الشرق العربي. ولعل ذكاء وايزمان يَكمُن في اكتشافه ذيلية الصهيونية وحتمية الاعتماد على الإمبريالية وصعود القوة البريطانية فتبعها بكل قوته وقطع كل علاقاته مع المنظمة الصهيونية ذات الجذور الألمانية والتوجه الألماني.
ويمكننا الآن تناول الديباجات والأسباب الحقيقية لصدور الوعد:

كان وعد بلفور إمكانية كامنة في الحضارة الغربية تريد أن تتحقق لتوجد بالفعل، ولذا يجب ألا ننظر لوعد بلفور بمعزل عن الوعود البلفورية السابقة عليه أو اللاحقة له أو عن المعاهدات الاستعمارية الدولية التي أُبرمت أثناء الحرب العالمية الأولى وكانت تهدف إلى حل المسألة الشرقية عن طريق تقسيم تركيا، وأهم هذه المعاهدات اتفاقية سايكس ـ بيكو واتفاقية ماكماهون ـ حسين. كما لا يجب النظر إلى الوعد بعيداً عن البراءات التي كانت تُعطَى للشركات الاستيطانية في آسيا وأفريقيا، ولا عن تقسيم العالم من قبَل القوى الإمبريالية الغربية وإعادة تقسيمه عام 1917، ولا عن الرؤية المعرفية الإمبريالية، ولا عن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي كانت كامنة في الحضارة الغربية.
ولذا، قد يكون من المفيد أن نحاول فَهْم وعد بلفور في هذا الإطار باعتباره براءة لاستعمار فلسطين، الأمر الذي يتطلب منا أن نزيح الديباجات العلنية لنصل إلى لُب الموضوع، أي المصالح الإستراتيجية الغربية كما تخيَّلها أو توهَّمها أصحابها وكما قاموا بتحديدها، ويمكن أن نتحدث عن بعض الفوائد الجانبية التي سيجنيها أصحاب الوعد من إصداره ومن تأسيس الوطن القومي اليهودي:
1 ـ يتحدث العقد الصامت بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية عن تحويل يهود شرق أوربا عن غربها، حفاظاً على الأمن القومي بالداخل. ولابد أن الحكومة البريطانية كانت تأخذ هذا في اعتبارها، وخصوصاً أنه قد سبق لها إصدار وعد شرق أفريقيا البلفوري لهذا السبب.

2 ـ يتحدث العقد الصامت عن تسريب الطاقة الثورية من شباب اليهود من خلال المشروع الصهيوني. وهذه مسألة لم تكن بعيدة عن أذهان أصحاب وعد بلفور. وقد نُشر خبر إصدار الوعد في الصحف في 8 نوفمبر 1917، وهو العدد نفسه الذي نُشرت فيه أنباء اندلاع الثورة البلشفية، وقامت طائرات الحلفاء بإلقاء ألوف النسخ من وعد بلفور وأنباء صدوره على يهود روسيا القيصرية وبولندا وألمانيا والنمسا.
3 ـ كان ثمة اعتقاد غالب بأن الإعلان سيكون ذا قيمة دعائية على الصعيد الدبلوماسي، ذلك أن وعد بلفور سيَلقى صدى لدى اليهود الروس بحيث يمكن أن يصبحوا بشكل من الأشكال أداة ضغط على الحكومة الروسية المؤقتة حتى لا تتراجع عن رغبتها في متابعة الحرب مع ألمانيا.

4 ـ كان من المتوقع أن يؤدي الوعد إلى عائد مماثل بين يهود أمريكا الذين كانوا قد أصابهم شيء من خيبة الأمل بسبب تحالف الحلفاء الوثيق مع حكومة روسيا القيصرية التي كانت مكروهة عند أعضاء الجماعات اليهودية، فكان من المؤمل أن يشجع الوعد أصحاب الأموال من أعضاء الجماعات اليهودية على المساهمة في الجهود الحربية للحلفاء وعلى عدم الارتماء في أحضان الألمان، وخصوصاً أن أرستقراطية يهود الولايات المتحدة كانت من أصل ألماني. ولكن مسار الأحداث أثبت أن ثمة خطأً فاحشاً في التقدير، فلم يكن يهود روسيا أو الولايات المتحدة مهمين إلى هذا الحد. وكانت المنظمة الصهيونية منقسمة على نفسها، كما أن عدد الصهاينة من اليهود كان لا يزال صغيراً للغاية. وقد أوقفت الحكومة الروسية كل عملياتها العسكرية في أكتوبر 1917 حتى قبل وعد بلفور، ثم استولى البلاشفة على الحكم وأنهوا النفوذ الصهيوني فيها. وعلى أية حال، كان يهود روسيا منقسمين ولم يكن بوسعهم أن يحملوا روسيا على الاستمرار في الحرب. أما في أمريكا، فلم يلعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً في الحرب وتم توفير الدعم الأمريكي المطلوب من خلال الحكومة دون أي التفات إلى الصهيونية أو الصهاينة.
ولكن كل هذه فوائد جانبية للحضارة الغربية. أما الفائدة الكبرى، فهي تأسيس دولة وظيفية في فلسطين تُوظَّف في إطارها المادة البشرية اليهودية في خدمة الاستعمار الغربي. فالدافع الحقيقي لوعد بلفور هو رغبة الإمبراطورية البريطانية في زرع دولة استيطانية في وسط العالم العربي في بقعة مهمة جغرافياً لحماية مصالحها الاستعمارية، وخصوصاً في قناة السويس ولحماية الطريق إلى الهند.

وكان وايزمان يعرف، رغم بطء إدراكه، أن كل هؤلاء الإنجليز الذين لا يهمهم اليهود ولا اليهودية تُحرِّكهم دوافع المصالح الإمبريالية، وأن مهمته تتلخص في تقديم المادة البشرية حتى يمكنهم توظيفها. ولذا، فقد صرح قائلاً: إن وافقت إنجلترا على منحنا فلسطين، فإننا سنحصل على وطن وستحصل هي على سند فعال. وقد قال وايزمان إنه لم يحلم قط بوعد بلفور، وإنه جاء بكل صراحة بشكلٍّ مفاجئ. إذ كان قد أعد نفسه لأن يبدأ نشاطه بعد انتهاء الحرب، ولكن الإمبراطورية الإنجليزية كانت قد قررت أن تُوظِّف اليهود لمصلحتها. ومن ثم، لم يكن هناك مفر من إدخالهم في الصورة. ولذا، وعلى عكس المُتصوَّر، لم يبادر الصهاينة بالمفاوضات مع الحكومة الإنجليزية وإنما نجد أن الحكومة البريطانية هي التي بادرت بالاتصال بهم. وقد تَقدَّم الصهاينة بمطالبهم، ولكن رئيس الوزراء إسكويث كان ملتزماً بسياسة إحلال العرب محل الأتراك. ولكن قبل استقالة إسكويث، كانت الحكومة البريطانية قد درست مستقبل فلسطين وتوصلت إلى مخطط بشأن هذا المستقبل. وهناك لحسن الحظ المذكرة التي تقدَّم بها السير هربرت صموئيل في مارس 1915 للحكومة البريطانية ووضَّح فيها الاحتمالات الخمسة لمستقبل فلسطين بعد انهيار الدولة العثمانية. وما يهمنا هنا الاحتمالان الرابع والخامس في هذه المذكرة. لقد كان الاحتمال الرابع هو "الإقامة المبكرة لدولة يهودية وإنشاء محمية بريطانية". لكن هذا الاحتمال تم رفضه لأن اليهود كانوا لا يشكلون آنذاك سوى أقلية صغيرة لا تُذكَر "الأمر الذي سيؤدي إلى تلاشي حلم الدولة الصهيونية". وتضيف المذكرة أن زعماء الحركة الصهيونية "كانوا على إدراك تام لهذه الاعتبارات".
وأما الاحتمال الخامس فهو الاحتمال الأوحد القابل للتحقيق حسبما جاء في المذكرة، وهو يشكل في رأينا الدوافع الحقيقية والعامة لإصدار وعد بلفور:

1 ـ يشكل إنشاء المحمية ضماناً لسلامة مصر [أي سلامة المصالح الإمبراطورية البريطانية التي كانت مصر تشكل إحدى ركائزها الأساسية أنذاك [
2 ـ سوف يُقابَل إعلان الحماية البريطانية بالترحيب من السكان الحاليين [وسيتم بالتالي تحاشي الصدام مع اليهود [
3 ـ ستُعطَى المنظمات اليهودية تحت ظل الحكم البريطاني تسهيلات لابتياع الأراضي وإنشاء المستعمرات وإقامة المؤسسات التربوية والدينية، والتعاون في إنماء البلاد اقتصادياً، وستنال مسألة الهجرة اليهودية مركز الأفضلية بحيث يتحول السكان اليهود إلى أكثرية مستوطنة في البلاد [أي توطيد دعائم الاستيطان الصهيوني] .
4 ـ ستؤدي هذه الخطوة إلى شعور يهود العالم بالامتنان تجاه بريطانيا وسوف يؤلف اليهود كتلة متحيزة للإمبراطورية البريطانية [توظيف اليهود في الداخل والخارج لخدمة المصالح الإمبريالية البريطانية] .
5 ـ يشير صموئيل في المذكرة (وفي أماكن أخرى) إلى أنه، بعد أن يستقل اليهود في دولة خاصة بهم، سوف تشكل هذه الدولة جزءاً من الحضارة الغربية وتدافع عن مصالحها.
وإذا كان هذا هو الإطار العام، فإن التحرك من خلاله كان يتطلب استقالة إسكويث عام 1916، وقد حل محله لويد جورج كرئيس للوزراء وبلفور وزيراً للخارجية. وهنا ظهر السير مارك سايكس (1979-1919 المهندس الحقيقي لوعد بلفور الذي عُيِّن مستشاراً لوزارة الخارجية البريطانية لشئون الشرق الأوسط. ويكاد يكون هناك ما يشبه الإجماع بين المؤرخين على أن الإمبراطورية البريطانية كانت شديدة الاهتمام بفلسطين، وقد أبرمت معاهدة سايكس ـ بيكو لتحديد طريقة تقسيم الدولة العثمانية. ولم يشترك الصهاينة في المفاوضات المؤدية، ولم يُدعَوا إليها، ولم يعرفوا بها حتى بعد توقيعها، أي أن مصير فلسطين تقرَّر دون مشاركتهم.

وكان سايكس يقبل مبدأ تقسيم الدولة العثمانية، ولكنه كان معارضاً لذلك القسم الخاص بتدويل فلسطين. لأن هذا كان "ينفي السيطرة البريطانية عليها" بل كان يعني قيام سيطرة فرنسية، الأمر الذي كان يعني زيادة حجم نفوذ الفرنسيين بشكل لا يتفق مع الواقع، كما قد يؤدي إلى نسف الموقف الإستراتيجي لبريطانيا في الشرق الأوسط برمته. وكان لويد جورج مقتنعاً بحاجة بريطانيا إلى فلسطين للدفاع عن مشارف قناة السويس، ومن هنا برزت أهمية المشروع الصهيوني كوسيلة للانسحاب بلباقة من اتفاقية سايكس ـ بيكو. فهذا المشروع يعني ببساطة تحويل فلسطين إلى وطن قومي يهودي تحت الرعاية البريطانية، وهذه الرعاية تعني في الواقع احتلال بريطانيا لفلسطين، ومن ثم قررت بريطانيا توظيف اليهود حتى تتخلص من البنود الخاصة بفلسطين في اتفاقية سايكس بيكو. ومنذ أن اتصل الصهاينة بهربرت صموئيل، اكتشفهم سايكس الذي أراد أن يستخدمهم في محاولة تعديل الاتفاقية وظلوا هم الجانب المتلقي لما تشاؤه الإرادة الإمبريالية البريطانية. وبعد أن تقرَّر توظيفهم، دُعي الصهاينة لأول مرة للاجتماع مع ممثلي الحكومة في فبراير 1917. وتتالت الأحداث، فقام سايكس بكتابة أولى مسودات الوعد، وتمت الموافقة عليها. وحينما تمت صياغة الوعد (كما لاحظ آحاد هعام) تمت صياغته بدون الالتفات إلى مقترحات الصهاينة أو مقترحات أعداء الصهيونية.
وقد تأخر صدور الوعد بعض الوقت بسبب معارضة يهود إنجلترا المعادين للصهيونية، إذ قاد لوسيان وولف وسير إدوين مونتاجو حملة ضد الوعد وإصداره لأنه يُسقط حق المواطنة عن اليهود ويجعلهم مواطنين في دولة أخرى. واستجابةً لهذه الضغوط، أُسقطت عبارة "الجنس اليهودي" وحل محلها عبارة "الشعب اليهودي" كما أضيفت عبارة أن الوعد لن يؤدي إلى الإخلال بالحقوق والأوضاع القانونية التي يتمتع بها اليهود في أية دولة أخرى.

ولكن الحكومة الإنجليزية لم تعامل أعداء الصهيونية برفق شديد إذ أن بلفور أخبر وولف وأصدقاءه أن يوقفوا الهجوم على الصهيونية، فالمشروع الصهيوني يشكل جزءاً من المشروع الاستعماري الغربي وعليهم أن يعوا ذلك.
ووعد بلفور صيغة جديدة من البراءات الاستعمارية التي كانت تُمنَح للمستوطنين الغربيين في آسيا وأفريقيا. وحينما أُصدر وعد بلفور، سماه الصهاينة «الميثاق أو البراءة» . وقد كانوا، في ذلك، أكثر دقة من كثير من العرب ومؤرخي الصهيونية، فوعد بلفور كان الميثاق الذي يشبه البراءة التي مُنحت لرودس (وإن كان وعد بلفور أكثر التزاماً بمساعدة اليهود من البراءة التي مُنحت لرودس) . وقد مُنحت براءة بلفور لليهود بعد تقسيم تركيا بطريقة لا تختلف كثيراً عن البراءات التي أُعطيَت لبعض الشركات الغربية في أعقاب تقسيم أفريقيا في مؤتمر برلين. وقد أصدرت بريطانيا البراءة بعد التفاوض مع الحلفاء، ووافقت عليه مسبقاً كلٌّ من فرنسا وإيطاليا، ثم أيَّدته الولايات المتحدة، فهو ليس وعداً إنجليزياً وإنما هو وعد غربي، كما أن المستعمرة اليهودية التي ستُؤسَّس لن تكون تابعة لإنجلترا وحسب وإنما ستخدم المصالح الإمبريالية الغربية كافة. ولذا، فإن ثمة مسافة بين الصهاينة والحكومة البريطانية رغم التزام إنجلترا بدعم المُستوطَن الصهيوني، إلا أنه كان من المتوقع أن يقع عبء العمل الاستيطاني نفسه على عاتق الصهاينة أنفسهم (تماماً كما هو الحال مع شركات الاستيطان (.
ويُلاحَظ أن براءة بلفور الاستيطانية، مثل البراءات الأخرى، صدرت دون استشارة السكان الأصليين ودون أخذ مصيرهم في الاعتبار.
عقد بلفور
‏Balfour Contract

«عقد بلفور» مصطلح قمنا بسكه للإشارة إلى وعد بلفور. فوعد بلفور هو بمنزلة «عقد» علني واضح وقِّع بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية العالمية باعتبارها ممثلة للجماعات اليهودية في العالم لوضع العقد الصامت والصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة موضع التنفيذ.
جيمس بلفور (1848-1930 (
‏James Balfour
صهيوني غربي بريطاني يستخدم الديباجات المسيحية تارة، والعلمانية (العرْقية والإمبريالية) تارة أخرى، ويمزج بينها جميعاً تارة ثالثة. ويُنسَب إليه التصريح الذي أصدرته الحكومة البريطانية عام 1917 ويُسمَّى «وعد بلفور» .
تلقَّى بلفور تعليماً دينياً من أمه في طفولته، وتشبَّع بتعاليم العهد القديم، خصوصاً في تفسيراتها الحرفية البروتستانتية. ورؤية بلفور لليهود متأثرة بالرؤية الألفية الاسترجاعية التي تراهم باعتبارهم شعباً مختاراً ومجرد وسيلة للتعجيل بالخلاص، وهي الرؤية التي تمت علمنتها فتحوَّل اليهود إلى الشعب العضوي (المختار) المنبوذ.
ويتجلى هذا المزيج من الكره والإعجاب من جانب بلفور في تلك المقدمة التي كتبها لمؤلَف سولوكوف تاريخ الصهيونية حيث يبدي معارضته لفكرة المُستوطَن البوذي أو المُستوطَن المسيحي. فالمسيحية والبوذية في رأيه هما مجرد أديان، ولكنه يَقْبل فكرة المُستوطَن اليهودي لأن "العرْق والدين والوطن" أمور مترابطة بالنسبة إلى اليهود كما أن ولاءهم لدينهم وعرْقهم أعمق بكثير من ولائهم للدولة التي يعيشون فيها. إن هذا الشعب العضوي يتميَّز أعضاؤه بالنشاط والحركية، ولذا فقد حققوا نجاحاً باهراً في المجتمع.

ولكن هذا الشعب العضوي المختار هو أيضاً "جماعة أجنبية معادية" تؤمن بدين هو محل كره مُتوارَث من المحيطين بها، أدَّى وجودها في الحضارة الغربية إلى "بؤس وشقاء استمرا دهراً من الزمان". ولأن تلك الحضارة لا تستطيع طَرْد أو استيعاب هذه الجماعة، فهم يتسببون في كوارث تحيق بإنجلترا (كما فعل يهود اليديشية المهاجرون إليها) . وقد أعلن بلفور أن ولاء اليهود للدولة التي يعيشون فيها "ضعيف إذا ما قُورن بولائهم لدينهم وعرْقهم، وذلك نتيجة طريقتهم في الحياة ونتيجة عزلتهم، فهم لا يتزاوجون إلا من بني جنسهم". وهذا اتهام لليهود بأنهم جماعة لا تندمج كما أنها تعاني من ازدواج الولاء بل من انعدامه أحياناً، وهو اتهام يوجهه دائماً الصهاينة ومعادو اليهود لما يسمونه «الشخصية اليهودية» .
وقد اعترف بلفور نفسه لوايزمان بأنه وجد نفسه متفقاً مع افتراضات كوزيما فاجنر (ابنة الموسيقار) عن اليهود ومتقبلاً لها، وهي افتراضات معادية لليهود بشكل متطرف. لكل هذا، خلص بلفور إلى أنه ليس من مصلحة أي بلد أن يكون فيه يهود مهما بلغت وطنيتهم وانغماسهم في الحياة القومية. وانطلاقاً من كل هذا، فقد تبنَّى قانون الغرباء الذي صدر بين عامي 1903 و1905 والذي كان يهدف إلى وضع حدٍّ لدخول يهود اليديشية إلى إنجلترا. وقد أدَّى موقفه هذا إلى الهجوم عليه من قبَل المؤتمر الصهيوني السابع (1905، حيث وُصفت تصريحاته بأنها "معاداة صريحة للشعب اليهودي بأسره"، كما هاجمته الصحافة البريطانية.

وقد يبدو الأمر لأول وهلة وكأنه نوع من التناقض الواضح الذي يقترب من الشيزوفرانيا، ولكن أفكار بلفور الاسترجاعية (علمانية كانت أم دينية) تعبِّر عن رغبة في التخلص من اليهود وفي حوسلتهم لخدمة الحضارة الغربية. والواقع أن مفهوم الحوسلة هو الذي يفسر تأرجحه بين الحب والكره، فالحب هو حب لشعب عضوي مختار متماسك، ومن ثم فإنه لا ينتمي إلى مسار التاريخ الإنساني العادي ولا يمكن استيعابه في الحضارة الغربية، والكره هو أيضاً كره لشعب عضوي مختار متماسك يرفض الاندماج أو الانتماء لمسار التاريخ الإنساني العادي أو الحضارة الغربية. والنتيجة واحدة، حباً أو كرهاً، وهي نقل اليهود خارج أوربا وتوظيفهم في خدمة الحضارة الغربية. فالشعب العضوي المنبوذ لا يمكن أن يحل مشكلته داخل التشكيل الحضاري الغربي عن طريق الاندماج في المجتمعات الغربية، وإنما يمكنه حلها من داخل التشكيل الاستعماري الغربي عن طريق التحول إلى مادة استيطانية نافعة بيضاء تُوطَّن خارج أوربا (في أية بقعة في آسيا أو أفريقيا) . وبالفعل، تعمَّق اهتمام بلفور بالمسألة اليهودية حين حضر هرتزل وتفاوض مع وزير المستعمرات جوزيف تشامبرلين ووزير الخارجية لانسدون، حيث أجرى معهما مفاوضات بشأن توطين اليهود في شبه جزيرة سيناء لتحويل الفائض البشري اليهودي عن إنجلترا وتوطينه في خدمة الإمبراطورية. وفي هذا الإطار، اقترح تشامبرلين، الوزير في وزارة بلفور، توطين اليهود في إحدى المستعمرات الإنجليزية، وتُرجم هذا الاقتراح إلى مشروع شرق أفريقيا.

وفي عام 1905، قام بلفور بمقابلة حاييم وايزمان في مانشستر وأُعجب به كثيراً، ولكنه نسي فكرته الصهيونية إلى حدٍّ كبير في فترة الحرب. ثم قابله مرة أخرى عام 1915 وناقش معه الأهداف الصهيونية (بعد أن كانت الوزارة البريطانية قد ناقشتها عام 1914 وعندما عُيِّن وزيراً للخارجية في وزارة لويد جورج عام 1916، عاد بلفور لاهتمامه القديم بالصهيونية بسبب تزايد أهمية فلسطين في المخطط الإمبريالي البريطاني وبسبب تصاعُد الجو الثوري الذي ساد أوربا والشرق العربي (وقد كان بلفور يرى أن الصهاينة حماة مجتمع ذي تقاليد دينية وعرْقية تجعل اليهودي غير المندمج قوة محافظة هائلة في السياسة العالمية) .
زار بلفور الولايات المتحدة عام 1917 في إطار محاولات إنجلترا حث الولايات المتحدة على دخول الحرب إلى جانب الحلفاء، وقابل الزعيم الصهيوني الأمريكي لويس برانديز. وفي نوفمبر من العام نفسه، أصدر بلفور تصريحه أو وعده المشهور نيابةً عن الحكومة الإنجليزية. وقد شهد العام نفسه رفضه التدخل لدى الحكومة الروسية لإزالة القيود المتعلقة بإعطاء اليهود حقوقهم المدنية.
وبعد ذلك، استمر بلفور في دعم الصهيونية عدة سنوات وفي يونيه عام 1922، ألقى خطاباً في مجلس اللوردات البريطاني يحث فيه بريطانيا على قبول فرض الانتداب على فلسطين، وتقدَّم بمسودة قرار الانتداب لعصبة الأمم، كما شارك في افتتاح الجامعة العبرية عام 1925
وقد بيَّن بلفور تصوُّره لمستقبل فلسطين في إحدى المذكرات حيث قال: إن الصهيونية، سواء أكانت على حق أم كانت على باطل، خيِّرة كانت أم شريرة، فإنها ذات جذور متأصلة في "تعاليم قديمة وحاجات حالية وآمال مستقبلية" (غربية) . ولذا، فإن أهميتها "تفوق رغبات وميول السبعمائة ألف عربي" قاطني هذه الأرض. وقد أكد بلفور في مذكرة أخرى أن الحلفاء لم يكن في نيتهم قط استشارة سكان فلسطين العرب.

وانطلاقاً من إدراك الأهمية الجغراسية (الجغرافية/السياسية) لفلسطين، طلب بلفور أن تكون فلسطين متاحة لأكبر عدد من المهاجرين (الذين رفض من قبل دخولهم إنجلترا) وأن تُوسَّع حدودها لتشمل الأراضي الواقعة شرقي نهر الأردن.
ويوجد في إسرائيل موشاف يُدعَى «بلفوريا» أسسه مستوطنون من الولايات المتحدة، كما توجد شوارع في القدس وتل أبيب سُمِّيت جميعها باسمه، ويطلق كثير من اليهود على أبنائهم اسم «بلفور» مع أنه ليس اسماً عبرياً أو يهودياً. وقد ألَّف بلفور عدة كتب في الفلسفة الدينية، من أهمها: دفاع عن الشك الفلسفي (1879) ، وأُسس الاعتقاد الديني: ملاحظات أولية لدراسة اللاهوت (1893) ، والإيمان بالله والفكر: دراسة في العقائد المألوفة (1923) .
مارك سايكس (1879-1919)
‏Mark Sykes
دبلوماسي ورحالة بريطاني وُلد في لندن وتلقَّى تعليمه في موناكو وبروكسل وكمبردج. عمل في الجيش البريطاني بعض الوقت في جنوب أفريقيا (1902 وسافر إلى سوريا والعراق، وعُيِّن ملحقاً فخرياً للسفارة البريطانية في إستنبول. وعُيِّن بسبب خبرته الواسعة في شئون الشرق مساعداً لوزارة الحرب البريطانية، وكانت وظيفته تزويد مجلس الوزراء بالمعلومات والمشورة حول شئون الشرق الأوسط. ولم يكن سايكس من صانعي القرار إلا أنه كان مؤثراً جداً فيهم بسبب شهرته كخبير في شئون الشرق الأوسط وحظوته لدى أصحاب السلطة. بل يرى كاتب سيرة حياته أنه كان القوة المحركة للسياسة البريطانية الخاصة بفلسطين التي أدَّت إلى إصدار وعد بلفور ثم الانتداب البريطاني على فلسطين. ومما تجدر ملاحظته أن سايكس كان كاثوليكياً على عكس الغالبية الساحقة من الصهاينة غير المسيحيين الذين يأتون من أوساط بروتستانتية.

اشترك سايكس، بحكم منصبه، في المباحثات التي جرت في لندن وكان يمثل فيها الجانب البريطاني. أما فرانسوا جورج بيكو، القنصل الفرنسي السابق في بيروت ومستشار السفارة الفرنسية في لندن، فكان يُمثل الجانب الفرنسي فيما يتصل بما كان يُسمَّى «المسألة السورية» ، أي مستقبل المنطقة العربية (وخصوصاً الشام) وتقسيم ممتلكات الدولة العثمانية في آسيا. وقد انتهت هذه المباحثات، بشكل مبدئي (عام 1916 بتوقيع اتفاقية سايكس ـ بيكو الشهيرة لتقسيم مناطق النفوذ بين إنجلترا وفرنسا. وقد وُضعَت فلسطين بمقتضى الاتفاق تحت إشراف إدارة دولية.

وبعد هذا التوقيع المبدئي، اطَّلع السير مارك سايكس على المذكرة التي وزعها هربرت صمويل على أعضاء الوزارة البريطانية يقترح فيها أن تبنَّت إنجلترا المشروع الصهيوني. وقد اكتشف سايكس على التو أنه لو تبنَّت إنجلترا المشروع الصهيوني، فإن هذا سيوفر لها موطئ قدم راسخاً في الشرق الأرسط. واكتشف سايكس أن بوسعه استخدام الصهاينة في التخلص من الجزء الخاص بوضع فلسطين تحت إدارة دولية (أي فرنسية إنجليزية) . ومما له دلالته، أن القيادة الصهيونية لم تكن تعرف شيئاً عن الاتفاق السري هذا (أي أن القرار دائماً قرار استعماري يتم توظيفه لاحقاً الصهاينة) . ولم يعرف وايزمان عن الاتفاق إلا في 16 أبريل 1917 من تشارلز سكوت رئيس تحرير المانشستر جارديان. وقد تقرَّر أن يعبِّر الصهاينة عن رغبتهم في أن تكون فلسطين تحت حكم إنجلترا وحسب وألا تُقسَّم. وبالفعل، قام الصهاينة بما طُلب منهم، وقام سوكولوف بمقابلة بيكو وعبَّر له عن وجهة النظر الصهيونية، وأكد له أن الدولة الصهيونية لن تضر بمصالح فرنسا. ولكن العنصر الحاسم في تغيير وجهة النظر الفرنسية لم يكن الضغوط الصهيونية وإنما وصول القوات البريطانية تحت قيادة أللنبى إلى فلسطين واستيلائهم عليها دون عون القوات الفرنسية. كما أن اندلاع الثورة البلشفية وانسحاب روسيا من الحرب غيَّر الصورة تماماً. وقد انتهى الأمر بأن تنازلت فرنسا عن فلسطين لإنجلترا. وقد شارك سايكس بشكل أساسي في الصياغة النهائية لوعد بلفور.

وكان سايكس ـ كما هي العادة مع الصهاينة غير اليهود ـ معادياً لليهود بشكل صريح ويَصدُر عن مفهوم الشعب العضوي المنبوذ. فاليهودي بالنسبة له هو المموِّل العالمي. وينقسم اليهود ـ حسب تصوُّره ـ إلى قسمين: اليهود المتأنجلزون (أي المندمجون) الذين يتخلون عن هويتهم (العضوية) ، ومن ثم يمكثون في بلادهم ولا يهاجرون منها، وكان سايكس يكن لهم احتقاراً عميقاً، وهناك العبراني الحقيقي (هذا الذي يترك إنجلترا ليستوطن في بلده العضوي) ، وهؤلاء كان يحبهم سايكس، شأنه في هذا شأن النازيين وشأن كل من يرغب في أن "يعود" اليهود إلى "وطنهم القومي" في فلسطين، فتُفرَّغ أوربا من يهودها. ومن هنا، فلا غرو أن يؤيد سايكس المشروع الصهيوني.

الصهيونية - إشكاليات وموضوعات أساسية - وضع العقد موضع التنفيذ

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

العقد الصامت: تاريخ
‏Silent Contract: History
إن فَهْم ماهية العلاقة بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية، وكيفية إبرام هذا «العقد الصامت» بينهما، يقتضي استذكار قصة ظهور الفكرة الصهيونية في ظل الحضارة الغربية ـ وهي قصة بدأت قبل ظهور الحركة الصهيونية بثلاثة قرون. فالصهيونية ـ على صعيد الفكر ـ فكرة غربية استعمارية عنصرية دعت إلى اصطناع قومية لليهود وإقامة دولة لهم في فلسطين العربية يتجمعون فيها على أساس استعماري استيطاني، بالتعاون مع قوى الاستعمار الغربي. وقد انطلقت هذه الفكرة في دعوتها هذه من الزعم بأن اليهود أينما كانوا يشكلون "شعباً" واحداً، وهم غير قابلين للاندماج في الشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها وهذا ما يجعلهم هدفاً دائماً لاضطهاد هذه الشعوب لهم في كل زمان ومكان. كما انطلقت من الزعم بأن اليهود كشعب لهم تاريخ متصل في فلسطين انقطع لفترة مائتين وألف من السنين كانوا خلالها يتطلعون إلى العودة. كما أوضحنا أن ظهور هذه الفكرة بدأ في الغرب الأوربي الحديث خلال القرن السادس عشر الميلادي حين تضافرت حركة "النهضة الأوربية"، وحركة "الإصلاح الديني البروتستانتي"، وحركة "الكشوف الأوربية" في إرساء التاريخ الأوربي الحديث. وجاء تبلور هذه الفكرة من خلال تفاعُل أفكار الهيمنة الاستعمارية والسمو القومي والتفوق العنصري في الغرب الأوربي على مدى ثلاثة قرون.

وكان من النتائج الواضحة للبروتستانتية ظهور الاهتمام الغربي بتحقيق النبوءات التوراتية المتعلقة بنهاية الزمان وتردُّد الحديث عن «العصر الألفي السعيد» المستند إلى الاعتقاد بعودة المسيح المنتظر الذي سيقيم مملكة الله في الأرض لتدوم ألف عام، وتتالي ظهور علماء لاهوت بروتستانت تحدثوا عن أمة يهودية وبَعْث يهودي، وعن كون فلسطين وطناً لليهود، وانتشار هذه الأفكار في الجزر البريطانية وبخاصة. وكان من النتائج الواضحة للكشوف الجغرافية الأوربية بدء الاستعمار الأوربي التجاري الذي تطوَّر بفعل عوامل أخرى إلى حركة استعمارية واسعة بلغت ذروتها في القرن التاسع عشر مع حدوث الانقلاب الصناعي في أعقاب الانقلابين التجاري والآلي، وهو ما أدَّى إلى تسلُّط أفكار الهيمنة الاستعمارية على دول أوربا، ومنها إنجلترا التي برز فيها اهتمام خاص بفلسطين وبفكرة عودة اليهود إليها لأسباب تجارية. وقد تنامى الاهتمام الأوربي بفلسطين بسبب موقعها المهم بالنسبة لطرق التجارة الدولية وبرزت فكرة استعمارها استيطانياً باليهود، ثم تضاعف هذا الاهتمام مع نشوء ما عُرف في أوربا بالمسألة الشرقية التي جرى تعريفها باللغة الاستعمارية "بأنها مشكلة ملء الفراغ الذي ولَّده الانحسار التاريخي التدريجي للدولة العثمانية عن الحدود التي بلغتها في أوج توسُّعها". وقد بلغ التنافس أوجه بين إنجلترا وفرنسا القوتين الاستعماريتين الأكبر في القرن الثامن عشر على مدِّ نفوذهما إلى قلب الوطن العربي. وبادر بونابرت حين غزا مصر وفلسطين وارتد أمام أسوار عكا إلى مخاطبة يهود فرنسا مقترحاً عليهم إقامة دولة يهودية في فلسطين، ولم تلبث الفكرة الصهيونية أن تبلورت في المخططات الاستعمارية الفرنسية في القرن التاسع عشر. وحدث الأمر نفسه في المخططات الاستعمارية البريطانية في الفترة نفسها. وامتلأت وزارة الخارجية البريطانية بمعتنقي الفكرة الصهيونية. ولم تلبث المخططات الاستعمارية

الأوربية عامة أن تبنت فكرة توطين يهود أوربا في فلسطين وإقامة دولة لهم تكون قاعدة استعمارية.
عمل الاستعماريون الأوربيون الذين بلوروا الفكرة الصهيونية على توظيف المعتقدات اليهودية لإقناع يهود أوربا بفكرة "عودتهم إلى فلسطين وإقامة دولة لهم فيها". وهكذا شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر تطوراً في مفهوم الماشيَّح تمثَّل في فتاوى حاخامات اليهود القائلة بضرورة هجرة أعداد كبيرة من اليهود إلى فلسطين لاستعمارها كخطوة على طريق تحقيق مملكة الخلاص وظهور المخلِّص. وألبس هؤلاء الاستعماريون الأوربيون ومنهم يهود الفكرة الصهيونية الثوب القومي، في وقت شهد ازدهار الفكرة القومية في أوربا، وعملوا على اصطناع قومية لليهود. وحين انحرف بعض المفكرين الأوربيين بفكرة القومية ونادوا بالسمو القومي والتفوق العنصري انساقت الفكرة الصهيونية مع ادعائهم وسقطت في مهاوي العنصرية مرددة مقولة شعب الله المختار.

وثمة أسباب عديدة جعلت الفكرة الصهيونية "غير قادرة على التحقق"، من أهمها "أن دعاة الفكر الصهيوني كانوا من الصهاينة غير اليهود أو من أعداء اليهود، الأمر الذي جعل المادة البشرية المستهدفة (أي اليهود) يرفضون الدعوة إلى استيطان فلسطين. كما أنه لم يكن هناك أية أطر تنظيمية تضم كل الجماعات اليهودية. وعلاوة على هذا كان هناك يهود الغرب المندمجون الذين كانوا يرون أن المشروع الصهيوني يهدد وجودهم ومكانتهم وكل ما حققوه من مكاسب". وجاء تيودور هرتزل ليحل كل هذه الإشكاليات بوَضْع العقد الصامت استناداً للصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي نبعت من صميم الحضارة الغربية ومن تاريخها الفكري والاقتصادي والسياسي وبتأسيس المنظمة الصهيونية إطاراً تنظيمياً يمكن من خلاله توقيع العقد الصامت وفرض الصيغة الصهيونية الشاملة على الجماهير اليهودية. كما طوَّر الخطاب المراوغ الذي جعل إرضاء مختلف قطاعات يهود العالم الغربي في غرب أوربا وشرقها أمراً ممكناً.

لقد جاء تيودور هرتزل 1860-1904 لينشر عام 1896 كتاب الدولة اليهودية مضمناً إياه "محاولة إيجاد حل عصري للمسألة اليهودية". وتلقَّفه وليام هشلر 1845 ـ 1931 القس الإنجليكاني الملحق بالسفارة البريطانية في فيينا، وعاونه في عقد المؤتمر الصهيوني الأول في بال عام 1897وصاغ هرتزل شعارات الحركة الصهيونية "نحن شعب"، و"فلسطين وطننا التاريخي الذي لا يُنسَى". ووضع خطة لتحقيق المشروع الصهيوني، وحوَّلها المؤتمر إلى برنامج سياسي، وقاد التحرك الصهيوني مع قوى الاستعمار الغربي وبخاصة في بريطانيا لتنفيذ هذا البرنامج. ووضعت الحركة الصهيونية نصب عينها بعد انعقاد مؤتمرها الأول القيام بمهام ثلاث هي: استعمار فلسطين، ومحاولة خلق شعب يهودي واحد متجانس، وإنشاء حركة تكون بمنزلة رأس الرمح في البرنامج الصهيوني الاستعماري. وتضمَّن هذا البرنامج تشجيع الاستعمار الصهيوني في فلسطين، وتأسيس منظمة تربط يهود العالم عن طريق مؤسسات محلية أو دولية طبقاً لقانون كل دولة، وتقوية الشعور القومي اليهودي، والحصول على موافقة حكومية لبلوغ الأهداف الصهيونية، وصولاً إلى "إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين يحميه القانون".
باشرت الحركة الصهيونية تهجير يهود أوربيين إلى فلسطين التي كانت جزءاً من الدولة العثمانية. واستغلت هذه الحركة ما كانت تعانيه الدولة من فساد إداري لتمكِّن آلاف اليهود من التسلل. وكثَّف هرتزل في هذه المرحلة جهوده الدبلوماسية للحصول على "براءة" تضمن أي كيان صهيوني يقام في فلسطين، فحصل على نوع من الاعتراف الأوربي بالمنظمة الصهيونية العمالية رغم معارضة يهود غير صهاينة رأوا في الصهيونية خطراً عليهم في أوطانهم. وقد استخدم هرتزل مصطلح «البراءة» في جوابه عن سؤال القيصر ولهلم الثاني أن يلخص له مطالب الصهيونية.

إن هذه البراءة هي في واقع الأمر العقد الصامت الذي أبرم بين المنظمة الصهيونية (كمتحدث غير منتخب باسم يهود شرق أوربا وغربها) وبين العالم الغربي (وضمن ذلك المعادون لليهود) . وهو تفاهم ضمني بين يهود غرب أوربا ويهود اليديشية، تتعهد الحركة الصهيونية بمقتضاه بإخلاء أوربا من يهودها (أو على الأقل من الفائض البشري اليهودي) وتوطينهم في منطقة خارج هذا العالم الغربي (داخل دولة وظيفية) ، ويتحقق نتيجةً لذلك أن يؤسس المستوطنون في موقعهم الجديد قاعدة للاستعمار الغربي وتتعهد الصهيونية بتحقيق مطالب الغرب ذات الطابع الإستراتيجي وضمنها الحفاظ على تفتُّت المنطقة العربية. هذا فضلاً عن أهداف أخرى تمكِّن الصهيونية من التحكم باليهود وتخلِّص العالم الغربي من نسبة كبيرة منهم. ولم يلتفت هذا العقد لمشكلة شعب الأرض المستهدفة وكيفية حلها، بل عمدت الحركة الصهيونية إلى الزعم بأن "فلسطين أرض بلا شعب" منكرة وجود شعب تمتد جذوره في وطنه إلى فجر التاريخ الإنساني. وقد جاء استهداف طرفي العقد فلسطين لعدة أسباب في مقدمتها موقع فلسطين في قلب دائرة الوطن العربي وفي موقع إستراتيجي من دائرة العالم الإسلامي والحضارة العربية الإسلامية.

والعقد الصامت بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية هو الإطار الذي تمت من خلاله عملية الاستعمار الإحلالي الصهيوني في فلسطين. وقد مارست دول أوربا الاستعمارية ضغوطاً على الدولة العثمانية لتمكِّن الصهيونية من التسلل إلى فلسطين في مطلع القرن، وعملت الحركة الصهيونية طابوراً خامساً لهذه الدول إبان الحرب العالمية الأولى (1914ـ 1918) . ثم قامت بريطانيا يوم 3 نوفمبر 1917 بأصدار تصريح بلفور الذي مثَّل اعترافاً رسمياً بريطانياً بالهدف الصهيوني الخاص بتحويل فلسطين إلى وطن قومي لليهود والتزاماً بريطانياً رسمياً بالتعاون مع المنظمة الصهيونية العالمية لتحقيق هذا الهدف. وكان هدف بريطانيا منه استعمار فلسطين واغتصابها وإيجاد قاعدة استعمارية استيطانية فيها تفصل مشرق الوطن العربي عن مغربه، وتمكِّن بريطانيا من الهيمنة على المنطقة.
تتالت الأمثلة الواقعية على هذا العقد الصامت في فلسطين إبان فترة ما بين الحربين وأثناء الحرب العالمية الثانية التي شكلت خلالها الحركة الصهيونية "الفيلق اليهودي" ليحارب مع الحلفاء. ومكَّنت بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، التي أصبحت قائدة الاستعمار الغربي بعد الحرب، الحركة الصهيونية من إقامة دولة إسرائيل في فلسطين عام 1948 وخلال العدوان الثلاثي وحرب 1967 عملت إسرائيل لمصلحة المخططات الغربية في المنطقة. وقد كشفت الوثائق البريطانية عن نظرة ونستون تشرشل أحد رموز الاستعمار الغربي في الخمسينيات لدور إسرائيل في الضغط على مصر لتقبل الشروط البريطانية. والأمر نفسه كشفته الوثائق الأمريكية في الستينيات وما بعد. وقد جاء تجسيد «العقد الصامت» صارخاً في الاتفاق الإستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي عام 1981 الذي استهدف فلسطين والدائرة العربية والدائرة الإسلامية. وهكذا عبَّر العقد عن نفسه من خلال مذكرات تفاهم واتفاقيات عسكرية وإستراتيجية ودعم عسكري ومالي وسياسي فعلي.

لقد واجه طرفا العقد مقاومة قوية استمرت هي الأخرى في مراحل نضال الشعوب المُستعمَرة من أجل التحرير في الدائرة العربية والإسلامية. ولا تزال هذه المقاومة مستمرة. وقد برزت بفعلها أسئلة عن مستقبل القاعدة الاستعمارية الاستيطانية الصهيونية، وعن مدى صواب إستراتيجية العداء الغربي للعروبة وحضارة الإسلام، وعن ما تسببه الصهيونية العنصرية من تداعيات تهدد يهوداً كثيرين فضلاً عن الشعوب العربية والإسلامية المُستهدَفة بالعقد الصامت.
العقد الصامت والدعم السياسي والاقتصادي والعسكري الغربي للحركة الصهيونية وللدولة الصهيونية
‏Silent Contract and Western Political, Economic, and Military Support of the Zionist Movement and State
قامت القوى الاستعمارية الغربية بدعم الحركة الصهيونية حتى عام 1948 ثم قامت بدعم الدولة الوظيفية بعدها. وسنتناول بعض أشكال الدعم السياسي في مداخل هذا الباب. وبإمكان القارئ أن يعود إلى الباب المعنون «الدولة الوظيفية» وإلى المدخل المعنون «المعونات الخارجية للدولة الصهيونية الوظيفية.»
لجنة كينج ـ كرين
‏King-Crane Commission

في سياق تصفية تركة الحرب العالمية الأولى بتقسيم مناطق النفوذ في العالم بين البلدان الاستعمارية المنتصرة، وانطلاقاً من رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في استثمار تضارب المصالح بين فرنسا وبريطانيا لإيجاد موطئ قدم في المنطقة العربية، اقترح الرئيس الأمريكي ويلسون في مارس 1919 على المجلس الأعلى لمؤتمر الصلح بين دول الحلفاء (أمريكا ـ بريطانيا ـ فرنسا ـ إيطاليا) إرسال لجنة تحقيق للوقوف على رغبات المواطنين في فلسطين وسوريا ولبنان وشرق الأردن تمهيداً لتقرير مصير المنطقة. ورغم التصديق على الاقتراح، فقد امتنعت فرنسا وبريطانيا عن الاشتراك في اللجنة لعلمهما بأن نتائج التحقيق لن تكون في صالحهما، ولذا فقد اقتصرت اللجنة على العضوين الأمريكيين اللذين سُميِّت اللجنة باسميهما وهما: هنري كينج وتشارلز كرين بالإضافة إلى بعض المستشارين.
اطلعت اللجنة على المذكرة التي قدمتها المنظمة الصهيونية العالمية للمؤتمر في فبراير 1919، والتي تضمنت مطالب الحركة الصهيونية المتمثلة في الاعتراف بما يُسمَّى «الحقوق التاريخية للشعب اليهودي» في فلسطين، وحق اليهود في إقامة "وطن قومي" لهم، كما اطلعت على المذكرات المماثلة التي قدمها الفلسطينيون للمؤتمر، ومنها: مذكرة الاحتجاج التي بعث بها وجهاء وأعيان مدينة نابلس في يناير 1919، والمذكرة التي قدمها المؤتمر العربي الفلسطيني الأول في الشهر نفسه. وقد شددت المذكرات العربية على رفض المطالب الصهيونية وعلى أن فلسطين جزء لا يتجزأ من سوريا.

وفي العاشر من يونيه 1919، بدأت اللجنة عملها في يافا فالتقت بالجمعيات الشعبية فيها وممثلي الطوائف الدينية ومندوبي القرى، واستمعت إلى مطالبهم. وفي القدس، التقت اللجنة بممثلي الجمعية الإسلامية ـ المسيحية الذين أكدوا رفض الهجرة اليهودية إلى فلسطين لأنها ترمي إلى تحقيق المشروع الصهيوني بإقامة وطن قومي لليهود، كما أكدوا وحدة سوريا وفلسطين مع احتفاظ الأخيرة باستقلالها الداخلي وحريتها في انتخاب حكامها من الوطنيين وسن قوانينها وفقاً لرغبات السكان.
وواصلت اللجنة جولتها في المدن والقرى الفلسطينية حيث تعرفت على مواقف مختلف الأطراف، ثم سافرت إلى دمشق وأجرت فيها استفتاء شمل العلماء وممثلي الطوائف والحرف وممثلي مجلس الشورى وغيرهم، وتسلَّمت مذكرة من المؤتمر السوري العام تضمَّنت المطالب العربية الأساسية، كما انتقلت اللجنة إلى شرق الأردن وبيروت واطلعت على آراء السكان هناك. ثم توجَّهت بعد ذلك إلى الأستانة حيث عكفت على دراسة المذكرات والوثائق التي تلقتها وبلغت 1863 مذكرة، وانتهت من وضع تقريرها في أغسطس 1919 (ولكنه لم يُنشَر إلا بشكل موجز عام 1922، ولم يُنشَر رسمياً إلا عام 1947) .

وذكرت اللجنة في تقريرها أن العداء للصهيونية لا يقتصر على فلسطين فحسب بل يشمل المنطقة كلها، وأن هناك إجماعاً على رفض البرنامج الصهيوني تماماً، وأضافت أن اليهود ـ الذين يشكلون نحو 10% من سكان فلسطين ـ هم وحدهم الذين يؤيدون الصهيونية وإن كانوا يختلفون في بعض التفاصيل والوسائل المتعلقة بإقامة الدولة اليهودية ومدى تَوافُقها مع تعاليم الدين اليهودي، كما أنهم وحدهم الذين يطالبون بفرض الانتداب البريطاني على فلسطين لأنه سيساعدهم على تحقيق مشروعهم. واعترفت اللجنة بأنها لمست بوضوح إصرار الصهاينة على تهجير الفلسطينيين والاستيلاء على الأراضي بالقوة. ووصف التقرير المزاعم الصهيونية بشأن "الحقوق التاريخية" لليهود في فلسطين بأنها لا تستوجب الاكتراث ولا يمكن النظر إليها جدياً بعين الاعتبار. وبيَّنت اللجنة ما في تعهدات وعد بلفور من ازدواجية وتناقض إذ "لا يمكن إقامة دولة يهودية دون هَضْم خطير للحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية في فلسطين". وكانت أهم توصيات اللجنة:
1 ـ ضرورة تحديد الهجرة اليهودية إلى فلسطين والعدول نهائياً عن الخطة الرامية إلى جعلها دولة يهودية.
2 ـ ضم فلسطين إلى دولة سوريا المتحدة لتكون قسماً منها.
3 ـ وضع الأماكن المقدَّسة في فلسطين تحت إدارة لجنة دولية تشرف عليها الدولة المنتدبة وعصبة الأمم، ويمثِّل اليهود فيها بعضو واحد.

وقد قوبل تقرير اللجنة بالرفض التام من جانب فرنسا وبريطانيا والحركة الصهيونية. أما الولايات المتحدة ـ التي كان رئيسها صاحب فكرة إرسال اللجنة ـ فلم تُعر انتباهاً هي الأخرى لتوصيات اللجنة، رغم ما نص عليه تقريرها من أن المشروع الصهيوني يناقض مبدأ الرئيس ويلسون بشأن حرية الشعوب في تقرير مصيرها. وإذا وضعنا في الاعتبار أن ويلسون نفسه كان قد وافق على تصريح بلفور قبل إعلانه، فستتضح على الفور حقيقة الموقف الأمريكي وحقيقة أن تلك المبادئ لم تكن في الواقع إلا ستاراً للمصالح الاستعمارية.
الانتداب
‏The Mandate
طبقاً لقرار مؤتمر سان ريمو لدول الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وفي سياق اقتسام مناطق النفوذ في العالم بين الدول الاستعمارية الكبرى، وُضعت فلسطين عام 1920 تحت الانتداب البريطاني، ورأت الحكومة البريطانية أن تحصل على تصديق دولي لهذا القرار، فعرضته على عصبة الأمم التي أصدرت صك الانتداب عام 1922، وضمَّنته بريطانيا نص وعد بلفور، فأصبح بذلك وثيقة دولية، وأصبحت بريطانيا مسئولة عن تنفيذه أمام عصبة الأمم. وتجاهل صك الانتداب واقع فلسطين التاريخي والقومي، والأكثرية العربية الساحقة فيها التي لم يأت ذكرها إلا بشكل عرضي ومنقوص. رغم أن عددهم كان يفوق عندئذ 90%من مجموع السكان، بينما يمثل اليهود 10% فقط ولا تتجاوز أملاكهم 2% من الأراضي. كما جاء الصك مخالفاً بوضوح لميثاق عصبة الأمم نفسها الذي أعطى السكان الأصليين حقهم في اختيار الدولة المنتدبة طبقاً لرغبتهم.

اتبعت سلطات الانتداب سياسة موالية للصهيونية، فعُيَّن الصهيوني السير هربرت صمويل مندوباً سامياً بريطانياً، وتم إفساح المجال لعمل المؤسسات الصهيونية المختلفة، مثل: الصندوق التأسيسي الفلسطيني، الهستدروت، والمجلس القومي. كما مُنحت عدة امتيازات للمستوطنين الصهاينة مكنتهم من السيطرة على كثير من المصالح الاقتصادية الحيوية في فلسطين، وجرى تعاون واسع بين سلطات الانتداب والوكالة اليهودية. وفي ظل هذه الأوضاع، تزايد النشاط الصهيوني واتجه إلى وسيلتين: الأولى: تشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين على أوسع نطاق، والثانية: تشجيع انتقال الأراضي من العرب إلى اليهود بالطرق المختلفة؛ كشراء الأراضي، ومَنْح القروض لليهود، وتقديم المساعدات لتشييد المستعمرات. ومن ناحية أخرى، شجعت سلطات الانتداب تأسيس المنظمات العسكرية الصهيونية، مثل: الهاجاناه، إتسل، وليحي. وشاركت هذه السلطات في تدريب أفرادها وتطوير وسائلها، وتسترت على نشاطها الإرهابي ضد السكان العرب.
وأمام تَصاعُد الرفض العربي للسياسة البريطانية في فلسطين وللإرهاب الذي تمارسه المنظمات الصهيونية، ولمواجهة الانتفاضات العربية المتتالية، أوفدت بريطانيا عدة لجان لدراسة الأوضاع في فلسطين واقتراح حلول لمشكلتها، وهي: لجنة هيكرافت (1921) ، لجنة شو (1930، لجنة بيل (1936) ، اللجنة الملكية للتحقيق (1936) ، ولجنة وودهيد (1938 كما أوفدت بريطانيا أيضاً سير جون سمبسون إلى فلسطين لهذا الغرض، وشكلت مع الولايات المتحدة لجنة مشتركة لتقصي الحقائق هي اللجنة الأنجلو ـ أمريكية (1946) . وأوفدت عصبة الأمم لجنة البراق الدولية إلى فلسطين (1930 لدراسة الأوضاع إثر انتفاضة البراق عام 1929.

ودرجت الحكومة البريطانية أيضاً، خلال فترة الانتداب، على إصدار الكتب البيضاء لمعالجة الأوضاع المتفجرة في فلسطين. وقد قوبلت هذه الإجراءات بالرفض من الجانب العربي الذي لم يأل جهداً في سبيل التخلص من الاحتلال البريطاني والتغلغل الصهيوني في فلسطين. أما الجانب الصهيوني، فقد اتسمت علاقته مع سلطات الانتداب بالتعاون والتنسيق التام، عدا بعض الفترات القليلة التي شهدت خلافات بينهما نظراً لرفض الصهاينة نصوص الكتب البيضاء ولرغبتهم في الضغط على بريطانيا لدفعها إلى مواقف أكثر تأييداً للمشروع الصهيوني. وقد وصلت الخلافات إلى حد الصدام المسلح بين الطرفين في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
وقد أنهت بريطانيا انتدابها على فلسطين في 14 مايو 1948 بعد طرح القضية برمتها على الأمم المتحدة وصدور قرار تقسيم فلسطين عام 1947.
لجنة هيكرافت
‏Haycraft Commission
في أول مايو 1921، اندلعت الاشتباكات بين المواطنين الفلسطينيين واليهود في مدينة يافا إثر قيام الهستدروت بتنظيم مظاهرة للعمال اليهود رفعوا خلالها الرايات الصهيونية، وهو الأمر الذي استفز مشاعر الفلسطينيين إذ رأوا في ذلك إعلاناً عن قيام حكومة يهودية في فلسطين. وقد امتدت الاشتباكات إلى القرى والمدن المجاورة واستمرت نحو خمسة عشر يوماً تعرَّض المواطنون الفلسطينيون خلالها لقمع السلطات البريطانية والمستوطنين الصهاينة على حدٍّ سواء. وإزاء إحساس الحكومة البريطانية بتفاقم العداء العربي لها بسبب دعمها للمشروع الصهيوني، وخوفاً من امتداد أعمال العنف ضدها إلى مناطق أخرى من فلسطين، قرَّر هربرت صمويل ـ المندوب السامي البريطاني آنذاك ـ تشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات أحداث يافا، وأسند رئاستها إلى توماس هيكرافت ـ قاضي قضاة فلسطين ـ وضمت اللجنة: هـ. لوك وج. ستوبس.

بدأت اللجنة عملها في أواخر مايو 1921، فاتصلت بالجمعيات والمؤسسات العربية وتلقت منها تقارير عن الأحداث، كما استمعت إلى عشرات الشهود من الجانب العربي ومن جانب المستوطنين الصهاينة. وفي أكتوبر 1921، قدمت اللجنة تقريرها إلى مجلس العموم البريطاني أكدت فيه أن موقف بريطانيا المؤيد للمشروع الصهيوني بإقامة "وطن قومي" لليهود في فلسطين هو السبب الأساسي في تصاعُد مشاعر العداء من جانب الفلسطينيين تجاه السلطات البريطانية والمستوطنين اليهود. ونفت اللجنة مسئولية العرب عن تدبير أعمال العنف وأشارت إلى أن الذي أثار نقمة العرب هو: تبجُّح المستوطنين الصهاينة وخروجهم على الآداب العامة في الشوارع، وعدم اعتدادهم بالعادات والتقاليد العربية، وعدم اعترافهم بوجود تقاليد قومية عند العرب، كما أشارت إلى أن عدد اليهود في الوظائف العامة غير متناسب مع نسبتهم، وإلى اتساع سلطة البعثة الصهيونية الزائد عن الحد.
ثم بسطت اللجنة شكاوى المواطنين الفلسطينيين الذين يمثلون الطوائف كافة. وأجمعت الشكاوى على مخاطر الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومخاطر الدعم البريطاني للحركة الصهيونية والذي مكَّن المنظمة الصهيونية من أن تصبح بمنزلة حكومة داخل حكومة فلسطين. وأكدت اللجنة في ختام تقريرها أنها لمست بوضوح إصرار الصهاينة على إقامة "الوطن القومي اليهودي" بالقوة، ورفضهم مساواة الفلسطينيين بهم. وانتقد التقرير الدكتور أور رئيس البعثة الصهيونية لاقتراحه بأن لا يُسمَح لغير اليهود بحَمْل السلاح.
وقد شنت الدوائر الصهيونية هجوماً عنيفاً على التقرير، فاعتبره حاييم وايزمان هدية قُدِّمت إلى خصومه ليستغلوها في تشويه أغراض الصهيونية، بل ذهب إلى حد القول بأن هذا التقرير غرس بذور المتاعب التي واجهها الصهاينة في فلسطين خلال السنوات التالية.
دستور فلسطين
‏Palestine Constitution

وثيقة صدرت عن البلاط الملكي في قصر باكنجهام في اليوم الرابع عشر من شهر أغسطس 1922. وكان هذا الدستور امتداداً لصك الانتداب وتحدَّث عنه البعض باعتباره لائحة لتنظيم عملية تهويد فلسطين، وإطلاقاً ليد "المندوب السامي البريطاني" في فلسطين لتنفيذها. وقد أعطى هذا الدستور للمندوب السامي حق رَفْض القوانين وحق التصرف في الأراضي وحق السجن والإبعاد وحق قبول الشكوى إذا كانت ناجمة عن تقصير في تنفيذ صك الانتداب. ومن مواد هذا الدستور:
ـ المادة 13: للمندوب السامي أن يهب أو يؤجر أية أرض من الأراضي العمومية أو أي معدن أو منجم، وله أن يأذن بإشغال هذه الأراضي بصفة مؤقتة بالشروط والمدد التي يراها ملائمة. ويشترط في كل هذا أن تجرى كل هبة كهذه أو كل إيجار أو تصرف كهذا وفقاً لمرسوم أو تشريع أو قانون معمول به في فلسطين، أو سيُعمَل به فيما بعد، أو وفقاً لما قد يَصدُر للمندوب السامي من التعليمات بتوقيع جلالته وختمه أو بواسطة الوزير تنفيذاً لأحكام صك الانتداب.
ـ المادة 25: للمندوب السامي أن يعلن موافقته أو عدم موافقته على أي قانون بمحض إرادته مع مراعاة التعليمات الصادرة إليه بتوقيع الملك وختمه.
ـ المادة 46 ـ الفقرة 3: يُشترَط ألا يُطبَّق التشريع العام ومبادئ العدل والإنصاف المشار إليها في هذا الدستور في فلسطين إلا بقدر ما تسمح به ظروف فلسطين وأحوالها، ومدى اختصاص جلالة الملك فيها، وأن تُراعَى عند التطبيق التعديلات التي تستدعيها الأحوال العامة.
ـ المادة 85: إذا كانت أية طائفة دينية أو كان فريق كبير من سكان فلسطين يشكو من عدم قيام حكومة فلسطين بتنفيذ صك الانتداب، فيحق للطائفة أو الفريق المذكور أن يرفع مذكرة بذلك إلى المندوب السامي بواسطة عضو من أعضاء المجلس التشريعي.
الكتاب الأبيض
‏White Paper

«الكتاب الأبيض» عبارة تُطلَق على مجموعة الوثائق التي تتضمن تقرير السياسة البريطانية فيما يتصل بموضوع ما والتي تقوم الحكومة بتقديمها إلى البرلمان. وقد لعبت هذه الوثائق دوراً مهماً في تاريخ الانتداب البريطاني في فلسطين إذ صدر منها ستة في الفترة 1922 ـ 1939:
1 ـ الكتاب الأبيض الصادر في يونيه 1922 (كتاب تشرشل الأبيض (:
سادت فلسطين حالة من القلق وزادت الانتقادات في الصحف البريطانية بعد اتضاح محاباة الحكومة البريطانية للمؤسسة الصهيونية. لذا، رأى تشرشل أن يضع حداً لكل هذا بإصدار بيان رسمي عن السياسة البريطانية في فلسطين.
تحتوي هذه الوثيقة التي قدَّمها ونستون تشرشل، باعتباره وزير المستعمرات، تقريراً بريطانياً بالغ الأهمية. فقد أكد هذا الكتاب ما تضمَّنه وعد بلفور 1917، ثم أعلن أن فلسطين لن تصبح يهودية بمثل ما تُعتبَر إنجلترا إنجليزية، أي أن العرب عليهم ألا يتخوفوا من طَرْد السكان العرب في فلسطين أو اختفاء ثقافتهم أو لغتهم. وأضافت هذه الوثيقة أنه "لا يوجد في وعد بلفور ما يشير إلى أن فلسطين بكاملها ستتحول إلى وطن «قومي» يهودي فقط، إن مثل هذا الوطن القومي سيكون في فلسطين دون أن يعني هذا فرض الجنسية اليهودية على سكان فلسطين بالكامل".

