|
(البيع) البَائِع والمساوم والماهر فِي البيع
|
|
(البيع) (فِي الِاصْطِلَاح) مُبَادلَة المَال الْمُتَقَوم بِالْمَالِ الْمُتَقَوم (ج) بُيُوع
|
المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
كتاب التعريفات للشريف الجرجاني
|
الإيجاب في البيع: ما ذكر أولًا من قوله: بعت واشتريت. والفرق بين: يوجب، ويقتضي، ظاهر، فإن الإيجاب أقوى من الاقتضاء، لأنه إنما يستعمل فيما إذا كان الحكم ثابتًا بالعبارة، أو الإشارة، أو الدلالة، فيقال: النص يوجب، وأما إذا كان ثابتًا بالاقتضاء، فلا يقال: يوجب، بل يقال: يقتضي، على ما عرف.
|
|
البيع:[في الانكليزية] Sale [ في الفرنسية] Vente بسكون المثناة التحتانية هو من لغات الأضداد فهو كالمبيع لغة يطلق غالبا على إخراج المبيع عن الملك بعوض مالي قصدا، أي إعطاء المثمّن وأخذ الثّمن، ويعدّى إلى المفعول الثاني بنفسه وبحرف الجر، تقول: باعه الشيء وباعه منه. ويقال أيضا على الشراء، أي إخراج الثّمن عن الملك بعوض مالي قصدا، أي إعطاء الثّمن وأخذ المثمّن. والشراء أيضا من الأضداد لأنه يقال على البيع أيضا قال الله تعالى وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ أي باعوه وقوله تعالى وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ الآية. ويقالان أيضا على ما إذا أعطي سلعة بسلعة كما في المفردات. وقال الإمام التقي البيع والشراء يقع في الغالب على الإيجاب والابتياع والاشتراء على القبول لأن الثلاثي أصل والمزيد فرع عليه، والإيجاب أصل والقبول بناء عليه.وفي الشرع مبادلة مال بمال بتراض أي إعطاء المثمّن وأخذ الثّمن على سبيل التراضي من الجانبين. فالفرق بين المعنى اللغوي والشرعي إنما هو بقيد التراضي على ما اختاره فخر الإسلام. وفيه أنّ التراضي لا بدّ له من لغة أيضا، فإنّ الأخذ غصبا وإعطاء شيء من غير تراض لا يقول فيه أهل اللغة باعه. وأيضا يدخل في الحدّ الشرعي بيع باطل كبيع الخنزير، ويخرج عنه بيع صحيح كبيع المكره هذا. وقيل المتبادر من المبادلة هي الواقعة ممن هو أهلها كما لا يخفى، فخرج بيع المجنون والصبي والمحجور والسّكران والواقعة على وجه التملّك والتمليك، فخرج الرّهن وعلى وجه الكمال والتأبيد فخرج الهبة بشرط العوض فإنه ليس بيعا ابتداء والإجارة لعدم التأبيد. والمراد بالمال ما يتناول المنفعة فدخل بيع حقّ المرور، هذا كله خلاصة ما في فتح القدير والبرجندي والدرر وجامع الرموز.التقسيمفي الدّرر أنواع البيع باعتبار المبيع أربعة، لأنه إمّا بيع سلعة بسلعة ويسمّى مقايضة. أو بيعها بثمن ويسمّى بيعا لكونه أشهر الأنواع، وقد يقال بيعا مطلقا. أو بيع ثمن بثمن ويسمّى صرفا. أو بيع دين بعين ويسمّى سلما. وباعتبار الثمن أيضا أربعة لأنّ الثّمن الأول إن لم يعتبر يسمّى مساومة. أو اعتبر مع زيادة ويسمّى مرابحة. أو بدونها ويسمّى تولية. أو مع النقص ويسمّى وضيعة انتهى كلامه. ومن البيوع ما يسمّى بيع الحصاة وهو أن يقول البائع بعتك من هذه الأثواب ما تقع هذه الحصاة عليه. ومنها بيع الملامسة وهو أن يلمس ثوبا مطويا في ظلمة ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه، كذا في شرح المنهاج فتاوى الشافعية.وفي الهداية بيوع كانت في الجاهلية وهو أن يتساوم الرجلان على سلعة فإذا لمسها المشتري أو نبذها إليه البائع أو وضع المشتري عليها حصاة لزم البيع، فالأول بيع الملامسة والثاني المنابذة والثالث إلقاء الحجر. ومنها بيع المزابنة وهو بيع التّمر على النخيل بتمر مجذوذ مثل كيله خرصا. ومنها بيع المحاقلة وهو بيع الحنطة في سنبلها بحنطة مجذوذة مثل كيلها خرصا، كذا في الهداية. ومنها بيع الوفاء هو وبيع المعاملة واحد، وكذا بيع التلجئة كما في البزازية، وهو أن يقول البائع للمشتري بعت بمالك عليّ من الدين على أني إن قضيت الدين فهو لي، وأنه بيع فاسد يفيد الملك عند القبض. وقيل إنّ بيع الوفاء رهن حقيقة ولا يطلق الانتفاع للمشتري إلّا بإذن البائع وهو ضامن لما أكل واستهلك، وللبائع استرداده إذا قضى دينه متى شاء. وقيل إنه بيع جائز ويوفى بالوعد كذا في السراجية وحواشيه.وفي الخانية اختلفوا في البيع الذي يسميه الناس بيع الوفاء والبيع الجائز. قال عامة المشايخ: حكمه الرهن، والصحيح أنّ العقد الذي جرى بينهما إن كان بلفظ البيع لا يكون رهنا، ثم ينظر إن ذكرا شرط الفسخ في البيع فسد البيع وإن لم يذكراه وتلفظا بلفظ البيع بشرط الوفاء أو تلفظا بالبيع الجائز، وعندهما هذا البيع عبارة عن بيع غير لازم أو إن ذكرا البيع من غير شرط ثم ذكرا الشرط على وجه المواعدة فحكمه أنه يجوز ويلزم الوفاء بالوعد.وإن شئت زيادة على ما ذكرناه فارجع إلى فتاوى إبراهيم شاهي.ومنها بيع العينة وهو منهي، واختلف المشايخ في تفسير العينة. قال بعضهم تفسيرها أن يأتي الرجل المحتاج إلى آخر ويستقرضه عشرة دراهم ولا يرغب المقرض على الإقراض طمعا في الفضل لا يناله في القرض فيقول:ليس يتيسّر عليّ الإقراض ولكن أبيعك هذا الثوب إن شئت باثني عشر درهما وقيمته في السوق عشرة لتبيع في السوق بعشرة فيرضى به المستقرض فيبيعه المقرض باثني عشر درهما ثم يبيعه المشتري في السوق بعشرة ليحصل، لربّ الثوب ربح درهمين ويحصل للمستقرض قرض عشرة. وقال بعضهم تفسيرها أن يدخلا بينهما ثالثا فيبيع المقرض ثوبه من المستقرض باثني عشر درهما ويسلّم إليه ثم يبيع المستقرض من الثالث الذي أدخلاه بينهما بعشرة ويسلّم الثوب إليه، ثم إنّ الثالث يبيع الثوب من صاحب الثوب وهو المقرض بعشرة ويسلم الثوب إليه ويأخذ منه العشرة ويدفعها إلى طالب القرض فيحصل لطالب القرض عشرة دراهم ويحصل لصاحب الثوب عليه اثنا عشر درهما، كذا في المحيط هكذا في فتاوى عالمكيريتقسيم آخرالبيع باعتبار الصحة وعدمها أربعة لأنه إمّا أن يكون مشروعا بأصله ووصفه ومجاوره وهو البيع الصحيح، والمراد بأصل العقد ما هو من قوامه أعني أحد العوضين، وبالوصف ما هو من لوازمه أعني شرائطه وبالمجاور ما هو من عوارضه أعني صفاته المفارقة. وإمّا أن لا يكون مشروعا بأصله أصلا بأن يكون قبح في أحد العوضين وهو البيع الباطل كبيع الميتة والخمر والحرّ ونحوها. وإمّا أن يكون مشروعا بأصله دون وصفه بأن يكون القبح في شرائطه ولوازمه وهو البيع الفاسد كالبيع بشرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحد المتعاقدين أو للمبيع إذا كان عبدا أو أمة. وإمّا أن يكون مشروعا بأصله ووصفه دون مجاوره بأن يكون القبح في مقارناته وهو البيع المكروه، كالبيع بعد أذان الجمعة بحيث يفوّت السعي إلى صلاة الجمعة هكذا في كتب الفقه.
|
|
البيع: لُغَة مُطلق الْمُبَادلَة. وَشرعا مُبَادلَة المَال الْمُتَقَوم بِالْمَالِ الْمُتَقَوم بِالتَّرَاضِي، وَهَذَا تَعْرِيف للْبيع الصَّحِيح يَعْنِي لَا بُد فِيهِ من قيد التقوم فِي جَانِبي الْمَبِيع وَالثمن. وَقيد التَّرَاضِي من الْجَانِبَيْنِ ليخرج البيع الْبَاطِل وَالْفَاسِد. وَمن أَرَادَ تَعْرِيفه بِحَيْثُ يعم الصَّحِيح وَالْفَاسِد مَعًا فَأخذ التقوم فِي جَانب الْمَبِيع ليخرج الْبَاطِل. وَمن ترك قيد التَّرَاضِي فَيكون شَامِلًا لبيع الْمُكْره أَيْضا.ثمَّ اعْلَم أَن المُرَاد بِالْمَالِ الأول الثّمن وَبِالثَّانِي الْمُثمن. والمبادلة إِعْطَاء مثل مَا أَخذ فَالْبيع إِعْطَاء الْمُثمن وَأخذ الثّمن وَيُقَال على الشِّرَاء وَهُوَ إِعْطَاء الثّمن وَأخذ الْمُثمن. وَهُوَ يتَعَدَّى إِلَى مفعولين بِنَفسِهِ أَو إِلَى الثَّانِي بِمن كَمَا فِي الأساس وَالْمغْرب نَحْو بِعْت زيدا فرسا وبعت فرسا من زيد. ومدخول كلمة من هُوَ المُشْتَرِي ظَاهرا كَمَا مر أَو مضمرا نَحْو بِعْت فرسا مِنْهُ. وَفِي بعض شُرُوح مُخْتَصر الْوِقَايَة أَن البيع هُوَ كالشراء من الأضداد إِلَّا أَنه غلب فِي إِخْرَاج الْمَبِيع عَن الْملك وَالشِّرَاء فِي إِخْرَاج الثّمن عَنهُ. وكل من الصَّحِيح وَالْفَاسِد وَالْبَاطِل والمتقوم وَغير الْمُتَقَوم وَالثمن فِي مَحَله.
|
|
البيع: رغبة المالك عما في يده إلى ما في يد غيره، والشراء رغبة المستملك فيما في يد غيره بمعاوضة بما في يده مما رغب عنه فلذلك كل شار بائع، ذكره الحرالي. وقال في المصباح: البيع أصله مبادلة مال بمال يقولون بيع رابح وبيع خاسر وذلك حقيقة في وصف الأعيان لكنه أطلق على العقد مجازا لأنه سبب التمليك والتملك، وقولهم صح البيع أو بطل ونحوه أي صيغة البيع لكن لما حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وهو مذكر أسند الفعل إليه بلفظ التذكير. والبيع من الأضداد كالشراء، ومنه {{وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْس}} ، ويطلق على كل من العاقدين أنه بائع ومشتر، لكن إذا أطلق البائع فالمتبادر للذهن باذل السلعة. ومن أحسن ما وسم به البيع أنه تمليك عين مالية أو منفعة مباحة على التأييد بعوض مالي. والبيعة بالفتح، بذل الطاعة للإمام، والبيعة بالكسر للنصارى مصلاهم.
|
|
البيع الباتّ: هو البيعي القطعيُّ.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
الإغماض في البيع: هو التساهل، وفي السلعة: هو الاستحطاط من ثمنها لرداءتها واستيزاده منها، والإغماض عن الشيء: هو تجاوزُه والإغضاء عنه والإغماض على شيء تحمُّله والرضاء به.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
البيع الباطل: هو الذي لا يكون صحيحاً بأصله، كبيع ما ليس بمال كالخمر والخنزير للمسلم.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
البيع بالرَّقْم: هو أن يقول بعتكَ هذا الثوب بالرقم الذي عليه، وقَبِل المشتري من غير أن يعلم مقداره، فالبيع ينعقد فاسداً، فإن علم المشتري قدرَ المشتري قدرَ الرقم في المجلس وقبله انقلب جائزاً.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
البيع الصحيح: هو البيع الجائز المشروعُ ذاتاً وصفات.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
البيع العِينة: أن يأتي الرجل رجلاً ليستقرضه فلا يرغب المُقرِض في الإقراض طمعاً في الفضل الذي لا ينال بالقرضة فيقول: أبيعك هذا الثوب باثني عَشَرَ درهماً إلى أجل وقيمتُه عشرةٌ فيستفيد بمقابلة الأجل ويسمّى عينةً، لأن المقرض أعرض عن القرض إلى بيع العين.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
البيع الفاسد: هو الصحيح بأصله لا بوصفه كبيع مال غير متقوم بالعرض.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
البيع اللازم: هو النافذ العاري عن الخيارات وخلافُه النافذ الغير اللازم وفيه الخيارات.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
البيع المبرور: الذي لا شبهة فيه ولا كذب ولا خيانة.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
البيع المكروه: هو الصحيح بأصله ووصفه دون مجاوره، كالبيع بعد أذان الجمعة بحيث يفوت السعيُ إلى صلاة الجمعة.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
البيع المنعقد: هو الذي ينعقد ولا يتوقف على إجازة أحد.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
البيع الموقوف: بيعٌ يتعلق به حقُّ الغير كبيع الفضولي.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
البيع النافذ: بيعٌ لا يتعلق به حق الغير.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
البَيعة: بالفتح عبارةٌ عن المعاقدة والمعاهدة والتولية وعقدها قال تعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ}} [الفتح:10]، وفي الحديث: "ألا تبايعوني على الإسلام"، قال في "المجتمع": "هو عبارة عن المعاقدة والمعاهدة، كأنَّ كل واحد باع ما عنده من صاحبه وأعطاه المبايعُ خالصة نفسه وطاعتِه". قال الشاه ولي الله في "القول الجميل": "واستفاض عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الناس كانوا يبايعونه تارة على الهجرة والجهاد، وتارة على إقامة أركان الإسلام، وتارة على الثباتِ والقرار في معركة الكفار، وتارة على التمسّك بالسنة والاجتناب عن البدعة والحرصِ على الطاعات". قال النووي في شرح مسلم: "إنَّ بيعةَ النساء بالكلام من غير أخذ كفٍّ، وإنَّ بيعة الرجال بأخذ الكف مع الكلام".
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
التخلية في البيع: هو أن يأذن البائع للمشتري بقبض المبيع عند عدم وجود مانع من تسليم المشتري إياه.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
التعاطي في البيع: هو التناول أي وضع الثمن وأخذ المثمن عن تراض منهما من غير لفظ الإيجاب والقَبول.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
البَيْعُ: مَا يُوجب انْتِقَال ملك مُطلقًا بعوض، وَقيل: تمْلِيك الْعين، أَو الْمَنْفَعَة على التَّأْبِيد بعوض مَالِي، وَقيل: مُعَاوضَة مَال بِمَال وَنَحْوه بِالتَّرَاضِي، وَقيل: مُبَادلَة مَال أَو مَنْفَعَة غير مَوْقُوف، على التَّأْبِيد بعوض مَالِي بِلَا قرض وَفسخ، وَقيل: نقل عين مَال معِين أَو فِي الذِّمَّة من مَالك إِلَى مَالك بعوض بِالِاخْتِيَارِ حَالا أَو مُؤَجّلا.
|
سير أعلام النبلاء
|
ابن البيع، ابن مهدي:
3755- ابن البيع 1: الشَّيْخُ المُعَمَّرُ، مُسْندُ بَغْدَادَ، أَبُو مُحَمَّدٍ، عَبْدُ اللهِ بنُ عُبَيْدِ اللهِ بنِ يَحْيَى، البَغْدَادِيُّ المُؤَدِّب، عُرِفَ بِابْنِ البَيِّع. حَدَّثَ عَنْ القَاضِي أبي عبد الله المحاملي بالدعاء لَهُ، وَبعدَّةِ أَجزَاء تَفَرَّد بِهَا. حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو الغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي عُثْمَانَ، وَأَخُوْهُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ، وَأَبُو الفَضْلِ بنُ البَقَّال عُمَرُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَحْمَدَ الدَّجَاجِي، وَمُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدٍ العُكْبَرِيّ، وَأَبُو الخَطَّاب نَصْر بن البَطِر. قَالَ الخَطِيْبُ: كَانَ يَسْكُنُ بِدَرْب اليَهُوْد، وَكَانَ ثِقَةً، لَمْ أُرْزَق السَّمَاعَ مِنْهُ، وَأَعرفُ لَمَّا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، فَلَمْ أَذهب لأَجلِ الحَرِّ، مَاتَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَع مائَة، وَلَهُ سبعٌ وَثَمَانُوْنَ سَنَةً. 3756- ابْنُ مهدي 2: الشَّيْخُ الصَّدُوْقُ المُعَمَّرُ، مُسْنِدُ الوَقْت، أَبُو عُمَرَ، عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ مَهْدِيّ، الفَارِسِيُّ الكَازَرُونِيّ، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ البَزَّاز. سَمِعَ: كَثِيْراً مِنَ القَاضِي المَحَامِلِيّ، وَسَمِعَ مِنْ أَبِي العَبَّاسِ بنِ عُقْدَة، وَمُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ يَعْقُوْبَ بن شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدِ بن مخلد العطار، والحسين ابن يَحْيَى بنِ عَيَّاشٍ، وَتَفَرَّد وَبعُد صيتُه. حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ، وَوَثَّقَهُ، وَهِبَةُ اللهِ بن الحُسَيْنِ البَزَّاز، وَيُوْسُفُ بنُ مُحَمَّدٍ المِهْرَوَانِيّ، وَأَحْمَدُ بنُ عَلِيِّ بنِ أَبِي عُثْمَانَ، وَأَبُو القاسم ابن البُسْرِيّ، وَأَبُو الحَسَنِ الدَّاوُوْدِيّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَبِي بَكْرٍ الطَّبَرِيّ، وَأَبُو الغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي عُثْمَانَ، وَعَاصِمُ بنُ الحَسَنِ العَاصمِيُّ، وَكبِيرُ المُعْتَزِلَة أَبُو يُوْسُفَ عَبْدُ السَّلاَّم بنُ مُحَمَّدٍ القَزْوِيْنِيّ المُفَسِّر، وَرزقُ الله بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ التَّمِيْمِيُّ، وَالخَطِيْبُ عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدٍ الأَنْبَارِيّ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ طَلْحَة النِّعَالِيّ، وَآخَرُوْنَ. قَالَ الخَطِيْبُ: كَانَ ثِقَةً أَمِيناً، مَاتَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ عَشْرٍ وَأَرْبَع مائَة. قَالَ: وَمَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ ثمَانِي عَشْرَة وَثَلاَثِ مائَةٍ. قُلْتُ: وَقَعَ لَنَا مِنْ طَرِيقه أَجزَاءٌ عَالِيَةٌ من "المحامليات" وغيرها، وحدث في أسفاره. __________ 1 ترجمته في تاريخ بغداد "10/ 39"، والعبر "3/ 99"، وشذرات الذهب لابن العماد "3/ 187". 2 ترجمته في تاريخ بغداد "11/ 13"، والمنتظم لابن الجوزي "7/ 295"، والعبر "3/ 103"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "4/ 245"، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "3/ 192". |
سير أعلام النبلاء
|
ابن الدباغ، البيع:
4938- ابن الدباغ 1: لإمام الحَافِظُ المُتْقِن الأَوْحَدُ، أَبُو الوَلِيْدِ، يُوْسُفُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ يُوْسُفَ بنِ عُمَرَ بنِ فِيْرُّه اللَّخْمِيُّ الأُنْدِيُّ المَالِكِيُّ، نَزِيْلُ مُرْسِيَةَ. أَكْثَر عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الصَّدَفِيّ وَلاَزمه، وَسَمِعَ "المُوَطَّأَ" مِنْ أَحْمَد بن مُحَمَّدٍ الخَوْلاَنِيّ، وَأَخَذَ أَيْضاً عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ بنِ عتَاب، وَطَائِفَة. وَجَمَعَ، وَصَنَّفَ. رَوَى عَنْهُ: ابْنُ بَشْكُوَال، وَأَبُو عَبْدِ المَلِكِ مَرْوَان بن عَبْدِ العَزِيْزِ الوَزِيْر، وَأَحْمَد بن أَبِي المُطَرِّفِ البَلَنْسِيّ، وَأَحْمَد بن سَلَمَةَ اللُّوْرَقِي، وَمُحَمَّد بن عَلِيِّ بنِ هُذَيْل، وَآخَرُوْنَ. رَأَيْت "برنَامَجَه"، وَقَدْ سَمِعَ كتباً كِبَاراً، وَلَهُ تَأْلِيْف صَغِيْر فِي تسمِيَة الحُفَّاظ. قَالَ ابْنُ بَشْكُوَال: كَانَ مِنْ أَنبل أَصْحَابنَا، وَأعرفهِم بِطرِيقَة الحَدِيْث وَأَسْمَاء الرِّجَال وَأَزْمَانِهِم وَثِقَاتِهِم وَضُعفَائِهِم وَأَعمَارهِم وَآثَارهِم، وَمِنْ أَهْلِ العنَايَة الكَامِلَة بِتَقْيِيد العِلْم، وشوور في الأحكام ببلده، ثم خطب بِهِ وَقتاً، قَالَ لِي: مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ. تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ. وَمِنْ مَشَايِخه خَلَف بن إِبْرَاهِيْمَ بنِ النَّخَّاس، وَعَبْد القَادِر الصَّدَفِيّ. قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: هُوَ أَحَدُ الأَئِمَّةِ المهرَة المُتْقِنِيْنَ، وَمِنْ جهَابذَة النقَاد، اعْتَمدهُ النَّاس فِيمَا قَيَّده، وَكَانَ سَمحاً مُؤثراً عَلَى قلّةِ ذَات يَده، نَزِهَ النَّفْس، وَلِي خطَابَة مُرْسِيَة، ثُمَّ قَضَاء دانية. قلت: أنبأن بِ"المُوَطَّأ" أَحْمَدُ بنُ سَلاَمَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ القُرْطُبِيِّ بسماعه منه. 4939- البيع 2: لشيخ أَبُو بَكْرٍ، مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عُمَرَ الزُّهْرِيُّ الوَقَّاصِيُّ الدينوري، ثم البغدادي المراتبي البيع. __________ 1 ترجمته في الصلة لابن بشكوال "2/ ترجمة 1510"، وتذكرة الحفاظ "4/ ترجمة 1087"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "5/ 302"، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "4/ 142". 2 ترجمته في النجوم الزاهرة لابن تغري بردي "5/ 300"، وشذرات الذهب لابن العماد "4/ 140". |