كذلك تضمنت هذه الوثيقة سياسة الحكومة البريطانية فيما يتعلق بالهجرة، فذكرت أن الهجرة اليهودية ستستمر طالما أنها لا تتجاوز ما تستطيع طاقة البلاد الاقتصادية استيعابه، وأن الحكومة البريطانية ستشجع العمل على منح الإقليم حكماً ذاتياً يديره مجلس تشريعي من اثنى عشر عضواً منتخبين وعشرة مختارين يرأسهم المفوض الأعلى. وقد رفض هذه السياسة العرب واليهود على حدٍّ سواء. وقد استثنى الكتاب الأبيض هذا منطقة شرق الأردن من فلسطين. ومع هذا، سارع الصهاينة إلى الموافقة على الكتاب الأبيض. ولكن العرب أصروا على رفضهم، ذلك أن الوفد الفلسطيني لم يكن مفوضاً بقبول أية سياسة بريطانية مبنية على تصريح بلفور. كما أن تنظيم الهجرة اليهودية كان يعني في واقع الأمر، خلق أكثرية يهودية تعني بدورها سيطرة الصهاينة على فلسطين.
2 ـ الكتاب الأبيض الصادر في أكتوبر 1930 (كتاب باسفيلد الأبيض (:
وقد أصدر هذا الكتاب اللورد باسفيلد وزير المستعمرات في أكتوبر 1930 على إثر الاضطرابات الدامية التي شهدها عام 1929. فقد أرسلت الحكومة البريطانية لجنة شو لتقصِّي الحقائق حول أسباب هذه الحوادث. وجاءت هذه الوثيقة لتشير إلى أن إعلان وعد بلفور والانتداب البريطاني في فلسطين كليهما يتضمنان نوعين من الالتزامات الملقاة على عاتق الحكومة البريطانية. الأول منها يتعلق بكفالة إنشاء وطن "قومي" لليهود في فلسطين، والثاني يتعلق بموقف السكان غير اليهود. وقد رفضت الوثيقة وجهة النظر القائلة بأن إنشاء وطن "قومي" لليهود هو الواجب الأساسي لنظام الانتداب، وصاغت السياسة البريطانية المقترحة في أربعة بنود أساسية: الأمن ـ التطوُّر الدستوري ـ التطوُّر الاقتصادي ـ التطوُّر الاجتماعي. وأعلنت الحكومة أنها لن تتحول عن هذه السياسة بتأثير أية ضغوط، وأنها ستعاقب بشدة أية تهديدات للأمن في المنطقة وأنها ستسير قدماً نحو إنشاء المجلس التشريعي الذي اقترحه كتاب تشرشل السابق.

وتتبنَّى الوثيقة وجهة النظر القائلة بأن مساحة الأرض المزروعة في فلسطين لم تَعُد تسمح باستيعاب مهاجرين جدد، وتنتقد بشدة سياسة الوكالة اليهودية الخاصة بالاستيطان، إذ ترى فيها تهديداً للوجود العربي في فلسطين، كما أنها تتعارض مع مزاعم الصهيونية القائلة برغبة الصهاينة في العيش في سلام مع العرب. وطالبت الوثيقة بإدخال موضوع الأيدي العاملة العربية التي تعاني من البطالة في التقدير عند الحديث عن الطاقة الاقتصادية للإقليم فيما يتعلق بالهجرة.
وقد تعرَّضت هذه السياسة لنقد عنيف من بعض الساسة البريطانيين الذين رأوا فيها اتجاهاً إلى تخلِّي الحكومة البريطانية عن التزاماتها الواردة في صك الانتداب. كذلك قدَّم وايزمان استقالته من رئاسة الوكالة اليهودية احتجاجاً على ما اعتبره إنكاراً لحقوق وآمال «الشعب اليهودي» في إنشاء وطن "قومي".
وقد دخلت لجنة حكومية خاصة في مفاوضات مع ممثلين للوكالة اليهودية نتج عنها خطاب رامزي ماكدونالد رئيس الوزراء في 13 فبراير 1931 الذي وجَّهه إلى وايزمان واعتُبر وثيقة رسمية قُدِّمت لعصبة الأمم وللمندوب السامي في فلسطين. ولم يكن الخطاب في الظاهر سوى تفسير لكتاب باسفيلد الأبيض. إلا أنه من الناحية العملية تَضمَّن إلغاء الكثير من القيود التي فُرضت على الحركة الصهيونية عندما أكد أن الالتزام الوارد في صك الانتداب هو التزام "للشعب اليهودي" وليس فقط للسكان اليهود في فلسطين. كما أكد ما تضمنته ديباجة صك الانتداب (تضمنت نص وعد بلفور) ، بالإضافة لإشارته للحقوق "التاريخية" لليهود في فلسطين. كذلك وافق الخطاب على تسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتشجيع الاستيطان اليهودي بها.
3 ـ الكتاب الأبيض الصادر في يوليه 1937 (لجنة بيل (:

صدر هذا الكتاب مُتضمِّناً السياسة البريطانية في فلسطين في الوقت نفسه الذي صدر فيه تقرير «اللجنة الملكية لفلسطين» المعروف بتقرير بيل. فذكر أن الحكومة البريطانية قَبلت خطة التقسيم التي وضعتها اللجنة من ناحية المبدأ، وأنها ستتخذ الإجراءات الضرورية لوضعها موضع التنفيذ. وحتى يتم إنشاء الدولتين العربية واليهودية، فإن الحكومة لن تتخلى عن التزاماتها في حفظ السلم والأمن والنظام العام في سائر أنحاء فلسطين. وحتى يتم وَضْع الخطة موضع التنفيذ، فإن الحكومة قررت اتخاذ إجراءين:
أ) حظر أي تغيير في ملكية الأراضي يكون من شأنه عرقلة تنفيذ البرنامج الحكومي.
ب) تحديد الهجرة في الفترة من أغسطس 1937 حتى مارس 1938 بثمانية آلاف مهاجر.
4 ـ الكتاب الأبيض الصادر في ديسمبر 1937 (لجنة وودهيد) :
وتتضمن هذه الوثيقة خطاباً من وزير المستعمرات إلى ووشوب المندوب السامي في فلسطين. وقد تَضمَّن هذا الخطاب تعيين لجنة وودهيد لدراسة تفصيلات وإمكانات مشروع التقسيم من الناحية العملية، فلو قدَّرت الحكومة أن المشروع عادل وعملي، فإنها ستحيله إلى عصبة الأمم، ويمكن بعدئذ أن تنشئ نظماً حكومية جديدة للمناطق اليهودية والعربية.
5 ـ كتاب نوفمبر 1938 الأبيض (تقرير لجنة وودهيد) :

بعد إصدار تقرير لجنة وودهيد الذي طالب بإلغاء توصيات لجنة بيل (على اعتبار أن المشروع الذي طالبت به غير مجد) ، وحاولت الحكومة البريطانية تقديم وجهة نظر تهدف إلى احتواء الثورة الفلسطينية التي نشبت آنذاك في جبال فلسطين فانتهت إلى ادعاء رفض التقسيم حيث إن المصاعب الإدارية والسياسية والمالية التي تتضمنها عملية التقسيم من شأنها أن تجعل فكرة التقسيم غير عملية، وعليه فقد قررت الحكومة البريطانية بذل الجهود لخلق تفاهم أكبر بين العرب واليهود عن طريق الدعوة لعقد مؤتمر يحضره ممثلو الوكالة اليهودية وممثلو عرب فلسطين والدول العربية المجاورة للتباحث حول "سياسة المستقبل"، وضمنها موضوعات الهجرة إلى فلسطين "فإذا لم تتوصل الأطراف إلى اتفاق خلال فترة معقولة، فإن الحكومة البريطانية ستتخذ قرارها الخاص".
6 ـ الكتاب الأبيض الصادر في مايو 1939 (كتاب ماكدونالد الأبيض (:
أدَّى إخفاق المؤتمر المشار إليه سابقاً إلى صدور هذه الوثيقة التي تضمنت "أن الحكومة البريطانية قد تبنت سياسة جديدة غير سياسة التقسيم، وأن حكومة صاحب الجلالة تعلن ـ حتى تزيل أية شكوك ـ أنها لا تتبنَّى أية سياسة ترمي لجعل فلسطين دولة يهودية"، ذلك أن "هذا يُعدُّ منافياً لالتزاماتها تجاه العرب بمقتضى صك الانتداب" إذ أن هدف الحكومة البريطانية هو خَلْق دولة مستقلة خلال عشر سنوات ... يمكن فيها تأمين الحقوق الأساسية لكل من العرب واليهود، وستكون الخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي إلقاء مسئولية الإدارات الحكومية على عاتق كل من اليهود والعرب وفقاً لنسبتهم العددية".

وقد قرَّرت الحكومة في هذه الوثيقة وَقْف الهجرة اليهودية لا على أسس اقتصادية هذه المرة، ولكن على أساس مبدأ سياسي "ذلك أن الحكومة لا تستطيع أن ترى في وثيقة الانتداب أيَّ دليل على أن الهجرة يجب أن تستمر إلى الأبد ... أو أن قدرة البلاد الاقتصادية على امتصاصها يجب أن تكون المعيار الوحيد، إذ أن خوف العرب من الهجرة اليهودية غير المحدودة يجب أيضاً أن يؤخذ بعين الاعتبار عند وضع سياسة الهجرة".
وقرَّرت الوثيقة أن اتساع الوطن اليهودي دون ضوابط "سيعني الحكم بالقوة"، ولذلك "فإن الحكومة البريطانية قررت ألا تسمح باتساع هذا الوطن ـ عن طريق قبول المزيد من المهاجرين ـ إلا إذا قبل العرب ذلك، وعليه فإن حجم الهجرة الكلي سيحدد خلال السنوات الخمس التالية بـ 75.000 مهاجر، وهو ما يجعل العدد الكلي لليهود في فلسطين حوالي ثلث إجمالي عدد السكان. وبعد نهاية السنوات الخمس، لن يُسمَح بالمزيد من الهجرة في حالة رفض العرب ذلك".
وبالنسبة لتحويل ملكية الأراضي، قررت الوثيقة رفض المزيد من عمليات تحويل الملكية في بعض المناطق، وعملت على تقييدها في مناطق أخرى. و"يُعطَى المندوب السامي في فلسطين الصلاحيات اللازمة لمنع وتنظيم هذه العمليات".
وفي 28 فبراير 1940، أصدر المندوب السامي «قانون تحويل ملكية الأراضي» الذي قسَّم الإقليم الفلسطيني إلى ثلاث مناطق:
1 ـ المنطقة (أ) ، وتشمل التل وبعض المناطق المجاورة (64% من مساحة فلسطين) وهذه حُظر فيها نقل ملكية الأرض لغير العرب الفلسطينيين.
2 ـ المنطقة (ب) ، وتشمل وادي جزريل والجليل الشرقي ومعظم السهل الساحلي (ما عدا منطقة تل أبيب) والنجف (31% من مساحة فلسطين) وهذه أُبيح فيها انتقال الملكية في ظروف معيَّنة.
3 ـ المنطقة ج (5% من مساحة فلسطين) ، وقد بقيت «منطقة حرة» .

وقد اعتادت الحركة الصهيونية أن تنظر لهذه الوثيقة باعتبارها بداية «الخيانة النهائية» للالتزامات الواردة في إعلان بلفور «للشعب اليهودي» وللانتداب البريطاني على فلسطين. وأعلنت الحرب ضد الانتداب البريطاني على فلسطين منذ صدورها.
لجنة شو
‏Shaw Commission
أدَّت انتفاضة عام 1929 في فلسطين إلى تزايد مخاوف بريطانيا من تصاعُد الرفض العربي لسياستها المؤيدة للمشروع الصهيوني، وبدا لها أن الاشتباكات، التي جرت خلال هذا العام بين المواطنين الفلسطينيين من جهة والمستوطنين الصهاينة وسلطات الانتداب البريطاني من جهة أخرى، يمكن أن تمتد إلى مناطق أخرى داخل فلسطين وخارجها بشكل يهدد المصالح البريطانية في المنطقة. وفي محاولة لاحتواء الموقف، سارع لورد باسفيلد ـ وزير المستعمرات البريطاني آنذاك ـ بتشكيل لجنة للتحقيق في أحداث الانتفاضة التي فجَّرها ادعاء المستوطنين الصهاينة ملكية الحائط الغربي من الحرم الشريف بالقدس (حائط البراق) ، وتولَّى رئاسة اللجنة والتر شو (أحد القضاة الإنجليز) .
بدأت اللجنة عملها في أواخر سبتمبر 1929، فاستمعت إلى شهادة عدد من كبار موظفي حكومة الانتداب، وحصلت على بيانات عن الأوضاع الاقتصادية للمواطنين الفلسطينيين ومعدلات الهجرة اليهودية إلى فلسطين والمؤسسات الممثلة لمختلف الطوائف. ثم بدأت اللجنة في عقد جلسات استماع، واعتُبرت الوكالة اليهودية مُمثِّلة للمستوطنين اليهود واعتُبرت اللجنة التنفيذية ـ المنتخبة من المؤتمر العربي الفلسطيني السابع عام 1927 ـ مُمثِّلة للفلسطينيين. واستمر عمل اللجنة نحو شهرين توجهت بعدهما إلى لندن حيث عكفت على إعداد تقريرها الذي قدمته إلى وزير المستعمرات البريطاني في مارس 1930.

لامت اللجنة العرب لبدئهم المشكلة، ولكن التقرير ذكر أن السبب الحقيقي لتَفجُّر الأحداث يَكمُن في الأعمال الاستفزازية التي يقوم بها المستوطنون اليهود، فضلاً عن مخاوف الفلسطينيين على مصالحهم الاقتصادية من جراء الأنشطة الصهيونية الرامية إلى تهجير الفلسطينيين والاستيلاء على الأراضي الخاصة بهم، وكذلك المخاوف من اتساع اختصاصات الوكالة اليهودية في ظل دعم سلطات الانتداب. وكانت أهم توصيات اللجنة:
1 ـ أن تُصدر بريطانيا بياناً صريحاً عما تنوي اتباعه في فلسطين، وتفسر في الوقت نفسه المقصود بأحكام صك الانتداب وبخاصة ما يتعلق منها بحقوق الطوائف غير اليهودية في فلسطين.
2 ـ أن يُوضَع تفسير دقيق للبند الوارد في صك الانتداب بشأن مهام الوكالة اليهودية، بحيث يتم تأكيد أن الامتيازات التي تحظى بها الوكالة بموجب هذا البند لا تخوِّلها حق الاشتراك في حكومة فلسطين.
3 ـ وضع قيود على انتقال الأراضي، واتخاذ وسائل لحماية المزارعين الفلسطينيين والحيلولة دون إجلائهم عن الأراضي التي يزرعونها لكيلا يتسبب ذلك في مزيد من الاضطرابات في المستقبل.
4 ـ ضرورة تهدئة موجات السخط والاستياء بين المواطنين الفلسطينيين نظراً لحرمانهم من الحكم الذاتي، إذ أن استمرار الأوضاع على ما هي عليه سيزيد مصاعب سلطات الانتداب.
5 ـ إصدار بيان صريح من جانب بريطانيا بشأن الهجرة اليهودية إلى فلسطين ودراسة وسائل تنظيمها وتحديدها.
6 ـ تشكيل لجنة دولية بإشراف مجلس عصبة الأمم لتحديد حقوق الفلسطينيين والمستوطنين اليهود في حائط البراق.
وقد قوبل تقرير اللجنة بالرفض من الدوائر الصهيونية بينما نظرت إليه الأوساط العربية بارتياح مشوب بالحذر والتحفظ. وقد تشكَّلت ـ طبقاً لتوصيات التقرير ـ لجنة حائط البراق، كما كان التقرير سبباً من أسباب صدور الكتاب الأبيض عام 1930.
لجنة حائط البرا ق
‏Buraq Wall Commission

لجنة دولية شكلتها عصبة الأمم في يناير 1930 بناء على توصية تقرير لجنة شو، وذلك للنظر في النزاع القائم بين الفلسطينيين والمستوطنين اليهود بشأن حائط البراق الذي يشكل جزءاً من الحائط الغربي للحرم الشريف بالقدس. وتألفت اللجنة من ثلاثة أعضاء من السويد وسويسرا وأندونيسيا، وبدأت عملها في يونيه 1930 فاستمعت إلى شهادة 52 شاهداً من الجانبين وحصلت على 61 وثيقة تمثل وجهتي نظر الطرفين. وانتهت اللجنة من وضع تقريرها في ديسمبر من العام نفسه، وحاز موافقة الحكومة البريطانية وعصبة الأمم، ليصبح بذلك وثيقة دولية تؤكد حق الشعب الفلسطيني في حائط البراق، وأهم ما خلصت إليه اللجنة من نتائج:
1 ـ أن ملكية الحائط الغربي تعود إلى المسلمين وحدهم، ولهم فقط الحق العيني فيه، وينطبق ذلك بالمثل على الرصيف المجاور له.
2 ـ أن أدوات العبادة وغيرها من الأدوات التي يحق لليهود وضعها بالقرب من الحائط ـ استناداً إلى تقرير اللجنة أو بالاتفاق بين الطرفين ـ لا يجوز بأية حال من الأحوال أن يكون من شأنها إثبات أي حق عيني لليهود في الحائط أو في الرصيف المجاور له.
3 ـ لليهود حرية إقامة التضرعات عند الحائط في جميع الأوقات مع مراعاة عدم جلب أية خيمة أو ستار أو ما شابههما من الأدوات.
4 ـ لا يُسمَح لليهود بنفخ البوق بالقرب من الحائط.
وكان من الطبيعي أن يثير تقرير اللجنة غضب الدوائر الصهيونية، إذ أكد بما لا يدع مجالاً للشك أن حائط البراق من الآثار الإسلامية المقدَّسة، كما بيَّن بوضوح زيف الادعاءات الصهيونية في هذا الشأن.
لجنة موريسون
‏Morrison Commission

بناء على قرار وزير المستعمرات البريطاني، تشكَّلت هذه اللجنة في نوفمبر 1933 برئاسة وليم موريسون، وذلك للنظر في الأسباب المباشرة للمظاهرات التي قام بها المواطنون الفلسطينيون في أكتوبر من العام نفسه (احتجاجاً على السياسة البريطانية المؤيدة للمشروع الصهيوني) ووقعت خلالها اشتباكات عنيفة مع سلطات الانتداب البريطاني.
وقد قاطع الفلسطينيون أعمال اللجنة إذ أدركو أنها ليست سوى محاولة من بريطانيا لاحتواء الموقف وتهدئة الغضب العربي العام، فضلاً عن أن المهام الموكلة للجنة تنصب على بحث الأسباب المباشرة للأحداث وبالتالي تمنعها من النظر في جذور النزاع الحقيقية والمتمثلة في مجمل سياسات بريطانيا الاستعمارية ودعمها غير المحدود للحركة الصهيونية. وقد حدث بالفعل ما كان متوقعاً، فقد جاء تقرير اللجنة في فبراير 1934 متجنياً بشدة على المواطنين الفلسطينيين إذ حمَّلهم وحدهم مسئولية أعمال العنف، دون أن يتطرق البتة إلى القمع الوحشي الذي واجهت به سلطات الانتداب جموع المتظاهرين وأسفر عن سقوط أكثر من ثلاثين شهيداً، كما لم يذكر التقرير شيئاً عن التحالف البريطاني ـ الصهيوني، ولكنه لاحظ الاختلاف بين أحداث 1933 وانتفاضة عامي 1920 و1929 وأكد أن ثمة مغزى في اتجاه الفلسطينيين للكفاح ضد بريطانيا بشكل مباشر، وفي إدراكهم العلاقة الحيوية بينها وبين الحركة الصهيونية.
لجنة بيل
‏Peel Commission
لجنة تحقيق شكلتها الحكومة البريطانية في أغسطس 1936 بغرض دراسة الأسباب الأساسية لانتفاضة المواطنين الفلسطينيين في أبريل 1936 وبحث كيفية تنفيذ صك الانتداب على فلسطين والتزامات بريطانيا تجاه كل من الفلسطينيين والمستوطنين اليهود، كما طلبت الحكومة من اللجنة تقديم توصيات بشأن شكاوى الفلسطينيين واليهود عن طريقة تنفيذ الانتداب. وقد ضمت اللجنة ستة أعضاء برئاسة اللورد بيل الذي شغل منصب وزير شئون الهند.

وصلت اللجنة إلى فلسطين في نوفمبر 1936، واستمر عملها ستة أشهر عقدت خلالها ستة وأربعين اجتماعاً منها واحد وثلاثون اجتماعاً علنياً واستمعت إلى أربعين شاهداً يهودياً، أما الفلسطينيون فقد قاطعوا أعمال اللجنة في بداية الأمر ثم تغيَّر الموقف فيما بعد، وقد أدلى بشهادته أمامها مفتي فلسطين الحاج محمد أمين الحسيني بالإضافة إلى أربعة وعشرين شاهداً.
وفي يوليه 1937، قدَّمت اللجنة تقريرها الذي أرجع انتفاضة المواطنين الفلسطينيين إلى رغبتهم في الاستقلال القومي وإلى مخاوفهم من إقامة الوطن القومي اليهودي واستمرار الهجرة اليهودية إلى فلسطين واستيلاء المستوطنين الصهاينة على الأراضي العربية، فضلاً عن عدم تكافؤ الفرص بين الفلسطينيين واليهود في عَرْض قضيتهم أمام الحكومة والبرلمان في بريطانيا وتشكَّك الجانب العربي في قدرة ورغبة الحكومة البريطانية في تنفيذ وعودها.
وتوصلت اللجنة إلى أن استمرار الانتداب البريطاني على فلسطين يعني مزيداً من التذمر إلى أجل غير مسمى، فهو الذي خلق العداء بين الفلسطينيين واليهود نظراً لتناقُض الالتزامات الواردة في صك الانتداب والتي يستحيل معها تحقيق المطلب الرئيسي لكل طرف دون الإخلال بالالتزام تجاه الطرف الآخر. ولهذا، أوصت اللجنة بأن تتخذ الحكومة البريطانية الخطوات اللازمة لإنهاء الانتداب وتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية مع بقاء القدس وبيت لحم والناصرة تحت الانتداب البريطاني، وكانت تلك المرة الأولى التي ترد فيها فكرة التقسيم.

وقد تباينت ردود الأفعال تجاه تقرير لجنة بيل، ففي حين رأت الحكومة البريطانية في مشروع التقسيم أفضل حل للمشكلة، أعرب الفلسطينيون عن رفضهم تقسيم فلسطين أو التنازل عنها، وذلك من خلال مؤتمر بلودان في سبتمبر 1937. أما الحركة الصهيونية، فقد أجمع ممثلوها في المؤتمر الصهيوني العشرين على رفض انتقادات لجنة بيل لنظام الانتداب، ولكنهم اختلفوا فيما بينهم بشأن موضوع التقسيم وطالبوا بمزيد من الضمانات للدولة اليهودية.
وقد درست لجنة الانتدابات التابعة لعصبة الأمم تقرير اللجنة. ورغم اعترافها بمساوئ الانتداب، إلا أنها اعتبرت قيام دولتين مستقلتين عملاً غير حكيم قبل مضي فترة أخرى من إدارة الانتداب، وأوصت ـ في حالة قبول مشروع التقسيم ـ ببقاء الدولتين العربية واليهودية تحت نظام انتداب انتقالي إلى أن تبرهن كلٌّ منهما على أحقيتها بالاستقلال. وفي سبتمبر 1937، اتَّخذ مجلس عصبة الأمم قراراً بتخويل بريطانيا في وضع خطة مفصلة لتقسيم فلسطين، وأُجِّل بحث جوهر الموضوع لحين تقديم هذه الخطة.
ويمكن القول بوجه عام بأن تقرير لجنة بيل كان محاولة بارعة لحل مأزق السياسة البريطانية الاستعمارية في المنطقة، فهو يحقق للحركة الصهيونية مطلبها الأساسي في تأسيس "وطن قومي لليهود" ويحاول في الوقت نفسه امتصاص الغضب العربي عن طريق منح الفلسطينيين نوعاً من الاستقلال الشكلي الذي يضمن استمرار السيطرة الاستعمارية البريطانية.
لجنة وودهيد
‏Woodhead Commission
لجنة تحقيق شكلتها الحكومة البريطانية في مارس 1938 تنفيذاً لقرار مجلس عصبة الأمم في سبتمبر 1937 حول تقرير لجنة بيل، وكانت مهمة اللجنة العمل على تنفيذ مقترحات لجنة بيل بشأن تقسيم فلسطين، وقد ضمت اللجنة أربعة أعضاء برئاسة سير جون وودهيد.

وقد عُهد إلى اللجنة أن توصي برسم حدود فاصلة بين المنطقتين العربية واليهودية المقترحتين، وكذلك رسم حدود الأراضي المزمع بقاؤها تحت الانتداب البريطاني بصورة دائمة أو مؤقتة، على أن يكون من شأن هذه الحدود تقديم ضمانات كافية لتأسيس دولتين إحداهما عربية والأخرى يهودية مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة تقليل السكان العرب والمشاريع العربية في المنطقة اليهودية لأقل حد ممكن والعكس بالعكس. كما طالبت الحكومة البريطانية اللجنة بتقديم توصيات تساعدها على القيام بمسئولياتها كدولة منتدبة، كما منحتها الحرية الكاملة في إدخال أية تعديلات على مشروع التقسيم الذي اقترحته لجنة بيل بناء على دراستها للأوضاع الاقتصادية والسياسية في فلسطين.
وفي 23 أبريل 1938، وصلت اللجنة إلى فلسطين ومكثت بها حتى 3 أغسطس حيث قابلت شهوداً من المستوطنين اليهود والمسئولين البريطانيين في فلسطين وشرق الأردن وعقدت 55 جلسة كانت اثنتان منها علنيتين والباقية سرية. أما الفلسطينيون فقد قاطعوا اللجنة لإدراكهم أن نقطة انطلاقها هي مشروع تقسيم فلسطين الذي ترفضه الجماهير العربية بجميع طوائفها واتجاهاتها.
وقد توجَّهت اللجنة بعد ذلك إلى لندن حيث عقدت عدة جلسات سرية أعدت خلالها تقريرها الذي نُشر في نوفمبر من العام نفسه وذكرت فيه أن الفلسطينيين يقفون موقفاً عدائياً من التقسيم أياً كان شكله الأمر الذي يجعل اقتراحات لجنة بيل بشأن تفريغ الدولة اليهودية المقترحة من السكان العرب عن طريق النقل الإجباري أو الاختياري أمراً مستحيلاً، وفي المقابل قدَّمت اللجنة عدة اقتراحات بديلة لمواجهة المشاكل الناجمة عن التقسيم.
وبعد نشر التقرير، أصدرت الحكومة البريطانية كتاباً أبيض تعترف فيه بالصعوبات السياسية والإدارية والمالية التي يتضمنها مشروع التقسيم، وأعلنت عزمها على عقد مؤتمر في لندن للتوصل إلى اتفاق بهذا الشأن من خلال المباحثات بين ممثلي العرب واليهود.

قرار التقسيم
‏Partition Resolution
في التاسع والعشرين من نوفمبر 1947 أصدرت هيئة الأمم المتحدة قرار التقسيم. ويمكن القول بأن هذا القرار يشكل البداية الحقيقية لدولة إسرائيل.
ومع مقاومة العرب في مناقشات الجمعية العامة للأمم المتحدة، انتوى الوفد الأمريكي القيام بخطوة تهدئ حدة مقاومة العرب واعتزم رئيس الوفد السفير هيرشل جونسون التقدم بتسوية تُبنَى على اقتطاع قسم من أراضي النقب، وضمنها العقبة، وضمه إلى أراضي الدولة العربية المقترحة. غير أن وايزمان يذكر في مذكراته أنه، عندما علم بما انتواه المستر جونسون، سافر إلى الولايات المتحدة لمقابلة الرئيس الأمريكي هاري ترومان في التاسع عشر من نوفمبر 1947 ولقي من المستر ترومان لطفاً وعطفاً شديدين.
وقبيل أن يقوم المستر جونسون بالإبلاغ عن عزمه بصورة رسمية لسكرتارية الأمم المتحدة، أجرى الرئيس الأمريكي ترومان اتصالاً هاتفياً شخصياً بمندوب الولايات المتحدة الذي أصدر فيما بعد تعليماته للوفد الأمريكي بإبقاء النقب والعقبة ضمن نصيب اليهود. وقد فتح هذا القرار الأمريكي السبيل للتصويت في الجمعية العامة على مشروع التقسيم فنال أكثرية 33 صوتاً مقابل 13 صوتاً.
فولك برنادوت (1895 ـ 1948)
‏Folke Bernadotte
ضابط سويدي ينحدر من أسرة ملكية عريقة، وقد تلقَّى تعليمه في مدرسة التدريب العسكري للضباط في كالبيرج. ارتبط اسمه بالمسألة اليهودية حين كان يشغل منصب نائب رئيس هيئة الصليب الأحمر السويدية عام 1943 وحين تولَّى رئاستها عام 1946، ففي هذه الأثناء قام بتنظيم عملية تبادل الأسرى والجرحى بين ألمانيا النازية والحلفاء ثم تفاوض مع هيملر (مسئول الأمن الألماني) عام 1945 بشأن إطلاق سراح أكثر من 7000 معتقل إسكندنافي من بينهم ما يزيد على 400 يهودي دانماركي. وقد نجح برنادوت في إطلاق سراح عدة آلاف من النساء اليهوديات من معسكرات الاعتقال.

وفي عام 1948 قام مجلس الأمن باختيار برنادوت وسيطاً في النزاع العربي الإسرائيلي لتنفيذ اتفاقية الهدنة. وكان قد نجح في تحقيق الهدنة الأولى بين الطرفين المتحاربين في 11 يونيه، متنقلاً بين العواصم العربية للتعرف على وجهة نظر الزعماء العرب بشأن قضية فلسطين، كما اجتمع بالقادة الصهاينة واطلع على موقفهم بالنسبة للنزاع. وأسفرت هذه الاتصالات عن عدد من المقترحات عُرفت باسم «مقترحات برنادوت» قامت على أساس إدخال تعديلات على قرار الأمم المتحدة عام 1947 بتقسيم فلسطين إلى دولتين، وهو ما رأت فيه الدوائر الصهيونية إخلالاً بموازين القوى بين الدولة الصهيونية الناشئة والبلدان العربية المحيطة. ومن ثم، دبرت منظمة شتيرن الصهيونية خطة لاغتيال الرجل، وقامت بتنفيذها في 17 سبتمبر 1948 أثناء وصوله إلى القدس قادماً من دمشق خلال عمله كوسيط. وفي البداية، أعلنت جهة مزعومة تطلق على نفسها "جبهة أرض الأجداد" مسئوليتها عن الحادث، ثم تبيَّن فيما بعد أن الاسم المزعوم ما هو إلا ستار لمنظمة شتيرن. وجدير بالذكر أن إسحق شامير كان أحد ثلاثة خططوا وأطلقوا النار على برنادوت.
ومما يستلفت النظر أن الصندوق القومي اليهودي قام بإطلاق اسم برنادوت على إحدى الغابات "تكريماً" لذكراه. ولبرنادوت مؤلفان أولهما ويسدل الستار ـ أو ـ الأيام الأخيرة للرايخ الثالث (1945) ، والثاني إلى القدس (1951) .
مقترحات برنادوت
‏Bernadotte Proposals
مقترحات خاصة بالنزاع العربي الإسرائيلي أعدها فولك برنادوت من خلال اتصالاته مع الزعماء العرب والقادة الصهاينة أثناء عمله كوسيط بين الأطراف المتحاربة بتكليف من مجلس الأمن، وذلك لتنفيذ اتفاقية الهدنة عام 1948. وقد أرسل برنادوت مقترحاته في أوائل سبتمبر عام 1948 إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تلقتها وقامت بنشرها بعد أيام قليلة من اغتياله.

وتقوم هذه المقترحات على إدخال بعض التعديلات على قرار الأمم المتحدة الصادر عام 1947 الخاص بتقسيم فلسطين، وتتلخص فيما يلي:
1 ـ ينشأ في فلسطين بحدودها التي كانت قائمة أيام الانتداب البريطاني الأصلي عام 1922 (وهي تتضمن شرقي الأردن) اتحاد من عضوين أحدهما عربي والآخر يهودي. وذلك بعد موافقة الطرفين اللذين يعنيهما الأمر.
2 ـ تُجرَى مفاوضات يساهم فيها الوسيط لتخطيط الحدود بين العضوين على أساس ما يعرضه هذا الوسيط من مقترحات. وحين يتم الاتفاق على النقاط الأساسية، تتولَّى لجنة خاصة تخطيط الحدود نهائياً.
3 ـ يعمل الاتحاد على تدعيم المصالح المشتركة، وإدارة المنشآت المشتركة وصيانتها، وضمن ذلك الضرائب والجمارك، وكذا الإشراف على المشروعات الإنشائية وتنسيق السياسة الخارجية والدفاعية.
4 ـ يكون للاتحاد مجلس مركزي وغير ذلك من الهيئات اللازمة لتصريف شئونه حسبما يتفق عضوا الاتحاد.
5 ـ تكون الهجرة إلى أراضي كل عضو بحسب طاقة ذلك العضو على استيعاب المهاجرين. ولأي عضو، بعد عامين من إنشاء الاتحاد، الحق في أن يطلب إلى مجلس الاتحاد إعادة النظر في سياسة الهجرة التي يسير عليها العضو الآخر؛ وفي وضع نظام يتمشى والمصالح المشتركة للاتحاد؛ وفي إحالة المشكلة، إذا لزم الأمر، إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة.
6 ـ كل عضو مسئول عن حماية الحقوق المدنية وحقوق الأقليات، على أن تكون الأمم المتحدة ضامنة لهذه الحقوق.
7 ـ تقع على عاتق كل عضو مسئولية حماية الأماكن المقدَّسة والأبنية والمراكز الدينية، وضمان الحقوق القائمة في هذا الصدد.
8 ـ لسكان فلسطين، إذا غادروها بسبب الظروف المترتبة على النزاع القائم، الحق في العودة إلى بلادهم دون قيد وفي استرجاع ممتلكاتهم.
وقد أتبع برنادوت مقترحاته السابقة بملحق تضمَّن الآتي:

"بالإشارة إلى الفقرة الثانية من المقترحات، يبدو أن من الأوفق عرض مقترحات تكون أساساً لتخطيط الحدود بين العضوين:
1 ـ ضم منطقة النقب بأكملها أو جزء منها إلى الأراضي العربية.
2 ـ ضم منطقة الجليل الغربي بأكملها أو جزء منها إلى الأراضي اليهودية.
3 ـ إعادة النظر في وضع مدينة يافا.
4 ـ ضم مدينة القدس إلى الأراضي العربية، ومنح الطائفة اليهودية فيها استقلالاً ذاتياً لإدارة شئونها، واتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأماكن المقدَّسة.
5 ـ إنشاء ميناء حر في حيفا، على أن تشمل منطقة الميناء الحر مصانع تكرير البترول ونهاية خط الأنابيب.
6 ـ إنشاء ميناء جوي حر في مطار اللد.
ويبدو أن برنادوت اقترح اتحاد شرقي الأردن وفلسطين آخذاً بعين الاعتبار الوضع الجغرافي لشرقي الأردن.
وقد رفضت البلدان العربية مقترحات برنادوت لأنها تعترف بتقسيم فلسطين وبقيام الدولة الصهيونية كأمر واقع لا مناص منه، كما أنها تفسح المجال للاستعمار الاقتصادي الصهيوني في الكيان الفلسطيني المقترح. أما الحكومة الإسرائيلية المؤقتة، برئاسة بن جوريون، فقد رفضت المقترحات بشدة لأنها ـ في نظرها ـ تخل بالتوازن بين الدولة الصهيونية الناشئة والبلدان العربية المحيطة، كما أنها "تتجاوز" اختصاصات برنادوت كوسيط. ومن ناحية أخرى، لم تحصل المقترحات على تأييد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر 1948 حيث أيَّدت بريطانيا والولايات المتحدة مقترحات برنادوت في حين عارضها الاتحاد السوفيتي.
وفي ضوء ما تلقَّاه من ملاحظات وردود على مقترحاته الأولى، وما لاحظه من مشاهداته عند زيارته لفلسطين، أعد برنادوت صيغة معدلة لاقتراحاته عُرفت باسم «مشروع برنادوت» بعث به قبل اغتياله إلى الأمين العام للأمم المتحدة. وتتلخص خطوطه العامة فيما يلي:

1 ـ يجب أن يعود السلام العام الشامل إلى ربوع الأراضي المقدَّسة حتى يمكن إيجاد جو من الهدوء تعود فيه العلاقات الطيبة بين العرب واليهود إلى الوجود. وينبغي على الأمم المتحدة أن تتخذ كل ما من شأنه إيقاف الأعمال العدوانية في فلسطين.
2 ـ يجب أن يعترف العالم العربي بأنه قد أصبح في فلسطين دولة يهودية ذات سيادة تُدعَى «دولة إسرائيل» وهي تمارس سلطاتها كاملة في جميع الأراضي التي تحتلها.
3 ـ يجب قيام هذه الدولة الإسرائيلية ضمن الحدود التي نص عليها قرار التقسيم.

الصهيونية - إشكاليات وموضوعات أساسية - الصهيونية والعلمانية الشاملة

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الرفض الصهيوني لليهودية
‏Zionist Rejection of Judaism
تمت محاولات عدة لعلمنة اليهودية من الداخل من أهمها اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة، ثم تصاعدت حدة العلمنة في اليهودية التجديدية. والصهيونية، في تصوُّرنا، أهم الأيديولوجيات اليهودية في العصر الحديث التي أنجزت عملية العلمنة من الداخل.
وموقف الصهيونية من اليهودية يأخذ شكلين مختلفين مرتبطين:
1 ـ رفض العقيدة اليهودية على أساس علماني صريح وبشكل جذري وواضح.
2 ـ علمنة اليهودية من الداخل، أي صهينتها من خلال الحلولية الكمونية مع استيعاب المصطلح الديني.
وسنتناول في هذا المدخل موقف الرفض الجذري والصريح لليهودية.

طرحت الصهيونية نفسها من البداية على أنها رؤية كاملة وشاملة للحياة اليهودية والتاريخ اليهودي والإنسان اليهودي وعلاقته بالطبيعة (الأرض) وبذاته (الهوية اليهودية) الخ، أي أنها طرحت نفسها كرؤية للكون. وقد أدركت الصهيونية هويتها، منذ البداية، باعتبارها حركة علمانية شاملة ترفض العقيدة اليهودية وترفض الإيمان بأية مطلقات أخلاقية أو دينية متجاوزة لعالم المادة والقوى السياسية والطبقية والصراعات الفكرية. والعنوان الفرعي لكتاب هرتزل دولة اليهود هو محاولة لحل عصري للمسألة اليهودية (تماماً مثل المفكرين العنصريين الغربيين ولهلم مار وإيوجين دوهرنج اللذين كانا يصران على علمانية وعلمية رؤيتهم العنصرية لليهود واليهودية) . ولنا أن نلاحظ أن مؤسسي الحركة الصهيونية الذين أتوا أساساً من مجتمعات وسط أوربا لم يعيروا اليهودية أي انتباه إلا باعتبارها مشكلة تبحث عن حل. بل إن بعضهم اعتبر العقيدة اليهودية نفسها مشكلة اليهود الحقيقية. وقد أظهر بعض زعماء الصهيونية عداءً واضحاً لليهودية، فتيودور هرتزل تعمَّد انتهاك العديد من الشعائر الدينية اليهودية حين قام بزيارة القدس، وذلك لكي يؤكد أن الرؤية الصهيونية رؤية لادينية. وكذا كان الوضع مع ماكس نوردو الذي كان يجهر بإلحاده، ويؤكد دائماً أن كتاب هرتزل دولة اليهود سيحل محل التوراة باعتباره كتاب اليهود المقدَّس. وقد اتخذ الصهاينة موقفاً لا دينياً من كثير من المفاهيم المحورية في العقيدة اليهودية، ويمكن أن نأخذ أهم العناصر وهي الموقف من كلٍّ من الأرض والشعب وآلية عودة الشعب للأرض.

1 ـ لم تكن صهيون (فلسطين) بالنسبة للصهاينة أرضاً ذات قداسة خاصة، مرتبطة بالخلاص، وإنما كانت مجرد أرض يُنقَل إليها اليهود لأسباب مادية علمانية. ولم يطالب هرتزل بالقدس وإنما طالب بالأرض العلمانية فقط (على حد قوله) ؛ أرض صالحة للتقسيم والتوزيع والاستيطان حتى يمكن إقامة قاعدة يُجمَع فيها اليهود ليقوموا على خدمة من يتكفل بحمايتهم ودعمهم.
2 ـ وقد تم أيضاً رفض مفهوم الشعب المختار أو الشعب المقدَّس. فالشعب المختار، حسب المفهوم الحاخامي، يشير إلى جماعة من المؤمنين يرتبط انتماؤهم إلى هذه الجماعة بمدى طاعتهم للإله. وقد أخذ الصهاينة موقفاً مغايراً تماماً، فنزعوا القداسة عن هذا الشعب ووجهوا سهام نقدهم إليه وإلى الشخصية اليهودية (الدينية) مستخدمين في نقدهم هذا مقولات تحليلية ونقدية وأنماطاً إدراكية استوردوها من كلاسيكيات الفكر العرقي الغربي، وخصوصاً أدبيات معاداة اليهود. ونقدهم في جوهره هو نقد الفكر التنويري للشخصية الدينية. وأعاد الصهاينة تعريف اليهود على أساس عرْقي أو إثني (مادي) . ومن ثم، أصبح اليهود بالنسبة لهم شعباً مثل كل الشعوب، فهم مادة بشرية نافعة يمكن نقلها وتوظيفها لصالح من يدفع الثمن.
3 ـ وبعد تحويل صهيون إلى مادة طبيعية (أرض للاستيطان) والشعب المختار إلى شعب مثل كل الشعوب (مادة استيطانية) ، وجَّه الصهاينة سهام نقدهم لعقيدة الماشيَّح والعودة فوصفها هرتزل بأنها رؤية متخلفة، ووسمها بن جوريون بالسلبية وطرح بدلاً من ذلك فكرة العودة بقوة السلاح وبمساعدة القوى العظمى لتأسيس دولة يهودية.

ويمكن القول بأنه تم استبعاد أي تجاوز معرفي أو مطلقية أخلاقية، وتم تبنِّي الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية وما يتبعها من تمجيد لإرادة البقاء والقوة، وطُرحت الصيغة الصهيونية الأساسية التي تشكل العمود الفقري لكل الصهيونيات: شعب عضوي منبوذ نافع يُنقَل خارج أوربا ليُوظَّف لصالح الغرب، وهي صيغة علمانية كاملة لا تعترف بقداسة أرض أو إنسان ولا تعترف بأية أخلاقيات تضبط عملية العودة. وفي هذا الإطار، يمكن فَهْم مشاريع الاستيطان الصهيونية المختلفة خارج فلسطين (صهيونية دون صهيون) ، فهي مشاريع استعمارية عادية، شأنها في هذا شأن أيِّ مشروع استعماري غربي يهدف إلى حل بعض المشاكل الاجتماعية التي ظهرت داخل التشكيل الحضاري السياسي الغربي عن طريق نقلها إلى آسيا وأفريقيا. فالمشكلة كانت المسألة اليهودية وكان حلها نَقْل اليهود إلى أي مكان في الأرض وتحويلهم إلى مستوطنين غربيين.
وحتى بعد أن ظهرت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة (توظيف اليهود داخل إطار الدولة الوظيفية التي تُؤسَّس في فلسطين) ، ظل كثير من الصهاينة ينظرون لمشروع الاستيطان الصهيوني في فلسطين من خلال المنظور نفسه، أي باعتباره مشروعاً استعمارياً غربياً.
وإذا كانت المنظومة العلمانية في العالم الغربي قد أخذت شكل تأسيس الدولة القومية العلمانية التي قامت بعلمنة المادة البشرية داخل نطاق الدولة وبترشيدها حتى يمكن توظيفها، ثم قامت بعد ذلك بتجييش الجيوش التي حقَّقت الانطلاقة الإمبريالية الغربية، فإن الاختلاف في حالة الصهيونية اختلاف فرعي، إذ تمت أولاً علمنة المادة البشرية اليهودية من خلال الدول القومية الغربية، ثم تم بعد ذلك نَقْل المادة البشرية بمعاونة القوى الإمبريالية الغربية، وتم أخيراً تأسيس الدولة اليهودية القومية العلمانية التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من التشكيل الإمبريالي الغربي، فالاختلاف لا ينصرف إلى الرؤية وإنما إلى ترتيب الخطوات.

ولا يزال هذا التيار الصهيوني العلماني الرافض لليهودية قوياً، فمن المعروف أن الفكر الصهيوني كان يرفض استخدام اصطلاح «دولة يهودية» ، فكتاب هرتزل يُسمَّى دولة اليهود لا «الدولة اليهودية» . وكانت النية تتجه نحو استخدام اصطلاح «عبري» بدلاً من «يهودي» ، ولذا كانت تتم الإشارة إلى «الدولة العبرية» وإلى «العبرانيين» (ولم يتم استخدام مصطلح «دولة يهودية» إلا في مراحل متأخرة) . والصهاينة العلمانيون هم مؤسسوا المُستوطَن الصهيوني الحقيقيون، وهم صهاينة إلحاديون تماماً، وكان المستوطنون الأوائل ينظمون مسيرة كل عام للإعلان عن إلحادهم. وكان فريق منهم يحرصون على الذهاب إلى حائط المبكى في يوم الغفران (أكثر الأيام قداسة في التقويم الديني اليهودي) ويلتهمون ساندوتشات من لحم الخنزير تعبيراً عن رفضهم اليهودية. وقد توارت هذه الطفولية الثورية الرافضة إلى حدٍّ كبير، ولكن الإلحادية الصريحة ما تزال تُعلن عن نفسها. فلا يزال هناك صهاينة من أمثال شالوميت آلوني ويائيل ديان يحملون بغضاً عميقاً للعقيدة اليهودية والمؤسسة الدينية. بل إن الأولى كانت وزيرة للتربية في إسرائيل وكانت لا تكف عن التعبير عن احتقارها للتقاليد الدينية اليهودية. أما الثانية، وهي كاتبة روائية وابنة موشيه ديان، فكانت تصر دائماً على أن الملك داود كان مصاباً بالشذوذ الجنسي وأن علاقته مع يوناثان تدل على ذلك (وهناك مسرحية بهذا المعنى تُعرَض في إسرائيل) . ولا تزال الكيبوتسات (العمود الفقري للمجتمع الإسرائيلي، وفي صفوفها تُجنَّد أعداد كبيرة من أعضاء النخبة الحاكمة) مؤسسات علمانية تماماً ترفض الاحتفال بالأعياد الدينية وتُطوِّر احتفالات خاصة بها، وتعيد تفسير كثير من النصوص الدينية والشعائر ليحل القومي الزمني محل الإلهي المتجاوز. ويصل هذا التيار إلى قمته فى حركة الكنعانيين الذين يرون العقيدة اليهودية انحرافاً عن الهوية العبرية السامية. وتُعَدُّ الدولة

الصهيونية من أكثر المجتمعات إباحية واستهلاكية على وجه الأرض، وكانت ستُطبَع فيها طبعة عبرية من مجلة بنت هاوس الإباحية وقد استُقبل محررها عند حائط المبكى احتفالاً بهذه المناسبة السعيدة. وتنتشر محلات الأشياء الإباحية في مدينة القدس وتُقام المسرحيات المهرطقة التي لا تعرف حرمة لأي شيء.
أما الأحزاب الدينية، فهي أحزاب أقلية لا تمارس نفوذها إلا في رقعة ضيقة جداً من الحياة العامة في إسرائيل، وهي على كل أحزاب تعبِّر عن يهودية تمت علمنتها على يد الصهاينة (أي صهينتها) ، ولذا فهي يهودية المظهر علمانية المخبر.
وقد نجحت الصهيونية كذلك في تصعيد معدلات العلمنة بين يهود العالم بحيث حلت الصهيونية محل اليهودية، وأصبحت المشاعر الدينية تعبِّر عن نفسها من خلال التظاهر من أجل إسرائيل وتحرير الشيكات لها (انظر الباب المعنون «الصهيونية التوطينية» ) .
وهنا لابد أن نثير قضية أساسية وهي أن النقد العربي العلماني الثوري لإسرائيل والصهيونية يستند إلى أُسس مادية واقتصادية وحسب، باعتبار أن الدولة الصهيونية تقوم باستغلال المواطن العربي. والسؤال هو: ماذا لو أصبحت إسرائيل مفيدة من الناحية الاقتصادية والمادية داخل إطار النظام العالمي الجديد؟ ما أساس رفضها؟ ألا يُفسَّر ذلك سرّ اندفاع الكثيرين الآن نحو إسرائيل؟
ورغم أن الصهيونية بدأت كحركة علمانية صريحة في علمانيتها، إلا أنها لم تكن لتستمر على هذا المنوال للأسباب التالية:

1 ـ من المعروف في تاريخ الحضارة الغربية الحديثة (ومتتالية العلمنة فيها) أن عملية العلمنة لا يمكن أن تتم بشكل واضح وصريح دفعة واحدة، حتى لا تَفزَع الجماهير من وحشية النموذج المطروح (العالم باعتباره مادة استعمالية خالية من القيمة ومجرد من الغاية) ، ولذا نجد أن الخطاب العلماني يتبنَّى ديباجات دينية في المرحلة الأولى (كما هو الحال مع فلسفة إسبينوزا والعقائد الربوبية) لترويج أفكار إلحادية الجوهر إيمانية المظهر. ثم تظهر تنويعات مختلفة على هذا إلى أن نصل إلى التعريفات العرْقية أو الإثنية الوثنية الصريحة. والصهيونية ولا شك، تنتمي إلى هذا النمط.
2 ـ المنظومة العلمانية المادية ترفض فكرة غائية الكون وفكرة ثبات القيمة الأخلاقية ومطلقيتها. فالإنسان موجود في الكون بالصدفة دون هدف أو غاية، والأخلاق تتغير بتغير الزمان والمكان. وكل هذا يخلق ما يُسمَّى «أزمة المعنى» . ولذا، فإن المنظومات العلمانية كثيراً ما تستورد مصطلحات ومفاهيم دينية دون أي التزام بالأعباء الأخلاقية المرتبطة بهذه المفاهيم، وذلك لحل مشكلة المعنى. فالجندي البريطاني الذي كان يقتل الأطفال في أدغال أفريقيا ويأتي على الأخضر واليابس، كان في حاجة إلى ما يبرر أفعاله الوحشية من خلال منظومة مريحة تخبره أنه يقتل دفاعاً عن الحضارة الغربية وأخلاق المحبة المسيحية وأن هذا هو عبء الرجل الأبيض.
والصهيونية، أيضاً، حركة قامت باقتلاع مئات الألوف من اليهود من أوطانهم، ونقلتهم إلى أرض معادية داخل مجتمعات تُكن لهم البغض. ولذا، لجأت الصهيونية للعقيدة اليهودية لتحل مشكلة المعنى للمادة البشرية المنقولة.

3 ـ الصهيونية، شأنها شأن أية عقيدة سياسية، تود أن تكتسب شرعية، وأن تُجيِّش الجماهير وراءها. وقد كان هذا أمراً حتمياً بالنسبة للصهيونية، فقد كانت أيديولوجية نشأت في وسط أوربا بين مثقفين يهود غير يهود، مندمجين تماماً، تشربوا الثقافة الألمانية لا مجرد معجبين بها. أما الجماهير اليهودية، فقد كانت في شرق أوربا، وهي جماهير يهود اليديشية. وكانت قطاعات كبيرة منهم إما عميقة الإيمان بالدين أو على الأقل تربطها صلة وثيقة برموزه. ومن ثم، لم يكن هناك مفر من أن تستغل الصهيونية العقيدة اليهودية لتضفي على نفسها صبغة دينية، فلجأت إلى تبنِّي الرموز والأفكار الدينية المألوفة لدى هذه الجماهير بعد علمنتها، إذ أن أية صيغة صريحة في علمانيتها كانت ستفشل حتماً في تجنيدها. وهذا ما عبَّر عنه كلاتزكين حين قال: "إن الدين اليهودي يمكن أن يساهم في بلورة الروح القومية للشعب اليهودي". وقد كان نوردو وهرتزل يدركان أهمية العناصر الدينية في تجنيد الجماهير. ولذا، فعندما فكرا في اختيار العراق مكاناً للاستيطان، فكرا أيضاً في «العناصر الصوفية» المرتبطة به وفي إمكانية الاستفادة منها. ولقد استقر الأمر على فلسطين في نهاية الأمر بسبب عدة عوامل من بينها قوة الأسطورة، أي الاسم في حد ذاته، "ففلسطين هي صرخة عظيمة تجمع اليهود" على حد قول هرتزل.

والصهيونية، في هذا، لا تختلف من قريب أو بعيد عن كثير من أيديولوجيات المستوطنين البيض أو النازيين (بل وكثير من أيديولوجيات القومية العلمانية) . فالمستوطنون البيض في جنوب أفريقيا أصحاب أيديولوجية عرْقية بيولوجية حتمية تستبعد السود من نطاق ما هو إنساني وهو ما يتنافى تماماً مع العقيدة المسيحية. ومع هذا، فقد استخدموا ديباجات مسيحية لتسويغ كل أفعالهم، ومن ذلك إبادة الملايين، بل أسسوا كنيسة مسيحية تستبعد السود ولا تسمح لهم بالانضمام لها. وهذا أيضاً ما فعله النازيون الذين كانوا يؤمنون بأيديولوجية حلولية وثنية تماماً تحاول بَعْث التاريخ الألماني قبل دخول المسيحية في ألمانيا وقبل تغلغل أخلاق الضعفاء بين أعضاء الجنس الآري. ولكن النازية، مع هذا، أسَّست كنيسة مسيحية ألمانية بهدف اجتذاب الجماهير لهذه الأيديولوجية دون إفزاعها بالإلحاد الكامن والوثنية المتضمنة.
لكل هذا، نجد أن الصيغة الصهيونية التي شاعت هي التي تدور في إطار الحلولية الكمونية العضوية والتي تستخدم ديباجات دينية أو شبه دينية رغم أنها لا يربطها بالدين أي رابط (وهي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المُهوَّدة) .
المصادر العلمانية للفكر الصهيوني
‏Secular Sources of Zionist Thought

تظهر علمانية الصهيونية في مصادرها الفكرية المتنوعة والمتعددة والتي تنتمي كلها للأنساق الفكرية العلمانية الغربية. وقد عبَّرت المنظومة العلمانية عن نفسها من خلال ما نطلق عليه «الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية» التي ترى العالم بأسره مادة نسبية يمكن توظيفها لصالح الإنسان الغربي، وهذه هي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، فهي صيغة تستند إلى رؤية إمبريالية (من الناحية المعرفية) تهدف إلى توظيف اليهود (والعرب) باعتبارهم مادة بشرية يمكن نَقْلها واستخدامها، كما تهدف إلى توظيف الطبيعة (الأرض أو فلسطين) باعتبارها مادة طبيعية، إذ لا قداسة ولا حرمة لأي شيء. أما من الناحية الأخلاقية، فإن الصهيونية ممارسة علمانية إمبريالية تقوم على العنف وإبادة السكان الأصليين أو طَرْدهم من أرضهم، وهي تستعين بالإمبريالية الغربية في تنفيذ مخططها، سواء في نَقْل اليهود من بلادهم أو في طَرْد الفلسطينيين من وطنهم.
ولكن، إلى جانب هذا الإطار الأساسي العام، تُوجد بعض الأفكار الغربية العلمانية المحددة التي تركت أثراً عميقاً في الفكر الصيهوني، كما شكلت مصادره الأساسية والمباشرة. وفيما يلي المصادر الأساسية للفكر الصهيوني، وسنذكر بعد كل مصدر العناصر التي استقاها النسق الفكري الصهيوني منه، ثم نورد (بين قوسين) عنوان المدخل أو المداخل التي يجد فيها القارئ معالجة مستفيضة للموضوع.
1 ـ الفكر الصهيوني الاسترجاعي ذو الديباجات المسيحية: عودة اليهود ـ فلسطين كمركز تجمُّع لهم ـ اليهود كشعب مختار منبوذ ـ توظيف الديباجات الدينية (انظر: «الأحلام والعقائد الألفية» ـ «العقيدة الاسترجاعية» ) .
2 ـ فكر حركة الاستنارة: رفض سلبية الدين اليهودي وغيبيته ـ رفض خنوع الشخصية اليهودية ـ الإيمان بالتقدم وبأن اليهود حَمَلة التقدم للشرق ـ العودة لن تتم إلا من خلال التخطيط البشري (انظر الباب المعنون «الاستنارة اليهودية» ) .