سير أعلام النبلاء
|
البيع، ابن إدريس:
5559- البيع: الشيخ أبو بكر زيد بن أَبِي المُعَمَّرِ يَحْيَى بنِ أَحْمَدَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ الأَزَجِيُّ، البَيِّعُ. وُلِدَ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ تَقَرِيْباً. وَسَمِعَ مِنْ أَبِي الوَقْتِ عَبْدِ الأَوَّلِ، وَأَبِي بَكْرٍ ابْنِ الزَّاغُوْنِيِّ، وَهِبَةِ اللهِ بنِ الشبلي، وأحمد ابن قَفَرْجَلَ، وَأَبِي الفَتْحِ بنِ البَطِّيِّ. وَعَنْهُ: البِرْزَالِيُّ، وَابْنُ الدُّبَيْثِيِّ، وَالضِّيَاءُ، وَأَبُو المَعَالِي الأَبَرْقُوْهِيُّ، وَآخَرُوْنَ. وَقَدْ قَرَأْتُ بِخَطِّ الضِّيَاءِ الحَافِظِ: مَوْلِدَهُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِيْنَ. وَقَالَ ابْنُ نُقْطَةَ: سَمِعَ "الصَّحِيْحَ"، وَ"الدَّارِمِيَّ"، وَ"منتخبَ عَبْدٍ" مِنْ أَبِي الوَقْتِ، وَسَمَاعُهُ صَحِيْحٌ كَثِيْرٌ. ثُمَّ قَالَ: وَأَلحقَ اسْمُهُ فِي نُسْخَةِ مُحَمَّدِ بنِ السَّرِيِّ التمار، في طبقة علي ابن الزَّاغُوْنِيِّ، وَفِي جزءِ لُوَيْن عَلَى فورجَة، وَمَا أعلم أنه حدث بشيء من ذَلِكَ الملحَقِ، وَتُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ، سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ. قُلْتُ: وَأَبُوْهُ مِمَّنْ يَرْوِي عَنِ: ابْنِ الحُصَيْنِ، وَابْنُ عَمِّهِ هُوَ الوَزِيْرُ جلال الدين بن يونس. 5560- ابن إدريس 1: الشَّيْخُ القُدْوَةُ الزَّاهِدُ الكَبِيْرُ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ إِدْرِيْسَ الرَّوْحَائِيُّ، البَعْقُوْبِيُّ، صَاحِبُ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ. سَمِعَ مِنْهُ، وَمِنَ الشَّيْخِ عَلِيِّ ابْنِ الهِيْتِيِّ. رَوَى عَنْهُ الشَّيْخُ يَحْيَى بنُ الصَّرْصَرِيِّ، وَصَحِبَهُ، وَبَالَغَ فِي تَوقِيرِهِ، وَتبجِيلِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَرَ مِثْلَهُ، وَالكَمَالُ عَلِيُّ بنُ وَضَّاحٍ، وَالبدرُ سُنْقُرُ شَاهٍ النَّاصِرِيُّ، وَالشَّيْخُ عليٌّ الخَبَّازُ، وَأَبُو الفَضْلِ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي الفَرَجِ ابْن الدَّبَّابِ. وذكره ابن نقطة، لكنه كَنَّاهُ أَبَا مُحَمَّدٍ، وَقَالَ: كَانَ شَيْخَ وَقتِهِ، صَاحِبَ قُرْآنٍ وَأَدبٍ وَفضلٍ وَإِيثَارٍ، سَمِعْتُ مِنْهُ، وَسَمَاعُهُ صَحِيْحٌ. مَاتَ فِي سَلْخِ ذِي القَعْدَةِ بِالرَّوْحَاءِ، وَدُفِنَ برِبَاطِهِ، وَقبرُهُ يُزَارُ. وَالرَّوْحَاءُ قَرِيْبَةٌ مِنْ بَعْقُوبَا، عَلَى مَرْحَلَةٍ مِنْ بَغْدَادَ. تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّ مائَةٍ، فِي عَشْرِ التسعين. __________ 1 ترجمته في النجوم الزاهرة لابن تغري بردي "6/ 254"، وشذرات الذهب لابن العماد "5/ 85". |
سير أعلام النبلاء
|
البيع، ابن أبي الجود:
5591- البيع 1: الشيخ الجليل المسند أبو المحاسن محمد بن أَبِي الفَرَجِ هِبَةِ اللهِ ابنِ أَبِي حَامِدٍ عبد العزيز ابن عَلِيِّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عُمَرَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حُسَيْنِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ عُمَرَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ سَعِيْدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ نَجَا بنِ مُوْسَى ابْنِ صَاحِبِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ القُرَشِيُّ، الزُّهْرِيُّ، السَّعْدِيُّ، الدِّيْنَوَرِيُّ، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ، المَرَاتِبِيُّ، البَيِّعُ. مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلاَثِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ. وَسَمِعَ مِنْ: عَمِّهِ مُحَمَّدِ بنِ أَبِي حَامِدٍ، وَمُحَمَّدِ بنِ طِرَادٍ الزَّيْنَبِيِّ، وَعَبْدِ الخَالِقِ اليُوْسُفِيِّ، وَأَبِي الوَقْتِ السِّجْزِيِّ، وَتَفَرَّدَ فِي وَقْتِهِ، وَكَانَ أَبُوْهُ مِنْ حُجَّابِ الخِلاَفَةِ. حَدَّثَ عَنْهُ: ابن الدبيثي، وابن النجار، وأبو إسحاق ابن الواسطي، وأبو الفرج ابن الزَّيْنِ، وَأَبُو المَعَالِي الأَبَرْقُوْهِيُّ، وَطَائِفَةٌ. قَدِمَ الشَّامَ مَرَّاتٍ فِي التِّجَارَةِ، وَكَانَ ذَا ثَروَةٍ وَصلاَحٍ وحسن طريقة، وأضر في أواخر العمر. مَاتَ فِي سَادسَ عشرَ شَوَّالٍ، سَنَةَ ثَلاَثٍ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، عَنْ بِضْعٍ وَتِسْعِيْنَ. وَقَعَ لَنَا مِنْ طرِيقِهِ الخَامِسِ مِنْ "المَحَامِلِيَّاتِ". 5592- ابْنُ أبي الجود 2: الشَّيْخُ الصَّالِحُ المُعَمَّرُ أَبُو القَاسِمِ المُبَارَكُ بنُ علي بن أَبِي القَاسِمِ المُبَارَكِ بنِ عَلِيِّ بنِ أَبِي الجود البغدادي، العتابي، نسبة إلى العَتَّابِيِّينَ، الوَرَّاقُ، خَاتمُ الرُّوَاةِ عَنْ أَبِي العَبَّاسِ بنِ الطَّلاَّيَةِ. حَدَّثَ عَنْهُ: الدُّبَيْثِيُّ، وَابْنُ النَّجَّارِ، والجمال محمد بن الدَّبَّابِ، وَأَبُو المَعَالِي الأَبَرْقُوْهِيُّ، وَطَائِفَةٌ. وَقَدْ حَدَّثَ بِالمَوْصِلِ أَيْضاً. مَاتَ فِي سَلْخِ المُحَرَّمِ، سَنَةَ ثَلاَثٍ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ. رَوَى لَنَا عَنْهُ الأَبَرْقُوْهِيُّ التَّاسِعَ مِنْ حَدِيْثِ المُخَلِّصِ، عَنْ خَالِ أُمِّهِ أَحْمَدَ بنِ الطَّلاَّيَةِ، وَرَوَى أَيْضاً عُمَرُ بنُ عَبْدِ اللهِ الحَرْبِيُّ، وَكَانَ جَدُّهُ مِنْ شيوخ الحافظ ابن عساكر. __________ 1 ترجمته في شذرات الذهب "5/ 110". 2 ترجمته في شذرات الذهب "5/ 110". |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الْبَيْعُ لُغَةً مَصْدَرُ بَاعَ، وَهُوَ: مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ، أَوْ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى فِي بَعْضِ الْكُتُبِ: مُقَابَلَةُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ، أَوْ دَفْعُ عِوَضٍ وَأَخْذُ مَا عُوِّضَ عَنْهُ. وَالْبَيْعُ مِنَ الأَْضْدَادِ - كَالشِّرَاءِ - قَدْ يُطْلَقُ أَحَدُهُمَا وَيُرَادُ بِهِ الآْخَرُ، وَيُسَمَّى كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ: بَائِعًا، أَوْ بَيِّعًا. لَكِنْ إِذَا أُطْلِقَ الْبَائِعُ فَالْمُتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ فِي الْعُرْفِ أَنْ يُرَادَ بِهِ بَاذِل السِّلْعَةِ، وَذَكَرَ الْحَطَّابُ أَنَّ لُغَةَ قُرَيْشٍ اسْتِعْمَال (بَاعَ) إِذَا أَخْرَجَ الشَّيْءَ مِنْ مِلْكِهِ (وَاشْتَرَى) إِذَا أَدْخَلَهُ فِي مِلْكِهِ، وَهُوَ أَفْصَحُ، وَعَلَى ذَلِكَ اصْطَلَحَ الْعُلَمَاءُ تَقْرِيبًا لِلْفَهْمِ. وَيَتَعَدَّى الْفِعْل (بَاعَ) بِنَفْسِهِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ فَيُقَال: بِعْتُ فُلاَنًا السِّلْعَةَ، وَيَكْثُرُ الاِقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَتَقُول: بِعْتُ الدَّارَ، وَقَدْ يُزَادُ مَعَ الْفِعْل لِلتَّوْكِيدِ حَرْفٌ، مِثْل: (مِنْ) أَوِ (اللاَّمِ) فَيُقَال: بِعْتُ مِنْ فُلاَنٍ، أَوْ لِفُلاَنٍ. أَمَّا قَوْلُهُمْ: بَاعَ عَلَى فُلاَنٍ كَذَا، فَهُوَ فِيمَا بِيعَ مِنْ مَالِهِ بِدُونِ رِضَاهُ (1) . أَمَّا فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ، فَلِلْبَيْعِ تَعْرِيفَانِ: __________ (1) المصباح، والمغرب، واللسان مادة " بيع "، والحطاب 4 / 222. أَحَدُهُمَا: لِلْبَيْعِ بِالْمَعْنَى الأَْعَمِّ (وَهُوَ مُطْلَقُ الْبَيْعِ) وَالآْخَرُ: لِلْبَيْعِ بِالْمَعْنَى الأَْخَصِّ (وَهُوَ الْبَيْعُ الْمُطْلَقُ) . فَالْحَنَفِيَّةُ عَرَّفُوا الْبَيْعَ بِالْمَعْنَى الأَْعَمِّ بِمِثْل تَعْرِيفِهِ لُغَةً بِقَيْدِ (التَّرَاضِي) . لَكِنْ قَال ابْنُ الْهُمَامِ: إِنَّ التَّرَاضِيَ لاَ بُدَّ مِنْهُ لُغَةً أَيْضًا، فَإِنَّهُ لاَ يُفْهَمُ مِنْ (بَاعَ زَيْدٌ ثَوْبَهُ) إِلاَّ أَنَّهُ اسْتَبْدَل بِهِ بِالتَّرَاضِي، وَأَنَّ الأَْخْذَ غَصْبًا وَإِعْطَاءَ شَيْءٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ تَرَاضٍ لاَ يَقُول فِيهِ أَهْل اللُّغَةِ بَاعَهُ (1) وَاخْتَارَ صَاحِبُ الدُّرَرِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ التَّقْيِيدَ بِ (الاِكْتِسَابِ) بَدَل (التَّرَاضِي) احْتِرَازًا مِنْ مُقَابَلَةِ الْهِبَةِ بِالْهِبَةِ؛ لأَِنَّهَا مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ، لَكِنْ عَلَى طَرِيقِ التَّبَرُّعِ لاَ بِقَصْدِ الاِكْتِسَابِ (2) . وَعَرَّفَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى غَيْرِ مَنَافِعَ وَلاَ مُتْعَةِ لَذَّةٍ، وَذَلِكَ لِلاِحْتِزَازِ عَنْ مِثْل الإِْجَارَةِ وَالنِّكَاحِ، وَلِيَشْمَل هِبَةَ الثَّوَابِ (3) وَالصَّرْفَ وَالسَّلَمَ (4) . وَعَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ: مُقَابَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ. وَأَوْرَدَ الْقَلْيُوبِيُّ تَعْرِيفًا قَال إِنَّهُ أَوْلَى، وَنَصُّهُ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مَالِيَّةٍ تُفِيدُ مِلْكَ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ عَلَى التَّأْبِيدِ لاَ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ. ثُمَّ قَال: وَخَرَجَ بِالْمُعَاوَضَةِ نَحْوُ الْهَدِيَّةِ، وَبِالْمَالِيَّةِ نَحْوُ النِّكَاحِ، وَبِإِفَادَةِ مِلْكِ الْعَيْنِ الإِْجَارَةُ، وَبِالتَّأْبِيدِ الإِْجَارَةُ أَيْضًا، وَبِغَيْرِ وَجْهِ الْقُرْبَةِ الْقَرْضُ. __________ (1) فتح القدير 5 / 455. (2) الدرر شرح الغرر 2 / 142. (3) المراد بهبة الثواب هنا أن يهب ليعطيه الموهوب له مقابل هبته. (4) الحطاب 4 / 255. وَالْمُرَادُ بِالْمَنْفَعَةِ بَيْعُ نَحْوِ حَقِّ الْمَمَرِّ (1) . وَعَرَّفَهُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ: مُبَادَلَةُ مَالٍ - وَلَوْ فِي الذِّمَّةِ - أَوْ مَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ (كَمَمَرِّ الدَّارِ مَثَلاً) بِمِثْل أَحَدِهِمَا عَلَى التَّأْبِيدِ غَيْرِ رِبًا وَقَرْضٍ، وَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ: مُبَادَلَةُ الْمَال بِالْمَال تَمْلِيكًا وَتَمَلُّكًا (2) . أَمَّا الْبَيْعُ بِالْمَعْنَى الأَْخَصِّ، وَهُوَ الْبَيْعُ الْمُطْلَقُ، فَقَدْ ذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَعَرَّفَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى غَيْرِ مَنَافِعَ وَلاَ مُتْعَةِ لَذَّةٍ ذُو مُكَايَسَةٍ، أَحَدُ عِوَضَيْهِ غَيْرُ ذَهَبٍ وَلاَ فِضَّةٍ، مُعَيَّنٌ غَيْرُ الْعَيْنِ فِيهِ (3) . فَتَخْرُجُ هِبَةُ الثَّوَابِ بِقَوْلِهِمْ: ذُو مُكَايَسَةٍ، وَالْمُكَايَسَةُ: الْمُغَالَبَةُ، وَيَخْرُجُ الصَّرْفُ وَالْمُرَاطَلَةُ بِقَوْلِهِمْ: أَحَدُ عِوَضَيْهِ غَيْرُ ذَهَبٍ وَلاَ فِضَّةٍ، وَيَخْرُجُ السَّلَمُ بِقَوْلِهِمْ: مُعَيَّنٌ (4) . ثُمَّ لاَحَظَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ التَّعْرِيفَ لِلْبَيْعِ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْبَيْعُ وَحْدَهُ، بِاعْتِبَارِهِ أَحَدَ شِقَّيِ الْعَقْدِ، فَقَالُوا عَنْهُ إِنَّهُ: تَمْلِيكٌ بِعِوَضٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَمِنْ ثَمَّ عَرَّفُوا الشِّرَاءَ بِأَنَّهُ: تَمَلُّكٌ بِعِوَضٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ. كَمَا أَوْرَدَ الْحَطَّابُ تَعْرِيفًا شَامِلاً لِلْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ بِقَوْلِهِ: دَفْعُ عِوَضٍ فِي مُعَوَّضٍ (5) ، لِمَا يَعْتَقِدُهُ صَاحِبُ هَذَا التَّعْرِيفِ مِنْ __________ (1) شرح الروض 2 / 2، والقليوبي 2 / 152. (2) المغني والشرح الكبير 4 / 2، وكشاف القناع 3 / 146. (3) غير العين فيه، لأن غير العين في السلم لا يكون معينا بل يكون في الذمة، والمراد بالعين هنا: الذهب أو الفضة الذي هو رأس مال السلم. (4) الحطاب 4 / 225، والبهجة شرح التحفة 2 / 3. (5) الحطاب 4 / 223. أَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ لاَ يَنْقُل الْمِلْكَ وَإِنَّمَا يَنْقُل شُبْهَةَ الْمِلْكِ، ثُمَّ أَشَارَ الْحَطَّابُ إِلَى أَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الشَّيْءَ صَحِيحًا لِمُجَرَّدِ الاِعْتِقَادِ بِصِحَّتِهِ، فَالْمِلْكُ يَنْتَقِل عَلَى حُكْمِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَنْتَقِل عَلَى حُكْمِ الإِْسْلاَمِ، عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ مَعْرِفَةُ الصَّحِيحِ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْهِبَةُ، وَالْوَصِيَّةُ. 2 - الْهِبَةُ: تَمْلِيكٌ بِلاَ عِوَضٍ حَال الْحَيَاةِ. وَالْوَصِيَّةُ: تَمْلِيكٌ بِلاَ عِوَضٍ بَعْدَ الْمَوْتِ (1) . فَهُمَا يَفْتَرِقَانِ عَنِ الْبَيْعِ فِي أَنَّ الْبَيْعَ تَمْلِيكٌ بِعِوَضٍ. ب - الإِْجَارَةُ. 3 - الإِْجَارَةُ: عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ. فَالإِْجَارَةُ مُحَدَّدَةٌ بِالْمُدَّةِ أَوْ بِالْعَمَل، خِلاَفًا لِلْبَيْعِ. وَالإِْجَارَةُ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ، أَمَّا الْبَيْعُ فَهُوَ تَمْلِيكٌ لِلذَّاتِ فِي الْجُمْلَةِ (2) . ج - الصُّلْحُ. 4 - الصُّلْحُ: عَقْدٌ يَقْتَضِي قَطْعَ النِّزَاعِ وَالْخُصُومَةِ. وَعَرَّفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ: انْتِقَالٌ عَنْ حَقٍّ أَوْ دَعْوَى بِعِوَضٍ لِرَفْعِ نِزَاعٍ، أَوْ خَوْفِ وُقُوعِهِ. __________ (1) البدائع 6 / 333، وجواهر الإكليل 2 / 211، وقليوبي 3 / 156، ومغني المحتاج 2 / 6. (2) الزيلعي 2 / 151، والشرح الصغير 4 / 5 ط دار المعارف، وجواهر الإكليل 2 / 184، ومغني المحتاج 2 / 332، والمغني 5 / 433، ومنتهى الإرادات 2 / 351. وَإِذَا كَانَتِ الْمُصَالَحَةُ عَلَى أَخْذِ الْبَدَل فَالصُّلْحُ مُعَاوَضَةٌ، وَيَعْتَبِرُهُ الْفُقَهَاءُ بَيْعًا يُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطُ الْبَيْعِ. يَقُول الْفُقَهَاءُ: الصُّلْحُ عَلَى أَخْذِ شَيْءٍ غَيْرِ الْمُدَّعَى بِهِ بَيْعٌ لِذَاتِ الْمُدَّعَى بِهِ بِالْمَأْخُوذِ إِنْ كَانَ ذَاتًا، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطُ الْبَيْعِ. وَإِنْ كَانَ الْمَأْخُوذُ مَنَافِعَ فَهُوَ إِجَارَةٌ. أَمَّا الصُّلْحُ عَلَى أَخْذِ بَعْضِ الْمُدَّعَى بِهِ وَتَرْكِ بَاقِيهِ فَهُوَ هِبَةٌ. فَالصُّلْحُ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ يُعْتَبَرُ بَيْعًا (1) . د - الْقِسْمَةُ. 5 - عَرَّفَ الْحَنَفِيَّةُ الْقِسْمَةَ بِأَنَّهَا: جَمْعُ نَصِيبٍ شَائِعٍ فِي مُعَيَّنٍ، وَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهَا: تَصْيِيرُ مُشَاعٍ مِنْ مَمْلُوكِ مَالِكِينَ مُعَيَّنًا وَلَوْ بِاخْتِصَاصِ تَصَرُّفٍ فِيهِ بِقُرْعَةٍ أَوْ تَرَاضٍ. وَهِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: تَمْيِيزُ بَعْضِ الْحِصَصِ وَإِفْرَازُهَا (2) . وَاعْتَبَرَهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بَيْعًا. يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: الْقِسْمَةُ إِفْرَازُ حَقٍّ وَتَمْيِيزُ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ مِنَ الآْخَرِ، وَلَيْسَتْ بَيْعًا، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَقَال فِي الآْخَرِ: هِيَ بَيْعٌ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ: لأَِنَّهُ يُبْدِل نَصِيبَهُ مِنْ أَحَدِ السَّهْمَيْنِ بِنَصِيبِ صَاحِبِهِ مِنَ السَّهْمِ الآْخَرِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الْبَيْعِ. __________ (1) الاختيار 3 / 5، وجواهر الإكليل 2 / 102، 103، ومغني المحتاج 2 / 177، وشرح منتهى الإرادات 2 / 260. (2) البحر الرائق 8 / 167، ومنح الجليل 3 / 619، ونهاية المحتاج 8 / 269، ومنتهى الإرادات 3 / 508. وَعَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ. قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْقِسْمَةُ بَيْعٌ مِنَ الْبُيُوعِ. وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَإِنْ كَانَ فِي الْقِسْمَةِ رَدٌّ (وَقِسْمَةُ الرَّدِّ هِيَ الَّتِي يُسْتَعَانُ فِي تَعْدِيل أَنْصِبَائِهَا بِمَالٍ أَجْنَبِيٍّ) فَهِيَ بَيْعٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. جَاءَ فِي الْمُهَذَّبِ: إِنْ كَانَ فِي الْقِسْمَةِ رَدٌّ فَهِيَ بَيْعٌ؛ لأَِنَّ صَاحِبَ الرَّدِّ بِذَلِكَ الْمَال فِي مُقَابَلَةِ مَا حَصَل لَهُ مِنْ حَقِّ شَرِيكِهِ عِوَضًا. وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: إِنْ كَانَ فِي الْقِسْمَةِ رَدُّ عِوَضٍ فَهِيَ بَيْعٌ؛ لأَِنَّ صَاحِبَ الرَّدِّ يَبْذُل الْمَال عِوَضًا عَمَّا حَصَل لَهُ مِنْ مَال شَرِيكِهِ، وَهَذَا هُوَ الْبَيْعُ. وَهِيَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَغْلِبُ فِيهَا مَعْنَى تَمْيِيزِ الْحُقُوقِ فِي قِسْمَةِ الْمِثْلِيِّ. وَفِي قِسْمَةِ الْقِيَمِيِّ يَغْلِبُ فِيهَا مَعْنَى الْبَيْعِ (1) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: 6 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ مَشْرُوعٌ عَلَى سَبِيل الْجَوَازِ، دَل عَلَى جَوَازِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ وَالْمَعْقُول. فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى: {وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ} (2) وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَل: {لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (3) __________ (1) المغني 9 / 114 - 115، والمهذب 2 / 307، والكافي لابن عبد البر 2 / 876، ومنح الجليل 3 / 624، والفواكه الدواني 2 / 327، والبدائع 7 / 17. (2) سورة البقرة / 275. (3) سورة النساء / 29. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِل: أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ؟ فَقَال: عَمَل الرَّجُل بِيَدِهِ، وَكُل بَيْعٍ مَبْرُورٍ (1) وَكَذَلِكَ فِعْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِقْرَارُهُ أَصْحَابَهُ عَلَيْهِ. وَالإِْجْمَاعُ قَدِ اسْتَقَرَّ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ. أَمَّا الْمَعْقُول: فَلأَِنَّ الْحِكْمَةَ تَقْتَضِيهِ، لِتَعَلُّقِ حَاجَةِ الإِْنْسَانِ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ، وَلاَ سَبِيل إِلَى الْمُبَادَلَةِ إِلاَّ بِعِوَضٍ غَالِبًا، فَفِي تَجْوِيزِ الْبَيْعِ وُصُولٌ إِلَى الْغَرَضِ وَدَفْعٌ لِلْحَاجَةِ (2) . هَذَا هُوَ الْحُكْمُ الأَْصْلِيُّ لِلْبَيْعِ، وَلَكِنْ قَدْ تَعْتَرِيهِ أَحْكَامٌ أُخْرَى، فَيَكُونُ مَحْظُورًا إِذَا اشْتَمَل عَلَى مَا هُوَ مَمْنُوعٌ بِالنَّصِّ، لأَِمْرٍ فِي الصِّيغَةِ، أَوِ الْعَاقِدَيْنِ، أَوِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. وَكَمَا يَحْرُمُ الإِْقْدَامُ عَلَى مِثْل هَذَا الْبَيْعِ فَإِنَّهُ لاَ يَقَعُ صَحِيحًا، بَل يَكُونُ بَاطِلاً أَوْ فَاسِدًا عَلَى الْخِلاَفِ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ الْجُمْهُورِ وَالْحَنَفِيَّةِ، وَيَجِبُ فِيهِ التَّرَادُّ. عَلَى تَفْصِيلٍ يُعْرَفُ فِي مُصْطَلَحِ (بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) وَفِي أَفْرَادِ الْبُيُوعِ الْمُسَمَّاةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَفِي مُصْطَلَحَيْ (الْبَيْعُ الْبَاطِل، وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ) . وَقَدْ يَكُونُ الْحُكْمُ الْكَرَاهَةَ، وَهُوَ مَا فِيهِ نَهْيٌ غَيْرُ جَازِمٍ وَلاَ يَجِبُ فَسْخُهُ، وَمَثَّل لَهُ الْحَطَّابُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِبَيْعِ السِّبَاعِ لاَ لأَِخْذِ جُلُودِهَا (3) . __________ (1) حديث: ". . . عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور. . . " أخرجه أحمد 4 / 141 ط الميمنية، وأورده الهيثمي في المجمع 4 / 60 ط القدسي، وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط، وفيه المسعودي وهو ثقة، ولكنه اختلط، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح. (2) المغني والشرح الكبير 4 / 3، وكشاف القناع 3 / 145، والمقدمات لابن رشد الجد 3 / 213، وفتح القدير 5 / 73. (3) المراجع السابقة. وَقَدْ يَعْرِضُ لِلْبَيْعِ الْوُجُوبُ، كَمَنْ اضْطُرَّ إِلَى شِرَاءِ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ لِحِفْظِ الْمُهْجَةِ. كَمَا قَدْ يَعْرِضُ لَهُ النَّدْبُ، كَمَنْ أَقْسَمَ عَلَى إِنْسَانٍ أَنْ يَبِيعَ سِلْعَةً لاَ ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي بَيْعِهَا فَتُنْدَبُ إِجَابَتُهُ؛ لأَِنَّ إِبْرَارَ الْمُقْسَمِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ مَنْدُوبٌ. 7 - وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْبَيْعِ ظَاهِرَةٌ، فَهِيَ الرِّفْقُ بِالْعِبَادِ وَالتَّعَاوُنُ عَلَى حُصُول مَعَاشِهِمْ (1) . تَقْسِيمُ الْبَيْعِ: 8 - لِلْبَيْعِ تَقْسِيمَاتٌ عَدِيدَةٌ بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، أَهَمُّهَا تَقْسِيمُهُ بِاعْتِبَارِ (الْمَبِيعِ) وَبِاعْتِبَارِ (الثَّمَنِ) مِنْ حَيْثُ طَرِيقَةُ تَحْدِيدِهِ، وَمِنْ حَيْثُ كَيْفِيَّةُ أَدَائِهِ. وَبِاعْتِبَارِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ التَّكْلِيفِيِّ أَوِ الْوَضْعِيِّ (الأَْثَرُ) . أَوَّلاً - تَقْسِيمُ الْبَيْعِ بِاعْتِبَارِ الْمَبِيعِ: يَنْقَسِمُ الْبَيْعُ بِاعْتِبَارِ مَوْضُوعِ الْمُبَادَلَةِ فِيهِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ: الْبَيْعُ الْمُطْلَقُ: 9 - وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْعَيْنِ بِالدَّيْنِ وَهُوَ أَشْهَرُ الأَْنْوَاعِ، وَيُتِيحُ لِلإِْنْسَانِ الْمُبَادَلَةَ بِنُقُودِهِ عَلَى كُل مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الأَْعْيَانِ، وَإِلَيْهِ يَنْصَرِفُ الْبَيْعُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ فَلاَ يَحْتَاجُ كَغَيْرِهِ إِلَى تَقْيِيدٍ. بَيْعُ السَّلَمِ: 10 - وَهُوَ مُبَادَلَةُ الدَّيْنِ بِالْعَيْنِ، أَوْ بَيْعُ شَيْءٍ مُؤَجَّلٍ بِثَمَنٍ مُعَجَّلٍ (2) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (سَلَم) . __________ (1) حاشية العدوي 2 / 125، ومحاسن الإسلام للبخاري الحنفي ص 79. (2) المجلة مادة (123) . بَيْعُ الصَّرْفِ: 11 - وَهُوَ مُبَادَلَةُ الأَْثْمَانِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (صَرْف) . وَيَخُصُّ الْمَالِكِيَّةُ الصَّرْفَ بِمَا كَانَ نَقْدًا بِنَقْدٍ مُغَايِرٍ وَهُوَ بِالْعَدِّ، فَإِنْ كَانَ بِنَقْدٍ مِنْ نَوْعِهِ فَهُوَ (مُرَاطَلَةً) وَهُوَ بِالْوَزْنِ (1) بَيْعُ الْمُقَايَضَةِ: 12 - وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي (مُقَايَضَة) . ثَانِيًا - تَقْسِيمُ الْبَيْعِ بِاعْتِبَارِ طَرِيقَةِ تَحْدِيدِ الثَّمَنِ: يَنْقَسِمُ الْبَيْعُ بِاعْتِبَارِ طَرِيقَةِ تَحْدِيدِ الثَّمَنِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ هِيَ: بَيْعُ الْمُسَاوَمَةِ: 13 - وَهُوَ الْبَيْعُ الَّذِي لاَ يُظْهِرُ فِيهِ الْبَائِعُ رَأْسَ مَالِهِ. بَيْعُ الْمُزَايَدَةِ: 14 - بِأَنْ يَعْرِضَ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ فِي السُّوقِ وَيَتَزَايَدَ الْمُشْتَرُونَ فِيهَا، فَتُبَاعُ لِمَنْ يَدْفَعُ الثَّمَنَ الأَْكْثَرَ (2) . بُيُوعُ الأَْمَانَةِ: 15 - وَهِيَ الَّتِي يُحَدَّدُ فِيهَا الثَّمَنُ بِمِثْل رَأْسِ الْمَال، أَوْ أَزْيَدَ، أَوْ أَنْقَصَ. وَسُمِّيَتْ بُيُوعُ __________ (1) الحطاب 4 / 226، والدسوقي 3 / 2. (2) ويقابله الشراء بالمناقصة، وهي أن يعرض المشتري شراء سلعة موصوفة بأوصاف معينة، فيتنافس الباعة في عرض البيع بثمن أقل، ويرسو البيع على من رضي بأقل سعر، ولم نطلع على ذكر له في كتب الفقه بعد التتبع، ولكنه يسري عليه ما يسري على المزايدة مع مراعاة التقابل. الأَْمَانَةِ؛ لأَِنَّهُ يُؤْتَمَنُ فِيهَا الْبَائِعُ فِي إِخْبَارِهِ بِرَأْسِ الْمَال، وَهِيَ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ: أ - بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ، وَهُوَ الْبَيْعُ الَّذِي يُحَدَّدُ فِيهِ الثَّمَنُ بِزِيَادَةٍ عَلَى رَأْسِ الْمَال. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (مُرَابَحَة) . ب - بَيْعُ التَّوْلِيَةِ، وَهُوَ الْبَيْعُ الَّذِي يُحَدَّدُ فِيهِ رَأْسُ الْمَال نَفْسُهُ ثَمَنًا بِلاَ رِبْحٍ وَلاَ خَسَارَةٍ. انْظُرْ مُصْطَلَحَ (تَوْلِيَة) ج - بَيْعُ الْوَضِيعَةِ، أَوِ الْحَطِيطَةِ، أَوِ النَّقِيصَةِ: وَهُوَ بَيْعٌ يُحَدَّدُ فِيهِ الثَّمَنُ بِنَقْصٍ عَنْ رَأْسِ الْمَال، أَيْ بِخَسَارَةٍ، وَتَفْصِيلُهُ فِي (وَضِيعَة) . وَإِذَا كَانَ الْبَيْعُ لِجُزْءٍ مِنَ الْمَبِيعِ فَيُسَمَّى بَيْعَ (الإِْشْرَاكِ) وَلاَ يَخْرُجُ عَنِ الأَْنْوَاعِ الْمُتَقَدِّمَةِ (1) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (إِشْرَاك - تَوْلِيَة) . ثَالِثًا - تَقْسِيمُ الْبَيْعِ بِاعْتِبَارِ كَيْفِيَّةِ الثَّمَنِ: 16 - يَنْقَسِمُ الْبَيْعُ بِهَذَا الاِعْتِبَارِ إِلَى: أ - مُنْجَزِ الثَّمَنِ، وَهُوَ مَا لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ تَأْجِيل الثَّمَنِ، وَيُسَمَّى بَيْعَ النَّقْدِ، أَوِ الْبَيْعَ بِالثَّمَنِ الْحَال. ب - مُؤَجَّل الثَّمَنِ، وَهُوَ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَأْجِيل الثَّمَنِ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيل الْكَلاَمِ عَنْ هَذَا النَّوْعِ فِي مَبَاحِثِ الثَّمَنِ. ج - مُؤَجَّل الْمُثَمَّنِ، وَهُوَ بَيْعُ السَّلَمِ، وَقَدْ سَبَقَتِ الإِْشَارَةُ إِلَيْهِ. د - مُؤَجَّل الْعِوَضَيْنِ، وَهُوَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (دَيْنٌ، وَبَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) (2) . __________ (1) رد المحتار 4 / 3، وفتح القدير 5 / 455. (2) فتح القدير 5 / 455. وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ تَقْسِيمَاتٍ لِلْبَيْعِ بَلَغَتْ تِسْعَةً، تَبَعًا لِمَا تَمَّ عَلَيْهِ التَّبَادُل وَكَيْفِيَّةُ تَحْدِيدِ الثَّمَنِ وَوُجُوبِ الْخِيَارِ، وَالْحُلُول وَالنَّسِيئَةِ فِي كُلٍّ مِنَ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ، بِمَا لاَ يَخْرُجُ عَمَّا سَبَقَ (1) . وَهُنَاكَ تَقْسِيمَاتٌ أُخْرَى فَرْعِيَّةٌ بِحَسَبِ حُضُورِ الْمَبِيعِ وَغَيْبَتِهِ، وَبِحَسَبِ رُؤْيَتِهِ وَعَدَمِهَا، وَبِحَسَبِ بَتِّ الْعَقْدِ أَوِ التَّخْيِيرِ فِيهِ (2) . 17 - أَمَّا التَّقْسِيمُ بِاعْتِبَارِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فَأَنْوَاعُهُ كَثِيرَةٌ، فَمِنْ ذَلِكَ الْبَيْعُ الْمُنْعَقِدُ، وَيُقَابِلُهُ الْبَيْعُ الْبَاطِل. وَالْبَيْعُ الصَّحِيحُ وَيُقَابِلُهُ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ. وَالْبَيْعُ النَّافِذُ، وَيُقَابِلُهُ الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ. وَالْبَيْعُ اللاَّزِمُ، وَيُقَابِلُهُ الْبَيْعُ غَيْرُ اللاَّزِمِ (وَيُسَمَّى الْجَائِزَ أَوِ الْمُخَيَّرَ) وَتَفْصِيل مَا يَتَّصِل بِهَذِهِ الأَْنْوَاعِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا. وَتُنْظَرُ الْبُيُوعُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا فِي مُصْطَلَحِ (بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) . وَهُنَاكَ بُيُوعٌ مُسَمَّاةٌ بِأَسْمَاءٍ خَاصَّةٍ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهَا كَبَيْعِ النَّجْشِ، وَبَيْعِ الْمُنَابَذَةِ، وَنَحْوِهِمَا. وَتُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا. وَهُنَاكَ أَنْوَاعٌ أُخْرَى رُوعِيَ فِي تَسْمِيَتِهَا أَحْوَالٌ تَقْتَرِنُ بِالْعَقْدِ، وَتُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ، كَبَيْعِ الْمُكْرَهِ، أَوِ الْهَازِل، وَبَيْعِ التَّلْجِئَةِ، وَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ، وَبَيْعِ الْوَفَاءِ. وَلَهَا مُصْطَلَحَاتُهَا أَيْضًا. كَمَا أَنَّ (الاِسْتِصْنَاعَ) يُدْرَجُ فِي عِدَادِ الْبُيُوعِ، مَعَ الْخِلاَفِ فِي أَنَّهُ بَيْعٌ أَوْ إِجَارَةٌ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِهِ. وَهَذِهِ الْبُيُوعُ الْمُسَمَّاةُ حَظِيَتْ مِنَ الْفُقَهَاءِ. __________ (1) بداية المجتهد 2 / 108 (2) الحطاب 4 / 226. بِبَحْثٍ مُسْتَقِلٍّ عَنِ الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ، لَكِنَّهَا تَأْتِي تَالِيَةً لَهُ. وَمِنْ هُنَا جَاءَتْ تَسْمِيَةُ (الْبُيُوعِ) ؛ لأَِنَّهَا يَشْمَلُهَا مُطْلَقُ الْبَيْعِ، لَكِنَّهَا لاَ تَدْخُل فِي (الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ) كَمَا سَبَقَ أَرْكَانُ الْبَيْعِ وَشُرُوطُهُ: 18 - لِلْفُقَهَاءِ خِلاَفٌ مَشْهُورٌ فِي تَحْدِيدِ الأَْرْكَانِ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُقُودِ، هَل هِيَ الصِّيغَةُ (الإِْيجَابُ أَوِ الْقَبُول) أَوْ مَجْمُوعُ الصِّيغَةِ وَالْعَاقِدَيْنِ (الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي) وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ أَوْ مَحَل الْعَقْدِ (الْمَبِيعُ وَالثَّمَنُ) . فَالْجُمْهُورُ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) يَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا أَرْكَانُ الْبَيْعِ؛ لأَِنَّ الرُّكْنَ عِنْدَهُمْ: مَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ وُجُودُ الشَّيْءِ وَتَصَوُّرُهُ عَقْلاً، سَوَاءٌ أَكَانَ جُزْءًا مِنْ حَقِيقَتِهِ أَمْ لَمْ يَكُنْ، وَوُجُودُ الْبَيْعِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعَاقِدَيْنِ وَالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَؤُلاَءِ جُزْءًا مِنْ حَقِيقَتِهِ (1) . وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الرُّكْنَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ: هُوَ الصِّيغَةُ فَقَطْ. أَمَّا الْعَاقِدَانِ وَالْمَحَل فَمِمَّا يَسْتَلْزِمُهُ وُجُودُ الصِّيغَةِ لاَ مِنَ الأَْرْكَانِ؛ لأَِنَّ مَا عَدَا الصِّيغَةَ لَيْسَ جُزْءًا مِنْ حَقِيقَةِ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُهُ (2) . وَاسْتَحْسَنَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْمُعَاصِرِينَ تَسْمِيَةَ مَجْمُوعِ الصِّيغَةِ وَالْعَاقِدَيْنِ وَالْمَحَل (مُقَوِّمَاتِ الْعَقْدِ) : لِلاِتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ قِيَامِ الْعَقْدِ بِدُونِهَا (3) . __________ (1) الشرح الصغير 2 / 3 ط الحلبي، ومغني المحتاج 2 / 5 - 7، وشرح منتهى الإرادات 2 / 140. (2) الاختيار 2 / 4. (3) المدخل الفقهي العام 1 / 299 - 300. هَذَا، وَلِكُلٍّ مِنَ الصِّيغَةِ وَالْعَاقِدَيْنِ وَالْمَحَل شُرُوطٌ لاَ يَتَحَقَّقُ الْوُجُودُ الشَّرْعِيُّ لأَِيٍّ مِنْهَا إِلاَّ بِتَوَافُرِهَا، وَتَخْتَلِفُ تِلْكَ الشُّرُوطُ مِنْ حَيْثُ أَثَرُ وُجُودِهَا أَوْ فِقْدَانِهَا. فَمِنْهَا شُرُوطُ الاِنْعِقَادِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى تَخَلُّفِ أَحَدِهَا بُطْلاَنُ الْعَقْدِ. وَمِنْهَا شُرُوطُ الصِّحَّةِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى تَخَلُّفِ شَيْءٍ مِنْهَا بُطْلاَنُ الْعَقْدِ، أَوْ فَسَادُهُ عَلَى الْخِلاَفِ بَيْنَ الْجُمْهُورِ وَالْحَنَفِيَّةِ. وَمِنْهَا شُرُوطُ النَّفَاذِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى فَقْدِ أَحَدِهَا اعْتِبَارُ الْعَقْدِ مَوْقُوفًا. وَمِنْهَا شُرُوطُ اللُّزُومِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى تَخَلُّفِهَا أَوْ تَخَلُّفِ بَعْضِهَا عَدَمُ لُزُومِ الْعَقْدِ. وَهَذَا التَّنْوِيعُ لِلشُّرُوطِ هُوَ مَا عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ. وَفِي بَعْضِهِ خِلاَفٌ لِغَيْرِهِمْ سَيَأْتِي بَيَانُهُ. الصِّيغَةُ وَشُرُوطُهَا: 20 - الصِّيغَةُ - كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَطَّابُ (1) - هِيَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول. وَيَصْلُحُ لَهُمَا كُل قَوْلٍ يَدُل عَلَى الرِّضَا، مِثْل قَوْل الْبَائِعِ: بِعْتُكَ أَوْ أَعْطَيْتُكَ، أَوْ مَلَّكْتُكَ بِكَذَا. وَقَوْل الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ أَوْ تَمَلَّكْتُ أَوِ ابْتَعْتُ أَوْ قَبِلْتُ، وَشِبْهِ ذَلِكَ. وَالإِْيجَابُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: مَا يَصْدُرُ مِنَ الْبَائِعِ دَالًّا عَلَى الرِّضَا، وَالْقَبُول: مَا يُصْدَرُ مِنَ الْمُشْتَرِي كَذَلِكَ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الإِْيجَابَ يُطْلَقُ عَلَى مَا يَصْدُرُ أَوَّلاً مِنْ كَلاَمِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ، سَوَاءٌ __________ (1) الحطاب 4 / 228. أَكَانَ هُوَ الْبَائِعَ أَمِ الْمُشْتَرِيَ، وَالْقَبُول مَا يَصْدُرُ بَعْدَهُ (1) . وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ (إِيجَابٌ، وَقَبُولٌ) . وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ تَقَدُّمَ لَفْظِ الْمُشْتَرِي عَلَى لَفْظِ الْبَائِعِ جَائِزٌ لِحُصُول الْمَقْصُودِ (2) . وَلاَ تَخْتَلِفُ شُرُوطُ الصِّيغَةِ فِي الْبَيْعِ عَنِ الصِّيغَةِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْعُقُودِ الْمَالِيَّةِ مِمَّا خُلاَصَتُهُ كَوْنُ الصِّيغَةِ بِالْمَاضِي، أَوْ بِمَا يُفِيدُ إِنْشَاءَ الْعَقْدِ فِي الْحَال كَمَا يَأْتِي، وَتَوَافُقُ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول، فَلَوْ خَالَفَ الْقَبُول الإِْيجَابَ لَمْ يَنْعَقِدِ الْبَيْعُ. وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْقَبُول الْمُخَالِفَ لِلإِْيجَابِ يَكُونُ إِيجَابًا جَدِيدًا. وَيُشْتَرَطُ لِلصِّيغَةِ كَذَلِكَ: اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ، وَهُوَ يَجْمَعُ الْمُتَفَرِّقَاتِ فِيهِ، فَلَوْ تَرَاخَى الْقَبُول عَنِ الإِْيجَابِ أَوْ عَكْسُهُ صَحَّ الْمُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا، وَلَمْ يُلْغَ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَتَشَاغَلاَ بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا. وَيُشْتَرَطُ: عَدَمُ الْهَزْل فِي الإِْيجَابِ أَوِ الْقَبُول. وَيُشْتَرَطُ لِبَقَاءِ الإِْيجَابِ صَالِحًا: عَدَمُ رُجُوعِ الْمُوجِبِ، وَعَدَمُ وَفَاتِهِ قَبْل الْقَبُول، وَعَدَمُ هَلاَكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. وَيُشْتَرَطُ أَلاَّ يَطْرَأَ قَبْل الْقَبُول تَغْيِيرٌ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَصِيرُ مُسَمًّى آخَرَ غَيْرَ الْمُتَعَاقَدِ عَلَيْهِ، كَتَحَوُّل الْعَصِيرِ خَلًّا. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ: (عَقْدٌ) (وَصِيغَةٌ) . وَفِيمَا يَلِي بَعْضُ التَّطْبِيقَاتِ الْهَامَةِ الْخَاصَّةِ __________ (1) المجلة مادة (101) ، (102) ، والاختيار 2 / 4. (2) منح الجليل 2 / 462، وجواهر الإكليل 2 / 2، وقليوبي 2 / 153، وشرح منتهى الإرادات 2 / 140. بِصِيغَةِ الْبَيْعِ. فَضْلاً عَمَّا سَبَقَتِ الإِْشَارَةُ إِلَيْهِ مِنْ شُرُوطِ الصِّيغَةِ فِي الْعُقُودِ عَامَّةً. 21 - لاَ خِلاَفَ فِيمَا إِذَا كَانَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول بِصِيغَةِ الْمَاضِي مِثْل: بِعْتُ، أَوِ اشْتَرَيْتُ. أَوِ الْمُضَارِعِ الْمُرَادِ بِهِ الْحَال بِقَرِينَةٍ لَفْظِيَّةٍ مِثْل: أَبِيعُكَ الآْنَ أَوْ قَرِينَةٍ حَالِيَّةٍ. كَمَا إِذَا جَرَى الْعُرْفُ عَلَى اسْتِعْمَال الْمُضَارِعِ بِمَعْنَى الْحَال. وَلاَ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ إِذَا كَانَ الإِْيجَابُ أَوِ الْقَبُول بِصِيغَةِ الاِسْتِفْهَامِ، مِثْل: أَتْبِيعُنِي؟ أَوِ الْمُضَارِعِ الْمُرَادِ بِهِ الاِسْتِقْبَال، مِثْل: سَأَبِيعُكَ، أَوْ أَبِيعُكَ غَدًا. أَمَّا الأَْمْرُ مِثْل: بِعْنِي، فَإِذَا أَجَابَهُ الآْخَرُ بِقَوْلِهِ: بِعْتُكَ. كَانَ هَذَا اللَّفْظُ الثَّانِي إِيجَابًا، وَاحْتَاجَ إِلَى قَبُولٍ مِنَ الأَْوَّل (الآْمِرِ بِالْبَيْعِ) . وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (1) . أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِقَوْل الْمُشْتَرِي: بِعْنِي، وَبِقَوْل الْبَائِعِ: بِعْتُكَ، لِلدَّلاَلَةِ عَلَى الرِّضَا، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى قَبُولٍ مِنَ الأَْوَّل (2) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ قَال الْمُشْتَرِي بِلَفْظِ الْمَاضِي أَوِ الْمُضَارِعِ: بِعْتَنِي، أَوْ تَبِيعُنِي، فَقَال الْبَائِعُ: بِعْتُكَ، لَمْ يَنْعَقِدِ الْبَيْعُ حَتَّى يَقْبَل بَعْدَ ذَلِكَ (3) . __________ (1) شرح المجلة للأتاسي 2 / 32، والاختيار 2 / 4، ومغني المحتاج 2 / 5، والمغني 3 / 561. (2) منح الجليل 2 / 462، ومغني المحتاج 2 / 5، وشرح منتهى الإرادات 2 / 140، والمغني 3 / 561. (3) مغني المحتاج 2 / 5. وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِصِحَّةِ الإِْيجَابِ بِلَفْظِ الأَْمْرِ أَوِ الْمُضَارِعِ، إِذَا كَانَ فِي الْعِبَارَةِ إِيجَابٌ أَوْ قَبُولٌ ضِمْنِيٌّ، مِثْل: خُذْ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِكَذَا، فَقَال: أَخَذْتُهَا؛ لأَِنَّ (خُذْ) تَتَضَمَّنُ بِعْتُكَ فَخُذْ، وَكَذَلِكَ قَوْل الْبَائِعِ بَعْدَ إِيجَابِ الْمُشْتَرِي: يُبَارِكُ اللَّهُ لَكَ فِي السِّلْعَةِ، لأَِنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى قَبِلْتُ الْبَيْعَ. وَمِثْل ذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَنَحْوُ هَذَا لِلشَّافِعِيَّةِ فِي مِثْل: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي بِكَذَا، لأَِنَّهُ تَضَمَّنَ: بِعْنِيهِ وَأَعْتِقْهُ عَنِّي (1) 22 - وَتَدُل عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالدَّلاَلَةِ عَلَى الْمَقْصُودِ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ بِوَضْعِ اللُّغَةِ أَمْ بِجَرَيَانِ الْعُرْفِ، قَال الدُّسُوقِيُّ: يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِمَا يَدُل عَلَى الرِّضَا عُرْفًا، سَوَاءٌ دَل لُغَةً أَوْ لاَ، مِنْ قَوْلٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا. وَفِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ: الصِّيغَةُ الْقَوْلِيَّةُ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِي لَفْظٍ بِعَيْنِهِ كَبِعْتُ وَاشْتَرَيْتُ، بَل هِيَ كُل مَا أَدَّى مَعْنَى الْبَيْعِ؛ لأَِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَخُصَّهُ بِصِيغَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَيَتَنَاوَل كُل مَا أَدَّى مَعْنَاهُ (2) . 23 - وَيَحْصُل التَّوَافُقُ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول بِأَنْ يَقْبَل الْمُشْتَرِي كُل الْمَبِيعِ بِكُل الثَّمَنِ. فَلاَ تَوَافُقَ إِنْ قَبِل بَعْضَ الْعَيْنِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا الإِْيجَابُ أَوْ قَبِل عَيْنًا غَيْرَهَا، وَكَذَلِكَ لاَ تَوَافُقَ إِنْ قَبِل بِبَعْضِ الثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الإِْيجَابُ أَوْ بِغَيْرِهِ، إِلاَّ إِنْ كَانَ الْقَبُول إِلَى خَيْرٍ مِمَّا فِي الإِْيجَابِ، كَمَا __________ (1) شرح المجلة 2 / 34، والدسوقي 3 / 3، وقليوبي 2 / 153، وشرح منتهى الإرادات 2 / 140. (2) الدسوقي 3 / 3، وكشاف القناع 3 / 146. لَوْ بَاعَ شَخْصٌ السِّلْعَةَ بِأَلْفٍ فَقَبِلَهَا الْمُشْتَرِي بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، أَوِ اشْتَرَى شَخْصٌ سِلْعَةً بِأَلْفٍ فَقَبِل الْبَائِعُ بَيْعَهَا بِثَمَانِمِائَةٍ، وَهَذِهِ مُوَافَقَةٌ ضِمْنِيَّةٌ وَلَكِنْ لاَ تَلْزَمُ الزِّيَادَةُ، إِلاَّ إِنْ قَبِلَهَا الطَّرَفُ الآْخَرُ. أَمَّا الْحَطُّ مِنَ الثَّمَنِ فَجَائِزٌ وَلَوْ بَعْدَ الْبَيْعِ (1) . وَكَذَلِكَ لاَ تَوَافُقَ إِنْ بَاعَهُ سِلْعَةً بِأَلْفٍ فَقَبِل نِصْفَهَا بِخَمْسِمِائَةٍ مَثَلاً، إِلاَّ إِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ بَعْدَ هَذَا، فَيَصِيرُ الْقَبُول إِيجَابًا، وَرِضَا الْبَائِعِ بَعْدَهُ قَبُولٌ. وَصَرَّحَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهُ لَوْ قَال الْبَائِعُ: بِعْتُكَ هَذَا بِأَلْفٍ وَنِصْفَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ، فَقَبِل نِصْفَهُ جَازَ، وَمِنْهُ يُعْرَفُ حُكْمُ مَا لَوْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ بِرِضَا الْبَائِعِ بِتَجْزِئَةِ الْمَبِيعِ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّمَنِ (2) . انْعِقَادُ الْبَيْعِ بِالْمُعَاطَاةِ (أَوِ التَّعَاطِي) 24 - الْمُعَاطَاةُ هِيَ: إِعْطَاءُ كُلٍّ مِنَ الْعَاقِدَيْنِ لِصَاحِبِهِ مَا يَقَعُ التَّبَادُل عَلَيْهِ دُونَ إِيجَابٍ وَلاَ قَبُولٍ، أَوْ بِإِيجَابٍ دُونَ قَبُولٍ، أَوْ عَكْسِهِ، وَهِيَ مِنْ قَبِيل الدَّلاَلَةِ الْحَالِيَّةِ، وَيَصِحُّ بِهَا الْبَيْعُ فِي الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ كَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيِّ، خِلاَفًا لِغَيْرِهِمْ (3) . __________ (1) شرح المجلة للأتاسي 2 / 44، والشرح الصغير 2 / 9 ط الحلبي، وهامش الفروق 3 / 290، والبهجة شرح التحفة 2 / 24، وقليوبي 2 / 154، وشرح منتهى الإرادات 2 / 140. (2) المراجع السابقة. (3) شرح المجلة 2 / 36، والدسوقي 3 / 3، ومغني المحتاج 2 / 3، وشرح منتهى الإرادات 2 / 141. وَتَفْصِيل ذَلِكَ وَالْخِلاَفُ فِيهِ يُذْكَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَعَاطِي) . انْعِقَادُ الْبَيْعِ بِالْكِتَابَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ: 25 - يَصِحُّ التَّعَاقُدُ بِالْكِتَابَةِ بَيْنَ حَاضِرَيْنِ أَوْ بِاللَّفْظِ مِنْ حَاضِرٍ وَالْكِتَابَةِ مِنَ الآْخَرِ. وَكَذَلِكَ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ إِذَا أَوْجَبَ الْعَاقِدُ الْبَيْعَ بِالْكِتَابَةِ إِلَى غَائِبٍ بِمِثْل عِبَارَةِ: بِعْتُكَ دَارِي بِكَذَا، أَوْ أَرْسَل بِذَلِكَ رَسُولاً فَقَبِل الْمُشْتَرِي بَعْدَ اطِّلاَعِهِ عَلَى الإِْيجَابِ مِنَ الْكِتَابِ أَوِ الرَّسُول. وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ الْفَوْرَ فِي الْقَبُول، وَقَالُوا: يَمْتَدُّ خِيَارُ الْمَجْلِسِ لِلْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ أَوِ الْمُرْسَل إِلَيْهِ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِ قَبُولِهِ، وَلاَ يُعْتَبَرُ لِلْكَاتِبِ مَجْلِسٌ، وَلَوْ بَعْدَ قَبُول الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ، بَل يَمْتَدُّ خِيَارُهُ مَا دَامَ خِيَارُ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ. كَمَا قَالُوا: لاَ يُشْتَرَطُ إِرْسَال الْكِتَابِ أَوِ الرَّسُول فَوْرًا عَقِبَ الإِْجَابَةِ. وَلَمْ يَشْتَرِطْ غَيْرُ الشَّافِعِيَّةِ الْفَوْرَ فِي الْقَبُول، بَل صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لاَ يَضُرُّ التَّرَاخِي هُنَا بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول؛ لأَِنَّ التَّرَاخِيَ مَعَ غَيْبَةِ الْمُشْتَرِي لاَ يَدُل عَلَى إِعْرَاضِهِ عَنِ الإِْيجَابِ (1) . انْعِقَادُ الْبَيْعِ بِالإِْشَارَةِ مِنَ الأَْخْرَسِ وَغَيْرِهِ: 26 - يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِالإِْشَارَةِ مِنَ الأَْخْرَسِ إِذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً، وَلَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكِتَابَةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنَ الإِْشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ حُجَّةٌ. __________ (1) شرح المجلة 2 / 34، والخرشي 5 / 5، والحطاب 4 / 241، والقليوبي 2 / 154، وكشاف القناع 3 / 148. أَمَّا الإِْشَارَةُ غَيْرُ الْمَفْهُومَةِ فَلاَ عِبْرَةَ بِهَا. وَلاَ تُقْبَل الإِْشَارَةُ مِنَ النَّاطِقِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَعِنْدَهُمْ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِالإِْشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ وَلَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّطْقِ. وَأَمَّا مَنِ اعْتُقِل لِسَانُهُ، وَهُوَ: مَنْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْخَرَسُ فَفِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ (1) يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (اعْتِقَال اللِّسَانِ) . شُرُوطُ الْبَيْعِ: 27 - اخْتَلَفَتْ طَرِيقَةُ الْفُقَهَاءِ فِي حَصْرِ شُرُوطِ الْبَيْعِ، فَقَدْ جَعَلَهَا بَعْضُهُمْ شُرُوطًا لِصِحَّةِ الْبَيْعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، فِي حِينِ اهْتَمَّ آخَرُونَ بِذِكْرِ شُرُوطِ الْمَبِيعِ، ثُمَّ إِلْحَاقِ الثَّمَنِ فِي جَمِيعِ شُرُوطِ الْمَبِيعِ أَوْ فِي بَعْضِهَا، حَسَبَ إِمْكَانِ تَصَوُّرِهَا فِيهِ. وَلاَ تَبَايُنَ بَيْنَ مُعْظَمِ تِلْكَ الشُّرُوطِ، لِتَقَارُبِ الْمَقْصُودِ بِمَا عَبَّرُوا بِهِ عَنْهَا. وَهُنَاكَ شُرُوطٌ انْفَرَدَ بِذِكْرِهَا بَعْضُ الْمَذَاهِبِ دُونَ بَعْضٍ. وَمَعَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ شُرُوطِ الاِنْعِقَادِ وَشُرُوطِ الصِّحَّةِ، فَإِنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ شُرُوطَ الاِنْعِقَادِ شُرُوطًا لِلصِّحَّةِ؛ لأَِنَّ مَا لَمْ يَنْعَقِدْ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَلاَ عَكْسَ. وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ تِلْكَ الشُّرُوطِ عَلَى طَرِيقَةِ الْجُمْهُورِ، مَعَ الإِْشَارَةِ إِلَى مَا اعْتَبَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ مِنْهَا شَرْطَ انْعِقَادٍ (2) . __________ (1) شرح المجلة 2 / 35، والفواكه الدواني 2 / 157، والقليوبي 2 / 155. (2) الفتاوى الهندية 3 / 3، وشرح المجلة مادة: 205، 208. شُرُوطُ الْمَبِيعِ: لِلْمَبِيعِ شُرُوطٌ هِيَ: أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَوْجُودًا حِينَ الْعَقْدِ. 28 - فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ الْمَعْدُومِ، وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَهَذَا شَرْطُ انْعِقَادٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ بَيْعِ الْمَعْدُومِ بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْل أَنْ تُخْلَقَ، وَبَيْعُ الْمَضَامِينِ (وَهِيَ مَا سَيُوجَدُ مِنْ مَاءِ الْفَحْل) ، وَبَيْعُ الْمَلاَقِيحِ (وَهِيَ مَا فِي الْبُطُونِ مِنَ الأَْجِنَّةِ) وَذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلاَقِيحِ وَحَبَل الْحَبَلَةِ (1) . وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ. وَلِلْحَدِيثِ: نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ (2) . وَلاَ خِلاَفَ فِي اسْتِثْنَاءِ بَيْعِ السَّلَمِ، فَهُوَ صَحِيحٌ مَعَ أَنَّهُ بَيْعُ الْمَعْدُومِ، وَذَلِكَ لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِيهِ، وَمِنْهَا: نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الإِْنْسَانِ، وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ (3) . أَنْ يَكُونَ مَالاً: 29 - وَعَبَّرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ بِلَفْظِ: النَّفْعِ أَوِ الاِنْتِفَاعِ، ثُمَّ قَالُوا: مَا لاَ نَفْعَ __________ (1) حديث: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضامين. . . " أخرجه عبد الرزاق في مصنفه من حديث ابن عمر (8 / 21 ط المجلس العلمي) وقوى ابن حجر إسناده في التلخيص (3 / 12 ط شركة الطباعة الفنية) . (2) حديث: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر " أخرجه مسلم (3 / 1153 ط الحلبي) . (3) فتح القدير 1 / 50، والدسوقي 3 / 157 - 158، والمغني والشرح الكبير 4 / 276، والقليوبي 2 / 175 - 176. فِيهِ لَيْسَ بِمَالٍ فَلاَ يُقَابَل بِهِ، أَيْ لاَ تَجُوزُ الْمُبَادَلَةُ بِهِ. وَهُوَ شَرْطُ انْعِقَادٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَالْمَال مَا يَمِيل إِلَيْهِ الطَّبْعُ، وَيَجْرِي فِيهِ الْبَذْل وَالْمَنْعُ، فَمَا لَيْسَ بِمَالٍ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْمُبَادَلَةِ بِعِوَضٍ، وَالْعِبْرَةُ بِالْمَالِيَّةِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ، فَالْمَيْتَةُ وَالدَّمُ الْمَسْفُوحُ لَيْسَا بِمَالٍ (1) . أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِمَنْ يَلِي الْعَقْدَ: 30 - وَذَلِكَ إِذَا كَانَ يَبِيعُ بِالأَْصَالَةِ. وَاعْتَبَرَ الْحَنَفِيَّةُ هَذَا الشَّرْطَ مِنْ شُرُوطِ الاِنْعِقَادِ، وَقَسَمُوهُ إِلَى شِقَّيْنِ: الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَمْلُوكًا فِي نَفْسِهِ، فَلاَ يَنْعَقِدُ بَيْعُ الْكَلأَِ مَثَلاً، لأَِنَّهُ مِنَ الْمُبَاحَاتِ غَيْرِ الْمَمْلُوكَةِ، وَلَوْ كَانَتِ الأَْرْضُ مَمْلُوكَةً لَهُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مِلْكَ الْبَائِعِ فِيمَا يَبِيعُهُ لِنَفْسِهِ، فَلاَ يَنْعَقِدُ بَيْعُ مَا لَيْسَ مَمْلُوكًا، وَإِنْ مَلَكَهُ بَعْدُ، إِلاَّ السَّلَمَ، وَالْمَغْصُوبَ بَعْدَ ضَمَانِهِ، وَالْمَبِيعَ بِالْوَكَالَةِ، أَوِ النِّيَابَةِ الشَّرْعِيَّةِ، كَالْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ وَالْقَيِّمِ (2) . وَقَدِ اسْتَدَل لِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ بَيْعِ مَا لاَ يَمْلِكُهُ الإِْنْسَانُ بِحَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ (3) وَفِي بَيْعِ __________ (1) ابن عابدين 4 / 100، والبدائع 5 / 149، والدسوقي 3 / 10، والقليوبي 2 / 57، وشرح منتهى الإرادات 2 / 142. (2) ابن عابدين 4 / 6، 106، والبدائع 5 / 146، والفروق للقرافي 3 / 240، والقليوبي 2 / 160، وكشاف القناع 3 / 160. (3) حديث " لا تبع ما ليس عندك " أخرجه الترمذي (4 / 430 تحفة الأحوذي) وحسنه. الْفُضُولِيِّ خِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعُ الْفُضُولِيِّ) . أَنْ يَكُونَ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ: 31 - وَهُوَ شَرْطُ انْعِقَادٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ الْجَمَل الشَّارِدِ، وَلاَ بَيْعُ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَلاَ السَّمَكِ (1) فِي الْمَاءِ، لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ (2) . أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لِكُلٍّ مِنَ الْعَاقِدَيْنِ: 32 - وَهَذَا الشَّرْطُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ شَرْطُ صِحَّةٍ، لاَ شَرْطُ انْعِقَادٍ، فَإِذَا تَخَلَّفَ لَمْ يَبْطُل الْعَقْدُ، بَل يَصِيرُ فَاسِدًا. وَيَحْصُل الْعِلْمُ بِكُل مَا يُمَيِّزُ الْمَبِيعَ عَنْ غَيْرِهِ، وَيَمْنَعُ الْمُنَازَعَةَ، فَبَيْعُ الْمَجْهُول جَهَالَةً تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَبَيْعِ شَاةٍ مِنَ الْقَطِيعِ (3) . هَذَا وَقَدْ زَادَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي شُرُوطِ الْمَبِيعِ: اشْتِرَاطَ طَهَارَةِ عَيْنِهِ. كَمَا ذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ شَرْطَيْنِ آخَرِينَ هُمَا: أَنْ لاَ يَكُونَ الْبَيْعُ مِنَ الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَأَنْ لاَ يَكُونَ الْبَيْعُ مُحَرَّمًا (4) . __________ (1) ابن عابدين 4 / 6، والدسوقي 3 / 11 - 12، والفروق 3 / 240، وهامش الفروق 3 / 238، 271، والقليوبي 2 / 158، وشرح منتهى الإرادات 2 / 145. (2) حديث " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر " سبق تخريجه (ف 28) . (3) ابن عابدين 4 / 6، والدسوقي 3 / 15، وشرح منتهى الإرادات 2 / 146، والقليوبي 2 / 161. (4) منح الجليل 2 / 475 - 485، وجواهر الإكليل 2 / 4 - 6، ومغني المحتاج 2 / 11، والقليوبي 2 / 157. وَهَذِهِ الشُّرُوطُ تَنْدَرِجُ فِيمَا سَبَقَ مِنْ شُرُوطٍ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل مُحْتَرَزَاتِ هَذِهِ الشُّرُوطِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَخَلُّفِ كُلٍّ مِنْهَا فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) وَانْظُرْ أَيْضًا الْبُيُوعُ الْمُلَقَّبَةُ، كُلًّا فِي مَوْضِعِهِ. الْمَبِيعُ وَأَحْكَامُهُ وَأَحْوَالُهُ أَوَّلاً: تَعْيِينُ الْمَبِيعِ 33 - لاَ بُدَّ لِمَعْرِفَةِ الْمَبِيعِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُشْتَرِي بِالْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالْمِقْدَارِ، فَالْجِنْسُ كَالْقَمْحِ مَثَلاً، وَالنَّوْعُ كَأَنْ يَكُونَ مِنْ إِنْتَاجِ بَلَدٍ مَعْرُوفٍ، وَالْمِقْدَارُ بِالْكَيْل أَوِ الْوَزْنِ أَوْ نَحْوِهِمَا (1) . وَتَعْيِينُ الْمَبِيعِ أَمْرٌ زَائِدٌ عَنِ الْمَعْرِفَةِ بِهِ، لأَِنَّهُ يَكُونُ بِتَمْيِيزِهِ عَنْ سِوَاهُ بَعْدَ مَعْرِفَةِ ذَاتِهِ وَمِقْدَارِهِ، وَهَذَا التَّمْيِيزُ إِمَّا أَنْ يَحْصُل فِي الْعَقْدِ نَفْسِهِ بِالإِْشَارَةِ إِلَيْهِ، وَهُوَ حَاضِرٌ فِي الْمَجْلِسِ، فَيَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يُعْطِيَ الْمُشْتَرِيَ سِوَاهُ مِنْ جِنْسِهِ إِلاَّ بِرِضَاهُ. وَالإِْشَارَةُ أَبْلَغُ طُرُقِ التَّعْرِيفِ (2) . وَإِمَّا أَنْ لاَ يُعَيِّنَ الْمَبِيعَ فِي الْعَقْدِ، بِأَنْ كَانَ غَائِبًا مَوْصُوفًا، أَوْ قَدْرًا مِنْ صُبْرَةٍ حَاضِرَةٍ فِي الْمَجْلِسِ، وَحِينَئِذٍ لاَ يَتَعَيَّنُ إِلاَّ بِالتَّسْلِيمِ. وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَمُقَابِل __________ (1) شرح المجلة المادة (204) ، ومنح الجليل 2 / 486، والشرح الصغير 2 / 6 ط الحلبي، والقليوبي 2 / 161، وكشاف القناع 3 / 163، والمجموع شرح المهذب 9 / 275 - 276. (2) شرح المجلة مادة (202) ، والفواكه الدواني 2 / 121، والبهجة شرح التحفة 2 / 24، والقليوبي 2 / 163، وشرح منتهى الإرادات 2 / 146. الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَفِي الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُ الْغَائِبِ (1) . وَمِنَ الْمَبِيعِ غَيْرِ الْمُتَعَيَّنِ بَيْعُ حِصَّةٍ عَلَى الشُّيُوعِ. سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنْ عَقَارٍ أَوْ مَنْقُولٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْمُشَاعُ قَابِلاً لِلْقِسْمَةِ أَوْ غَيْرَ قَابِلٍ لَهَا، فَإِنَّ الْمَبِيعَ عَلَى الشُّيُوعِ لاَ يَتَعَيَّنُ إِلاَّ بِالْقِسْمَةِ وَالتَّسْلِيمِ (2) . وَمِمَّا يَتَّصِل بِالتَّعْيِينِ لِلْمَبِيعِ: بَيْعُ شَيْءٍ وَاحِدٍ مِنْ عِدَّةِ أَشْيَاءَ، عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ التَّعْيِينِ، أَيْ تَعْيِينِ مَا يَشْتَرِيهِ مِنْهَا، وَيُمْكِنُهُ بِذَلِكَ أَنْ يَخْتَارَ مَا هُوَ أَنْسَبُ لَهُ مِنْهَا. وَهَذَا عِنْدَ مَنْ يَقُول بِخِيَارِ التَّعْيِينِ. وَفِي جَوَازِ هَذَا الْبَيْعِ وَشُرُوطِهِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الْخِيَارِ تَفْصِيلاَتٌ (3) تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (خِيَارُ التَّعْيِينِ) . ثَانِيًا: وَسِيلَةُ مَعْرِفَةِ الْمَبِيعِ وَتَعْيِينِهِ 34 - إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ غَائِبًا عَنِ الْمَجْلِسِ وَلَمْ تَتِمَّ مَعْرِفَةُ الْمَبِيعِ بِرُؤْيَتِهِ أَوِ الإِْشَارَةِ إِلَيْهِ عَلَى مَا سَبَقَ، فَإِنَّهَا تَتِمُّ بِالْوَصْفِ الَّذِي يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ، مَعَ بَيَانِ مِقْدَارِهِ. وَإِذَا كَانَ عَقَارًا كَانَ لاَ بُدَّ مِنْ بَيَانِ حُدُودِهِ، لاِخْتِلاَفِ قِيمَةِ الْعَقَارِ __________ (1) شرح المجلة مادة (201) ، وجواهر الإكليل 2 / 7 - 9، وكشاف القناع 3 / 163 - 168، والمغني 4 / 143، ومغني المحتاج 2 / 16 - 18. (2) شرح المجلة مادة (220) ، وأسهل المدارك 2 / 281، وخبايا الزوايا مسألة 180 ص 199، ومغني المحتاج 2 / 16، والقليوبي 2 / 161، وكشاف القناع 3 / 170. (3) الهداية 3 / 30 - 31، وجواهر الإكليل 2 / 39، وكشاف القناع 3 / 205. بِاخْتِلاَفِ جِهَتِهِ وَمَوْقِعِهِ. وَإِذَا كَانَ مِنَ الْمَكِيلاَتِ أَوِ الْمَوْزُونَاتِ أَوِ الْمَذْرُوعَاتِ أَوِ الْمَعْدُودَاتِ فَإِنَّهُ تَحْصُل مَعْرِفَتُهَا بِالْمِقْدَارِ الَّذِي تُبَاعُ بِهِ (1) . وَفِي ذَلِكَ بَعْضُ التَّفْصِيلاَتِ سَيَأْتِي بَيَانُهَا قَرِيبًا. وَيَصِحُّ بَيْعُ الْجُزَافِ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِإِجْمَال الثَّمَنِ عَلَى الصُّبْرَةِ كُلِّهَا، فَيَصِحُّ بِاتِّفَاقٍ مَعَ مُرَاعَاةِ مَا ذَكَرَهُ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ شُرُوطٍ فِي بَيْعِ الْجُزَافِ. وَإِمَّا بِتَفْصِيلِهِ بِنَحْوِ: كُل صَاعٍ بِكَذَا، فَيَصِحُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ فِي قَفِيزٍ وَاحِدٍ، وَيَبْطُل فِيمَا سِوَاهُ، لِجَهَالَةِ الْمَجْمُوعِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ قَدَّرَ الصُّبْرَةَ كَأَنْ قَال: بِعْتُكَ الصُّبْرَةَ كُل صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، عَلَى أَنَّهَا مِائَةٌ، صَحَّ الْبَيْعُ إِنْ خَرَجَتْ مِائَةٌ لِتَوَافُقِ الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيل، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِائَةً، بِأَنْ خَرَجَتْ أَقَل أَوْ أَكْثَرَ، فَفِي الصَّحِيحِ لاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ، لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَ جُمْلَةِ الثَّمَنِ وَتَفْصِيلِهِ، وَالْقَوْل الثَّانِي يَصِحُّ (2) . وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمَكِيل بِالْوَزْنِ، وَعَكْسُهُ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ فِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ، أَيْ فِيمَا لاَ يَحْرُمُ __________ (1) شرح المجلة مادة (220) ، وحاشية ابن عابدين 4 / 28، والحطاب 4 / 296، والبهجة 2 / 19، وكشاف القناع 3 / 163، ومغني المحتاج 2 / 18. (2) شرح المجلة مادة (220) ، وحاشية ابن عابدين 4 / 28، ومنح الجليل 2 / 505، والشرح الصغير 2 / 10 - 11 ط الحلبي، ومغني المحتاج 2 / 17 - 18، ونهاية المحتاج 3 / 399 - 400، والمغني 4 / 142، وكشاف القناع 3 / 168. التَّفَاضُل فِيهِ، لِلنَّصِّ عَلَى ذَلِكَ فِي الرِّبَوِيَّاتِ. وَيَجُوزُ الْبَيْعُ بِمِكْيَالٍ أَوْ مِيزَانٍ خَاصٍّ، كَحَجَرٍ مُعَيَّنٍ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَارَفًا عَلَيْهِ عِنْدَ غَيْرِهِمَا. أَمَّا الْبَيْعُ بِمِكْيَالٍ غَيْرِ مُنْضَبِطٍ، بِأَنْ كَانَ يَتَّسِعُ وَيَضِيقُ فَلاَ يَجُوزُ. مَعَ اسْتِثْنَاءِ بَيْعِ الْمَاءِ بِالْقِرَبِ، فَيَجُوزُ اسْتِحْسَانًا لِجَرَيَانِ الْعُرْفِ بِهِ كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ (1) . ثَالِثًا - شُمُول الْمَبِيعِ: تَوَابِعُ الْمَبِيعِ: 35 - يَقَعُ الْبَيْعُ عَلَى الْعَيْنِ وَمَنَافِعِهَا، وَلِذَا كَانَ مِنْ مُقْتَضَاهُ أَحْيَانًا أَنْ يَدْخُل فِي الْمَبِيعِ مَالُهُ صِلَةً بِهِ، لِتَحْقِيقِ الْمَنْفَعَةِ الْمُرَادَةِ مِنْهُ، أَوْ أَنْ يَقْضِيَ الْعُرْفُ بِشُمُول الْمَبِيعِ لأَِشْيَاءَ تَدْخُل فِيهِ وَلَوْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ فِي الْعَقْدِ. كَمَا أَنَّهَا لاَ تَنْفَصِل عَنْهُ لاَ بِالاِسْتِثْنَاءِ. فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَدْخُل فِي الْمَبِيعِ مَا يَلِي: أ - مَا يَتَنَاوَلُهُ مَدْلُول اسْمِ الْمَبِيعِ، بِحَيْثُ يُعْتَبَرُ جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهِ. فَبَيْعُ الدَّارِ مَثَلاً يَدْخُل فِيهِ غُرَفُهَا، وَبَيْعُ الْخِزَانَةِ يَدْخُل فِيهِ الأَْدْرَاجُ. ب - مَا لاَ يَقْبَل الاِنْفِكَاكَ عَنِ الْمَبِيعِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْغَرَضِ مِنَ الْعَقْدِ عَلَيْهِ. فَبَيْعُ الْقُفْل يَدْخُل مَعَهُ الْمِفْتَاحُ. ج - مَا كَانَ مُتَّصِلاً بِالْمَبِيعِ اتِّصَال قَرَارٍ، بِأَنْ كَانَ __________ (1) شرح المجلة مادة (218) ، وحاشية ابن عابدين 4 / 27، والشرح الصغير 2 / 12، ومنح الجليل 2 / 497، والحطاب 4 / 280، وشرح الروض 2 / 129، وخبايا الزوايا ص 207، والمغني 4 / 318، وكشاف القناع 3 / 173. مَوْضُوعًا عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ، كَبَيْعِ الدَّارِ تَدْخُل فِيهِ الأَْبْوَابُ وَالأَْحْوَاضُ. د - مَا جَرَى الْعُرْفُ بِبَيْعِهِ مَعَ الْمَبِيعِ تَابِعًا لَهُ. كَالْخِطَامِ بِالنِّسْبَةِ لِلْبَعِيرِ (1) . فَالأَْصْل أَنَّ هَذِهِ الأُْمُورَ كُلُّهَا تَرْجِعُ إِلَى الْعُرْفِ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْبِلاَدِ، فَمَا جَرَى الْعُرْفُ فِي بَلَدٍ بِدُخُولِهِ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا دَخَل فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ هَذَا الْعُرْفُ فِي بَلَدٍ آخَرَ (2) . وَلِذَلِكَ يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنِ الذَّخِيرَةِ فِي بَيْعِ الدَّارِ: الأَْصْل أَنَّ مَا لاَ يَكُونُ مِنْ بِنَاءِ الدَّارِ وَلاَ مُتَّصِلاً بِهَا، لاَ يَدْخُل إِلاَّ إِذَا جَرَى الْعُرْفُ أَنَّ الْبَائِعَ لاَ يَمْنَعُهُ عَنِ الْمُشْتَرِي، فَالْمِفْتَاحُ يَدْخُل اسْتِحْسَانًا لاَ قِيَاسًا لِعَدَمِ اتِّصَالِهِ، وَقُلْنَا بِدُخُولِهِ بِحُكْمِ الْعُرْفِ. ثُمَّ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ شِرْبَ الدَّارِ يَدْخُل فِي دِيَارِنَا (دِمَشْقَ) لِلتَّعَارُفِ، بَل هُوَ أَوْلَى مِنْ دُخُول السَّلَمِ الْمُنْفَصِل فِي عُرْفِ مِصْرَ الْقَاهِرَةِ؛ لأَِنَّ الدَّارَ فِي دِمَشْقَ إِذَا كَانَ لَهَا مَاءٌ جَارٍ وَانْقَطَعَ عَنْهَا أَصْلاً لَمْ يُنْتَفَعْ بِهَا، وَأَيْضًا إِذَا عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ شِرْبَهَا بِعَقْدِ الْبَيْعِ لاَ يَرْضَى بِشِرَائِهَا إِلاَّ بِثَمَنٍ قَلِيلٍ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ لِلدَّارِ الَّتِي يَدْخُل فِيهَا شِرْبُهَا (3) . وَيَقُول الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ: مَا يَتْبَعُ الْعَقْدَ عُرْفًا، وَقَاعِدَةِ: مَا لاَ يَتْبَعُهُ - بَعْدَ أَنْ سَرَدَ __________ (1) شرح المجلة المواد 219 - 230 و 236، وحاشية ابن عابدين 4 / 33 - 34، ورسالته نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف (مجموعة رسائل ابن عابدين) . (2) الفروق 3 / 283، ومغني المحتاج 2 / 80 - 86، والمهذب 1 / 285، وشرح منتهى الإرادات 2 / 206 - 209. (3) ابن عابدين 4 / 34. الأَْبْوَابَ فِي ذَلِكَ - قَال: وَهَذِهِ الأَْبْوَابُ الَّتِي سَرَدْتُهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعَوَائِدِ، غَيْرُ مَسْأَلَةِ الثِّمَارِ الْمُؤَبَّرَةِ بِسَبَبِ أَنَّ مُدْرَكَهَا النَّصُّ وَالْقِيَاسُ، وَمَا عَدَاهَا مُدْرَكُهُ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ، فَإِذَا تَغَيَّرَتِ الْعَادَةُ أَوْ بَطَلَتْ بَطَلَتْ هَذِهِ الْفَتَاوَى، وَحَرُمَتِ الْفَتْوَى بِهَا لِعَدَمِ مُدْرَكِهَا فَتَأَمَّل ذَلِكَ، بَل تَتْبَعُ الْفَتْوَى هَذِهِ الْعَوَائِدَ كَيْفَمَا تَقَلَّبَتْ، كَمَا تَتْبَعُ النُّقُودُ فِي كُل عَصْرٍ وَحِينٍ، وَكُل مَا صَرَّحَ بِهِ فِي النُّقُودِ وَاقْتَضَتْهُ اللُّغَةُ فَهَذَا هُوَ الَّذِي لاَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْعَوَائِدِ، وَلاَ يُقَال: إِنَّ الْعُرْفَ اقْتَضَاهُ (1) . وَمَعْنَى شُمُول الْمَبِيعِ لِتِلْكَ الأَْشْيَاءِ أَنَّهَا تَدْخُل مَعَهُ بِالثَّمَنِ نَفْسِهِ دُونَ أَنْ يَكُونَ لَهَا حِصَّةٌ مِنَ الثَّمَنِ؛ لأَِنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ كُل مَا يَدْخُل فِي الْمَبِيعِ تَبَعًا لاَ حِصَّةَ لَهُ مِنَ الثَّمَنِ (2) . وَيُعْتَبَرُ مِثْل ذَلِكَ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - مَا كَانَ وَصْفًا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَبِيعِ، فَإِذَا تَلِفَ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْل الْقَبْضِ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي إِسْقَاطُ شَيْءٍ فِي مُقَابِلِهِ مِنَ الثَّمَنِ، بَل يَتَخَيَّرُ بَيْنَ التَّمَسُّكِ بِالْعَقْدِ وَبَيْنَ الْفَسْخِ، وَهُوَ مِنْ قَبِيل خِيَارِ فَوَاتِ الْوَصْفِ، وَذَلِكَ بِخِلاَفِ مَا لَوْ هَلَكَ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِ الْمَبِيعِ (لاَ مِنْ تَوَابِعِهِ) فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ بِهِ الْمُشْتَرِي مِنْ إِسْقَاطِ مَا يَخُصُّهُ مِنَ الثَّمَنِ. وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: إِنْ قَال بِعْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ دَخَل فِيهَا مَا اتَّصَل بِهَا مِنَ الرُّفُوفِ الْمُسَمَّرَةِ وَالْخَوَابِي وَالأَْجَاجِينِ الْمَدْفُونَةِ فِيهَا، وَكُل مَا اتَّصَل بِهَا اتِّصَال اسْتِقْرَارٍ لِمَصْلَحَتِهَا. __________ (1) الفروق للقرافي 3 / 288، الفرق (199) . (2) شرح المجلة مادة: (234) وَلاَ يَدْخُل الْمُنْفَصِل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَأَحَدُ وَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَيَدْخُل حَجَرُ الرَّحَى السُّفْلاَنِيُّ إِنْ كَانَ مُتَّصِلاً، وَلاَ يَدْخُل الْحَجَرُ الْفَوْقَانِيُّ، وَلاَ مِثْل دَلْوٍ وَحَبْلٍ وَبَكْرَةٍ وَمِفْتَاحٍ (1) . الاِسْتِثْنَاءُ مِنَ الْمَبِيعِ: 36 - يَنْبَنِي حُكْمُ الاِسْتِثْنَاءِ مِنَ الْمَبِيعِ عَلَى نَصٍّ وَضَابِطٍ مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ، مَعَ اتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ فِي بَعْضِ مَا يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ مِنْ مَسَائِل، وَاخْتِلاَفُهُمْ فِي بَعْضِهَا الآْخَرِ بِسَبَبِ اخْتِلاَفِهِمْ فِي التَّوْجِيهِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي: أَمَّا النَّصُّ فَهُوَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الثُّنْيَا إِلاَّ أَنْ تُعْلَمَ (2) . وَأَمَّا الضَّابِطُ فَهُوَ أَنَّ كُل مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مُنْفَرِدًا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ، وَمَا لاَ يَجُوزُ إِيقَاعُ الْبَيْعِ عَلَيْهِ بِانْفِرَادِهِ لاَ يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ. وَلاَ بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمُسْتَثْنَى مَعْلُومًا، لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ مَجْهُولاً عَادَ عَلَى الْبَاقِي بِالْجَهَالَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ. وَعَلَى ذَلِكَ لاَ يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ الْحَمْل مِنْ بَيْعِ الدَّابَّةِ، لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ، فَكَذَا اسْتِثْنَاؤُهُ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلاَّ فِيمَا نُقِل عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ بِصِحَّةِ اسْتِثْنَائِهِ، وَبِهِ قَال الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ، لِمَا رَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ بَاعَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا، وَلأَِنَّهُ __________ (1) المهذب 1 / 285، والمجموع 11 / 268، وكشاف القناع 3 / 275. (2) حديث " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثنيا إلا أن تعلم ". أخرجه مسلم (3 / 1175 ط الحلبي) . يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ فِي الْعِتْقِ، فَصَحَّ فِي الْبَيْعِ قِيَاسًا عَلَيْهِ. وَهَكَذَا كُل مَجْهُولٍ لاَ يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ، كَاسْتِثْنَاءِ شَاةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ مِنْ قَطِيعٍ. وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْحَائِطِ وَاسْتِثْنَاءُ شَجَرَةٍ أَوْ نَخْلَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ لأَِنَّ اسْتِثْنَاءَ الْمَجْهُول مِنَ الْمَعْلُومِ يُصَيِّرُهُ مَجْهُولاً، فَإِنْ عَيَّنَ الْمُسْتَثْنَى صَحَّ الْبَيْعُ وَالاِسْتِثْنَاءُ. وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَيَجُوزُ عِنْدَ الإِْمَامِ مَالِكٍ اسْتِثْنَاءُ نَخَلاَتٍ أَوْ شَجَرَاتٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِأَعْيَانِهَا، عَلَى أَنْ يَخْتَارَهَا، إِذَا كَانَ ثَمَرُهَا قَدْرَ الثُّلُثِ أَوْ أَقَل، وَكَانَتْ ثِمَارُ الْحَائِطِ لَوْنًا وَاحِدًا، لِخِفَّةِ الْغَرَرِ فِي ذَلِكَ. وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ ثَمَرَةٍ وَاسْتِثْنَاءُ أَرْطَالٍ مَعْلُومَةٍ مِنْهَا، لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الثُّنْيَا، وَلأَِنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ الاِسْتِثْنَاءِ مَجْهُولٌ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالشَّافِعِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ غَيْرَ أَبِي الْخَطَّابِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ وَقَوْل الطَّحَاوِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. وَيَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الإِْمَامِ مَالِكٍ إِذَا كَانَ قَدْرَ ثُلُثٍ فَأَقَل، وَالْجَوَازُ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ سِيرِينَ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُ اسْتَثْنَى مَعْلُومًا. وَيَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ جُزْءٍ مُشَاعٍ كَرُبُعٍ وَثُلُثٍ، لأَِنَّهُ لاَ يُؤَدِّي إِلَى جَهَالَةِ الْمُسْتَثْنَى وَلاَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَصَحَّ كَمَا لَوِ اشْتَرَى شَجَرَةً بِعَيْنِهَا. وَقَال أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي مُوسَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَجُوزُ. وَيَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ بَيْعُ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُول وَاسْتِثْنَاءُ رَأْسِهِ وَجِلْدِهِ وَأَطْرَافِهِ وَسَوَاقِطِهِ. وَجَوَّزَ مَالِكٌ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ فَقَطْ، إِذْ لاَ ثَمَنَ لِلسَّوَاقِطِ هُنَاكَ، وَكَرِهَهُ فِي الْحَضَرِ، وَلأَِنَّ الْمُسَافِرَ لاَ يُمْكِنُهُ الاِنْتِفَاعُ بِالْجِلْدِ وَالسَّوَاقِطِ، وَالدَّلِيل عَلَى جَوَازِ اسْتِثْنَاءِ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الثُّنْيَا إِلاَّ أَنْ تُعْلَمَ وَهَذِهِ مَعْلُومَةٌ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَرُّوا بِرَاعِي غَنَمٍ فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعَامِرٌ فَاشْتَرَيَا مِنْهُ شَاةً. وَشَرَطَا لَهُ سَلَبَهَا أَيْ جِلْدَهَا وَأَكَارِعَهَا وَبَطْنَهَا (1) وَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَمِمَّا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ مِنَ الاِسْتِثْنَاءِ مَا اعْتَبَرَهُ بَعْضُهُمْ شَرْطًا صَحِيحًا، فَأَجَازَهُ وَأَجَازَ الْبَيْعَ، وَاعْتَبَرَهُ غَيْرُهُمْ شَرْطًا فَاسِدًا، فَأَبْطَلَهُ وَأَبْطَل الْبَيْعَ. وَمِثَال ذَلِكَ: مَنْ يَبِيعُ الدَّارَ وَيُسْتَثْنَى سُكْنَاهَا شَهْرًا مَثَلاً، فَأَجَازَ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ بَاعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَلاً، وَاشْتَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَيْ رُكُوبَهُ وَفِي لَفْظٍ: قَال: بِعْتُهُ وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلاَنَهُ إِلَى أَهْلِي (2) . وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ، وَيَبْطُل الشَّرْطُ وَالْبَيْعُ، لأَِنَّهُ شَرْطٌ غَيْرُ مُلاَئِمٍ (3) . __________ (1) حديث " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة مروا براعي غنم. . . " عزاه صاحب كشاف القناع (3 / 171 ط الرياض) إلى أبي الخطاب. (2) حديث جابر في اشتراط الحمل على الجمل. أخرجه البخاري (الفتح 5 / 314 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1221 ط الحلبي) . (3) ابن عابدين 4 / 40 - 41، والهداية 3 / 25 - 26، وجواهر الإكليل 2 / 7، والبهجة شرح التحفة 2 / 32، والفواكه الدواني 2 / 238، ونهاية المحتاج 3 / 445، وشرح روض الطالب 2 / 15 - 17، والمهذب 1 / 276، وحاشية الجمل 3 / 83، والمغني 4 / 113 وما بعدها، وشرح منتهى الإرادات 2 / 148. بَيْعُ الأُْصُول: 37 - الأُْصُول: جَمْعُ أَصْلٍ، وَهُوَ مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَالْمُرَادُ بِالأُْصُول هُنَا مَا عَبَّرَ عَنْهُ النَّوَوِيُّ، بِقَوْلِهِ فِي " تَحْرِيرِهِ " الأُْصُول: الشَّجَرُ وَالأَْرْضُ (1) وَفِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: الْمُرَادُ بِالأُْصُول هُنَا: أَرْضٌ وَدُورٌ وَبَسَاتِينُ (2) . وَقَدْ دَرَجَ الْفُقَهَاءُ عَلَى إِفْرَادِ فَصْلٍ بِعِنْوَانِ (بَيْعُ الأُْصُول) ذَاكِرِينَ فِيهِ مَا يَتْبَعُ هَذِهِ الأُْصُول فِي الْبَيْعِ وَمَا لاَ يَتْبَعُهَا. وَبَيَانُ ذَلِكَ كَمَا يَأْتِي. 38 - بَيْعُ الأَْرْضِ: مَنْ بَاعَ أَرْضًا دَخَل فِيهَا الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ لاِتِّصَالِهَا بِهَا اتِّصَال قَرَارٍ، وَهِيَ مِنْ حُقُوقِهَا، وَهَذَا فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ إِلاَّ فِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَقُل بِحُقُوقِهَا فَلاَ يَدْخُل الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ لَكِنَّ الْمَذْهَبَ دُخُولُهُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ. كَمَا أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ فَسَّرُوا الشَّجَرَ الَّذِي يَتْبَعُ الأَْرْضَ بِالشَّجَرِ الرَّطْبِ، أَمَّا الْيَابِسُ فَلاَ يَدْخُل، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالسُّبْكِيُّ تَفَقُّهًا. وَقَال الإِْسْنَوِيُّ لاَ يَدْخُل جَزْمًا. كَمَا يَدْخُل فِي بَيْعِ الأَْرْضِ الْحِجَارَةُ الْمَخْلُوقَةُ وَالْمُثْبَتَةُ فِيهَا، لأَِنَّهَا مِنْ أَجْزَائِهَا، دُونَ الْمَدْفُونَةِ كَالْكَنْزِ فَلاَ تَدْخُل فِي الْبَيْعِ، وَتَكُونُ لِلْبَائِعِ، لَكِنْ قَال الْقَرَافِيُّ: لاَ تَدْخُل الْمَدْفُونَةُ إِلاَّ عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ مَنْ مَلَكَ ظَاهِرَ الأَْرْضِ مَلَكَ بَاطِنَهَا. __________ (1) أسنى المطالب 2 / 95. (2) شرح منتهى الإرادات 2 / 206. وَإِنْ كَانَ فِي الأَْرْضِ زَرْعٌ يُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَالأُْصُول لِلْمُشْتَرِي، وَالْجِزَّةُ الظَّاهِرَةُ عِنْدَ الْبَيْعِ لِلْبَائِعِ (1) . 39 - وَمَنْ بَاعَ دَارًا دَخَل فِي الْبَيْعِ بِنَاؤُهَا، وَفِنَاؤُهَا وَمَا فِيهَا مِنْ شَجَرٍ مَغْرُوسٍ، وَمَا كَانَ مُتَّصِلاً بِهَا لِمَصْلَحَتِهَا، كَسَلاَلِمَ، وَرُفُوفٍ مُسَمَّرَةٍ، وَأَبْوَابٍ وَرَحًى مَنْصُوبَةٍ، وَلاَ يَتَنَاوَل مَا فِيهَا مِنْ كَنْزٍ مَدْفُونٍ وَلاَ مَا هُوَ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا كَحَبْلٍ وَدَلْوٍ، وَلاَ مَا يُنْقَل كَحَجَرٍ وَخَشَبٍ. أَمَّا الْغَلْقُ الْمُثَبَّتُ فَيَدْخُل مِفْتَاحُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (2) . 40 - وَمَنْ بَاعَ شَجَرًا تَبِعَهُ الأَْغْصَانُ وَالْوَرَقُ وَسَائِرُ أَجْزَاءِ الشَّجَرِ، لأَِنَّهُ مِنْ أَجْزَائِهَا خُلِقَ لِمَصْلَحَتِهَا، أَمَّا الأَْرْضُ الَّتِي هِيَ مَكَانُ غَرْسِهَا فَتَدْخُل أَيْضًا فِي بَيْعِهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِنِ اشْتَرَاهَا لِلْقَرَارِ اتِّفَاقًا. وَلاَ تَدْخُل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَعَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ الاِسْمَ لاَ يَتَنَاوَلُهَا وَلاَ هِيَ تَبَعٌ لِلْمَبِيعِ. وَإِنْ كَانَ فِي الشَّجَرِ أَوِ النَّخْل ثَمَرٌ فَالْمُؤَبَّرُ لِلْبَائِعِ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا __________ (1) ابن عابدين 4 / 37، والدسوقي 3 / 170، والفروق 3 / 283، ونهاية المحتاج 4 / 116 - 123، وشرح روض الطالب 2 / 96 - 98، والمغني 4 / 85 - 88، وشرح منتهى الإرادات 2 / 207. (2) ابن عابدين 4 / 33، ومنح الجليل 2 / 725، ونهاية المحتاج 4 / 127. لِلْبَائِعِ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ (1) . أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ مُؤَبَّرَةً فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي، لأَِنَّ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَل عَلَى أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ مُؤَبَّرَةً فَهِيَ لِلْمُبْتَاعِ، وَلأَِنَّ ثَمَرَةَ النَّخْل كَالْحَمْل، لأَِنَّهُ نَمَاءٌ كَامِنٌ لِظُهُورِهِ غَايَةٌ. وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ تَدْخُل الثَّمَرَةُ مُؤَبَّرَةً أَوْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ إِلاَّ بِالشَّرْطِ (2) لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ. لَكِنْ بِرِوَايَةٍ لَيْسَ فِيهَا التَّأْبِيرُ. 41 - وَمَنْ بَاعَ حَيَوَانًا تَبِعَهُ مَا جَرَى الْعُرْفُ بِتَبَعِيَّتِهِ لَهُ كَاللِّجَامِ وَالْمِقْوَدِ وَالسَّرْجِ، وَفَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَ مَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ كَالْبَرَّةِ (الْحَلْقَةُ الَّتِي فِي أَنْفِ الدَّابَّةِ) وَكَالنَّعْل الْمُسَمَّرِ، فَهَذَا يَدْخُل فِي بَيْعِ الْحَيَوَانِ تَبَعًا. أَمَّا اللِّجَامُ وَالسَّرْجُ وَالْمِقْوَدُ، فَلاَ يَدْخُل فِي بَيْعِ الْحَيَوَانِ اقْتِصَارًا عَلَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ (3) . بَيْعُ الثِّمَارِ: 42 - يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ بَيْعُ الثِّمَارِ وَحْدَهَا مُنْفَرِدَةً عَنِ الشَّجَرِ، وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا إِلاَّ بَعْدَ بُدُوِّ صَلاَحِهَا - مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِي تَفْسِيرِ بُدُوِّ الصَّلاَحِ - هَل هُوَ ظُهُورُ النُّضْجِ وَالْحَلاَوَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ كَمَا يَقُول الْجُمْهُورُ، أَوْ هُوَ أَمْنُ الْعَاهَةِ __________ (1) حديث: " من باع نخلا قد أبرت. . . " أخرجه البخاري (الفتح 5 / 313 ط السلفية) . (2) الهداية 3 / 25، وابن عابدين 4 / 38، والفروق 3 / 285، ومنح الجليل 2 / 723، ونهاية المحتاج 4 / 130، وشرح الروض 2 / 101، والمغني 4 / 87، 93، وشرح منتهى الإرادات 2 / 209. (3) ابن عابدين 4 / 38، والهداية 3 / 25، ونهاية المحتاج 4 / 130، وشرح الروض 2 / 100، وشرح منتهى الإرادات 2 / 213. وَالْفَسَادِ كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ. وَدَلِيل الْجَوَازِ مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ: نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا (1) . قَال ابْنُ قُدَامَةَ: فَمَفْهُومُهُ إِبَاحَةُ بَيْعِهَا بَعْدَ بُدُوِّ صَلاَحِهَا، وَهَذَا عِنْدَ مَنْ يَقُول بِالْمَفْهُومِ. كَمَا أَنَّ الأَْصْل جَوَازُ كُل بَيْعٍ اسْتَكْمَل شُرُوطَهُ (2) . وَيَجُوزُ كَذَلِكَ بَيْعُ الثِّمَارِ بَعْدَ ظُهُورِهَا، وَقَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَال، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ زَادُوا عَلَى ذَلِكَ شَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَحْتَاجَ الْمُتَبَايِعَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا لِلْبَيْعِ. وَالثَّانِي: أَنْ لاَ يَتَمَالأََ أَكْثَرُ أَهْل الْبَلَدِ عَلَى الدُّخُول فِي هَذَا الْبَيْعِ (3) . فَإِنْ بِيعَ الثَّمَرُ قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ أَوْ عَلَى الإِْطْلاَقِ دُونَ بَيَانِ جَذٍّ وَلاَ تَبْقِيَةٍ فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) الْبَيْعُ بَاطِلٌ. وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ شَرَطَ التَّرْكَ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ قَطْعًا وَلاَ تَبْقِيَةً فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ أَهْل الْمَذْهَبِ، إِذَا كَانَ يُنْتَفَعُ بِهِ. وَعَلَى الصَّحِيحِ إِنْ كَانَ لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ، لأَِنَّهُ مَالٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ فِي ثَانِي الْحَال، إِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْتَفِعًا بِهِ فِي الْحَال، __________ (1) حديث: " النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها. . . " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 397 ط السلفية) . (2) ابن عابدين 4 / 38، والدسوقي 3 / 176، ونهاية المحتاج 4 / 142، والمغني 4 / 92. (3) المراجع السابقة. فَإِنْ شَرَطَ التَّرْكَ فَسَدَ الْبَيْعُ (1) . فَإِنْ بَاعَ الثَّمَرَةَ مَعَ الأَْصْل جَازَ بِالاِتِّفَاقِ، لأَِنَّهَا تَكُونُ تَبَعًا لأَِصْلٍ (2) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (ثِمَارٌ) . رَابِعًا: حُضُورُ الْمَبِيعِ وَغِيَابُهُ أ - حُضُورُ الْمَبِيعِ: 43 - مِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ الإِْشَارَةَ إِلَى الْمَبِيعِ هِيَ أَقْوَى طُرُقِ التَّعْرِيفِ وَالتَّعْيِينِ، وَلِذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ فِي حَضْرَةِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ (مَجْلِسِ الْعَقْدِ) وَتَمَّ تَعْيِينُهُ بِالإِْشَارَةِ بِحَيْثُ عَرَفَهُ الْمُشْتَرِي وَرَآهُ، فَإِنَّ الْبَيْعَ لاَزِمٌ إِذَا خَلاَ مِنْ سَبَبٍ خَاصٍّ (لاَ يَتَّصِل بِرُؤْيَةِ الْمَبِيعِ) مِنَ الأَْسْبَابِ الَّتِي يَنْشَأُ بِهَا الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي. حَتَّى لَوِ اقْتَرَنَتِ الإِْشَارَةُ بِالْوَصْفِ، وَكَانَ الْوَصْفُ مُغَايِرًا لِمَا رَآهُ الْمُشْتَرِي وَرَضِيَ بِهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بَعْدَئِذٍ بِالْوَصْفِ، مَا دَامَ الْعَقْدُ قَدْ تَمَّ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ وَالرِّضَا. وَيُعَبَّرُ عَنْ ذَلِكَ بِالْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ التَّالِيَةِ (الْوَصْفُ فِي الْحَاضِرِ لَغْوٌ، وَفِي الْغَائِبِ مُعْتَبَرٌ) . وَهَذَا بِخِلاَفِ التَّغَايُرِ بَيْنَ اسْمِ الْمَبِيعِ وَالإِْشَارَةِ إِلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ هَذِهِ الْفَرَسَ، وَأَشَارَ إِلَى نَاقَةٍ مَثَلاً، فَالتَّسْمِيَةُ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ؛ لأَِنَّ الاِسْمَ يُحَدَّدُ بِهِ جِنْسُ الْمَبِيعِ، فَهَذَا غَلَطٌ فِي الْجِنْسِ لاَ فِي الْوَصْفِ، وَالْغَلَطُ فِي الْجِنْسِ غَيْرُ مُغْتَفَرٍ، لأَِنَّهُ يَكُونُ بِهِ الْمَبِيعُ مَعْدُومًا. __________ (1) الهداية 3 / 25، وجواهر الإكليل 2 / 60، ونهاية المحتاج 4 / 144، والمغني 4 / 93. (2) المجلة مادة (65) ، والفواكه الدواني 2 / 121، والفروق 3 / 247، وتهذيب الفروق 3 / 249. وَقَدْ صَرَّحَ الْقَرَافِيُّ: بِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْجِنْسَ فِي الْبَيْعِ، بِأَنْ قَال: بِعْتُكَ ثَوْبًا امْتَنَعَ إِجْمَاعًا (1) . وَهَذَا إِذَا كَانَ الْوَصْفُ مِمَّا يُدْرِكُهُ الْمُشْتَرِي، أَمَّا لَوْ كَانَ مِمَّا يَخْفَى عَلَيْهِ، أَوْ يَحْتَاجُ إِلَى اخْتِبَارٍ، كَالْوَصْفِ لِلْبَقَرَةِ بِأَنَّهَا حَلُوبٌ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لِلْمُشْتَرِي أَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَإِنَّ فَوَاتَ الْوَصْفِ هُنَا مُؤَثِّرٌ، إِنْ كَانَ قَدِ اشْتُرِطَ فِي الْعَقْدِ، وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ حَاضِرًا مُشَارًا إِلَيْهِ. لأَِنَّ الْوَصْفَ هُنَا مُعْتَبَرٌ مِنَ الْبَائِعِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى فَوَاتِهِ خِيَارٌ لِلْمُشْتَرِي يُسَمَّى: خِيَارَ فَوَاتِ الْوَصْفِ (2) . وَيَسْتَوِي فِي اسْتِحْقَاقِ الْخِيَارِ بِفَوَاتِ الْوَصْفِ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (خِيَارِ الْوَصْفِ) . ب - غِيَابُ الْمَبِيعِ: 44 - إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ غَائِبًا، فَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ بِالْوَصْفِ الْكَاشِفِ لَهُ، عَلَى النَّحْوِ الْمُبَيَّنِ فِي عَقْدِ السَّلَمِ، وَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ دُونَ وَصْفٍ، بَل يُحَدَّدُ بِالإِْشَارَةِ إِلَى مَكَانِهِ أَوْ إِضَافَتِهِ إِلَى مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ. فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ بِالْوَصْفِ، وَهُوَ هُنَا غَيْرُ الْوَصْفِ الْمَرْغُوبِ السَّابِقِ، فَإِذَا تَبَيَّنَتِ الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ الْمَبِيعِ بَعْدَ مُشَاهَدَتِهِ وَبَيْنَ الْوَصْفِ لَزِمَ __________ (1) المجلة مادة (208) ، ومنح الجليل 2 / 678 - 679، وجواهر الإكليل 2 / 49، وشرح منتهى الإرادات 2 / 146، وكشاف القناع 3 / 271، وخبايا الزوايا ص 210، ونهاية المحتاج 3 / 396 و 401، والمهذب 1 / 294. (2) فتح القدير 5 / 136 ط بولاق. الْبَيْعُ، وَإِلاَّ كَانَ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْخُلْفِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ لِلْمُشْتَرِي هُنَا خِيَارَ الرُّؤْيَةِ، بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ سَبْقِ وَصْفِهِ أَوْ عَدَمِهِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي (خِيَارُ الْوَصْفِ، وَخِيَارُ الرُّؤْيَةِ) . لَكِنْ إِنْ تَمَّ الشِّرَاءُ عَلَى أَسَاسِ النَّمُوذَجِ، وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمَبِيعُ عَنْهُ، فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ رُؤْيَةٍ (1) . وَبَيْعُ الْغَائِبِ مَعَ الْوَصْفِ صَحِيحٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فِي الْجُمْلَةِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) فَقَدْ أَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَلَوْ لَمْ يَسْبِقْ وَصْفُهُ. وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ لاَ بُدَّ مِنَ الْوَصْفِ لأَِنَّ لِلْمُشْتَرِي هُنَا خِيَارَ الرُّؤْيَةِ عَلَى كُل حَالٍ، سَوَاءٌ مَعَ الْوَصْفِ وَالْمُطَابَقَةِ، أَوِ الْمُخَالَفَةِ، وَمَعَ عَدَمِ الْوَصْفِ. وَهُوَ خِيَارٌ حُكْمِيٌّ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى اشْتِرَاطٍ (2) . وَأَجَازَهُ الْحَنَابِلَةُ مَعَ الْوَصْفِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ لِصِحَّةِ السَّلَمِ، وَقَصَرُوا الْخِيَارَ عَلَى حَال عَدَمِ الْمُطَابَقَةِ (3) . وَأَجَازَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِثَلاَثَةِ شُرُوطٍ: أ - أَلاَّ يَكُونَ قَرِيبًا جِدًّا بِحَيْثُ تُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ؛ لأَِنَّ بَيْعَهُ غَائِبًا فِي هَذِهِ الْحَال عُدُولٌ عَنِ الْيَقِينِ إِلَى تَوَقُّعِ الضَّرَرِ فَلاَ يَجُوزُ. ب - أَلاَّ يَكُونَ بَعِيدًا جِدًّا، لِتَوَقُّعِ تَغَيُّرِهِ قَبْل التَّسْلِيمِ، أَوْ لاِحْتِمَال تَعَذُّرِ تَسْلِيمِهِ. ج - أَنْ يَصِفَهُ الْبَائِعُ بِصِفَاتِهِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ __________ (1) المجلة مادة (323 - 335) . (2) المراجع السابقة للحنفية. (3) المغني 3 / 580 - 583، وشرح منتهى الإرادات 2 / 146. الأَْغْرَاضُ بِهَا وَهِيَ صِفَاتُ السَّلَمِ. وَالأَْظْهَرُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُ الْغَائِبِ، وَهُوَ: مَا لَمْ يَرَهُ الْمُتَعَاقِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا، لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ (1) . أَمَّا الْبَيْعُ عَلَى الْبَرْنَامَجِ، وَهُوَ الدَّفْتَرُ الْمُبَيَّنَةُ فِيهِ الأَْوْصَافُ، أَوْ عَلَى الأُْنْمُوذَجِ بِأَنْ يُرِيَهُ صَاعًا وَيَبِيعَهُ الصُّبْرَةَ عَلَى أَنَّهَا مِثْلُهُ فَقَدْ أَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ صَوَّبَهُ الْمِرْدَاوِيُّ - لِمَا سَبَقَ - وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالأَْصَحُّ لِلْحَنَابِلَةِ مَنْعُهُ، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيَّةُ فِيمَا لَوْ قَال مَثَلاً: بِعْتُكَ الْحِنْطَةَ الَّتِي فِي هَذَا الْبَيْتِ، وَهَذَا أُنْمُوذَجُهَا، وَيَدْخُل الأُْنْمُوذَجُ فِي الْبَيْعِ (2) . وَلِلْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيلٌ فِيمَا إِذَا ظَهَرَ أَنَّ مَا فِي الْعَدْل الْمَبِيعِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ أَقَل أَوْ أَكْثَرُ، وَتَفْصِيلُهُ فِي (ظُهُورُ الْمَبِيعِ زَائِدًا أَوْ نَاقِصًا) . خَامِسًا: ظُهُورُ النُّقْصَانِ أَوِ الزِّيَادَةِ فِي الْمَبِيعِ: 45 - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِي الْمَبِيعِ إِذَا ظَهَرَ فِيهِ نُقْصَانٌ أَوْ زِيَادَةٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ عَلَى أَسَاسِ الْمِقْدَارِ، __________ (1) القليوبي 2 / 164، ومغني المحتاج 2 / 16، ونهاية المحتاج 3 / 401. (2) شرح منتهى الإرادات 2 / 146، والقليوبي 2 / 163 - 165، ومغني المحتاج 2 / 19، والفروع 4 / 21، والإنصاف 4 / 295. وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيل بَيْعِ الْجُزَافِ (أَوِ الْمُجَازَفَةِ) وَهُوَ مَا يُسَمَّى أَيْضًا (بَيْعَ الصُّبْرَةِ) وَمِنْهُ بَعْضُ صُوَرِ الْبَيْعِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ أَوِ الأُْنْمُوذَجِ، حَيْثُ يَظْهَرُ الْقَدْرُ مُخَالِفًا لِمَا كُتِبَ فِي الْبَرْنَامَجِ. أ - بَيْعُ الْجُزَافِ: 46 - إِذَا كَانَ الْبَيْعُ جُزَافًا فَلاَ أَثَرَ لِظُهُورِ النَّقْصِ أَوِ الزِّيَادَةِ عَمَّا تَوَقَّعَهُ الْمُشْتَرِي أَوِ الْبَائِعُ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (بَيْعِ الْجُزَافِ) . ب - بَيْعُ الْمُقَدَّرَاتِ: 47 - إِذَا ظَهَرَ نَقْصٌ أَوْ زِيَادَةٌ فِيمَا بِيعَ مُقَدَّرًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ ذَرْعٍ أَوْ عَدٍّ، فَيُنْظَرُ فِي الْمَبِيعِ، هَل هُوَ مِمَّا يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ أَوْ لاَ يَضُرُّهُ؟ كَمَا يُنْظَرُ فِي أَسَاسِ الثَّمَنِ الَّذِي تَمَّ عَلَيْهِ الْبَيْعُ هَل هُوَ مُجْمَلٌ أَوْ مُفَصَّلٌ عَلَى أَجْزَاءٍ؟ . فَإِذَا كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا لاَ يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ كَالْمَكِيلاَتِ بِأَنْوَاعِهَا، وَكَذَلِكَ بَعْضُ الْمَوْزُونَاتِ كَالْقَمْحِ، وَالْمَذْرُوعَاتِ كَالْقُمَاشِ الَّذِي يُبَاعُ بِالذِّرَاعِ، دُونَ نَظَرٍ إِلَى مَا يَكْفِي لِلثَّوْبِ الْوَاحِدِ، وَكَذَلِكَ الْمَعْدُودَاتُ الْمُتَقَارِبَةُ. فَإِنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْمَبِيعِ هِيَ لِلْبَائِعِ، وَالنَّقْصُ عَلَى حِسَابِهِ، وَلاَ حَاجَةَ فِي هَذِهِ الْحَال لِلنَّظَرِ إِلَى تَفْصِيل الثَّمَنِ أَوْ إِجْمَالِهِ. وَإِذَا كَانَ الثَّمَنُ مُفَصَّلاً، كَمَا لَوْ قَال: كُل ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ، فَالزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ، وَلاَ حَاجَةَ لِلنَّظَرِ إِلَى كَوْنِهِ يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ أَوْ لاَ. أَمَّا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ غَيْرَ مُفَصَّلٍ، وَالْمَبِيعُ مِمَّا يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ لِلْمُشْتَرِي وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ، وَلاَ يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ، لَكِنْ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي حَال النَّقْصِ، وَهُوَ خِيَارُ تَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ. وَذَلِكَ لأَِنَّ مَا لاَ يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ يُعْتَبَرُ التَّقْدِيرُ فِيهِ كَالْجُزْءِ، وَمَا يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ يُعْتَبَرُ التَّقْدِيرُ فِيهِ كَالْوَصْفِ. وَالْوَصْفُ لاَ يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ بَل يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ (1) . هَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى: أَنَّهُ إِذَا ظَهَرَ فِي الْمَبِيعِ الْمُقَدَّرِ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ إِجْبَارُ الْبَائِعِ عَلَى تَسْلِيمِ الزِّيَادَةِ، وَلاَ الْمُشْتَرِي عَلَى أَخْذِ الْبَعْضِ، وَهُنَاكَ ضَرَرٌ فِي الشَّرِكَةِ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي بِالنِّسْبَةِ لِمَا زَادَ (2) . وَلِلْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ كَوْنِ النَّقْصِ قَلِيلاً أَوْ كَثِيرًا. . فَإِنْ كَانَ قَلِيلاً لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ الْبَاقِي بِمَا يَنُوبُهُ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا كَانَ مُخَيَّرًا فِي الْبَاقِي بَيْنَ أَخْذِهِ بِمَا يَنُوبُهُ، أَوْ رَدِّهِ. وَقِيل: إِنَّ __________ (1) المجلة مادة (223 - 229) ، وحاشية ابن عابدين 4 / 30، والدرر شرح الغرر 2 / 147، ومنح الجليل 2 / 505 و 669، وجواهر الإكليل 2 / 47 - 48، والحطاب 4 / 299، ومغني المحتاج 2 / 17 - 18، ونهاية المحتاج 3 / 400 و 4 / 61، وشرح منتهى الإرادات 2 / 166، والمغني 4 / 146 - 147. (2) نهاية المحتاج 3 / 400، ومغني المحتاج 2 / 17 - 18، وشرح منتهى الإرادات 2 / 166، والمغني 4 / 146. ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الصِّفَةِ لِلْمَبِيعِ، فَإِنْ وَجَدَهُ أَكْثَرَ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِنْ وَجَدَهُ أَقَل كَانَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ رَدِّهِ (1) . وَمُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي ظُهُورِ الزِّيَادَةِ أَوِ النُّقْصَانِ: صِحَّةُ الْبَيْعِ لِلإِْشَارَةِ تَغْلِيبًا. ثُمَّ لِلشَّافِعِيَّةِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ قَابَل الْبَائِعُ الْجُمْلَةَ بِالْجُمْلَةِ، كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ الصُّبْرَةَ بِمِائَةٍ عَلَى أَنَّهَا مِائَةٌ، فَفِي حَال الزِّيَادَةِ أَوِ النُّقْصَانِ يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِمَنْ عَلَيْهِ الضَّرَرُ. أَمَّا إِنْ قَابَل الأَْجْزَاءَ بِالأَْجْزَاءِ كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ الصُّبْرَةَ كُل صَاعٍ بِدِرْهَمٍ عَلَى أَنَّهَا مِائَةُ صَاعٍ، فَإِذَا ظَهَرَتْ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ عِنْدَ الإِْسْنَوِيِّ، وَفَرَّقَ الْمَاوَرْدِيُّ بَيْنَ النُّقْصَانِ فَيَكُونُ الْبَيْعُ صَحِيحًا، وَبَيْنَ الزِّيَادَةِ فَفِيهِ الْخِلاَفُ السَّابِقُ، وَهُوَ بُطْلاَنُ الْبَيْعِ عَلَى الصَّحِيحِ، أَوْ صِحَّتُهُ عَلَى مَا يُقَابِلُهُ (2) . وَذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي أَنَّهُ إِذَا قَال: بِعْتُكَ هَذِهِ الأَْرْضَ أَوْ هَذَا الثَّوْبَ عَلَى أَنَّهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، فَبَانَ أَحَدَ عَشَرَ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: الْبَيْعُ بَاطِلٌ، لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ إِجْبَارُ الْبَائِعِ عَلَى تَسْلِيمِ الزِّيَادَةِ وَإِنَّمَا بَاعَ عَشَرَةً، وَلاَ الْمُشْتَرِي عَلَى أَخْذِ الْبَعْضِ، وَإِنَّمَا اشْتَرَى الْكُل وَعَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي الشَّرِكَةِ أَيْضًا. __________ (1) منح الجليل 2 / 505، والحطاب 4 / 299، والشرح الصغير 2 / 13 ط الحلبي. (2) مغني المحتاج 2 / 18، والمهذب 1 / 71. وَالثَّانِيَةُ: الْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَلاَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ كَالْعَيْبِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ الْبَائِعُ بَيْنَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ زَائِدًا، وَبَيْنَ تَسْلِيمِ الْعَشَرَةِ، فَإِنْ رَضِيَ بِتَسْلِيمِ الْجَمِيعِ فَلاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي، لأَِنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا، وَإِنْ أَبِي تَسْلِيمَهُ زَائِدًا فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ، وَالأَْخْذِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى وَقِسْطِ الزَّائِدِ، فَإِنْ رَضِيَ بِالأَْخْذِ أَخَذَ الْعَشَرَةَ، وَالْبَائِعُ شَرِيكٌ لَهُ بِالذِّرَاعِ. وَهَل لِلْبَائِعِ خِيَارُ الْفَسْخِ؟ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَهُ الْفَسْخُ لأَِنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي الْمُشَارَكَةِ. وَالثَّانِي: لاَ خِيَارَ لَهُ، وَقَوَّاهُ ابْنُ قُدَامَةَ، وَإِنْ بَانَ الْمَبِيعُ تِسْعَةً فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَبْطُل الْبَيْعُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالثَّانِيَةُ: الْبَيْعُ صَحِيحٌ، وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالإِْمْسَاكِ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الثَّمَنِ. وَإِنِ اشْتَرَى صُبْرَةً عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَقْفِزَةٍ، فَبَانَتْ أَحَدَ عَشَرَ، رَدَّ الزَّائِدَ وَلاَ خِيَارَ لَهُ هَاهُنَا لأَِنَّهُ ضَرَرٌ فِي الزِّيَادَةِ. وَإِنْ بَانَتْ تِسْعَةً أَخَذَهَا بِقِسْطِهَا مِنَ الثَّمَنِ. وَمَتَى سُمِّيَ الْكَيْل فِي الصُّبْرَةِ لاَ يَكُونُ قَبْضُهَا إِلاَّ بِالْكَيْل، فَإِنْ وَجَدَهَا زَائِدَةً رَدَّ الزِّيَادَةَ، وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً أَخَذَهَا بِقِسْطِهَا مِنَ الثَّمَنِ. وَهَل لَهُ الْفَسْخُ فِي حَالَةِ النُّقْصَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: لَهُ الْخِيَارُ. وَالثَّانِي: لاَ خِيَارَ لَهُ (1) . __________ (1) المغني 4 / 146 - 147. الثَّمَنُ وَأَحْكَامُهُ وَأَحْوَالُهُ أَوَّلاً: تَعْرِيفُ الثَّمَنِ: 48 - الثَّمَنُ هُوَ مَا يَبْذُلُهُ الْمُشْتَرِي مِنْ عِوَضٍ لِلْحُصُول عَلَى الْمَبِيعِ، وَالثَّمَنُ أَحَدُ جُزْأَيِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ - وَهُوَ الثَّمَنُ وَالْمُثَمَّنُ - وَهُمَا مِنْ مُقَوِّمَاتِ عَقْدِ الْبَيْعِ، وَلِذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ هَلاَكَ الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ قَبْل الْقَبْضِ يَنْفَسِخُ بِهِ الْبَيْعُ فِي الْجُمْلَةِ (1) . وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمَقْصُودَ الأَْصْلِيَّ مِنَ الْبَيْعِ هُوَ الْمَبِيعُ؛ لأَِنَّ الاِنْتِفَاعَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالأَْعْيَانِ، وَالأَْثْمَانُ وَسِيلَةٌ لِلْمُبَادَلَةِ (2) ، وَلِذَا اعْتَبَرُوا التَّقَوُّمَ فِي الثَّمَنِ شَرْطَ صِحَّةٍ، وَهُوَ فِي الْمَبِيعِ شَرْطُ انْعِقَادٍ، وَهِيَ تَفْرِقَةٌ خَاصَّةٌ بِهِمْ دُونَ الْجُمْهُورِ، فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ غَيْرَ مُتَقَوَّمٍ لَمْ يَبْطُل الْبَيْعُ عِنْدَهُمْ، بَل يَنْعَقِدُ فَاسِدًا، فَإِذَا أُزِيل سَبَبُ الْفَسَادِ صَحَّ الْبَيْعُ. كَمَا أَنَّ هَلاَكَ الثَّمَنِ قَبْل الْقَبْضِ لاَ يَبْطُل بِهِ الْبَيْعُ، بَل يَسْتَحِقُّ الْبَائِعُ بَدَلَهُ. أَمَّا هَلاَكُ الْمَبِيعِ فَإِنَّهُ يَبْطُل بِهِ الْبَيْعُ (3) . وَالثَّمَنُ غَيْرُ الْقِيمَةِ؛ لأَِنَّ الْقِيمَةَ هِيَ: مَا يُسَاوِيهِ الشَّيْءُ فِي تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ (أَهْل __________ (1) جواهر الإكليل 1 / 305، ومنح الجليل 2 / 100 و 3 / 616، وشرح الروض 2 / 64، والمجموع 9 / 269، والقليوبي 2 / 3، وشرح منتهى الإرادات 2 / 189، والإفصاح 1 / 337. (2) المجلة مادة (151) . (3) المجلة مادة (212) ، وحاشية ابن عابدين 4 / 104. الْخِبْرَةِ) ، أَمَّا الثَّمَنُ فَهُوَ كُل مَا يَتَرَاضَى عَلَيْهِ الْمُتَعَاقِدَانِ، سَوَاءٌ أَكَانَ أَكْثَرَ مِنَ الْقِيمَةِ، أَمْ أَقَل مِنْهَا، أَمْ مِثْلَهَا (1) . فَالْقِيمَةُ هِيَ الثَّمَنُ الْحَقِيقِيُّ لِلشَّيْءِ. أَمَّا الثَّمَنُ الْمُتَرَاضَى عَلَيْهِ فَهُوَ الثَّمَنُ الْمُسَمَّى. وَالسِّعْرُ هُوَ: الثَّمَنُ الْمُقَدَّرُ لِلسِّلْعَةِ. وَالتَّسْعِيرُ: تَحْدِيدُ أَسْعَارِ بَيْعِ السِّلَعِ. وَقَدْ يَكُونُ التَّسْعِيرُ مِنَ السُّلْطَانِ، ثُمَّ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنَ الْبَيْعِ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهَا أَوْ أَقَل مِنْهَا (2) . حُكْمُ التَّسْعِيرِ: 49 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التَّسْعِيرِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِوَلِيِّ الأَْمْرِ ذَلِكَ، إِذَا كَانَ الْبَاعَةُ يَتَعَدَّوْنَ الْقِيمَةَ، وَعَجَزَ الْقَاضِي عَنْ صِيَانَةِ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ إِلاَّ بِالتَّسْعِيرِ بِمَشُورَةِ أَهْل الرَّأْيِ وَالْبَصَرِ، وَذَلِكَ لِفِعْل عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ مَرَّ بِحَاطِبٍ فِي السُّوقِ فَقَال لَهُ: إِمَّا أَنْ تَرْفَعَ السِّعْرَ وَإِمَّا أَنْ تَدْخُل بَيْتَكَ فَتَبِيعَ كَيْفَ شِئْتَ (3) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى تَحْرِيمِ التَّسْعِيرِ، وَكَرَاهَةِ الشِّرَاءِ بِهِ، وَحُرْمَةِ الْبَيْعِ __________ (1) المجلة مادة (153) ، وحاشية ابن عابدين 4 / 51 و 166، وجواهر الإكليل 2 / 21. (2) المجلة مادة (154) . (3) " أثر عمر رضي الله تعالى عنه. . . " أخرجه مالك في الموطأ، وقال عنه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: إسناده صحيح (جامع الأصول 1 / 594 ط الملاح) . وَبُطْلاَنِهِ إِذَا كَانَ بِالإِْكْرَاهِ (1) . وَذَلِكَ لِحَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ، وَإِنِّي لأََرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلاَ مَالٍ (2) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (تَسْعِيرٌ) ثَانِيًا: مَا يَصْلُحُ ثَمَنًا وَمَا لاَ يَصْلُحُ: 50 - كُل مَا صَلَحَ أَنْ يَكُونَ مَبِيعًا صَلَحَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا، وَالْعَكْسُ صَحِيحٌ أَيْضًا، هَذَا مَا يُفْهَمُ مِنَ اتِّجَاهِ الْجُمْهُورِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ عَكْسَ، فَمَا صَلَحَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا قَدْ لاَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَبِيعًا (3) . وَالثَّمَنُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، وَذَلِكَ كَالنُّقُودِ وَالْمِثْلِيَّاتِ مِنْ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ أَوْ مَذْرُوعٍ أَوْ عَدَدِيٍّ مُتَقَارَبٍ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الأَْعْيَانِ الْقِيَمِيَّةِ كَمَا فِي بَيْعِ السَّلَمِ، إِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَال عَيْنًا مِنَ الْقِيَمِيَّاتِ، وَكَمَا فِي بَيْعِ الْمُقَايَضَةِ. وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ أَثْمَانٌ بِالْخِلْقَةِ، سَوَاءٌ كَانَا مَضْرُوبَيْنِ نُقُودًا أَوْ غَيْرَ مَضْرُوبَيْنِ. وَكَذَلِكَ __________ (1) المغني 3 / 164 ط القاهرة، والفتاوى الهندية 3 / 314، وشرح منتهى الإرادات 2 / 159، والكافي لابن عبد البر 2 / 730. (2) حديث: " إن الله هو المسعر. . " أخرجه الترمذي وأبو داود عن أنس رضي الله تعالى عنه. وقال عنه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط: إسناده صحيح، وصححه الترمذي وابن حبان. (جامع الأصول 1 / 595 بتحقيق الأرناؤوط) . (3) حاشية ابن عابدين 4 / 165، وشرح المجلة المواد (152، 211) للأتاسي (2 / 105) وللمحاسني (1 / 193) ، والفتاوى الهندية 3 / 122، والبهجة شرح التحفة 2 / 86، وشرح منتهى الإرادات 2 / 142، وجواهر الإكليل 1 / 305 و 2 / 5. الْفُلُوسُ أَثْمَانٌ، وَالأَْثْمَانُ لاَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ (وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ الصَّرْفَ وَالْكِرَاءَ) فَلَوْ قَال الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ السِّلْعَةَ بِهَذَا الدِّينَارِ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ، فَإِنَّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَدْفَعَ سِوَاهُ؛ لأَِنَّ النُّقُودَ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ، وَهِيَ تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، وَالَّذِي يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ يَحْصُل الْوَفَاءُ بِهِ بِأَيِّ فَرْدٍ مُمَاثِلٍ وَلاَ يَقْبَل التَّعْيِينَ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ قِيَمِيًّا فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ؛ لأَِنَّ الْقِيَمِيَّاتِ لاَ تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، وَلاَ يَحُل فَرْدٌ مِنْهَا مَحَل آخَرَ إِلاَّ بِالتَّرَاضِي (1) . ثَالِثًا: تَعْيِينُ الثَّمَنِ وَتَمْيِيزُهُ عَنِ الْمَبِيعِ 51 - لِتَمْيِيزِ الثَّمَنِ عَنِ الْمَبِيعِ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِالضَّابِطِ التَّالِي، وَهُوَ مُتَّفَقٌ مَعَ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: أ - إِذَا كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ نُقُودًا اعْتُبِرَتْ هِيَ الثَّمَنَ، وَمَا عَدَاهَا هُوَ الْمَبِيعَ مَهْمَا كَانَ نَوْعُهُ. وَلاَ يُنْظَرُ إِلَى الصِّيغَةِ، حَتَّى لَوْ قَال: بِعْتُكَ دِينَارًا بِهَذِهِ السِّلْعَةِ، فَإِنَّ الدِّينَارَ هُوَ الثَّمَنُ رَغْمَ دُخُول الْبَاءِ عَلَى (السِّلْعَةِ) وَهِيَ تَدْخُل عَادَةً عَلَى الثَّمَنِ (2) . __________ (1) حاشية ابن عابدين 5 / 272 ط الحلبي الثانية، والمجلة 2 / 243، والفروق للقرافي 3 / 255، والمجموع 9 / 269، وشرح منتهى الإرادات 2 / 205. (2) ابن عابدين 4 / 195 ط بولاق و 5 / 272 ط الحلبي، والفتاوى الهندية 3 / 13 - 15، والبهجة شرح التحفة 2 / 2، ومغني المحتاج 2 / 70، وشرح منتهى الإرادات 2 / 205. ب - إِذَا كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ أَعْيَانًا قِيَمِيَّةً، وَالآْخَرُ أَمْوَالاً مِثْلِيَّةً مُعَيَّنَةً أَيْ مُشَارًا إِلَيْهَا، فَالْقِيَمِيُّ هُوَ الْمَبِيعُ، وَالْمِثْلِيُّ هُوَ الثَّمَنُ، وَلاَ عِبْرَةَ أَيْضًا بِمَا إِذَا كَانَتِ الصِّيغَةُ تَقْتَضِي غَيْرَ هَذَا. أَمَّا إِذَا كَانَتِ الأَْمْوَال الْمِثْلِيَّةُ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ (أَيْ مُلْتَزَمَةٍ فِي الذِّمَّةِ) فَالثَّمَنُ هُوَ الْعِوَضُ الْمُقْتَرِنُ بِالْبَاءِ، كَمَا لَوْ قَال: بِعْتُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِرِطْلٍ مِنَ الأُْرْزِ، فَالأُْرْزُ هُوَ الثَّمَنُ لِدُخُول الْبَاءِ عَلَيْهِ. وَلَوْ قَال: بِعْتُكَ رِطْلاً مِنَ الأُْرْزِ بِهَذِهِ السِّلْعَةِ، فَالسِّلْعَةُ هِيَ الثَّمَنُ، وَهُوَ مِنْ بَيْعِ السَّلَمِ لأَِنَّهُ بَيْعُ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلٍ بِثَمَنٍ مُعَجَّلٍ. ج - إِذَا كَانَ كُلٌّ مِنَ الْعِوَضَيْنِ مَالاً مِثْلِيًّا، فَالثَّمَنُ هُوَ مَا اقْتَرَنَ بِالْبَاءِ كَمَا لَوْ قَال: بِعْتُكَ أُرْزًا بِقَمْحٍ، فَالْقَمْحُ هُوَ الثَّمَنُ. د - إِذَا كَانَ كُلٌّ مِنَ الْعِوَضَيْنِ مِنَ الأَْعْيَانِ الْقِيَمِيَّةِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ثَمَنٌ مِنْ وَجْهٍ وَمَبِيعٌ مِنْ وَجْهٍ (1) . وَهَذَا التَّفْصِيل لِلْحَنَفِيَّةِ. أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَإِنَّ الثَّمَنَ: هُوَ، مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْبَاءُ. وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لاَ مَانِعَ مِنْ كَوْنِ النُّقُودِ مَبِيعَةً؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنَ الْعِوَضَيْنِ مَبِيعٌ بِالآْخَرِ، وَفِي الْبَهْجَةِ: كُلٌّ مِنَ الْعِوَضَيْنِ ثَمَنٌ لِلآْخِرِ. وَمِنْ أَحْكَامِ الثَّمَنِ عَدَا مَا سَبَقَتِ الإِْشَارَةُ إِلَيْهِ: __________ (1) حاشية ابن عابدين 4 / 22، 243، ومنح الجليل 2 / 601، والبهجة 2 / 86، والمجموع 9 / 269، ومغني المحتاج 2 / 70، وشرح منتهى الإرادات 2 / 205. أ - إِذَا تَنَازَعَ الْمُتَعَاقِدَانِ فِيمَنْ يُسَلِّمُ أَوَّلاً، فَإِنَّهُ يَجِبُ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ أَوَّلاً قَبْل تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ. ب - كُلْفَةُ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَكُلْفَةُ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ عَلَى الْبَائِعِ. ج - اشْتِرَاطُ الْقَبْضِ لِجَوَازِ التَّصَرُّفِ فِي الْعِوَضِ خَاصٌّ بِالْمَبِيعِ لاَ بِالثَّمَنِ، عَلَى تَفْصِيلٍ يُعْرَفُ فِي (بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْل قَبْضِهِ) د - تَأْجِيل الثَّمَنِ (رَأْسُ الْمَال) فِي بَيْعِ السَّلَمِ لاَ يَجُوزُ، بِخِلاَفِ الْمَبِيعِ فَهُوَ مُؤَجَّلٌ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ. وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ (1) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (ثَمَن) . رَابِعًا: إِبْهَامُ الثَّمَنِ 52 - إِذَا بَيَّنَ ثَمَنًا وَأَطْلَقَ، فَلَمْ يُبَيِّنْ نَوْعَهُ، كَمَا لَوْ قَال: بِكَذَا دِينَارًا، وَفِي بَلَدِ الْعَقْدِ أَنْوَاعٌ مِنَ الدَّنَانِيرِ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْقِيمَةِ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الرَّوَاجِ، فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ لِجَهَالَةِ مِقْدَارِ الثَّمَنِ. أَمَّا إِذَا كَانَ بَعْضُهَا أَرْوَجُ، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَيَنْصَرِفُ إِلَى الأَْرْوَجِ، كَمَا لَوْ قَال فِي الْكُوَيْتِ: بِعْتُكَ بِدِينَارٍ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَالثَّمَنُ دَنَانِيرُ كُوَيْتِيَّةٌ، لأَِنَّهَا أَرْوَجُ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الدَّنَانِيرِ الْمَوْجُودَةِ فِي مَحَل الْعَقْدِ (2) . هَذَا وَتَفْصِيل أَحْكَامِ الثَّمَنِ تُنْظَرُ فِي (ثَمَنٍ) . __________ (1) الصاوي على الشرح الصغير 2 / 71 - 72 ط الحلبي، والمجموع 9 / 273، ومغني المحتاج 2 / 70 و 73 و 74، والمغني 4 / 126 و 218، و 220، وشرح منتهى الإرادات 2 / 191. (2) المجلة مادة (241، 244) ، والكافي لابن عبد البر 2 / 726، والبهجة 2 / 11، والقليوبي 2 / 162، ومغني المحتاج 2 / 17، والإفصاح 1 / 325. خَامِسًا: تَحْدِيدُ الثَّمَنِ بِالنَّظَرِ إِلَى رَأْسِ الْمَال: 53 - تَحْدِيدُ الثَّمَنِ إِمَّا أَنْ يُعْلَمَ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالإِْشَارَةِ، وَهِيَ أَبْلَغُ طُرُقِ التَّعْرِيفِ، سَوَاءٌ بَيَّنَ الْمِقْدَارَ أَمْ لَمْ يُبَيِّنْ. كَمَا لَوْ بَاعَ سِلْعَةً بِصُرَّةٍ مِنَ الدَّنَانِيرِ، وَأَشَارَ إِلَيْهَا. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ غَائِبًا عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَحِينَئِذٍ لاَ بُدَّ مِنْ بَيَانِ نَوْعِهِ وَوَصْفِهِ وَقَدْرِهِ. ثُمَّ إِنَّ الثَّمَنَ إِمَّا أَنْ لاَ يُبْنَى عَلَى ثَمَنِ الشِّرَاءِ (رَأْسُ مَال الْبَائِعِ) أَوْ يُبْنَى عَلَى ذَلِكَ بِلاَ رِبْحٍ وَلاَ خَسَارَةٍ، أَوْ بِرِبْحٍ مَعْلُومٍ، أَوْ بِخَسَارَةٍ مَعْلُومَةٍ. فَالأَْوَّل، وَهُوَ مَا لاَ يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى ثَمَنِ الشِّرَاءِ، هُوَ: بَيْعُ الْمُسَاوَمَةِ، وَهُوَ الأَْغْلَبُ فِي الْبُيُوعِ. أَمَّا النَّوْعُ الآْخَرُ فَهُوَ بَيْعُ الأَْمَانَةِ. وَيَنْقَسِمُ إِلَى: تَوْلِيَةٍ، وَهُوَ الْبَيْعُ بِمِثْل الثَّمَنِ الأَْوَّل. وَإِذَا كَانَ لِبَعْضِ الْمَبِيعِ بِنِسْبَتِهِ مِنَ الثَّمَنِ الأَْوَّل فَهُوَ إِشْرَاكٌ. وَإِنْ كَانَ بِرِبْحٍ فَهُوَ مُرَابَحَةٌ. أَوْ بِخَسَارَةٍ فَهُوَ وَضِيعَةٌ (1) . وَتَفْصِيل هَذِهِ الْبُيُوعِ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا. أَحْكَامٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ أَوَّلاً: الزِّيَادَةُ فِي الْمَبَيْعِ أَوِ الثَّمَنِ. 54 - يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَزِيدَ فِي الثَّمَنِ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَزِيدَ فِي الْمَبِيعِ. عَلَى أَنْ يَقْتَرِنَ ذَلِكَ بِقَبُول الطَّرَفِ الآْخَرِ فِي مَجْلِسِ الزِّيَادَةِ. __________ (1) المجلة مادة (239) وما بعدها، والفواكه الدواني 2 / 109، والصاوي على الشرح الصغير 2 / 77 ط الحلبي. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ قَائِمًا، إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ، لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ هَالِكًا قُوبِلَتِ الزِّيَادَةُ بِمَعْدُومٍ، وَإِذَا كَانَ فِي حُكْمِ الْهَالِكِ - وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ - قُوبِلَتِ الزِّيَادَةُ بِمَا هُوَ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ. وَلاَ فَرْقَ فِيمَا لَوْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ بَعْدَ التَّقَابُضِ أَوْ قَبْلَهُ، أَوْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الْمَبِيعِ أَوِ الثَّمَنِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ. وَحُكْمُ الزِّيَادَةِ أَنَّهَا تَعْدِيلٌ لِلْعَقْدِ السَّابِقِ وَلَيْسَتْ هِبَةً، وَلِذَا لاَ تَحْتَاجُ إِلَى الْقَبْضِ الْمَشْرُوطِ لِتَمَامِ الْهِبَةِ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ. هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ بَعْدَ لُزُومِ الْبَيْعِ بِانْقِضَاءِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَخِيَارِ الشَّرْطِ لاَ تُلْحَقُ، بَل هِيَ فِي حُكْمِ الْهِبَةِ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ (1) . ثَانِيًا: الْحَطُّ مِنَ الْمَبِيعِ أَوِ الثَّمَنِ 55 - يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي الْحَطُّ مِنَ الْمَبِيعِ، وَيَجُوزُ لِلْبَائِعِ الْحَطُّ مِنَ الثَّمَنِ، إِذَا قَبِل الطَّرَفُ الآْخَرُ فِي مَجْلِسِ الْحَطِّ، وَيَسْتَوِي أَنْ يَكُونَ الْحَطُّ بَعْدَ التَّقَابُضِ أَوْ قَبْلَهُ، فَلَوْ حَطَّ الْمُشْتَرِي أَوِ الْبَائِعُ __________ (1) حاشية ابن عابدين 4 / 167، وتهذيب الفروق 3 / 290، والشرح الصغير 2 / 78، وحاشية الدسوقي 3 / 165، ومنح الجليل 3 / 615، والمجموع 9 / 370، والمهذب 1 / 296، وهامش شرح الروض 2 / 64، ونهاية المحتاج 4 / 44، والإفصاح 1 / 347، وشرح منتهى الإرادات 2 / 151 و 446. بَعْدَ الْقَبْضِ كَانَ لِلآْخَرِ حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ لِلْمَحْطُوطِ. وَلاَ يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ حَطِّ الْبَائِعِ مِنَ الثَّمَنِ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ قَائِمًا؛ لأَِنَّ الْحَطَّ إِسْقَاطٌ، وَلاَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ. أَمَّا فِي حَطِّ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الْمَبِيعِ عَنِ الْبَائِعِ، فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ دَيْنًا ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ لِيَقْبَل الْحَطَّ. أَمَّا لَوْ كَانَ عَيْنًا مُعَيَّنَةً فَإِنَّهُ لاَ يَصِحُّ الْحَطُّ مِنَ الْمَبِيعِ حِينَئِذٍ؛ لأَِنَّ الأَْعْيَانَ لاَ تَقْبَل الإِْسْقَاطَ (1) (ر: إِبْرَاءٌ، وَإِسْقَاطٌ) . ثَالِثًا: آثَارُ الزِّيَادَةِ أَوِ الْحَطِّ. 56 - مِنَ الْمُقَرَّرِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الزِّيَادَةَ وَالْحَطَّ يَلْتَحِقَانِ بِأَصْل الْعَقْدِ السَّابِقِ بِطَرِيقِ الاِسْتِنَادِ، مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ. بِمَعْنَى أَنَّهُ تَثْبُتُ لِلزِّيَادَةِ فِي الْمَبِيعِ حِصَّةٌ مِنَ الثَّمَنِ، كَمَا لَوْ كَانَ الثَّمَنُ مُقَسَّمًا عَلَى الأَْصْل وَالزِّيَادَةِ، وَكَذَلِكَ عَكْسُهُ إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ. وَمِنْ آثَارِ ذَلِكَ: أ - إِذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ قَبْل الْقَبْضِ وَبَقِيَتِ الزِّيَادَةُ، أَوْ هَلَكَتِ الزِّيَادَةُ وَبَقِيَ الْمَبِيعُ، سَقَطَتْ حِصَّةُ الْهَالِكِ مِنَ الثَّمَنِ. وَهَذَا بِخِلاَفِ الزِّيَادَةِ النَّاشِئَةِ مِنَ الْمَبِيعِ نَفْسِهِ. __________ (1) شرح المجلة (المادة 256) ، والصاوي على الشرح الصغير 2 / 79، ومنح الجليل 3 / 425 - 426، وشرح منتهى الإرادات 2 / 183، والمغني 5 / 658 - 659 و 4 / 542 - 543، ومغني المحتاج 2 / 65 - 66. ب - لِلْبَائِعِ حَبْسُ جَمِيعِ الْمَبِيعِ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ الأَْصْلِيَّ وَالزِّيَادَةَ عَلَيْهِ. ج - إِمْكَانُ الْبَيْعِ بِالأَْمَانَةِ مِنْ مُرَابَحَةٍ أَوْ تَوْلِيَةٍ أَوْ وَضِيعَةٍ، فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِالثَّمَنِ بَعْدَ الزِّيَادَةِ أَوِ الْحَطِّ. د - إِذَا اسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ، وَقُضِيَ بِهِ لِلْمُسْتَحِقِّ؟ ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ مِنْ أَصْلٍ وَزِيَادَةٍ. وَكَذَلِكَ فِي الرُّجُوعِ بِالْعَيْبِ. هـ - فِي الأَْخْذِ بِالشُّفْعَةِ، يَأْخُذُ الشَّفِيعُ الْعَقَارَ بِمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الثَّمَنُ بَعْدَ الْحَطِّ. وَلَوْ زَادَ الْبَائِعُ شَيْئًا فِي الْمَبِيعِ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ أَصْل الْعَقَارِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ لاَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ. وَهَذَا بِالاِتِّفَاقِ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: الزِّيَادَةُ وَالْحَطُّ يُلْحَقَانِ بِالْبَيْعِ، سَوَاءٌ أَحَدَثَ ذَلِكَ عِنْدَ التَّقَابُضِ أَمْ بَعْدَهُ. وَالزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ تَكُونُ فِي حُكْمِ الثَّمَنِ الأَْوَّل، فَتُرَدُّ عِنْدَ الاِسْتِحْقَاقِ، وَعِنْدَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (1) . وَيَجُوزُ حَطُّ كُل الثَّمَنِ عَنِ الْمُشْتَرِي، أَيْ هِبَتُهُ لَهُ، وَلِلْحَطِّ أَثَرُهُ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ وَفِي الشُّفْعَةِ. فَفِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ، يَقُول الدَّرْدِيرُ وَالدُّسُوقِيُّ: يَجِبُ بَيَانُ هِبَةٍ لِبَعْضِ الثَّمَنِ إِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً بَيْنَ النَّاسِ، بِأَنْ تُشْبِهَ عَطِيَّةَ النَّاسِ، فَإِنْ لَمْ تُعْتَدْ __________ (1) تهذيب الفروق 3 / 290، والدسوقي 3 / 35 - 36. (أَيْ لَمْ تَجْرِ بِهَا عَادَةٌ) أَوْ وَهَبَ لَهُ جَمِيعَ الثَّمَنِ قَبْل النَّقْدِ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يَجِبِ الْبَيَانُ (1) . وَفِي الشُّفْعَةِ، يَقُول الشَّيْخُ عُلَيْشٌ: مَنِ اشْتَرَى شِقْصًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ وَضَعَ عَنْهُ الْبَائِعُ تِسْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ بَعْدَ أَخْذِ الشَّفِيعِ أَوْ قَبْلَهُ، فَإِنْ أَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُ الشِّقْصِ بَيْنَ النَّاسِ مِائَةَ دِرْهَمٍ إِذَا تَغَابَنُوا بَيْنَهُمْ، أَوِ اشْتَرَوْا بِغَيْرِ تَغَابُنٍ، وُضِعَ ذَلِكَ عَنِ الشَّفِيعِ؛ لأَِنَّ مَا أَظْهَرَا مِنَ الثَّمَنِ الأَْوَّل إِنَّمَا كَانَ سَبَبًا لِقَلْعِ الشُّفْعَةِ. وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُهُ مِائَةً، قَال ابْنُ يُونُسَ: أَرَادَ مِثْل أَنْ يَكُونَ ثَمَنُهُ ثَلاَثَمِائَةٍ أَوْ أَرْبَعَمِائَةٍ، لَمْ يَحُطَّ لِلشَّفِيعِ شَيْئًا، وَكَانَتِ الْوَضِيعَةُ هِبَةً لِلْمُبْتَاعِ، وَقَال فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنْ حَطَّ عَنِ الْمُبْتَاعِ مَا يُشْبِهُ أَنْ يُحَطَّ فِي الْبُيُوعِ وُضِعَ ذَلِكَ عَنِ الشَّفِيعِ وَإِنْ كَانَ لاَ يُحَطُّ مِثْلُهُ فَهِيَ هِبَةٌ، وَلاَ يَحُطُّ عَنِ الشَّفِيعِ شَيْئًا (2) . وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ قَالُوا: إِنَّ الزِّيَادَةَ أَوِ الْحَطَّ فِي الثَّمَنِ أَوِ الْمُثَمَّنِ، إِنْ كَانَتْ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ بِانْقِضَاءِ الْخِيَارِ فَلاَ تُلْحَقُ بِهِ؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ اسْتَقَرَّ بِالثَّمَنِ الأَْوَّل، وَالزِّيَادَةَ أَوِ الْحَطَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَبَرُّعٌ، وَلاَ تُلْحَقُ بِالْعَقْدِ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْل لُزُومِ الْعَقْدِ فِي مُدَّةِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوْ خِيَارِ الشَّرْطِ، فَالصَّحِيحُ عِنْدَ جُمْهُورِ الشَّافِعِيَّةِ، وَبِهِ قَطَعَ أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ: أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالْعَقْدِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارَيْنِ جَمِيعًا، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ __________ (1) الدسوقي 3 / 165، ومنح الجليل 2 / 718. (2) منح الجليل 3 / 615، والدسوقي 3 / 495. الشَّافِعِيِّ؛ لأَِنَّ الزِّيَادَةَ أَوِ الْحَطَّ فِي مُدَّةِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ تُلْتَحَقُ بِالْعَقْدِ، وَقِيسَ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ خِيَارُ الشَّرْطِ بِجَامِعِ عَدَمِ الاِسْتِقْرَارِ. وَهَذَا أَحَدُ الأَْوْجُهِ الَّتِي ذَكَرَهَا النَّوَوِيُّ. وَفِي وَجْهٍ آخَرَ: لاَ يُلْحَقُ ذَلِكَ، وَصَحَّحَهُ الْمُتَوَلِّي. وَفِي وَجْهٍ ثَالِثٍ: يُلْحَقُ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ دُونَ خِيَارِ الشَّرْطِ، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ وَالْقَفَّال. أَمَّا أَثَرُ ذَلِكَ فِي الْعُقُودِ. فَفِي الشُّفْعَةِ تَلْحَقُ الزِّيَادَةُ الشَّفِيعَ كَمَا تَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ، وَلَوْ حُطَّ مِنَ الثَّمَنِ شَيْءٌ فَحُكْمُهُ كَذَلِكَ (1) . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي (شفعة) . وَفِي التَّوْلِيَةِ وَالإِْشْرَاكِ وَالْمُرَابَحَةِ. جَاءَ فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: لَوْ حُطَّ عَنِ الْمُوَلِّي - بِكَسْرِ اللاَّمِ الْمُشَدَّدَةِ - مِنَ الْبَائِعِ بَعْضُ الثَّمَنِ بَعْدَ التَّوْلِيَةِ أَوْ قَبْلَهَا، وَلَوْ بَعْدَ اللُّزُومِ، انْحَطَّ عَنِ الْمَوْلَى - بِفَتْحِ اللاَّمِ - إِذْ خَاصَّةُ التَّوْلِيَةِ - وَإِنْ كَانَتْ بَيْعًا جَدِيدًا - التَّنْزِيل عَلَى الثَّمَنِ الأَْوَّل، فَإِنْ حُطَّ جَمِيعُهُ انْحَطَّ أَيْضًا مَا لَمْ يَكُنْ قَبْل لُزُومِ التَّوْلِيَةِ، وَإِلاَّ - بِأَنْ كَانَ قَبْل التَّوْلِيَةِ أَوْ بَعْدَهَا وَقَبْل لُزُومِهَا - بَطَلَتْ لأَِنَّهَا حَيْثُ بِيعَ مِنْ غَيْرِ ثَمَنٍ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ تَقَايَلاَ بَعْدَ حَطِّهِ بَعْدَ اللُّزُومِ، لَمْ يَرْجِعِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ (2) . __________ (1) المجموع 9 / 369 - 370، وحاشية الجمل 3 / 85، وأسنى المطالب 2 / 37. (2) نهاية المحتاج 4 / 106 - 107، وحاشية الجمل 3 / 177، وأسنى المطالب 2 / 91 - 93، والمهذب 1 / 296. وَالإِْشْرَاكُ وَالْمُرَابَحَةُ كَالتَّوْلِيَةِ فِي ذَلِكَ. وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي (مرابحة، تولية، إِشراك) . وَفِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ جَاءَ فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: لَوْ أَبْرَأَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ مِنْ بَعْضِ الثَّمَنِ أَوْ كُلِّهِ، ثُمَّ رَدَّ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ، فَالأَْوْجَهُ أَنَّهُ لاَ يَرْجِعُ فِي الإِْبْرَاءِ مِنْ جَمِيعِ الثَّمَنِ بِشَيْءٍ، وَفِي الإِْبْرَاءِ مِنْ بَعْضِهِ إِلاَّ بِالْبَاقِي. وَلَوْ وَهَبَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي الثَّمَنَ، فَقِيل: يَمْتَنِعُ الرَّدُّ، وَقِيل: يَرُدُّ، وَيُطَالِبُ بِبَدَل الثَّمَنِ، وَهُوَ الأَْوْجَهُ (1) . وَالْحَنَابِلَةُ كَالشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ، فَقَدْ جَاءَ فِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: مَا يُزَادُ فِي ثَمَنٍ أَوْ مُثَمَّنٍ زَمَنَ الْخِيَارَيْنِ (خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَخِيَارِ الشَّرْطِ) يُلْحَقُ بِالْعَقْدِ، فَيُخْبِرُ بِهِ فِي الْمُرَابَحَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالإِْشْرَاكِ كَأَصْلِهِ. وَمَا يُوضَعُ مِنْ ثَمَنٍ أَوْ مُثَمَّنٍ زَمَنَ الْخِيَارَيْنِ يُلْحَقُ بِالْعَقْدِ، فَيَجِبُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ كَأَصْلِهِ، تَنْزِيلاً لِحَال الْخِيَارِ مَنْزِلَةَ حَال الْعَقْدِ. وَإِنْ حُطَّ الثَّمَنُ كُلُّهُ فَهِبَةٌ. وَلاَ يُلْحَقُ بِالْعَقْدِ مَا زِيدَ أَوْ حُطَّ بَعْدَ لُزُومِهِ فَلاَ يَجِبُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ (2) . وَفِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ جَاءَ فِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: يَأْخُذُ مُشْتَرٍ رَدَّ الْمَبِيعَ مَا دَفَعَهُ مِنْ __________ (1) نهاية المحتاج 4 / 44. (2) شرح منتهى الإرادات 2 / 183 - 184، والمغني 4 / 200 - 207 ط الرياض. ثَمَنٍ، أَوْ بَدَل مَا أَبْرَأَهُ الْبَائِعُ مِنْهُ، أَوْ بَدَل مَا وَهَبَ لَهُ الْبَائِعُ مِنْ ثَمَنِهِ، كُلًّا كَانَ أَوْ بَعْضًا، لاِسْتِحْقَاقِ الْمُشْتَرِي بِالْفَسْخِ اسْتِرْجَاعَ جَمِيعِ الثَّمَنِ (1) . وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ فِي الشُّفْعَةِ: يَسْتَحِقُّ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِالثَّمَنِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، فَلَوْ تَبَايَعَا بِقَدْرٍ، ثُمَّ غَيَّرَاهُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، ثَبَتَ ذَلِكَ التَّغْيِيرُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ؛ لأَِنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ إِنَّمَا يَثْبُتُ إِذَا تَمَّ الْعَقْدُ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالثَّمَنِ الَّذِي هُوَ ثَابِتٌ حَال اسْتِحْقَاقِهِ، وَلأَِنَّ زَمَنَ الْخِيَارِ بِمَنْزِلَةِ حَالَةِ الْعَقْدِ، وَالتَّغْيِيرُ يُلْحَقُ بِالْعَقْدِ فِيهِ، لأَِنَّهُمَا عَلَى اخْتِيَارِهِمَا فِيهِ كَمَا لَوْ كَانَ التَّغْيِيرُ فِي حَال الْعَقْدِ. فَأَمَّا إِذَا انْقَضَى الْخِيَارُ وَانْبَرَمَ الْعَقْدُ، فَزَادَا أَوْ نَقَصَا لَمْ يُلْحَقْ بِالْعَقْدِ؛ لأَِنَّ الزِّيَادَةَ بَعْدَهُ هِبَةٌ (2) . رَابِعًا: مَوَانِعُ الْتِحَاقِ الزِّيَادَةِ أَوِ الْحَطِّ فِي حَقِّ الْغَيْرِ 57 - يَمْتَنِعُ الْتِحَاقُ الزِّيَادَةِ بِالثَّمَنِ، أَوِ الْتِحَاقِ الْحَطِّ بِهِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا - إِذَا تَرَتَّبَ عَلَى الْتِحَاقِ الزِّيَادَةِ أَوِ الْحَطِّ بِالثَّمَنِ انْتِقَاصٌ مِنْ حَقِّ الْغَيْرِ ثَابِتٌ بِالْعَقْدِ، فَيُقْتَصَرُ حُكْمُ الاِلْتِحَاقِ عَلَى الْمُتَعَاقِدَيْنِ دُونَ الْغَيْرِ سَدًّا لِذَرِيعَةِ الإِْضْرَارِ بِهِ. وَمِنْ آثَارِ هَذَا الْمَانِعِ: أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا زَادَ فِي الثَّمَنِ، وَكَانَ الْمَبِيعُ عَقَارًا، فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُهُ __________ (1) شرح منتهى الإرادات 2 / 176. (2) المغني 5 / 