3 ـ فكر حركة معاداة الاستنارة: الرؤية العضوية ـ أسبقية الأمة على الفرد (انظر: «الشعب العضوي [فولك [» ) .
4 ـ الدولة المطلقة: الدولة هي القيمة المطلقة والقيمة الحاكمة في النسق الصهيوني وهي الإطار الذي ستُوظَّف من خلاله المادة البشرية المنقولة (انظر: «الدولة اليهودية» ـ «بعض الاختلافات الصهيونية بشأن الدولة الصهيونية» (.
5 ـ القومية العضوية أو الشعب العضوي: اليهود يكوِّنون شعباً عضوياً مرتبطاً بأرضه برابطة حلولية عضوية، فلابد أن يعود إليها. ويُلاحَظ أن الدولة القومية هي الإطار الذي يعبِّر الشعب العضوي من خلاله عن نفسه (انظر: «الشعب العضوي المنبوذ «) .
6 ـ الفكر العرْقي العلماني (وخصوصاً معاداة اليهود والفاشية والنازية) : اعتماد العرْق والوراثة (لا الدين) مقياساً ـ تَفوُّق اليهود على العرب ـ الخضوع للعنصر اليهودي المتفوق (انظر الباب المعنون «العنصرية الصهيونية» . وانظر أيضاً الباب المعنون «بعض إشكاليات الإبادة النازية ليهود أوربا» ، والباب المعنون «إشكالية العزلة والخصوصية اليهودية» )
.
7 ـ النيتشوية: اليهود كأمة متفوقة (سوبر أمة) ـ العنف كآلية حتمية للبقاء ـ رفض أخلاق الضعفاء (الدينية) واعتماد إرادة القوة باعتبارها المطلق الأخلاقي الوحيد (انظر: «النيتشوية والصهيونية» ) .
8 ـ الداروينية أو التطورية: البقاء (المادي) هو القيمة الوحيدة المطلقة ـ سيحقق اليهود البقاء باعتبارهم العنصر الأصلح والأقوى ـ بقاء الشعب اليهودي هو الهدف من الوجود ـ اليهود أهم من اليهودية (انظر: «الداروينية الاجتماعية» ) .
9 ـ الرومانسية: العودة للأرض كمطلق ـ عبادة الفعل الجسدي المباشر ـ كرامة العمل اليدوي (انظر الباب المعنون «الصهيونية العمالية» ) .
10 ـ البرجماتية: اليهود أكثر حركية من العرب، ولذا فإن الأرض تصبح من حقهم، وعلى العرب الرضوخ للأمر الواقع (انظر: «هوراس كالن والبرجماتية» )

11 ـ النفعية أو نَفْع اليهود: اليهود كعنصر وظيفي استيطاني يمكن توظيفه ـ الدولة الصهيونية الوظيفية (انظر: «نَفْع اليهود» ـ انظر أيضاً الباب المعنون «الدولة الصهيونية الوظيفية» ) .
12 ـ الليبرالية والرأسمالية: المشروع الصهيوني مشروع رأسمالي استعماري ـ المشروع الصهيوني سيصرف الشباب اليهودي عن الحركات الاشتراكية (انظر: «الصهيونية العامة» ـ «الصهيونية التصحيحية» ) .
13 ـ الفكر الاشتراكي: المشروع الصهيوني مشروع اشتراكي تعاوني ـ إسرائيل دولة اشتراكية ستقوم بتثوير المنطقة ـ ستقوم الصهيونية بشفاء اليهود من أمراض الطفيلية (انظر: «الصهيونية العمالية» ) .
وبإمكان القارئ أن يعود إلى الباب المعنون «إشكالية علاقة اليهودية بالصهيونية» .
الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية والصهيونية
‏Secular Imperialist Epistemological Outlook and Zionism
ثمة علاقة بنيوية بين الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية والتشكيل الاستعماري الغربي من جهة والصهيونية من جهة أخرى:
1 ـ فالرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية منظومة تركز على هذه الدنيا فتراها في إطار الواحدية المادية وترى أن هدف الإنسان في الكون هزيمة الطبيعة والإنسان وحوسلتهما وتسخيرهما، وهي تقوم بترشيد الإنسان والمجتمع على هدي هذه المنظومة. وهذا ما فعلته الصهيونية بفلسطين، واليهود والعرب، فقد فرضت الواحدية المادية على فلسطين ورشَّدتها وحولتها من أرض مقدَّسة (صهيون) إلى مكان غير مقدَّس للاستيطان كما رشَّدت اليهود والعرب وحولتهم إلى مادة بشرية تُنقَل من مكان إلى آخر، فاليهود مادة استيطانية نافعة تُنقَل من أوربا إلى فلسطين، أما العرب فهم مادة بشرية لا نفع لها، ولذا فهي تُطرَد من فلسطين.
2 ـ تستبعد الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية أي إيمان بأية حدود ويأخذ هذا شكل النزعة المشيحانية في الصهيونية وما يُسمَّى «دحيكات هاكتس» ، أي «التعجيل بالنهاية» .

3 ـ الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية تجعل الإنسان الغربي مركز الكون وتُسبغ عليه محورية وقداسة ومطلقية فهو صاحب رسالة حضارية تُسمَّى عبء الرجل الأبيض. وهذا ما فعلته الصهيونية مع اليهود الذين تحولوا إلى شعب مختار بالمعنى المادي العلماني.
4 ـ مركزية الإنسان تمنحه حقوقاً مطلقة وتجعله المرجعية الوحيدة. وهذا ما فعلته الصهيونية مع اليهود إذ جعلتهم شعباً عضوياً يرتبط ارتباطاً عضوياً بأرضه وتراثه وهو ما يعطيه حقوقاً مطلقة في هذه الأرض يمكنه بمقتضاها أن ينقل سكانها بعيداً عنها أو يوظفهم في خدمته، ثم يستورد إلى هذه الأرض من يشاء من البشر (المهاجرين السوفييت) ويمنع عنها من يشاء (الفلسطينيين العرب) .
5 ـ المنظومة العلمانية الإمبريالية تنكر الآخر وأىة منظومات قيمية أخلاقية إلا أخلاق القوة وهذا يتضح في النزعة النيتشوية القوية في الفكر الصهيوني (انظر: «النيتشوية والصهيونية» ـ «المصادر العلمانية للفكر الصهيوني» ) .
6 ـ الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية مبنية على تصدير المشاكل للخارج بحيث يدفع بقية العالم فواتير التقدم الأوربي. والحل الصهيوني بهذا المعنى هو حل إمبريالي مبني على تصدير المسألة اليهودية إلى فلسطين لحل مشاكل أوربا وتوظيف العنصر البشري لصالحها. أما على المستوى السياسي فقد قامت الإمبريالية الغربية بتأسيس الدولة الصهيونية بحيث أصبحت قاعدة للاستعمار الغربي تدين له ببقائها وتقوم على خدمته فهي دولة وظيفية تابعة للإمبريالية الغربية.

الصهيونية - إشكاليات وموضوعات أساسية - الخطاب الصهيوني المراوغ

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

سمات الخطاب الصهيوني المراوغ
‏Charactaristics of the Evasive Zionist Discourse
كلمة «خطاب» العربية هي ترجمة لكلمة «ديسكورس discourse» الإنجليزية. وكلمة «خطاب» كلمة مركبة وخلافية ولها معان عديدة إذ تطوَّر حقلها الدلالي بشكل ملحوظ منذ الخمسينيات مع ظهور البنيوية وما بعدها. وقد عُرِّف الخطاب (بالمعنى المعجمي المباشر) بأنه "كل كلام تجاوز الجملة الواحدة سواء كان مكتوباً أو ملفوظاً". ولكن للكلام دلالات غير ملفوظة يدركها المتحدث والسامع دون علامة معلنة واضحة. ولذا عُرِّف الخطاب بأنه نظام من القول له قواعده وخواصه التي تحدِّد شكل الجمل وتتابعها والصور المجازية والخواص اللفظية ونوع الأسئلة التي تُسأل والموضوعات الأساسية الكامنة، وما يُقال وما يُسكت عنه، أي تحدِّد الاستدلالات والتوقعات الدلالية. ويتم إنتاج المعرفة الإنسانية من خلال الخطاب، وكثيراً ما تستمد هذه المعرفة مصداقيتها من القواعد التي تحكمها وليس من مطابقة تلك المعرفة لما هو حاصل أو واقع. ولذا فإنتاج الخطاب وتوزيعه ليس حراً أو بريئاً، كما قد يبدو من ظاهره.
ولكل مجتمع خطابه إذ تتآلف الجمل لتشكل نصاً مفرداً، وتتآلف النصوص لتُشكل نصاً شاملاً، أي نسقاً فكرياً متكاملاً ورؤية للكون. ومن ثم فالخطاب (من منظور فوكوه) هو مجموعة من المنظومات التي تنتمي إلى تشكيل واحد، يتكرر على نحو دال في التاريخ، بل على نحو يغدو معه الخطاب جزءاً من التاريخ، جزء هو بمنزلة وحدة وانقطاع في التاريخ نفسه. والمحرك الأساسي وراء شكل الخطاب (عند فوكوه وغيره) هو الرغبة في الاستئثار بالقوة من قبَل فئات اجتماعية (وهو تفسير دارويني نيتشوي للإنسان ولسلوكه ودوافعه) .
وتحليل الخطاب هو استنباط القواعد التي تحكم التوقعات الدلالية، ولذا يتشابك تحليل الخطاب بالسيموطيقا أو علْم العلامات من حيث هو أيضاً بحث في القواعد أو الأعراف التي تحكم إنتاج الدلالة (البازعي والرويلي) .

والخطاب الصهيوني له سمات محددة أهمها المراوغة النابعة من تَعدُّد الجهات التي يتوجَّه لها هذا الخطاب:
1 ـ الصهيونية حركة تابعة يدعمها ويمولها الاستعمار الغربي، ولذا فإن الخطاب الصهيوني يتوجَّه إلى الدول الاستعمارية الراعية.
2 ـ لا تتوجه الصهيونية لهذه الدول وحسب أو لنخبها وحسب وإنما للرأي العام غير اليهودي فيها الذي قد لا يدرك الأبعاد الإستراتيجية للتحالف بين إسرائيل والحضارة الغربية.
3 ـ لابد أن يتوجه الخطاب الصهيوني للمادة البشرية المُستهدَفة، أي تلك الجماعات اليهودية في العالم التي تنتمي إلى تشكيلات ثقافية وحضارية واجتماعية مختلفة.
4 ـ تعود الصهيونية إلى أصول ثقافية ودينية واجتماعية وطبقية متباينة، وهو ما يجعل لكل فريق صهيوني رؤية وأولويات مختلفة. ومما يجدر ذكره أن التيارات الصهيونية تركت بعض القضايا الأساسية دون اتفاق. فلم يتم الاتفاق على هوية اليهودي، بل لم يتم الاتفاق على هوية الصهيوني. كما لم يتحدد التوجه الاجتماعي أو الاقتصادي للعقيدة الصهيونية.
والمشكلة التي واجهها الخطاب الصهيوني هي كيف يمكن التوجه لكل هذه القطاعات في وقت واحد، إذ كان على الدولة الصهيونية أن تُقدم نفسها باعتبارها: دولة ديموقراطية تنبع من أيديولوجية ليبرالية وتنتمي إلى الحضارة الغربية العقلانية، وتقوم في الوقت نفسه بطرد الفلسطينيين وهَدْم قراهم وديارهم وخوض حروب توسعية تُذكِّر الإنسان بدولة مثل إسبرطة أو بروسيا لا بأثينا. وكان على الدولة الصهيونية أن تُقدِّم نفسها باعتبارها: دولة علمانية متطرفة في علمانيتها، ولكنها في الوقت نفسه دينية متطرفة في تديُّنها، ورأسمالية مغالية في رأسماليتها، واشتراكية مغالية في اشتراكيتها. والحركة الصهيونية تقبل اندماج اليهود في غرب أوربا (حتى لا تثير حفيظة يهود هذه البلاد أو حكوماتها) ولكنها في الوقت نفسه تطالب بتهجير يهود شرقها.

ولإنجاز هذا، ولتحقيق هدفها في اغتصاب فلسطين وطَرْد أهلها وتجنيد يهود العالم لدعم مشروعها ومده بالمادة البشرية المطلوبة، طوَّرت الصهيونية خطاباً هلامياً مبهماً غير متجانس بشكل متعمد يتسم بدرجة عالية من عدم الاتساق ويحتوي على فجوات كثيرة بهدف تغييب الضحية وتشويه صورته.
وقد كتب هرتزل قائلاً إنه "حقق شيئاً يكاد يكون مستحيلاً: الاتحاد الوطيد بين العناصر اليهودية الحديثة المتطرفة [أي اليهود المندمجين في غرب أوربا واليهود غير اليهود] ، والعناصر اليهودية المحافظة [أي يهود شرق أوربا واليهود المتدينين]ـ وقد حدث ذلك بموافقة الطرفين دون أي تنازل من الجانبين ودون أية تضحية فكرية". كما تَباهَى هرتزل بمصالحة أخرى أجراها بين الحضارة الغربية ويهود العالم.
وهرتزل كان محقاً تماماً فيما يقول، فالخطاب الصهيوني المراوغ (الذي وضع هو أساسه) نجح في إخفاء كل التناقضات وفي التوجه إلى كل القطاعات المعنية، إلى كل قطاع بصوت يرضيه. كما أنه تجاهل العرب تماماً، فلم يذكرهم بخير أو شر. وقد احتفظ هذا الخطاب بتوجُّهه الأساسي من خلال التمسك بالصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة (والمهوَّدة) وإخفائها إلى حدٍّ كبير في آن واحد، على أن تعبِّر عن نفسها من خلال تنويعات عليها تخبئها سحابة كثيفة من الإستراتيجيات والحيل البلاغية المتنوعة التي سندرسها حتى يمكننا أن نفك شفرة الخطاب الصهيوني.
1 ـ محاولة تجاهل الأصول التاريخية أو تزييفها:

من الحيل الأساسية في الخطاب الصهيوني محاولة عزل الظواهر والدوال عن أصولها التاريخية والاجتماعية والثقافية بحيث يبدو الواقع كما لو كان مجرد عمليات وإجراءات ليس لها تاريخ واضح ولا سياق تاريخي محدَّد، ومن ثم فليس لها سبب معروف أو اتجاه محدَّد. فالصراع العربي الإسرائيلي، على سبيل المثال، ليس ثمرة العقد الصهيوني الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية، والذي قامت الدول الإمبريالية بمقتضاه بغرس كتلة بشرية غريبة في وسط العالم العربي والإسلامي، وتحوَّلت هذه الكتلة إلى دولة وظيفية تحتفظ بعزلتها وتقوم بضرب السكان الأصليين وجيرانها لصالح الراعي الإمبريالي. إذ يتم تناسي كل هذا، ويُقدَّم الصراع العربي الإسرائيلي باعتباره نتيجة رفض العرب قرار التقسيم وهجومهم "الغاشم" على "اليهود" المسالمين، دون سبب واضح ومفهوم. وتُقدَّم الصهيونية لا باعتيارها حركة استعمارية استيطانية إحلالية وإنما باعتبارها تعبيراً عن الحلم اليهودي المشيحاني الخاص بالعودة إلى صهيون أو أرض الميعاد، أو باعتبارها حركة إنقاذ يهود العالم من هجوم الأغيار.
داخل هذا الإطار، تصبح المقاومة شكلاً من أشكال الإرهاب غير العقلاني وغير المفهوم، بينما تصبح هجمات إسرائيل على العرب مجرد دفاع مفهوم ومشروع عن النفس. ومن ثم، فإن الجيش الإسرائيلي هو "جيش الدفاع الإسرائيلي". وقد سُمِّيت هذه الحيلة «الأكاذيب الصادقة» (بالإنجليزية: ترو لايز true lies) ، فهي صادقة بمعنى أن هجوم العرب هو حقيقة مادية لا مراء فيها، فهي واقعة قد وقعت بالفعل. ولكنها أكاذيب بلا شك باعتبار أن هجوم العرب على إسرائيل ورَفْضهم قرار التقسيم ليس نتيجة عناد لاعقلاني وإنما هو دفاع مشروع عن الحقوق الثابتة التي أقرتها المواثيق الدولية والقيم الأخلاقية.

وفي هذا الإطار، يمكن أن نفهم بعض الحيل الصهيونية البلاغية الأخرى. فالإصرار على "المفاوضات وجهاً لوجه" باعتبارها الحل الوحيد والناجع للصراع العربي الإسرائيلي هو إصرار على إجراءات دون أية مرجعية أخلاقية أو تاريخية، وكأن الصراع أمر غير مفهوم ليس له أصل؛ وكأنه ليس هناك حالة من التفاوت والظلم ناتجة عن الغزو.
وقل الشيء نفسه عن دعوة الأمريكيين لكل من العرب والصهاينة إلى أن يظهروا ضبط النفس والاستعداد لتقديم التنازلات. ويُضرَب المثل بقرار التقسيم. فقد أظهر الصهاينة الاعتدال بقبول أكثر من نصف فلسطين، أما الفلسطينيون فقد أظهروا تطرُّفهم برفضهم ما قُدِّم إليهم. فالاعتدال والتطرف في هذا السياق قد عُرِّفا في إطار تجاهل الأصول التاريخية وهو أن المستوطنين الصهاينة مغتصبون جاءوا إلى أرض فلسطين يحملون السلاح واحتلوا أجزاء منها، وما فعله قرار التقسيم هو قبول حادثة الاغتصاب بل منحهم المزيد من الأرض ليؤسسوا دولتهم فيها.
ومنذ إنشاء دولة إسرائيل، استمر استخدام هذه الحيلة إلى أن وصلنا إلى شعار "الأرض مقابل السلام" الذي يمكن ترجمته ببساطة إلى "بعض القرى والمدن التي كان قد تم الاستيلاء عليها بقوة السلاح الغربي تُعاد مقابل السلام الذي يعني وقف المقاومة ويعني الاستسلام". وهذا يعني ببساطة "أرض بلا شعب حي قادر على المقاومة وبلا ذاكرة تاريخية"، أي أنها تعني "نسيان الظلم الذي وقع في الماضي وفرض السلام حسب الشروط الصهيونية".

ويرتبط بهذا الاتجاه نحو إنكار التاريخ تغليب عنصر المكان على عنصر الزمان فتتحول "فلسطين" إلى "أرض" و"الوطن العربي" إلى "منطقة" وتبحث إسرائيل عن "الحدود الآمنة" الجغرافية التي لا تأبه بالتاريخ. وتُعبِّر نظرية الأمن الإسرائيلية عن هذا التحيز الشديد للجغرافيا والتجاهل الكامل للتاريخ. ولذا، فإن أية حركة من العرب تذكر الصهاينة بوجود عنصر الزمان (كماض وتراث ومخزون للذاكرة وكحاضر وصراع وكمستقبل وإمكانية ومجال للحرية والحركة) تولِّد الذعر الشديد في قلوب المستوطنين الصهاينة، وتُسمَّى مثل هذه الحركة "إرهاب".
2 ـ استخدام مصطلحات محايدة هي في جوهرها عمليات تغييب للعرب وللواقع وللتاريخ العربي:

من الحيل الصهيونية البلاغية استخدام مصطلحات تبدو كما لو كانت بريئة محايدة تحل محل المصطلحات ذات المضمون التاريخي والإنساني العربي. ولعل أهم هذه المحاولات بطبيعة الحال هو الإشارة إلى فلسطين باعتبارها "أرض بلا شعب". فهذه عبارة محايدة للغاية، ففلسطين ليست "فلسطين" أساساً وإنما هي مجرد "أرض" والسلام. وتتبدَّى نفس الظاهرة في الخلاف بشأن قرار مجلس الأمن رقم 242 فينص في مقدمته على مبدأ عدم "جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة" ويتعامل مع الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام 1967 ويدعو إلى الانسحاب منها، وهنا طرح الإسرائيليون إشكالية الأراضي المعنية وهي «أراض» كما في النص بالإنجليزية، أو «الأراضي» كما في النص بالفرنسية. وكانوا يفضلون بطبيعة الحال النص الإنجليزي لأنه يحيِّد الأرض ويفقدها حدودها فتصبح كلها قابلة للتفاوض بشأنها. وقد تدهور (تطور) الأمر حين قرر الإسرائيليون أن "الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 في الضفة والقطاع «أراض متنازع عليها» (بالإنجليزية: دسبيوتيد disputed) وليست «محتلة» (بالإنجليزية: أوكيوبايد occupied) وقد وافقهم الأمريكيون على ذلك. وقد حاولت الدعاية الإسرائيلية أن تشير إلى "الانتفاضة" باعتبارها "أحداث الشغب" أو مجرد "عصيان مدني" ولكن الانتفاضة نجحت في اختراق المعجم الصهيوني واستقرت (كالنجم الساطع) داخل الكلمات العبرية والإنجليزية.

وتظهر عملية التحييد في حديث الصهاينة عن "التقدم" في المنطقة وتحويل الصحراء إلى مزارع خضراء.. إلخ، دون أن يُحدَّد لحساب مَنْ وعلى حساب مَنْ سيتم هذا التقدم. وقد لجأ مارتن بوبر لحيلة مماثلة في خطاب أرسل به لغاندي إذ كتب له محاولاً تبرير الغزو الصهيوني قائلاً إن الأرض لمن يزرعها، وكأن المستوطنين الصهاينة مجرد فلاحين مسالمين وجدوا أرضاً فقاموا بحرثها وزرعها في صبر وأناة بينما يقوم العرب [اللئام] بالتنغيص عليهم! وفي هذا إلغاء كامل لأصول الصراع واستخدام لمصطلحات محايدة تُلغي التاريخ.
3 ـ استخدام مصطلحات دينية يهودية في سياقات تاريخية زمنية:
هذه الحيلة البلاغية مُتضمَّنة في كل الحيل السابقة، ولكنها من الأهمية بمكان بحيث قد يكون من المفيد معالجتها بشكل مستقل. والخطاب اليهودي الحلولي الكموني لا يُفرِّق بين التاريخ الزمني والتاريخ المقدَّس ولا بين المطلق والنسبي. وهذا ما يفعله الخطاب الصهيوني حين يشير إلى فلسطين باعتبارها «الأرض المقدَّسة» أو «أرض الميعاد» أو «إسرائيل» (وهو اسم يعقوب بعد أن صارع الرب) . واستخدام المصطلحات الدينية في سياق زمني يخلق استمرارية لا زمنية، فالعبرانيون الذين خرجوا من أرض المنفى في مصر وصعدوا إلى أرض كنعان لا يختلفون كثيراً عن اليهود السوفييت أو يهود الفلاشاه الذين خرجوا من بلادهم (المنفى) وصعدوا إلى أرض كنعان (دولة إسرائيل) . ومن هنا تُسمَّى الهجرة الاستيطانية إلى فلسطين «عالياه» ، من العلو والصعود، بينما الهجرة منها هي «يريداه» بمعنى «الارتداد والكفر» . ويؤدي استخدام المصطلحات الدينية إلى خلع القداسة اليهودية على الأرض الفلسطينية، الأمر الذي يعني تحويل اليهود إلى عنصر مرتبط بها عضوياً، أما العرب، فيتم تهميشهم، فهم يقعون خارج نطاق دائرة القداسة.
4 ـ إخفاء دال معيَّن تماماً أو محوه من المعجم السياسي والحضاري أو استخدام دوال تؤدي إلى تغييب العرب:

يلجأ الصهاينة لمحو بعض الدوال تماماً من المعجم السياسي والحضاري حتى يمكن محو المدلول وإخفاؤه من الخريطة الإدراكية. وهذه الإستراتيجية تضرب بجذورها في الخطاب الاستعماري الاستيطاني الغربي الذي يستخدم ديباجات توراتية. فالمستعمرون الاستيطانيون هم «عبرانيون» أو «الشعب المختار» ، والبلاد التي يفتحونها (سواء في أمريكا الشمالية أو جنوب أفريقيا أو فلسطين) هي «صهيون» أو «إسرائيل» ، ويُشار إلى سكان هذه البلاد بـ «الكنعانيين» ، ولذا فمصيرهم الإبادة. ثم تمت علمنة هذا الاتجاه وأصبح المستعمرون الاستيطانيون "حملة مشعل الحضارة الغربية والاستنارة" وسكان البلاد المغزوة هم «السكان الأصليون» أو «البدائيون» أو «الهمجيون» أو «المتخلفون» أو «الهنود الحمر» . وفقدت بلادهم أسماءها فزيمبابوي أصبحت، على سبيل المثال، «روديسيا» ولم تَعُد بلاد الأباشي والتشيروكي تُسمَّى بأسمائها وإنما أصبحت «أمريكا» نسبة إلى "مكتشف" هذه البلاد (أميريجو فيسبوتشي) . وقد حدث شيء مماثل في الخطاب الصهيوني، فالمستوطنون الصهاينة هم «العبرانيون» (و «الحالوتسيم» في المعجم العلماني، أي الرواد الذين وصلوا إلى الأرض فاكتشفوها) أما سكان البلاد الأصليون فقد أصبحوا إما «كنعانيين» أو «إشماعيليين» (وفي الصياغة البلفورية العلمانية «الجماعات غير اليهودية» ) . وتمت إعادة تسمية فلسطين فأصبحت «إسرائيل» وأصبحت عملية الاستيلاء على فلسطين هي مجرد «إعلان استقلال إسرائيل» . واستمرت هذه العملية بعد عام 1948، فأصبحت أم الرشراش «إيلات» وأصبحت الضفة الغربية «يهودا والسامرة» . وقد اتسع نطاق هذه العملية في الوقت الحاضر بحيث بدأ الاتجاه نحو تغييب العالم العربي بأسره وليس الفلسطينيين وحدهم. ومن هنا الحديث عن «السوق الشرق أوسطية» بدلاً من الحديث عن «العالم العربي» . فالسوق الشرق أوسطية تعني أن هناك بلداناً مختلفة في هذه «المنطقة» وأن عروبتها مسألة وهمية أو هامشية ليست

ذات قيمة تفسيرية أو تصنيفية عالية.
ويبدو أن هناك اتجاهاً في هذه الأيام لمحو كلمة «مقاومة» من المعجم السياسي بحيث يهيمن دال واحد هو كلمة «إرهاب» ، وتصبح أعمال المقاومة التي لها جذور تاريخية ومعنى محدد مجرد «إرهاب» أو «هجمات انتحارية» ليس لها سبب واضح ولا اتجاه مفهوم. ولذا، نجد أن مؤتمر شرم الشيخ حاول تعريف «الإرهاب» ولم يأت أي ذكر لكلمة «مقاومة» . ومن هنا يمكن إدراك حجم الإنجاز الذي حققته اتفاقية وقف إطلاق النار بين لبنان (حزب الله) وإسرائيل، فهي اتفاقية قد نصت على حق الدفاع عن النفس، أي حق المقاومة.
5 ـ الخلط المتعمد بين بعض الدوال وفرض نوع من الترادف بينها:
يعمد الصهاينة إلى الخلط بين بعض الدوال التي لها حدود معروفة. ومن أهم هذه العمليات محاولة الخلط بين مصطلحات «يهودي» و «صهيوني» و «إسرائيلي» وأحياناً «عبراني» ، وذلك على الرغم من أن كل مصطلح له مجاله الدلالي الواضح. وقد جرى الخلط بينها لتأكيد مفهوم الوحدة اليهودية الذي يشكل جوهر الرؤية الصهيونية. وقد شاع الاستخدام الصهيوني في العقول حتى أصبح الحديث عن «الدولة اليهودية» و «دولة اليهود» و «الدولة الصهيونية» ممكناً باعتبارها عبارات مترادفة.
6 ـ استخدام اسم يشير إلى مسميات مختلفة:

يُستخدم اسم مثل «الشعب اليهودي» دون تعريف هذا الشعب اليهودي، و «إرتس يسرائيل» دون التحدث عن حدودها. وحيث إن لكل صهيوني تعريفه الخاص، فإن الاسم هنا يشير إلى مسميات مختلفة تختلف باختلاف من يستخدم الدالّ: توطينياً كان أم استيطانياً، علمانياً كان أم متديناً؟ وهذا الإبهام يعني أن الصهيوني يمكن أن يكون معتدلاً إن شاء (فيُصرح بأن الشعب اليهودي هو من هاجر بالفعل إلى إسرائيل) ، ويمكنه أن يكون متطرفاً إن ذكر عكس ذلك (الشعب اليهودي هو كل يهودي أينما كان) ، وحدود إرتس يسرائيل هي حدود 1948 أو 1967 أو من النيل إلى الفرات، والأمر متروك دائماً للاعتبارات البرجماتية. والشيء نفسه ينطبق على مصطلح «صهيوني» نفسه، فهو مصطلح مطلق يشير إلى كل من يرى نفسه كذلك بغض النظر عما يفعله بعد ذلك. فاليهودي، الذي يجعل الولايات المتحدة وطنه ويقود سيارته مكيفة الهواء ويدفع بضعة دولارات للمنظمة الصهيونية، يمكن أن يعتبر نفسه صهيونياً (إن كان ذلك يروق له) ، ومن ينتقل إلى الضفة الغربية ويحمل السلاح ضد أهلها هو صهيوني كذلك.

ويمكننا هنا الإشارة إلى الصورة المجازية العضوية الحلولية الكمونية المتواترة في الخطاب الصهيوني، فهي صورة مجازية تفترض أن الأرض والشعب متوحدان من خلال روح تحل فيهما هي مصدر التماسك العضوي بينهما. وهذه الروح تُسمَّى «الإله» في الخطاب الديني، وهي «روح الشعب» في الخطاب العلماني. وداخل هذا الإطار، يمكن أن يشير الدالّ الواحد (الروح) إلى مدلولين. وأثناء إعداد وثيقة إعلان الدولة الصهيونية التي يُقال لها «وثيقة إعلان استقلال إسرائيل» ، نشب خلاف بين الصهاينة الإثنيين الدينيين والصهاينة العلمانيين حول عبارة «واضعين ثقتنا في الإله» حيث أصر الدينيون على تضمينها في ديباجة الوثيقة. وقد حُلَّ الخلاف عن طريق تبنِّي عبارة «تسور يسرائيل» والتي تعني حرفياً «صخرة إسرائيل» ولكنها تعني أيضاً «الإله» . ومعنى هذا أن دالاًّ واحداً وهو «صخرة إسرائيل» يمكن أن يؤدي معنىً إلحادياً للعلمانيين ومعنى دينياً للمتدينين، فالصخرة قد تكون الإله وقد تكون روح الشعب وقد تكون أساساً مادياً متيناً لتأسيس الدولة الصهيونية.
7 ـ استخدام أسماء مختلفة تشير إلى مسمَّى واحد أو إلى مسميات مختلفة توجد رقعة عريضة مشتركة بينها:
يستخدم الصهاينة اصطلاحات كثيرة مثل «الصهيونية السياسية» و «الصهيونية التصحيحية» و «الصهيونية العمالية» و «الصهيونية الدينية» ... إلخ، وهي تيارات صهيونية عديدة يمكن اختزالها في نوعين اثنين: صهيونية استيطانية وصهيونية توطينية. كما يُشار إلى فلسطين المحتلة باعتبارها «اليشوف» أو «إرتس يسرائيل» أو «إسرائيل» .
والأسلوبان السابقان في التعامل مع الدوال مسألة تضرب بجذورها في طريقة استخدام المصطلحات في التراث الديني اليهودي حيث نجد أن كلمة مثل «التوراة» لها عدة مسميات.
8 ـ استخدام مصطلحات لكل منها معنيان؛ معنى معجمي مباشر ظاهر ومعنى آخر حضاري كامن:

يستخدم الصهاينة عبارات تبدو بريئة وساذجة إن عُرِّفت حسب مجالها الدلالي المعجمي المباشر وحسب، ولكن معناها الحقيقي يتضح إن عُرِّف مجالها الدلالي من خلال المعجم الحضاري، فتعبيرات مثل «القانون الدولي العام» أو «القانون العام» أو «قانون الأمم» تعني في المعجم اللفظي دلالاتها الحرفية، ولكنها في المعجم الحضاري الغربي في القرن التاسع عشر تعني «قانون الدول الغربية الاستعمارية» أو «القانون الاستعماري الدولي» . وينطبق الوضع نفسه على عبارة مثل «شركة ذات براءة» ، فمعناها الحرفي أنها "شركة" حصلت على براءة لا أكثر ولا أقل ولكنها في المعجم الحضاري والسياسي الغربي تعني «شركة استيطانية تشبه الدولة تقوم بنقل كتلة بشرية غربية وتوطِّنها منطقة في آسيا أو أفريقيا لاستغلالها اقتصادياً» . ولذا، فإن المعنى الحقيقي (الاستعماري) لكثير من الدوال الصهيونية تتم تخبئته بعناية وراء الكلمات البريئة. ويمكننا أن ندرج مصطلح «السلام» أو «عملية السلام» تحت هذا التصنيف، فكلمة «السلام» قد تُركت مبهمة عامة، وهي يمكن أن تعني: «السلام الدائم» ـ «السلام العادل» ـ «السلام المؤسس على العدل» ، ولكنها يمكن أن تعني أيضاً «السلام حسب الشروط الصهيونية/ الأمريكية» . وسلوك الإسرائيليين وحلفائهم الأمريكيين يدل على أن المعنى الأخير هو المعنى المقصود.
9 ـ استخدام دوال تعبِّر عن مدلولات هي دون الحد الأدنى الصهيوني المعلن ولكنها تشير إليه:

لعل أهم الأمثلة على هذا الدال الذي استُخدم في مؤتمر بازل للإشارة للدولة اليهودية، فالصيغة الصهيونية الأساسية تم تعديلها في مرحلة هرتزل وبلفور وأصبحت الصيغة الشاملة بحيث أصبحت الدولة (الوظيفية) جزءاً من هذه الصيغة وهي الإطار المفترض لعملية نَقْل اليهود وتوطينهم وتوظيفهم. وهذا ما عبَّر عنه شعار المؤتمر الصهيوني الأول (1897) : "تأسيس الدولة هو الحل الوحيد للمسألة اليهودية". وكان هرتزل قد دوَّن في مذكراته: "اليوم وضعت أساس دولة اليهود". ومع هذا، عند مناقشة القرارات، حاول المجتمعون أن يبتعدوا قدر الإمكان عن استخدام كلمة «دولة» في الإعلان النهائي كيلا يثيروا مخاوف السلطات العثمانية. كما أدرك واضعو البرنامج أن أكثرية اليهود لم تكن موافقة في ذلك الوقت على فكرة أمة يهودية ومن ثم كانت ترفض فكرة الدولة اليهودية. ولذا، فقد اقترح الزعيم الصهيوني ماكس نوردو كلمة «هايمشتات Heimstatte» ، وهي كلمة ألمانية مبهمة قد توحي بمعنى «الاستقلال» ولكنها لا تعني بالضرورة «دولة» . ويقول نوردو نفسه إنه استخدم طريقة المواربة أو الدوران حول المعنى واقترح الكلمة المذكورة (ومعناها: بيت ـ دار ـ ملاذ ـ مأوى ـ موطن ـ منزل) كمرادف لكلمة «دولة» ، ثم أضاف نوردو قائلاً: "ولكننا جميعاً فهمنا المقصود بها. وقد دلت آنذاك بالنسبة لنا على دولة يهودية كما هي الآن".

وكتب هرتزل في دي فيلت في 9 يوليه يقول: "الاحتمال الوحيد أمامي هو إنشاء «بيت» (ملجأ) بحماية «قانون الأمم» أو «قانون الشعوب» (فولكرشتليخ Volkerrechtlich) لهؤلاء اليهود الذين لا يمكنهم الحياة في مكان آخر". وحين وردت عبارة «قانون الأمم» أثناء المؤتمر، أثارت العبارة كثيراً من النقاش، فالبعض أخذ على هذه العبارة ما تتضمنه من الاعتراف بفكرة تَدخُّل الدول الغربية العظمى. ولذا، اقترح نوردو كلمة «رختليخ Rechtlich» ، أي «قانون» وحسب، فرُفض الاقتراح. وأخيراً، تم التوصل للصيغة المراوغة «أوفينتليخ ريختليخ Offentlich Rechtlich» أي «القانون العام» ، فهي أوسع من كلمة «قانون» التي قد يُفهَم منها قوانين بلدية أو مدنية ولكنها لا تحمل معنى السيادة القومية أو أي شكل منها.

ويرتبط هذا الجانب من الخطاب الصهيوني بمقدرة الصهاينة على قبول الدوال (أو الحلول) المعروضة عليهم حتى لو كانت دون الحد الأدنى الصهيوني مع تأكيد أن القبول أمر مرحلي مؤقت وأن المضمون الحقيقي للدال أو الحل يشير إلى الحد الأدنى الصهيوني الذي قد يكون من الخطر الإعلان عنه أو الإصرار عليه في مرحلة معيَّنة. وحينما أصدرت سلطات الانتداب عملة كانت هذه العملة تحمل كلمة «فلسطين» بالعربية وكلمة «بالستين Palestine» بالإنجليزية، ولكنها لم تحمل سوى حرفي إ. ي بالعبرية (وهما أول حرفين في عبارة «إرتس يسرائيل» ) ، فقد سُجل الحرفان تأكيداً لحقوق المستوطنين الصهاينة واكتُفي بهما دون العبارة كاملة حتى لا يتم استفزاز العرب. وقد قَبلت القيادة الصهيونية هذا الحل رغم اعتراض بعض "المتشددين") . وحينما عُرض على وايزمان قرار التقسيم (الذي أصدرته اللجنة الملكية عام 1937) فإنه لم يكن يشتمل على صحراء النقب، ولكنه قَبل القرار لأن النقب باقية في مكانها و"لن تجري" (وهو ما يعني إمكانية ضمها فيما بعد) . وقد تكرَّر الموقف نفسه من قبل حين أصر بعض الصهاينة على رفض الكتاب الأبيض الأول وعلى عدم القبول إلا بميثاق يهودي، فقال وايزمان انطلاقاً من مبدأ العمل بما هو واقع بدلاً من الإلحاح على الحد الأدنى الصهيوني: "الكتاب الأبيض أمر واقع، ولكن الميثاق ليس كذلك".
وهذه حيل لفظية للمراوغة عمل بها الاستعماريون الإنجليز من قبل، فحين صدر وعد بلفور الذي ينص على أن فلسطين وطن قومي للشعب اليهودي، قَبله الصهاينة كتسوية مرحلية مع الإبقاء على الحد الأدنى. وهي حيلة قَبلها لويد جورج رئيس الوزارة البريطانية إذ قال: "حين يأتي الوقت لمنح فلسطين مؤسسات نيابية ويصبح اليهود الأكثرية المطلقة في السكان، فإن فلسطين ستصبح كومنولث يهودياً".
10 ـ تَرْك فراغات كثيرة ومساحات خالية بين العناصر المختلفة، وعدم رَبْط المقدمات بالنتائج:

يعمد الخطاب الصهيوني إلى ترك فجوات واسعة بين العناصر المختلفة وبين المقدمات والنتائج، فيذكر النتائج دون المقدمات والمقدمات دون النتائج. وقد تُركت هذه المساحات خالية وجرى التزام الصمت حيال بعض النقاط عن عمد لأن ملأها والإفصاح عنها قد يكشف أهداف الصهاينة في مرحلة مبكرة قد لا يَحسُن الكشف عنها مرحلياً (وهذا تكتيك معروف في عالم السياسة. فبعد أن ضمت بروسيا الألزاس واللورين، كان شعار أهل هاتين المنطقتين من الفرنسيين هو: "لا تتحدث عنهما قط، ولا تكف عن التفكير فيهما قط") . وكما قال بن هالبرن (مؤرخ فكرة الدولة اليهودية) ، اتفق يهود اليديشية ويهود غرب أوربا على ضرورة الصمت بشأن فكرة السيادة اليهودية والطرق السياسية لتحقيقها. وكتب هرتزل في يومياته "يجب ألا يُكشَف كل شيء للجمهور، يجب كشف النتائج وحسب أو ما قد يحتاج المرء لكشفه في مناقشة ما"! وحذر آحاد هعام من الإفصاح العلني عن "آرائنا" بشأن مستقبل فلسطين، فلا يزال (حينذاك) يشكل خطراً ما دام مستقبل تركيا لم يتقرر بعد. وحينما نُوقشت قضية مصطلح «الدولة» في المؤتمر الصهيوني الأول، واستُخدم مصطلح «وطن قومي» ، طمأن هرتزل الجميع قائلاً: "لا داعي للقلق فسوف يقرؤه الناس «دولة يهودية» على أية حال" و"لا داعي لتوخي الدقة لأن الكل يعرف المطلوب في الممارسة، ولا يوجد أي مبرر لجعل مهمة اللجنة التنفيذية أكثر صعوبة مما هي عليه بالإصرار على الدقة". ومعنى قوله هو: كلنا نعرف القصد الصهيوني الصامت، ونعرف الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المهوَّدة، وقد قررنا الالتزام بهما ولكن لا داعي للإفصاح عنهما.

ولا يلتزم بعض "المتطرفين" أحياناً بعملية الصمت وعدم الإفصاح كما حدث مع جابوتنسكي إبان فترة الانتداب حين أصر على أن يُكتَب اسم «إرتس يسرائيل» كاملاً على العملة، وكان لا يكف عن المطالبة بأن يُعلَن صراحةً أن هدف الصهيونية هو إنشاء دولة يهودية على ضفتي الأردن. ولكن القيادة العمالية الحصيفة اكتفت بالحرفين الأولين E.I. فهما يشيران إلى الحد الأدنى الصهيوني.
وهناك حادثة طريفة تبين التصادم نفسه بين من يلتزمون الصمت ومن يحاولون كشفه. ففي إحدى الحملات الانتخابية في إسرائيل، أشار إسحق نافون إلى العرب باعتبارهم "إخوته" وهو يعني في واقع الأمر أنهم "أعداؤه"، وكل ما في الأمر أنه يحاول خداعهم حتى يحصل على أصواتهم الانتخابية. وحين اعترض بعض السامعين من الإسرائيليين على إشارته الأخوية للعرب صاح نافون: "أنتم عباقرة! أنتم دبلوماسيون! ألا تفهمون؟ إنها مسألة رياضية بسيطة، إن هدف البرنامج العمالي الصهيوني هو الحصول على أكبر قدر ممكن من الأرض وأقل عدد ممكن من العرب". وهكذا، فلابد من التخلص من العربي، هذا ما يقوله البرنامج العمالي دون إفصاح، أما حكاية الأخوة هذه فهي دعاية انتخابية.
11 ـ التأرجح المستمر والمتعمد بين أعلى مستويات التعميم والتجريد وأدنى مستويات التخصيص:

يحاول الصهاينة أن يتحركوا من أعلى مستويات التعميم والتجريد إلى أدنى مستويات التخصيص حسبما تمليه عليهم الاعتبارات البرجماتية. فحين يكون الحديث موجهاً إلى اليهود وإلى الرأي العام في الغرب، فإنه يكون عن أرض الميعاد المقدَّسة وحق اليهود الأزلي فيها والوعد الإلهي الذي ورد في العهد القديم. وهناك الحديث عن النفي إلى بابل والعودة منها كنمط أزلي متكرر وعما لحق باليهود من اضطهاد ... إلخ. ولكن، إلى جانب ذلك، هناك الحديث الموجه إلى العرب عن ضرورة تناسي الماضي ومحو الذاكرة والتركيز على الحاضر وعلى التفاوض وجهاً لوجه ودراسة التفاصيل المباشرة والإجراءات والعائد الاقتصادي. وبدلاً من الحديث عن صهيون، يكون الحديث عن سنغافورة كمثل أعلى يُحتذى، وبدلاً من الحديث عن رؤى الأنبياء يكون عن مشاريع الاستثمار، وبدلاً من الحديث عن البلاد والأوطان يكون الحديث عن الفنادق والكازينوهات، وبدلاً من ارتداء ثياب المعارك يكون التركيز على آخر الموضات والمايوهات.
وبطبيعة الحال، يمكن استخدام الخطاب النفعي الإجرائي حين يتوجه الصهاينة إلى الحكومات الغربية طلباً للمعونات إذ يسقط الحديث عن صهيون والأراضي المقدَّسة بطبيعة الحال، ويكون الحديث عن العائد الإستراتيجي العسكري والاقتصادي للدولة الصهيونية الوظيفية المملوكية. ويظهر هذا التأرجح بين أعلى درجات التعميم وأقصى درجات التخصيص في الطريقة التي يُنفَّذ بها شعار "الأرض مقابل السلام"، فرغم أن الأرض أمر محدد إلا أنها تدريجياً تحوَّلت إلى مفهوم شديد العمومية، على عكس السلام، الذي تحوَّل من كونه مفهوماً عاماً إلى مجموعة محددة من الإجراءات الاقتصادية والأمنية المادية الصارمة.
12 ـ أيقنة بعض الدوال والعبارات:

من الحيل الصهيونية الأساسية ما نسميه «أيقنة» المصطلح أو العبارة، أي تحويل المصطلح إلى ما يشبه الأيقونة، بحيث يصبح المصطلح مرجعية ذاته وتُختزل الحقيقة المركبة إلى مثل هذه الأيقونة، التي لا تقبل المناقشة أو المراجعة أو الدراسة أو التساؤل. وهذا ما حدث بعض الوقت لعبارة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" ولعبارة "المفاوضات وجهاً لوجه". وفي الوقت الحاضر، ظهرت مصطلحات مثل» عملية السلام» و «السلام مقابل الأرض. «
ولعل من أهم العبارات المتأيقنة عبارة "ستة ملايين يهودي" التي يُفترض أنها تشير إلى عدد ضحايا الإبادة النازية من اليهود، وأصبح مجرد التساؤل عن مدى دقة هذا العدد شكلاً من أشكال الكفر يُسمَّى» إنكار الإبادة. «
13 ـ إشاعة بعض الصور التي تختزل الواقع:
وترتبط بالأيقنة محاولة إشاعة بعض الصور المجازية التي تختزل الواقع وتترجمه إلى أطروحة صهيونية. فرغم أن إسرائيل من أكثر الدول تسلُّحاً وشراسة وقوة عسكرية، إلا أن الصورة التي تُشاع يجب أن تكون صورة إسرائيل صاحبة الحق المسالمة التي تدافع عن نفسها. وقد تمت ترجمة هذا كله إلى صورة داود وجالوت المجازية، بحيث أصبحت إسرائيل داود الصغير الذي لا يوجد معه سوى مقلاع ضد جالوت المدجج بالسلاح والذي يُهاجم داود الصغير بشراسة (ومن الطريف أن الانتفاضة قلبت الأمور رأساً على عقب، إذ أن الفلسطينيين كانوا هم المسلحون بالمقاليع، أما الإسرائيليون فكانوا هم جالوت المدجج بالسلاح) .
ومن الصور الأخرى التي تمت إشاعتها صورة إسرائيل باعتبارها واحة الديموقراطية الغربية (الأمر الذي يتطلب إخفاء كل ما تقوم به من عمليات قمع وإرهاب) ونموذجاً للإنتاجية والكفاءة (الأمر الذي يتطلب إخفاء المساعدات الغربية التي تصب في هذا المجتمع) .
14ـ تغيير الاعتذاريات وتنويعها حسب تنوُّع الجمهور المُستهدَف: انظر المدخل التالي.
الاعتذاريات الصهيونية العنصرية ونظرية الحقوق اليهودية المطلقة

‏Racist Zionist Apologetics and the Theory of Absolute Jewish Rights
» الاعتذاريات» من «عَذَر» بمعنى «رفع عنه اللوم» ، و «العُذر» هو «الحجة التي يُعتذَر بها» ويُقال «اعتذر المذنب» أو «اعتذر عن الشيء» بمعنى «أبدى عذره» و «احتج لنفسه» . و «الاعتذاريات» هي الحجج التي يسوقها المرء ليرفع اللوم عن نفسه. والاعتذاريات تستند إلى رؤية للذات (الفاعلة) ورؤية الآخر (المفعول به) . وفي حالة الاعتذاريات الاستعمارية، نجد أنها في جوهرها نظرية للحقوق يحاول الكيان الغازي أن يبرر عن طريقها عدوانيته وأن يضفي شيئاً من المعنى على فعلته.
وتنطلق الاعتذاريات الصهيونية من الافتراض المحوري في الفكر القومي العضوي والعنصري الغربي الذي يذهب إلى أن أعضاء الحضارة (الغربية) الغازية أكثر تفوقاً من الناحيتين الحضارية والعرْقية من أعضاء الحضارات (الشرقية) المغزوة، وأن تخلُّف هذه الحضارات الشرقية أمر وراثي حتمي، ومن ثم تكون الغزوة الإمبريالية مسألة منطقية وحتمية بل يحتمها منطق التقدم!
وقد تم الغزو الصهيوني لفلسطين مثلما تم أي استعمار استيطاني إحلالي آخر، أي عن طريق العنف واغتصاب الأرض من أصحابها. لكن المادة البشرية الغازية في حالة فلسطين كانت متنوعة غير متجانسة وكان لها انتماءات حضارية ودينية وثقافية وسياسية مختلفة، كما أن الصهيونية كان عليها أن تبيع صورتها للاستعمار الغربي وللدول الاشتراكية وليهود العالم، ومن ثم تنوعت الاعتذاريات والتبريرات التي يستند إليها الغزو الصهيوني بشكل يفوق الاعتذاريات الاستعمارية المألوفة، لكن هناك عناصر كثيرة مشتركة:
1 ـ عبء اليهودي الأبيض:

من أهم الاعتذاريات الصهيونية، تلك الاعتذاريات الاستعمارية العامة، أي التي لا تَصدُر عن منطق أو تسويغ صهيوني أو يهودي خاص، وإنما تَصدُر عن منطق استعماري عام. ومن المعروف أن الجيوب الاستيطانية البيضاء قامت بتقديم اعتذاريات مفصَّلة لتسويغ وجودها الشاذ في كل من آسيا وأفريقيا. وفي بعض الأحيان، نجد أن الاعتذاريات الصهيونية من النوع التقليدي المألوف الذي يدافع عن نقاء الرجل الأبيض وتفوُّقه. فالإنسان الأبيض في هذه المنظومة هو مثل اللوجوس المتجسد أو موضع الحلول ومركز الإطلاق والركيزة النهائية للكون والتاريخ والذي يدور حوله ويكتسب معنى من وجوده في مركزه. ولهذا، فإن حقوق هذا الإنسان مطلقة وتجبُّ حقوق الآخرين.
وقد وصف اللورد بلفور عملية الاستعمار الاستيطاني بأنها تعبير عن حقوق وامتيازات الأجناس الأوربية، واعتبر عدم المساواة بين الأجناس حقيقة تاريخية واضحة. أما ريتشارد كروسمان، فكان يرى أن الاستعمار الاستيطاني الأوربي يَصدُر عن الإيمان بأن الرجل الأبيض سيقوم بجلب الحضارة إلى السكان الأقل تحضراً في آسيا وأفريقيا، وذلك عن طريق احتلال القارتين فعلياً، حتى لو أدَّى ذلك إلى إبادة السكان الأصليين (ولا شك في أنها طريقة غريبة ومدهشة أن تدخل الحضارة إلى شعب عن طريق إبادته) . أما ماكس نوردو، فقد اقترح (حتى قبل تبنيه الرؤية الصهيونية وتمشياً مع نظرته العنصرية الاستعمارية) توطين العمال الأوربيين العاطلين ليحلوا محل الأجناس الدنيا التي لا تستطيع البقاء خلال معركة التطور.

وقد قدَّم الزعيم والمفكر النازي ألفريد روزنبرج حجة مماثلة لإثبات براءته خلال محاكمته في نورمبرج، مؤكداً للقضاة العلاقة العضوية بين العنصرية والاستعمار، إذ أشار إلى أنه عثر على لفظ «سوبرمان» لأول مرة في كتاب عن حياة اللورد كتشنر، الرجل الذي قهر العالم. وبيَّن روزنبرج أيضاً أنه صادف عبارة «العنصر السيد» أو «العنصر المتفوق» في مؤلفات عالم الأجناس الأمريكي ماديسون جرانت والعالم الفرنسي لابوج، ثم أشار أخيراً إلى أن هذا الضرب من التفكير الأنثروبولوجي ليس سوى اكتشاف بيولوجي جاء في ختام أبحاث دامت 400 عام وأن النظرية العنصرية، ونظريات التفوق العرْقي، جزء من فكر الحضارة الغربية العلمانية الحديثة. والمشروع الصهيوني جزء من المشروع الاستعماري الغربي، والصيغة الصهيونية الأساسية صيغة غربية غير يهودية. وليس غريباً أن نجد الصهاينة يؤكدون انتماءهم إلى الجنس الأبيض، صاحب الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية والمشروع الاستعماري المنتصر، حتى يتمكنوا من المشاركة في المزايا والحقوق التي منحها الرجل الأبيض لنفسه، وحتى يساهموا في حَمْل عبئه الحضاري الثقيل. فنجد أن عالم الاجتماع الصهيوني آرثر روبين (1876 ـ 1943) يؤيد في دراسته يهود اليوم النظرية التي تؤكد الشبه الجسماني بين الجنس اليهودي وأجناس آسيا الصغرى ولا سيما الأرمن، إذ أنه يفضل (على حد قوله) أن يرى اليهود أعضاء في الجنس الأبيض، ويرحب بأية محاولات نظرية ترمي إلى توجيه الضربات للنظرية السامية التي تَنسب اليهود للعرْق السامي أو الحضارة السامية. ويرى أن الاختلاف العنصري بين اليهود والأوربيين ليس كبيراً إلى درجة تؤدي إلى التشاؤم من ثمار الزواج المُختلَط بين أعضاء الجنسين.

وثمة اتجاه في التفكير الصهيوني يَقصُر لفظ «يهودي» على اليهود البيض وحدهم، أي الإشكناز. وقد أفصح روبين عن هذه الفكرة بصراحة بالغة في كتابه آنف الذكر، حيث يناقش أثر الحركة الصهيونية في وعي كثير من اليهود الغربيين، وكيف أن محاولات الاستيطان الصهيونية كانت تستهدف أساساً تجنيد اليهود الأوربيين، لا اليهود الشرقيين، رغم أن تجنيد وتوطين اليهود الشرقيين (من اليمن والمغرب وحلب [سوريا] والقوقاز) في المستعمرات الزراعية كان أكثر سهولة ويسراً.
وقد ذكَّر روبين قارئه بأن الإشكناز، بسبب طبيعة حياتهم في أوربا، وبسبب الاضطهاد الذي تعرَّضوا له، اجتازوا عملية طويلة من الاختيار وصراعاً مريراً من أجل البقاء، وهو صراع لا يستطيع البقاء فيه سوى الأكثر ذكاء والأكثر قوة. ولذلك تمت المحافظة على المواهب العنصرية الطبيعية العظيمة التي يتمتع بها اليهود، بل جرت تقويتها. وقد ساهمت عوامل أخرى أيضاً في تصفية غير الموهوبين، وفي الإبقاء على الأكثر موهبة، الأمر الذي شكَّل ضماناً أكيداً للتقدم الفكري للإشكناز وتفوُّقهم في النشاط والذكاء وفي المقدرة العلمية على السفارد وعلى اليهود العرب.
لكل ما تقدَّم، يرى روبين أن الحقوق التي يدَّعيها الرجل الأبيض لنفسه لا تنطبق على السفارد، وإنما تنطبق على الإشكناز وحدهم (فهم وحدهم القادرون على حمل عبء الرجل الأبيض، وعلى اغتصاب آسيا وأفريقيا) .

وهذه الرؤية للمستعمر الصهيوني، بوصفه رجلاً أبيض، موضوع أساسي كامن في الاعتذاريات الصهيونية. فتيودور هرتزل كان يؤمن تمام الإيمان بتفوق الرجل الأبيض، وكان يدرك تمام الإدراك ضرورة التنسيق بين الخطة الصهيونية الاستعمارية والمشروعات الاستعمارية المماثلة حتى لا تتعارض الحقوق المختلفة للبيض. ولذلك، فقد قرر الزعيم الصهيوني، قبل أن يجتمع بتشامبرلين، أن من الضروري قبل مناقشة الخطة الصهيونية، أن يبين لوزير المستعمرات البريطاني أن هناك بقعة ما في الممتلكات الإنجليزية ليس فيها حتى الآن أناس بيض. وقد بيَّن الروائي الإنجليزي والمفكر الصهيوني إسرائيل زانجويل في خطابه أمام المؤتمر الصهيوني السادس (1903) أن الاستيطان الصهيوني في شرق أفريقيا سيكون وسيلة لمضاعفة عدد السكان البيض التابعين لبريطانيا هناك. ولكن يبدو أن المستوطنين البيض هناك (وهم موضع الحلول) لم يقبلوا تعريف اليهودي بأنه رجل أبيض فعارضوا الاستيطان.
وقد حاول الصهاينة تسويغ الاستعمار الصهيوني بالرجوع إلى فكرة التفوق الحضاري الغربي. وانطلاقاً من هذا التصور، تَحدَّث هرتزل عن الإمبريالية بوصفها نشاطاً نبيلاً، يهدف إلى جَلْب الحضارة للأجناس الأخرى التي تعيش في ظلام البدائية والجهل. وقد كان هرتزل ينظر إلى مشروعه الصهيوني من خلال ذلك المنظور الغربي حين كتب رسالة إلى دوق بادن يؤكد له فيها أن اليهود، عندما يعودون إلى وطنهم التاريخي، سيفعلون ذلك بصفتهم ممثلين للحضارة الغربية، وأنهم سيجلبون معهم النظافة والنظام والعادات الغربية الراسخة إلى هذا الركن الموبوء البالي من الشرق، وأن الصهاينة سيقومون (بصفتهم من المؤيدين المتحمسين للتقدم الغربي) بمد السكك الحديدية في آسيا التي تُعَدُّ الطريق البري للشعوب المتحضرة.

والاعتذاريات التي تنطلق من مقولة عبء الرجل الأبيض موجَّهة بالدرجة الأولى للدول الإمبريالية ولشعوبها. وفي هذا الإطار طرحت إسرائيل نفسها باعتبارها دولة وظيفية غربية (بيضاء) نظيفة متقدمة، قاعدة للديموقراطية الغربية تحمي المصالح الإستراتيجية الغربية وتقف بحزم وصرامة ضد القومية العربية (في عصر النظام العالمي القديم) وضد الحركات الإسلامية (في عصر النظام العالمي الجديد) .
ويؤكد الكثير من تصريحات الصهاينة أنهم لا يعتبرون أنفسهم كياناً عنصرياً منفصلاً فحسب، بل يعتبرون أنفسهم أعضاء في الجنس الأبيض. وفي عام 1917، كتب الزعيم الصهيوني بن جوريون مقالاً تحت عنوان "في يهودا والجليل" وصف فيه المستوطنين الصهاينة في فلسطين لا بوصفهم عاملين في هذه الأرض فحسب، بل على أنهم غزاة لها، "لقد كنا جماعة من الفاتحين". وفي مقال آخر بعنوان: "الحصول على وطن قومي" كتبه عام 1915، قارن بن جوريون بين الاستيطان الصهيوني والاستيطان الأمريكي في العالم الجديد، مستحضراً صورة المعارك العنيفة التي خاضها المستوطنون الأمريكيون ضد الطبيعة الوحشية، وضد الهنود الحمر الأكثر وحشية. ومما له مغزاه أنه ساوى بين الطبيعة وبين الهنود، بل وضعهم في مرتبة أدنى إذ هم أكثر وحشية منها. والواقع أن هذه الواحدية الكونية تؤدي إلى تجريد الإنسان وتحويله إلى مجرد جزء من دورات الطبيعة، الأمر الذي يجعل إبادته أو نَقْله أمراً مقبولاً بل مرغوباً فيه، أما وايزمان فقد فضَّل في كتابه المحاولة والخطأ أن يقارن بين المستوطنين الصهاينة من جهة والمستوطنين الفرنسيين في تونس والمستوطنين البريطانيين في كندا وأستراليا من جهة أخرى، كما أظهر أيضاً تعاطفاً ملحوظاً إزاء المستوطنين في جنوب أفريقيا.

ويتبدَّى الاتجاه العنصري، الذي يسوِّغ الاستعمار والعنف والإبادة باسم التقدم، في مذكرة بعث بها وايزمان إلى الرئيس ترومان (في 27 نوفمبر 1947) يشرح له فيها أن المجتمع الصهيوني في فلسطين يضم أساساً فلاحين متعلمين وطبقة صناعية ماهرة تعيش على مستوى عال، ثم يقارن بين هذه الصورة المشرقة والصورة الكئيبة للمجتمعات الأمية الفقيرة في فلسطين.
وإذا نظرنا إلى الجانب الآخر لأسطورة عبء اليهودي الأبيض، وهو التفوق التكنولوجي للصهاينة (وليس العرْقي) ، الذي سيجعلهم رسلاً للتقدم يقومون بتطوير المجتمع ودَفْعه من المرحلة الدنيا التقليدية إلى المرحلة العليا الحديثة، فإننا نجد أن كتابات الصهاينة تزخر بها. وقد اقتبسنا بعضاً من كتابات بن جوريون (الصهيوني الاشتراكي) وغيره، في دفاعهم عن الاستعمار الصهيوني، باعتبارهم ممثلين للحضارة الغربية. ولا شك في أن المستوطنين الصهاينة كانوا عارفين بالتكنولوجيا وبوسائل التنظيم والقيم السياسية المعاصرة، كما كانوا جماعة معاصرة فعلاً، وقد نقلوا قيمهم ومؤسساتهم المعاصرة إلى الوطن الجديد، فنظموا النقابات العمالية والأحزاب السياسية، وأجروا الانتخابات على أساس صوت واحد لكل ناخب. بل إنهم مارسوا أحياناً أشكالاً من الاشتراكية، من حيث عدالة توزيع الدخل أو الإيمان بأهمية العمل اليدوي ومساواته بالعمل الفكري. ولكن كل هذه الأشكال المعاصرة من التنظيم، وهذه القيم الديموقراطية والاشتراكية، ظلت مقصورة على الصهاينة وحدهم، تُطبَّق على مجتمعهم الصغير (الميكرو) وليس على المجتمع كله. ولم يحاول الصهاينة تحديث المجتمع بأكمله بل على العكس حاولوا أن يوقفوا تطوُّره (وهذا الدور يقف على الطرف النقيض من الدور الذي تلعبه النخبة المعاصرة ذات الأصول القومية) .

وقد بذل المستوطنون جهدهم في إبقاء السكان الأصليين في مستوى حضاري متخلف، ومنعهم من تنظيم أنفسهم داخل أُطر معاصرة (نقابات عمال، أحزاب سياسية) ، وفضلوا التعامل معهم داخل أطر المجتمع التقليدي وتنظيماته. ولذا، فقد فضلوا التعامل مع كبار الملاك وزعماء العشائر. وقد رفض الهستدروت (اتحاد العمال المستوطنين الصهاينة) السماح للعمال العرب بالانتظام في صفوفه إلا في تاريخ قريب. كما أن الدولة الصهيونية (العصرية الديموقراطية) ترفض الاعتراف بحق تقرير المصير للسكان الأصليين أو حقهم في المشاركة في النظام السياسي الصهيوني الجديد عن طريق تكوين الأحزاب والاشتراك في الانتخابات، وترفض أيضاً تشكيل دولة تضم كلاًّ من العنصر السكاني الدخيل والعنصر الأصلي على قدم المساواة.
وإلى جانب هذا، هناك الحقيقة الأساسية، وهي أن جماعة المستوطنين الغزاة تسرق من السكان الأصليين أرضهم، أي تسرق منهم الأساس المادي لأي تَقدُّم، وتهدم نمط حياتهم (الإطار الاجتماعي الذي تتحقق من خلاله ذواتهم التاريخية) . ولذا، تتغيَّر الأولويات، ويصبح واجب المواطن الأصلي (الجزائري أو الفلسطيني) هو البقاء وليس التقدم. ولعل هذا هو الذي يُفسِّر سرّ رفض موسى العلمي لكلمات بن جوريون الحلوة العذبة حين تقابلا عام 1936 في منزل موشي شاريت. فطبقاً لما جاء على لسان بن جوريون بدأ الحديث بترديد النغمة (القديمة) التي أعدها عن المستنقعات التي يجري تجفيفها، والصحارى التي تزدهر بالخضرة، والرخاء الذي سيعم الجميع. ولكن العربي قاطعه قائلاً: "اسمع! اسمع يا خواجه بن جوريون، إنني أفضل أن تظل الأرض هنا جرداء مقفرة مائة عام أخرى، أو ألف عام آخر، إلى أن نستطيع نحن استصلاحها ونأتي لها بالخلاص". ولم يسع بن جوريون إلا أن يعلق (فيما بعد) بأن العربي كان يقول الحقيقة، وأن كلماته هو بدت مضحكة وجوفاء.
2 ـ عبء اليهودي الخالص:

رغم شيوع أسطورة اليهودي الأبيض وحقه في استعمار فلسطين، فإن هذه الأسطورة لا تحتل مركز الصدارة وحدها في الخطاب الصهيوني، ذلك أن الاعتذاريات الصهيونية، وبخاصة حينما تتوجه إلى يهود العالم، تستند بصفة جوهرية إلى فكرة اليهودي الخالص. واليهودي الخالص غير مرتبط بأي جنس أو حضارة، شرقية كانت أو غربية (فهو يهودي مائة في المائة، على حد قول بن جوريون) ، إذ أن اليهود بحسب هذا التصور يشكلون جنساً مستقلاً أو أمة مستقلة، وليسوا مجرد سلالة من سلالات الجنس الأبيض أو الحضارة الغربية. واليهودي، وليس الجنس الأبيض، هو نقطة الحلول والركيزة الأساسية للتاريخ والكون، أي أن مفهوم اليهودي الخالص عودة إلى الحلولية العضوية اليهودية المنفصلة تمام الانفصال عن الأغيار. وفي الواقع، فإن اليهودي الخالص ظهر في إطار محاولة تهويد الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، حين أسقطت الصهيونية الإثنية مصطلحات الصهيونية الحلولية اليهودية عليها.
كما أن فكرة اليهودي الخالص، مثلها مثل فكرة الرجل الأبيض المتفوق، تمنح اليهود حقوقاً معينة مقدَّسة وخالدة لا تتأثر بأية اعتبارات أو مطالب تاريخية، ولا يمكن حتى للفلسطينيين أنفسهم أن يكون لهم حقوق أقوى أو حتى مماثلة لحقوق اليهود في فلسطين. ويتضح هذا التصور في كلمات الحاخام جـ. ل. هاكوهين فيشمان ميمون، أول وزير للشئون الدينية في إسرائيل، حيث أكد أن الصلة بين الشعب اليهودي وأرضه مقدَّسة أو هي سر من الأسرار الدينية، وهذا ما يبيِّن أنه يدور في إطار حلولي عضوي. وقد يكون للآخرين، على أحسن الفروض، صلة ما بهذه الأرض (سياسية علمانية خارجية عرضية مؤقتة) في حين أن لليهود، حتى وهم في حالة الشتات، صلة مباشرة بها (صلة سماوية وأبدية، فهي صلة حلولية عضوية) .

وفي مجال الدفاع عن هذه الأسطورة، نصح مناحم بيجين بعض المستوطنين الصهاينة عام 1969 بأن يصروا على أن فلسطين هي أرض إسرائيل "فلو كانت هذه الأرض هي حقاً فلسطين وليست أرض إسرائيل، إذن فأنتم فاتحون ولستم مزارعين يفلحون الأرض، أنتم إذن غزاة. وإذا كانت هذه الأرض هي فلسطين فهي إذن تنتمي إلى الشعب الذي عاش هنا قبل أن تأتوا إليها.. لن يكون لكم حق العيش فيها إلا إذا كانت أرض إسرائيل".
وإذا أصبحت فلسطين الأرض المقدَّسة أو أرض يسرائيل تصبح حقوق اليهود الخالدة سارية المفعول فيها، فيصبح بالإمكان الادعاء بأن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض لأنها دخلت الدائرة الحلولية التي تستبعد الآخر. لقد كان الصهاينة يدركون أن الفلسطينيين يعيشون في فلسطين، وأن اليهود المشردين يعيشون في الأراضي التي وُلدوا فيها. ولكن الرابطة الأبدية بين الأرض والشعب اليهودي هي التي تجعل اليهود مجرد مشردين وشعباً رُحلاًّ بلا جذور، رغم وجودهم في أوطانهم في كل أنحاء العالم. وهذه الرابطة هي التي تنكر وجود الفلسطينيين وتجعل مطالبهم القومية مسألة هامشية. ولهذا، فإن شعار "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" لابد أن تتم إعادة صياغته على النحو الحلولي التالي: "أرض مقدَّسة بلا شعب مقدَّس لشعب مقدَّس بلا أرض مقدَّسة". وفي هذه القداسة يذوب الفلسطينيون (شعب غير مقدَّس لا يتمتع بالحلول الإلهي) ، وتصبح مطالبهم أمراً هامشياً وتافهاً، وقد تحقَّق كل ذلك دون اللجوء إلى أية نظريات عرْقية فاضحة.

إن أسطورة الحقوق الأبدية لليهودي الخالص في أرض فلسطين، التي تفترض هامشية السكان الأصليين، هي شكل من أشكال الاعتذاريات يتسم بدرجة عالية من الغموض واللاأخلاقية تفوق غموض ولا أخلاقية الاعتذاريات العنصرية التقليدية التي تنسب التفوق الحضاري والعرْقي للمستغل وتنسب التدني الحضاري العرْقي للمستغَل؛ فالأساطير التقليدية، في نهاية الأمر، تعترف بوجود الآخر، أما الأسطورة الصهيونية الخاصة بالحقوق اليهودية فهي ترفض الاعتراف بوجوده. وفي إطار الحلولية العضوية، تصبح فلسطين (الأرض المقدَّسة) بلداً بلا سكان، لأن امتلاك فلسطين ليس من حق السكان الأصليين. وليس بإمكان البشر، يهوداً كانوا أم عرباً أن يتساءلوا عن معنى هذا القرار، لأن محور مشكلة فلسطين، وفقاً لما قاله بن جوريون، يتلخص في حق اليهود المشتتين في العودة (فاليهود هم موضع الحلول الإلهي، وهم اللوجوس المتجسد في التاريخ) ، وهو حق مطلق قائم منذ بداية التاريخ حتى نهايته. وكما قال وايزمان "إن أساس وجودنا كله هو حقنا في إقامة وطن قومي فوق أرض إسرائيل [فلسطين] وهو حق نملكه منذ آلاف السنين، ومصدره وعد الرب لإبراهيم، وقد حملناه معنا في أنحاء العالم كله طوال حياة حافلة بالتقلبات". وقد وصلت نظرية الحقوق هذه إلى ذروتها فيما نسميه «الصهيونية الحلولية العضوية» ، صهيونية جوش إيمونيم وكاهانا حيث يصبح اليهودي الخالص هو اليهودي المطلق.

والجدير بالذكر أن النطاق الإقليمي المحدود للأسطورة الصهيونية قد جعل كثيراً من الناس، ولا سيما في الغرب، يعتقدون أن الصهيونية ليست عنصرية. وهم على حق في هذا من بعض النواحي، فالنازية على سبيل المثال لم تكن عنصرية إزاء اليابانيين مثلاً. وكذلك الصهيونية في العالم الغربي، فهي ليست سوى أيديولوجيا سياسية وضعها اليهود من أجل اليهود، تخصهم وحدهم ولا تتضمن أي تمييز ضد أي شخص في الولايات المتحدة أو إنجلترا. بل لقد دافع بعض الغربيين عن الدور الإيجابي البنَّاء الذي تلعبه الصهيونية بين الأمريكيين اليهود، حيث تزوِّدهم بالشعور بالترابط والانتماء. وقد تكون هذه النظرة سليمة في حدود هذه الجزئية. ولكن الصهيونية حين نُقلت من أوربا وأمريكا إلى آسيا (مسرحها الحقيقي) ، فإن الأمر أصبح جد مختلف، وأفصحت الصهيونية عن وجهها العنصري القبيح وأخذت تمارس أثرها الهدام على المجتمع الفلسطيني. والواقع أن التناقض هنا ليس تناقضاً بين النظرية والممارسة، ولكنه تناقض بين نظرية ونوعين من أنواع الممارسة، أحدهما عرضي مؤقت (في الغرب) والآخر ضروري وجوهري (في آسيا) . وفي تصوُّري أن الحكم على الصهيونية لا يمكن أن يتم في لندن أو باريس، وإنما ينبغي أن يتم الحكم عليها في مجال فعاليتها الأساسية، في حيفا ويافا والضفة الغربية ومئات القرى التي هُدمت. ولو أننا حكمنا على النازية في طوكيو مثلاً لوجدناها أيضاً مجرد أيديولوجيا قومية تدافع عن حقوق وأمجاد الشعب الألماني.

ومما يدعو للسخرية أن بعض المتحدثين بلسان حكومة التمييز العنصري بجنوب أفريقيا، والذين لا يهتمون بالتجربة الصهيونية العرضية في الغرب، قد وضعوا تقييماً واقعياً للتجربة الصهيونية في آسيا. فقد عنَّف فيروورد، رئيس وزراء جنوب أفريقيا السابق، بعض الصهاينة الذين أرادوا المقارنة بين سياسة النمو المنفصل التي تنتهجها إسرائيل على أساس من الدين (أو اليهودية الخالصة) والسياسة المماثلة التي تنتهجها حكومة جنوب أفريقيا على أساس عنصري، فقال: "إذا كان التمييز خاطئاً في الحالة الثانية، فهو لا شك خاطئ أيضاً في الحالة الأولى". والواقع أن الاعتذاريات، مهما بلغت من تركيب ودهاء، فإنها لا تغيِّر حقيقة التمييز العنصري في شيء. كما أن الحقوق المقدَّسة التي تَجُّب حقوق الآخرين، سواء استندت إلى أساس عنصري أو إلى أساس إلهي أو إثني، فإنها في نهاية الأمر تعد على حقوق الغير وإلغاء لوجوده.

وتعبِّر فكرة اليهودي الخالص عن نفسها في فكرة الدولة اليهودية الخالصة الخالية من أية عناصر غير يهودية وفي التركيز المستمر على قضية اضطهاد اليهود في كل زمان ومكان. وقد حاول وايزمان أن يبلور هذه الفكرة من خلال صورة مجازية إذ قارن بين "اليهودي الخالص" والحيوانات التي تحيا حياة سعيدة في حديقة الحيوان (في جنوب أفريقيا) : "ها هي ذي في موطنها، الذي تقل مساحته قليلاً عن مساحة فلسطين، تنعم بالحرية، وتقدِّم لها الطبيعة هباتها بسخاء، ولا تواجهها مشكلة العرب". وحتى لا يترك أي مجال للشك لدى قارئه، يعمم القضية على كل اليهود: "لا شك أنه أمر رائع أن يكون المرء حيواناً في حديقة الحيوانات بجنوب أفريقيا. فذلك أفضل له كثيراً من أن يكون يهودياً في وارسو أو حتى في لندن". والصورة المجازية التي يستخدمها وايزمان تدل على غبائه الشديد، ولكنها مع هذا ذات دلالة، فالحيوان في حديقة الحيوان يشبه اليهودي الخالص في دولته اليهودية، وهذا ما يفتقده اليهودي في فلسطين ووارسو ولندن!
كما أن التركيز على قضية البقاء اليهودي المهدد دائماً إما من خلال الإبادة المباشرة (الهولوكوست ـ أفران الغاز) أو من خلال الاندماج وفقدان الهوية هو تعبير عن مفهوم اليهودي الخالص. وينبع النقد الصهيوني للشخصية اليهودية في المنفى (باعتبارها شخصية جيتوية هامشية طفيلية) من مفهوم اليهودي الخالص هذا.
3 ـ عبء اليهودي الاشتراكي:

وإذا كانت الاعتذاريات التي تستند إلى فكرة اليهودي الخالص فريدة مقصورة على الصهاينة، فإن الاعتذاريات التي تستند إلى فكرة اليهودي الاشتراكي وحقوقه في فلسطين قد تكون أكثر تَفرُّداً وطرافة. وكما أشرنا من قبل، انضم كثير من الشباب اليهودي إلى صفوف الحركات الثورية، وقد سبَّب هذا حرجاً شديداً لليهود المندمجين. وقد باعت الصهيونية نفسها باعتبار أنها الحركة التي ستحوِّل الشباب اليهودي عن طريق الثورة. والواقع أن أسطورة الاستيطان العمالية برزت لتحقيق ذلك الهدف. تقوم هذه الأسطورة بتسويغ الاستيطان الصهيوني لا باسم التفوق العنصري أو التقدُّم الحضاري الأزلي أو الحقوق المقدَّسة الأزلية بل على أسس اشتراكية علمية (والاشتراكية في هذه المنظومة هي موضع الحلول، وهي أيضاً اللوجوس المتجسد في التاريخ) . ومن ثم، فإن الحقوق اليهودية تستند ـ حسب هذه الأسطورة ـ إلى المثل الاشتراكية العليا (ومنها نُبل العمل اليهودي) . ولم يكن هذا المنطق مقصوراً على الصهاينة وحده، فثمة اتجاه داخل الحركة الاشتراكية الغربية يُطلَق عليه اصطلاح «الاشتراكية الإمبريالية» ، وتضم أولئك الاشتراكيين الذين وجدوا أن من المحتم عليهم (باسم التقدم والأممية) تأييد الإمبريالية الغربية لأنها تعبير عن الرأسمالية الغربية (أعلى مراحل التطور الاجتماعي والاقتصادي الذي بلغه الإنسان) . كما أنهم كانوا يرون أن الإمبريالية، بغزوها آسيا وأفريقيا، ستقضي على كل المجتمعات التقليدية فيها، كما ستقضي أيضاً على التخلف وتجلب الصناعة والتقدم لها. ومن هذا المنطلق، شجع بعض أتباع سان سيمون وكذلك فردريك إنجلز الاستعمار الاستيطاني في الجزائر، كما دافع كثير من الاشتراكيين الهولنديين عن "الهجمة الحضارية" التي شنتها بلادهم على الأندونيسيين.

وقد خرجت أسطورة الصهيونية العمالية من هذه المجموعة من الأفكار، فلم يكن المستوطنون الصهاينة مجرد يهود فحسب بل كانوا أيضاً رواداً زراعيين اشتراكيين وحارثين لأرض أجدادهم. وقد كتب مارتن بوبر لغاندي يقول: "إن مستوطنينا لم يجيئوا إلى فلسطين كما يفعل المستعمرون الغربيون الذين يطلبون من أهالي البلاد أن يقوموا عنهم بكل الأعمال، بل إنهم يشدون بأكتافهم المحراث ويبذلون قوتهم ودمهم من أجل أن تصبح الأرض مثمرة". وقد عاد المستوطنون العبريون الجدد إلى الأرض مثقلين بماضي يهود الشتات بكل ما في ذلك من شذوذ وطفيلية. وتقول النظرية العمالية الصهيونية إن المستوطن الجديد يمكنه، من خلال العمل العبري، أن يُطهِّر نفسه مما علق بها من شوائب وأدران، فالمستوطنون إنما يحررون أنفسهم حين يحررون الأرض، بحرثها والعمل على ازدهارها "إن هذه الأرض تعترف بنا لأنها تثمر من خلالنا".

ولقد نقل الكاتب الإسرائيلي عاموس إيلون سطراً من أغنية جذابة كان الرواد الزراعيون يرددونها في المستوطنات الإسرائيلية، يصفون أنفسهم فيها بأنهم أول من وصل، "مثل العصافير في الربيع"، إلى الحقول الملتهبة والأرض المقفرة الجرداء. وهذه البراءة الكونية، وهذا الإيمان بقدرة العمل على الشفاء والتطهير، وهذا الالتزام بمبدأ المساواة، تظهر جميعاً في كلمات بن جوريون حين تحدَّث عن مدى أحقية الإنسان في أرض ما، فهذا الحق لا ينبع من سلطة سياسية أو سلطة قضائية (فكل هذه الأمور ليست ذات شأن من وجهة النظر الصهيونية العمالية) وإنما ينبع من العمل. ثم أطلق بن جوريون شعاراً ثورياً أحمر لابد أنه لاقى هوى في القلوب الثورية البريئة: "الملكية الحقيقية والدائمة للعمال". بيد أن نقل المفاهيم من مستواها وسياقها إلى مستوى وسياق آخرين يسفران عن نتائج مختلفة، فمثل هذا الشعار يتسم بالثورية الحقة إذا استخدمه العمال الفرنسيون في الأرض الفرنسية. ولكن حينما يقوم العمال الفرنسيون بتطبيق الشعار نفسه في الأراضي الجزائرية، فإنه يصبح في التو اغتصاباً للأرض، وخصوصاً إذا كانت المنافسة بين العمال الفرنسيين والجزائريين منافسة غير متكافئة، حيث كان الفريق الأول تسانده مؤسسة عسكرية متقدمة تكنولوجياً.
وقد علق الكاتب الإسرائيلي عاموس كنان على هذا النوع من الاعتذاريات الاشتراكية قائلاً: "إن الصهيونية لم تستطع تحقيق انتصاراتها وإنجازاتها دون الاستفادة من النفاق الذي تنطوي عليه هذه الاشتراكية. فكما أن المسيحية (بمُثُلها ومثالياتها) كانت بمنزلة عذر معنوي للصليبيين، فإن الاشتراكية (بمُثُلها ومثالياتها) أدَّت هذه المهمة للصهاينة".

والاعتذاريات الاشتراكية موجَّهة بالدرجة الأولى للقوى والدول الاشتراكية في العالم وللشباب الاشتراكي من أعضاء الجماعات اليهودية. وفي هذا الإطار تطرح إسرائيل نفسها باعتبارها دولة اشتراكية يمقت سكانها الرأسمالية. ويُلاحَظ أنه في الستينيات مع تصاعد قوى التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا، كان ضرورياً أن تتلون الاعتذاريات الصهيونية. فطرحت الصهيونية نفسها على أنها حركة تحرُّر الشعب اليهودي (ممن؟) وهو شعب صغير استُعبد عبر تاريخه ويبحث عن الحرية. وعملية تلوُّن الاعتذاريات الصهيونية دليل على مدى ذكاء الصهاينة وغياب البُعْد العقائدي الثابت، وهو أمر متوقع من أيديولوجية تحملها جماعات هامشية تطالب بإنشاء دولة وظيفية لخدمة الاستعمار الغربي أو أية قوى على استعداد لتزويد هذا الجيب الاستيطاني بالأمن والدعم.
وتعبِّر كل نظرية للحقوق عن رؤية للذات تكملها رؤية للآخر. ويمكن القول فيما يتعلق بالحقوق الصهيونية بأن نظرية الحقوق الصهيونية في فلسطين تعني في واقع الأمر أن اليهود لا حقوق لهم في أوطانهم التي يقيمون فيها، فمن له حقوق مطلقة في مكان ما لا يمكنه الادعاء أن له حقوقاً مطلقة أو نسبية في مكان آخر.
كيفية فك شفرة الخطاب الصهيوني المراوغ
‏How to Decode the Evasive Zionist Discourse
يتسم الخطاب الصهيوني بعدم التجانس والإبهام والمراوغة نظراً لاستخدامه آليات أسلوبية عديدة مثل استخدام أسماء ذات مسميات مختلفة أو عدة أسماء لها في واقع الأمر مسمَّى واحد أو كلمات لها معنى مبهم، ومثل ترك فراغات عديدة داخل الخطاب دون ملئها.. إلخ. لكل هذا، تتطلب قراءة أي نص صهيوني، وكذلك فك شفرته، أن نفعل العكس: فنقرأ ما بين السطور ونملأ الفراغات ونحاول التوصل للمعنى الدقيق للمصطلحات ونحدد العلاقة بين الأسماء والمسميات.

وأهم الخطوات هو تَذكُّر الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة والمُهوَّدة، فهي تشكل الأساس الراسخ والمقولات الثابتة وراء كل الديباجات والحيل البلاغية الأخرى. وعلى الدارس كذلك أن يتذكر كل الحيل والإستراتيجيات البلاغية للخطاب الصهيوني. ويستطيع الدارس بعد ذلك أن يقوم بما نسميه «عملية استنطاق النص» ، أي أن يجعله ينطق بما هو متخف وكامن فيه ولا يُفصح عنه (المسكوت عنه) . فيتم تفكيك العبارات الصهيونية المختلفة وصولاً إلى المقولات الثابتة وراءها، ثم يُعاد تركيب العبارات والنصوص والتصريحات في ضوء هذه المقولات (وعلى كل لم تَعُد هذه المقولات الثابتة أمراً يحتاج للتخمين أو قدح زناد الفكر، فبعد مائة عام من الاستيطان الصهيوني، وبعد حوالي نصف قرن بعد تأسيس الدولة، أصبحت هذه المقولات مسألة واضحة تماماً) .
وسنحاول قراءة بعض قرارات المؤتمرات الصهيونية بالطريقة التي نقترحها، ثم نستنتج ما نتصور أنه المعنى المقصود من خلال عبارات سنضعها بين أقواس معقوفة. وأول هذه القرارات هي قرارات المؤتمر الصهيوني الأول (1897) التي تُسمَّى برنامج بازل، وهو يتكون من جملة افتتاحية تحدد الغرض من الحركة الصهيونية، وأربع نقاط تقترح الوسائل اللازمة لتحقيق هذا الغرض.
"تستهدف الصهيونية إنشاء وطن [أي دولة] للشعب اليهودي [أي الفائض اليهودي من شرق أوربا] في فلسطين [أرض الميعاد أو الأرض المقدَّسة أو الأرض ذات الموقع الإستراتيجي] تحت حماية القانون العام [أي بحماية الدول الغربية [".
ويوصي المؤتمر بالوسائل التالية لتحقيق هذا الغرض:
"1 ـ تطوير عملية توطين المزارعين والحرفيين والعمال اليهود في فلسطين [وطَرْد العرب منها] من خلال الأطر المناسبة [أي إقامة استعمار استيطاني يهودي في فلسطين عن طريق المكر أو العنف] .

2 ـ تنظيم جميع اليهود وتوحيدهم عن طريق تنظيمات وهيئات محلية وعالمية ملائمة وفقاً لقوانين كل دولة [أي الهيمنة على الجماعات اليهودية مع عدم إحراج يهود غرب أوربا] .
3 ـ تقوية الشعور القومي اليهودي والوعي القومي وتدعيمهما [أي المزيد من الهيمنة والتخلص من الجيوب غير الصهيونية بين اليهود، وإرضاء يهود شرق أوربا من دعاة الخطاب الإثني: الديني والعلماني] .
4 ـ اتخاذ خطوات تمهيدية للحصول على موافقة الحكومات [الغربية] ، باعتبار أن ذلك ضروري لتحقيق الهدف الصهيوني [أي الحصول على الشرعية الاستعمارية من خلال الدول الغربية] ".

إن صياغة برنامج بازل تعبير بليغ عن الخطاب الصهيوني المراوغ، فلم يُذكَر فيه ما هو مفهوم من الجميع ويمكن أن يسبب الحرج وتُركت في بنوده فراغات كثيرة ليملأها كل صهيوني على طريقته، ولم يذكر الدولة ولا حدودها، وتم تغييب العرب تماماً من خلال التزام الصمت الكامل تجاههم، ويُضاف إلى ذلك عدم تحديد أعضاء الشعب اليهودي، ولم يتم الإفصاح عن أيٍّ من المفاهيم الأساسية الكامنة إلا بعد نصف قرن تقريباً في برنامج بلتيمور (الذي أصدره مؤتمر استثنائي عقده الصهاينة الأمريكيون والأوربيون في نيويورك مع ممثلي المستوطنين في فلسطين في مايو 1942) وجاء فيه ما يلي: "الاعتراف بأن الغرض من شروط تصريح بلفور والانتداب التي تبيِّن ارتباط الشعب اليهودي التاريخي بفلسطين هو إيجاد حكومة يهودية هناك وجعل فلسطين حكومة يهودية". وكما يقول ألان تايلور أحد مؤرخي الحركة الصهيونية: "وهكذا ظهر على السطح الآن وضوح الهدف الخفي [المقولة الثابتة] الذي رافق الصهيونية دوماً". ولم يجانب هذا المؤرخ الصواب ولا حاول أن يفرض تفسيراً متعسفاً على الأحداث أو الكلمات. فقد وصف المجتمعون في فندق بلتيمور في مدينة نيويورك برنامج بلفور بأنه "تطبيق كامل لبرنامج بازل". وكل ما حدث هو أن بعض الفراغات قد مُلئت، وبعض العبارات الصامتة قد استُنطقت، وبعض العبارات الهلامية قد تحدَّدت (ومع هذا استمر التزام الصمت تجاه مصير السكان الأصليين) . وقد ظل برنامج بازل ساري المفعول (مع تفسير بلتيمور) إلى أن تم تعديله بعد إنشاء الدولة.

وقد عُقد المؤتمر الصهيوني الثالث والعشرون (1951) بهدف التوصُّل إلى تعريف للصهيونية يحل محل برنامج بازل. فتقدَّم بعض الصهاينة الاستيطانيين بمشروع قرار يُعرِّف هدف الصهيونية بأنه "خلاص الشعب اليهودي من خلال تجميع المنفيين في أرض إسرائيل" وهي صيغة متشددة لا تتسم بأية هلامية ولا تحوي أية فراغات، ولذا فإنها كانت تهدد بتفجير التناقضات. ولذا، تم التغاضي عنها، واتخذ المؤتمر بدلاً من ذلك قراراً يحدد مهمة الصهيونية بالطريقة المراوغة التالية: "تدعيم دولة إسرائيل، وتجميع المنفيين في أرض إسرائيل، وتأمين وحدة الشعب اليهودي". وبينما تتضمن الصيغة المرفوضة أن الخلاص "لا يكون إلا من خلال الدولة وأن تجميع المنفيين هو الوسيلة الوحيدة للخلاص وأن الشعب اليهودي بأسره هو في المنفى ما دام باقياً خارج إسرائيل"، نرى أن الصيغة المراوغة الجديدة لما سُمِّي «برنامج القدس» تترك الفراغات وتكتفي بسَرْد ثلاث مهمات مستقلة عن بعضها البعض ومتناقضة، فمن سيقوم بدعم دولة إسرائيل يمكنه أن يفعل ذلك من الخارج، أي باعتباره صهيونياً توطينياً، الأمر الذي يعني أنه سيظل صهيونياً سواء هاجر أم لم يهاجر ما دام "يدعم" الدولة الصهيونية. بل إن عبارة «تجميع المنفيين» نفسها عبارة مراوغة، فالمنفى (على ما يبدو) حالة عقلية وليست فعلية. فيهود أمريكا يعتبرون أمريكا وطناً قومياً لا منفى، على عكس يهود روسيا، ومن ثم فإن العبارة تعني تجميع المنفيين من شرق أوربا "بمساعدة المندمجين في غربها". أما وحدة الشعب اليهودي، فهو أمر هلامي عائم غائم إذ يمكن أن يشعر الصهيوني التوطيني بهذه الوحدة ويدافع عنها وهو جالس في غرفته المكيفة في منزله الوثير في أمريكا أو أستراليا. ورغم كل التحولات والتغيرات لا تذكر القرارات الصهيونية العرب بخير أو بشر.

وقد تم تعديل مهام الصهيونية مرة أخرى في المؤتمر الصهيوني السابع والعشرين بمقتضى " برنامج القدس 5728 (1968) " الذي لا يزال البرنامج المعتمد للحركة الصهيونية. وسوف نورد مرة أخرى ما نتصور أنه المعنى المقصود من خلال عبارات سنضعها بين أقواس معقوفة. ونصه كما يلي:
"أهداف الصهيونية هي:
ـ وحدة الشعب اليهودي [سواء استمر في الحياة في نيويورك أم حيفا] ومركزية إسرائيل في حياته [والمركزية مسألة شديدة العمومية [.
ـ تجميع [من يريد من] الشعب اليهودي في وطنه التاريخي ـ أرض إسرائيل ـ عن طريق الهجرة من مختلف البلدان.
ـ تدعيم دولة إسرائيل التي قامت على أساس رؤية الأنبياء للعدل والسلام [وهي رؤية يمكن تفسيرها بطريقة حلولية كمونية عضوية تُرضي الدينيين والعلمانيين [.
ـ الحفاظ على هوية الشعب اليهودي من خلال تشجيع التربية اليهودية والعبرية والقيم الروحية والثقافية اليهودية [سواء في إسرائيل أو في الولايات المتحدة] وحماية الحقوق اليهودية أينما كانت".
والواقع أن صيغة البرنامج هي التسليم بالأمر الواقع، أي بانقسام الحركة الصهيونية إلى اتجاهين، أحدهما توطيني والآخر استيطاني، لكلٍّ تعريفه الخاص "للشعب اليهودي". وهو يشكل محاولة للحفاظ على وحدة غير موجودة ولتغطية تناقض يزداد تفاقماً. ولذا، فقد ازدادت درجة المراوغة والصمت. وثمة افتراضان متناقضان كامنان في برنامج القدس:
1 ـ أن الشعب اليهودي شعب واحد وأن "وطنه التاريخي" هو أرض إسرائيل، وبالتالي يكون هدف الصهيونية هو تجميع الشعب اليهودي عن طريق الهجرة، أي تصفية الجماعات اليهودية، وهذه هي صهيونية المستوطنين.

2 ـ أن حالة التشتت حالة نهائية، ومن ثم المناداة بحماية "الحقوق اليهودية أينما كانت"، والحديث عن "مركزية إسرائيل في حياة الشعب". أما القرار الخاص بالهوية اليهودية وضرورة الحفاظ عليها فهو يشير ولا شك إلى «خطر الاندماج» ، وخصوصاً في الولايات المتحدة، الأمر الذي يعني أيضاً استمرار حالة الشتات، في الوقت الحاضر على الأقل، ونسيان مسألة "تصفية الجماعات".
وتجدُر ملاحظة أن برنامج القدس الذي حدد أهداف الصهيونية قد لجأ إلى صيغة مراوغة تسمح لكل صهيوني بأن يفسر حدود إسرائيل بالطريقة التي تروق له، فلم ينص البرنامج صراحةً على أن "إقامة الدولة على ضفتي نهر الأردن هو هدف الصهيونية" وإنما تحدَّث عن "الوطن التاريخي ـ أي أرض إسرائيل" وهي عبارة مطاطة لها دلالات كثيرة في العقل الصهيوني (وخصوصاً في إطار "رؤية الأنبياء") من بينها ولا شك ضفتا نهر الأردن وضفاف النيل والفرات (إذا انفتحت الشهية) . ولا يزال هناك عنصر واحد ثابت لا يتغيَّر، وهو عدم التوجه للقضية الفلسطينية ولمصير العرب.
وقد قُدِّر للصيغة المراوغة الاستمرار للأسباب التالية:
1 ـ كان من الممكن ترك الفراغات والتسلح بالصمت أو التشاجر بصوتٍ عال بشأن الديباجات دون أن يلجأ فريق إلى تصفية الآخر، وذلك لوجود اتفاق تام على الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة والعقد الصهيوني الصامت الذي تمت ترجمته إلى واقع تاريخي: احتلال فلسطين وطرد أهلها والاستيطان فيها.
2 ـ كان جميع الصهاينة يدركون تماماً أن حركتهم ودوافعهم ليس لها استقلال حقيقي أو حركية مستقلة ذاتية. فالصهيونية، كما كان يعرف الجميع، تدين بوجودها واستمرارها لتبعيتها للغرب الذي كان يقوم بتمويل المشروع الصهيوني، وبالتالي فإن الاختلاف على الديباجات هو اختلاف على أمور فرعية لا تؤثر في الحركة الفعلية.

3 ـ بعد أن كانت الصهيونية الاستيطانية تطالب بتصفية الجماعات اليهودية في العالم (يهود الدياسبورا) ، أصبح من صالحها بقاء هذه الدياسبورا لتُقدِّم الدعم السياسي والعون المالي للدولة الصهيونية. ولذا، فقد أصبحت الصيغة المراوغة الإطار الوحيد الممكن الذي يمكن من خلاله الاستمرار في العمل والتعايش مع التناقض.
4 ـ وأخيراً، كُتب للصياغة المراوغة الاستمرار بسبب فشل العرب في التمييز بين التيارات المختلفة داخل الحركة الصهيونية، بل وفشلهم في التمييز بين اليهود الصهاينة واليهود الذين لا يكترثون بالحركة الصهيونية، وبين اليهود الذين يدَّعون الصهيونية على مستوى القول ويتملصون منها على مستوى الفعل، واليهود الذين يناصبونها العداء صراحةً وعلانيةً، قولاً وفعلاً. كما أن فشل العرب في إلحاق هزيمة ضخمة بالكيان الصهيوني (باستثناء الانتفاضة) قد خَلَق تربة خصبة يمكن أن تنمو فيها الأساطير وتترعرع بما في ذلك ادعاء عدم وجود العرب. وتستطيع الصياغات المراوغة أن تستمر دون تحدٍّ، فالإنسان يسائل نفسه بشأن أساطيره وأكاذيبه وخداعه لذاته وللآخرين إن كان هناك ثمن يُدفَع. أما إن ظلت الصياغة المراوغة صالحة للتعامل مع الواقع، فهي ستمنح المرء ما يحتاج إليه من اتزان داخلي وطمأنينة نفسية دون أن يزعجه هذا الواقع، ولذا فبوسعه أن يستمر في استخدامها والترويج لها.
القانون الدولي العام
‏International Law

» القانون الدولي العام» عبارة تتواتر في كلٍّ من الكتابات الصهيونية ومؤلفات هرتزل، وكلمة «دولي» في معناها المعجمي تعني «عالمي» أو «يختص بكل الدول» ، ولكننا إن قرأناها في سياقها في كثير من النصوص الغربية المكتوبة في القرن التاسع عشر، فإننا سنكتشف أنها تعني «غربي» ، ومن ثم فإن عبارة «القانون الدولي العام» تعني «القانون الغربي السائد آنذاك» ، وهو القانون الاستعماري الذي تم بمقتضاه تقسيم العالم بين الدول الغربية. ومن المصطلحات المرادفة، مصطلح «قانون الأمم» ، أو «قانون الأمم المتحضرة» ، وهو بدوره يعني «قانون أمم الغرب» ، أي «القانون الاستعماري» .
وقد كان هرتزل والصهاينة يتحركون في إطار الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية وواقع الإمبريالية الغربية (كحقيقة تاريخية سياسية) ، وهذه الإمبريالية هي التي قامت بتقسيم العالم فيما بينها. ومن هذا المنظور، يصبح الغرب مركز العالم، وتصبح الحضارة الغربية قمة التطور الإنساني، وكل الظواهر والقوانين هي محاولات متعثرة للوصول للحالة الغربية، والإنسان الغربي الأبيض في القرن التاسع عشر هو الإنسان الذي يجسد قمة التطور. ولذا، يصبح كل شيء غير غربي هامشياً، وما هو غربي وحده هو الحقيقي والتاريخي والمركزي، وإذا كان العالم هو الغرب فإن القانون الغربي يكون بالتالي هو القانون الدولي. ومن هنا كانت الصهيونية تُسمِّي نفسها «الصهيونية العالمية» (ومازلنا نتحدث عن «المغني العالمي» ـ خوليو مثلاً ـ ونحن نعني «المغني الغربي» ، أو نقول «له سمعة عالمية» ونحن نعني «سمعة في العالم الغربي» وهكذا) .

ومن أهم المصطلحات التي ترتبط بهذا الاستخدام مصطلح «صهيونية سياسية» أو «صهيونية دبلوماسية» فهي تعني في واقع الأمر صهيونية تقوم ببذل جهود سياسية لدى "الدول المتحضرة"، أي الدول الغربية، والمناورة الدبلوماسية معها للحصول على موافقتها للاستيلاء على فلسطين. فهذه الدول هي التي قسَّمت العالم بينها، ومن ثم فإن أي جهد سياسي أو دبلوماسي يُبذَل يدور في إطارها، وأي جهد آخر هو أمر غير منطقي وغير سياسي أساساً فهو جهد رومانسي عبثي.

ويمكن أن تثار هنا قضية تَوجُّه هرتزل إلى السلطان العثماني طالباً منه براءة لشركة استيطانية، مع أن الدولة العثمانية لم تكن دولة "متحضرة "، أي لم تكن غربية استعمارية. إن تفسير ذلك ببساطة هو أنه لم يكن قد تقرَّر بعد تقسيم الدولة العثمانية، وكانت القوتان البروتستانتيتان (إنجلترا وألمانيا) تقفان وراءها حتى تقف حاجزاً أمام النفوذ الأرثوذكسي الروسي والنفوذ الكاثوليكي الفرنسي. ومع هذا، كانت ثمة مؤشرات قد بدأت تلوح في الأفق، فإنجلترا كانت قد استولت على قبرص، ولكن الأهم أنها كانت قد استولت على مصر (1882) ، وكانت أول دولة إسلامية تضمها إنجلترا، الأمر الذي كان يعني تعدياً صريحاً على الدولة العثمانية وعلى شرعيتها الإسلامية، وكان يعني بالتالي أن الوقت قد حان للتقسيم. وفي هذا الإطار تحرَّك هرتزل، فكان يتقدم لتركيا لا باعتبارها دولة متحضرة وإنما باعتبارها منطقة نفوذ ألمانية ثم إنجليزية. وقد كان يعلم ذلك تماماً، ولذا فإنه كان يلجأ دائماً إلى الحكومة الألمانية عسى أن تتوسط له عند السلطان. ولعل ما شجَّع هرتزل أن القوميات الجديدة، خصوصاً في وسط أوربا والبلغاريين والصرب والمجر، اقتطعت أوطانها أساساً من الدولة العثمانية تحت رعاية الدول الأوربية. وكان كل من كاليشر والقلعي يكتبان ويفكران على هذا المنوال حينما بدءا في التعبير عن النزعات الصهيونية الأولى. ولم يكن هرتزل استثناءً من القاعدة، ولذا فقد كان عليه أن يتقدم للدولة العثمانية مضطراً بسبب طبيعة الوضع القائم، ولكنه مع هذا كان يتحرك داخل إطار غربي وكان يسعى للحصول على الاعتراف الغربي به، أي أن مناوراته في تركيا تمت هي الأخرى في إطار «القانون الدولي العام» الذي وضعته الدول المتحضرة.
شركة ذات براءة
‏Chartered Company

» شركة ذات براءة» عبارة تتواتر كثيراً في كتابات هرتزل وكتابات الصهاينة قبل ظهور وعد بلفور، ولا يمكن فهم النصوص الصهيونية قبل بلفور إلا بإدراك معناها الدقيق داخل سياقها. ومن المعروف أن هرتزل حينما بدأ في تحديث حل المسألة اليهودية كتب إلى عدد من كبار الاستعماريين في العالم (سير سيسل رودس وستانلي) . وقد رد عليه رودس عن طريق طرف ثالث قائلاً: "ضع نقوداً في حافظتك"، أي أن تنفيذ المشروع الصهيوني يتطلب أن يقوم هرتزل بتدبير مبالغ للاستثمار. ورودس لم يكن ذكياً في إجابته، فهو لم يفهم المشكلة الخاصة بالمشروع الصهيوني وهي أن المادة البشرية الاستيطانية المُستهدَفة والتي سيتم توطينها لا تتمتع بعلاقة عضوية مع أية دولة غربية على وجه التحديد (فهم أعضاء شعب عضوي منبوذ) . ولذا، فقد كان هرتزل حصيفاً حينما قرر أن قوة المحفظة مسألة أساسية، ولكنه أضاف: "جمعية اليهود [أي المنظمة الصهيونية] ، والهدف النهائي هو الحصول على الضمانات الدولية".

كان هرتزل يعرف أن أحد أشكال العلاقة بين جماعات المستوطنين والتشكيل الاستعماري الغربي هو الشركات الاستعمارية الاستيطانية ذات البراءة، ولذا فحينما طلب قيصر ألمانيا من هرتزل أن يلخص له ما يريده قال الأخير: "شركة ذات ميثاق أو براءة تحت الحماية الألمانية". ومرة أخرى، أظهر هرتزل براعته الفائقة وحسه العملي الزائد. فبدلاً من أن يقدم إلى القيصر ديباجة طويلة مملة عن حقوق الشعب اليهودي وعن ارتباطه الأزلي بأرض الميعاد، أو حتى عن بؤس يهود شرق أوربا وما شابه ذلك من شعارات ما كانت لتنطلي على القيصر الذي كان يتحرك في نطاق الصيغة الصهيونية الشاملة ويعرف جيداً مدى فائدة اليهود ونفعهم وضرورة التخلص منهم. بدلاً من كل ذلك، قال له هرتزل عبارة واحدة تلخص كل شيء. ولكي ندرك مدلول العبارة كما فهمها ممثل الصهيونية وممثل الدولة الراعية، لابد من وضعها في سياقها التاريخي والحضاري. والكلمة الأساسية هنا هي كلمة «تشارتر charter» الإنجليزية وهي مستقاة من الكلمة اللاتينية «كارتا charta» (ورقة أو خطاب) ومعناها «خطاب أو ترخيص ينص على حقوق معينة تمنحها حكومة أو حكام لشخص أو شركة» . وهي الكلمة نفسها التي كانت تُستَخدم في العصور الوسطى في الغرب للإشارة إلى الاتفاق الموقَّع بين الجماعة اليهودية كجماعة وظيفية والسلطة الحاكمة.

ويبيِّن جورج جبور، الدارس العربي لظاهرة الاستيطان، أن هذه الشركات كانت إحدى الوسائل التي ابتدعها الاستعمار الغربي في أواخر القرن الماضي. فقد كانت هذه الشركات تقوم بتجنيد الفائض البشري في أوربا وتؤمِّن لهم سفرهم أو تمنحهم بعض المزايا في البلدان المُكتشَفة حديثاً مقابل أن يخدموا الشركة وينفذوا سياستها ويوسعوا نفوذها. وكانت الدول الراعية، مانحة البراءة، تقوم بحماية الشركة من المنافسات الدولية وتنظم العلاقة بين المستوطنين والسكان المحليين. وقد كانت البراءة تمنح الشركة حق أن تكون «شبه دولة» فهي لم تكن مشروعاً مدنياً يهتم بالشئون التجارية وحسب، وإنما كانت إحدى أدوات الاستعمار في مراحله التمهيدية. وقد كان مجال نشاطات الشركة واسعاً متنوعاً، فمثلاً كانت تقوم بشراء وإنشاء المصانع وبناء القلاع والاستيلاء على الأراضي وسك النقود وإدارة القلاع والدخول في أحلاف سياسية وإعلان الحرب والسلم. ورغم هذه الاستقلالية، فإن المشروع ككل كان يقع ضمن الإطار العام لمخططات تلك الإمبراطورية التي قامت بمنح البراءة. والفائدة التي تجنيها الإمبراطورية مانحة الصك من جراء مثل هذا الوضع مضمونة تماماً، ففي حالة نجاح الشركة تحقِّق الإمبراطورية أرباحاً كبيرة. أما إذا فشلت، فإن هيبة الإمبراطورية لا تتأثر (وهذا مناسب جداً لعلاقة الحضارة الغربية بالشعب العضوي المنبوذ والدولة الوظيفية) . وتبين موسوعة الصهيونية وإسرائيل أن هرتزل حينما كان يستخدم كلمة «تشارتر» فإنه كان يفكر أساساً في الميثاق أو البراءة التي منحتها الحكومة البريطانية في 20 أكتوبر 1889 إلى شركة سيسل رودس المسماة شركة جنوب أفريقيا البريطانية وأعطت بموجبها الحكومة البريطانية الشركة المذكورة حكماً ذاتياً كاملاً في منطقة الزامبيزي (التي يقع معظمها ضمن حدود روديسيا، أي زمبابوي الآن) وذلك فيما يختص بإدارة المنطقة والنشاط السياسي تجاه السكان المحليين تحت إشراف

الحكومة البريطانية. وقد أشار هرتزل إلى فكرة الميثاق في المؤتمر الصهيوني الثالث (1889) ، كما أن مفهوم الميثاق استُخدم للإشارة إلى المحاولات الصهيونية الرامية إلى الاستيطان في العريش وشرق أفريقيا.
والواقع أن هرتزل، بذلك، كان يتبع النمط الاستعماري الاستيطاني السائد. فالاستيطان، كما يقول جبور، كان يبدأ عادةً برحلات الاستكشاف الجغرافية أولاً، ثم يأتي عدد من الجنود والبحارة والمبشرين (بهذا الترتيب أو بغيره) ثم تبدأ هجرة المستوطنين. وقد قامت بهذه النشاطات كلٌّ من الصهيونية ذات الديباجة المسيحية والصهيونية التسللية والقنصليات الغربية، وأدرك هرتزل أن الوقت قد حان للحصول على البراءة لدعم مشاريع الاستيطان، وهي موافقة مختلفة عن الموافقة التي كانت تُمنَح عادةً للتجار والمستكشفين.
هذا ما كان يفكر فيه هرتزل. وقد كان تقسيمه للمشروع الصهيوني يماثل تقسيم شركة الهند الشرقية التي كانت تشرف عليها لجنة الأربعة وعشرين (جمعية اليهود) التي تقوم بعملية التخطيط والإدارة، كما كان هناك جهاز تنفيذي خاص بالشركة نفسها يقوم بتنفيذ الأعمال التجارية.
ولكن الأمور تطورت بأسرع مما تصوَّر الصهاينة، إذ تم تقسيم الدولة العثمانية وصدر وعد بلفور الذي زود الصهاينة بدعم وحماية أكثر مما توفره الشركات ذات البراءة، فحل وعد بلفور محل البراءة. وقد كان الصهاينة يشيرون بالفعل إلى وعد بلفور وإعلان الانتداب على فلسطين باعتبارهما «الميثاق أو البراءة» ، وكان أتباع الصهيونية الدبلوماسية الاستعمارية يُسمَون «الميثاقيون» (بالإنجليزية: تشارترايتس Charterites) .
ورغم أننا صنفنا وعد بلفور على أنه براءة منحتها دولة استعمارية لمجموعة من المستوطنين، فإن ثمة اختلافات بين وعد بلفور والبراءات الأخرى، أوجزها الدكتور جورج جبور فيما يلي:

1 ـ مع أن البراءة الممنوحة للحركة الصهيونية كانت بريطانية أساساً، إلا أنها ووفق عليها من قبَل أهم الدول الأوربية، ومن قبَل الولايات المتحدة الأمريكية، بشكل أكثر صراحة من براءات الاستيطان السابقة.
2 ـ لم يأتِ المستوطنون اليهود من قُطر أوربي واحد، ولا أتوا أساساً من القُطر الذي منح البراءة، بل من أقطار أخرى أهمها أوربا الشرقية.
3 ـ كانت البراءة الممنوحة للحركة الصهيونية تخص اليهود وحدهم، ولم تكن مفتوحة للجميع.
"وهكذا، فإن تجربة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني كانت جغرافياً أوسع مدى من جهة (إذ تشمل كل الدول الأوربية وغير الأوربية في مرحلة لاحقة) ، وأضيق في القاعدة الاجتماعية (السكانية) من جهة ثانية (إذ كانت تقتصر على اليهود ولا تشمل جميع السكان) . كما أن هذه التجربة جاءت نتيجة إجماع إيجابي أوربي حكومي (إذ أن عدداً من الدول الأوربية، بالإضافة إلى الولايات المتحدة، أيَّدت وعد بلفور) من جهة ثالثة".
الكومنولث
‏Commonwealth
كلمة استخدمها الصهاينة ابتداءً من 1944 للإشارة إلى الكيان الذي ينوون تشييده في فلسطين (وقبل ذلك التاريخ كانت الكلمة المستخدمة بالإنجليزية هي «وطن» ، أي «هوم لاند Homeland» وليس دولة) . وتُستخدَم كلمة «كومنولث» في الوثائق الرسمية الأمريكية للإشارة إلى أربع ولايات أمريكية (كنتكي، وماساتشوستس، وبنسلفانيا، وفيرجينيا) وهي ولايات ليس لها استقلال ولا تختلف من الناحية الفعلية عن الولايات الأخرى. وتُستخدَم الكلمة أيضاً للإشارة إلى بورتوريكو، وهي ولاية تحكم نفسها حكماً ذاتياً ولكنها لا تتمتع بالاستقلال الكامل. والمعنى الذي كان يقصده الصهاينة، كما تدل المراسلات بينهم، وكما يدل تطوُّر الأحداث فيما بعد، يعني «دولة مستقلة ذات سيادة» ولكن هذا المصطلح تم استخدامه من قبيل المراوغة.

ويُشار أيضاً في الأدبيات الصهيونية إلى الكومنولث الأول والكومنولث الثاني أو الثالث. أما الأول، فهو دولة سليمان وداود، أما الثاني فهو دولة الحشمونيين، أما الثالث فهو الدولة الصهيونية. ومن ثم، فإن كلمة «كومنولث» دالٌّ ذو حقل دلالي مضطرب تماماً.
وقد استخدم الصهاينة كلمات أخرى مراوغة مثل «وطن قومي» ، وذلك لتحاشي استخدام كلمة «دولة» بكل ما تتضمنه من إيحاءات الاستقلال التي قد تُفجِّر الصراعات بين الصهاينة التوطينيين والصهاينة الاستيطانيين (قبل بلفور) والتي كان يمكن أن تُنبِّه العرب للخطر الاستيطاني الإحلالي المحدق بهم.
خلق الحقائق الجديدة
‏Creating New Facts
«خَلْق حقائق جديدة» من العبارات المتواترة في الخطاب الصهيوني. وقد وردت العبارة في أقوال وايزمان وجابوتنسكي وموشيه ديان (بعد حرب عام 1967) . والعبارة تجسد مفهوماً أساسياً كامناً في الفكر الصهيوني والفكر الإمبريالي عامة. فهو فكر لا يؤمن بأية قيم أخلاقية، ولا يحتكم إلى أية منظومات معرفية، وهو فكر عملي واقعي مرن، ولكن مرونته تكمن وراءها إرادة القوة والحد الأقصى من العنف (كما هو الحال مع الفكر البرجماتي) .

وتتبدَّى خاصية المراوغة في الخطاب الصهيوني في عبارة «خَلْق حقائق جديدة» . فالصهيونية عقيدة تتضمن أطروحاتها الأساسية (الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة) مسألة طرد العرب والاستيلاء على أراضيهم. ولكن، لأسباب عملية عديدة، لم يتمكن الصهاينة من الإعلان عن أهدافهم، وأعلنوا أنهم ليست لديهم أية أطماع توسعية بل يرحبون بوجود العرب داخل الدولة الصهيونية (وكأن هذا أمر ممكن بالفعل) . ولكنهم كانوا يعلمون أنه حين تتغيَّر موازين القوة، وحين تحين اللحظة، فبإمكانهم التحرك لتحقيق الأهداف الكامنة (طرد العرب ـ الاستيلاء على أراضيهم) فيغيِّرون الوضع القائم ويخلقون حقائق جديدة لدعم الوضع القائم الجديد المبني على العنف. ويتم تعديل الأهداف الصهيونية المعلنة بما يتفق مع الوضع الجديد.
وهذا ما فعله الصهاينة بالضفة الغربية، بعد عام 1967. فقبل ذلك التاريخ لم يكن أحد يتحدث عن ضم الضفة الغربية (إلا المتطرفون والمجانين) ، إذ كان الهدف المعلن هو العيش في سلام مع العرب داخل حدود 1948. ولكن، بعد أن تم ضم الضفة الغربية، قام الصهاينة بتكثيف الاستيطان لخلق حقائق جديدة حتى يُواجَه العالم الخارجي بأمر واقع جديد. ويتم حينذاك إعادة تعريف السلام، فيصبح الانسحاب من بعض أجزاء الضفة الغربية وحسب هو الحد الأقصى الممكن.
إن المدلول المحوري (الركيزة النهائية) في كل المنظومة الصهيونية هو إرادة القوة، فهذه هي الميتافيزيقا الحقيقية، وهي في هذا لا تختلف عن الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية الغربية عامةً.

التَّعْرِيفُ:
1 - التَّاسُوعَاءُ: هُوَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ مِنْ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ (1) اسْتِدْلاَلاً بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﷺ صَامَ عَاشُورَاءَ، فَقِيل لَهُ: إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى تُعَظِّمُهُ، فَقَال: فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِل إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ (2)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
2 - عَاشُورَاءُ: وَهُوَ الْعَاشِرُ مِنْ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِصَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ: الْعَاشِرِ
مِنَ الْمُحَرَّمِ (3) وَأَنَّ صَوْمَهُ مُسْتَحَبٌّ أَوْ مَسْنُونٌ. (4) فَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ سُئِل عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَال: يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ (5)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
3 - صَوْمُ يَوْمِ تَاسُوعَاءَ مَسْنُونٌ، أَوْ مُسْتَحَبٌّ، كَصَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصُومُ عَاشُورَاءَ، فَذَكَرُوا أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى تَصُومُهُ. فَقَال ﷺ إِنَّهُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِل يَصُومُ التَّاسِعَ (6) إِلاَّ أَنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَاشُورَاءَ آكَدُ فِي الاِسْتِحْبَابِ؛ لأَِنَّهُ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ.
فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ. وَصِيَامُ يَوْمِ
عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ (7) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ "
أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِل إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ. قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: " فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِل حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ (8) وَتَكْفِيرُ سَنَةٍ: أَيْ ذُنُوبِ سَنَةٍ مِنَ الصَّغَائِرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَغَائِرُ خُفِّفَ مِنْ كَبَائِرِ السَّنَةِ، وَذَلِكَ التَّخْفِيفُ مَوْكُولٌ لِفَضْل اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَبَائِرُ رُفِعَ لَهُ دَرَجَاتٍ. وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُول فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ: خَالِفُوا الْيَهُودَ وَصُومُوا التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ (9)
4 - وَذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِي حِكْمَةِ اسْتِحْبَابِ صَوْمِ يَوْمِ تَاسُوعَاءَ أَوْجُهًا:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الْيَهُودِ فِي اقْتِصَارِهِمْ عَلَى الْعَاشِرِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الإِْمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِسَنَدِهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: قَال
رَسُول اللَّهِ: ﷺ صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَخَالِفُوا الْيَهُودَ، وَصُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا وَبَعْدَهُ يَوْمًا (10)
الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ وَصْل يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِصَوْمٍ.
الثَّالِثُ: الاِحْتِيَاطُ فِي صَوْمِ الْعَاشِرِ خَشْيَةَ نَقْصِ الْهِلاَل وَوُقُوعِ غَلَطٍ، فَيَكُونُ التَّاسِعُ فِي الْعَدَدِ هُوَ الْعَاشِرَ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ (11) وَلِلْمَزِيدِ مِنَ التَّفْصِيل فِي ذَلِكَ ر: (صَوْمُ التَّطَوُّعِ) .
تَبَخْتُرٌ
اُنْظُرِ: اخْتِيَالٌ.
__________
(1) المصباح المنير، ولسان العرب مادة "
تسع "، وروضة الطالبين 2 / 387، وكشاف القناع عن متن الإقناع 2 / 338 ط النصر الحديثة، والشرح الكبير 1 / 516، وجواهر الإكليل 1 / 146.
(2) حديث: "
فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع. . . " أخرجه مسلم (2 / 798 ط عيس البابي الحلبي) .
(3) حديث "
أمر رسول الله ﷺ بصوم يوم عاشوراء. . . " أخرجه الترمذي (3 / 128 ط مصطفى البابي الحلبي) وقال: حسن صحيح.
(4) المصباح المنير، ولسان العرب مادة (عشر) ، والدر المختار 2 / 83، ونزهة المتقين شرح رياض الصالحين 2 / 885 - 886، وكشاف القناع 2 / 338، والمجموع شرح المهذب 6 / 382، وحاشية قليوبي 2 / 73، وجواهر الإكليل 1 / 146، والمغني لابن قدامة 3 / 174 ط الرياض الحديثة.
(5) حديث "
يكفر السنة الماضية والباقية. . . ". أخرجه مسلم (2 / 819 ط عيسى البابي الحلبي) .
(6) حديث "
أنه في العام المقبل يصوم التاسع. . . ". سبق تخريجه (ف 1) .
(7) حديث "
صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة. . . " أخرجه مسلم (2 / 818 - 819 ط عيسى البابي الحلبي) .
(8) حديث "
فإذا كان العام المقبل. . . " سبق تخريجه ف / 1.
(9) الأثر عن ابن عباس "
خالفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر. . . " أخرجه عبد الرزاق والبيهقي موقوفا (مصنف عبد الرزاق 4 / 287، والسنن الكبرى للبيهقي 4 / 287) .
(10) حديث "
صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود وصوموا. . . " أخرجه أحمد (مسند أحمد بن حنبل1 / 241) والبزار وقال الهيثمي: فيه محمد بن أبي ليلى وفيه كلام (مجمع الزوائد 3 / 188، 189) .
(11) ابن عابدين 2 / 83، والمجموع شرح المهذب 6 / 382، 383، والمهذب في فقه الإمام الشافعي 1 / 195، وروضة الطالبين 2 / 387، وحاشية قليوبي 2 / 73، وحاشية الدسوقي 1 / 516، ومواهب الجليل للحطاب 2 / 406، وجواهر الإكليل 1 / 146، وشرح الزرقاني على مختصر خليل 2 / 197، والمغني لابن قدامة 3 / 74 ط الرياض الحديثة، وكشاف القناع عن متن الإقناع 2 / 338 - 339 ونزهة المتقين شرح رياض الصالحين 2 / 885 - 886.
* أفعال الإنسان نوعان:
1 - أحدهما مشترك بين اليمنى واليسرى، فتقدم اليمنى إذا كانت من باب الكرامة كالوضوء والغسل واللباس والانتعال، ودخول المسجد والمنزل ونحو ذلك، وتقدم اليسرى في ضد ذلك كالخروج من المسجد، وخلع النعل، ودخول الخلاء.
2 - الثاني: ما يختص بأحدهما، إن كان من باب الكرامة كان باليمين كالأكل والشرب والمصافحة والأخذ والعطاء ونحو ذلك، وإن كان ضد ذلك كان باليسرى كالاستجمار، ومس الذكر، الامتخاط ونحو ذلك. عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله، وترجله وطهوره، وفي شأنه كله. متفق عليه (¬1).
¬_________
(¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (168)، واللفظ له، ومسلم برقم (268).

ما يخرج من الإنسان نوعان

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* ما يخرج من الإنسان نوعان:
1 - طاهر: وهو الدمع والمخاط والبصاق والريق والعرق والمني.
2 - نجس: وهو الغائط والبول والودي والمذي والدم الخارج من السبيلين.
* الدم الخارج من السبيلين ينقض الوضوء، أما الدم الخارج من بقية البدن من الأنف أو السن أو الجرح أو ما أشبه ذلك فإنه لا ينقض الوضوء، قليلا كان الدم أو كثيرا، لكن يحسن غسله من باب النظافة والنزاهة.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت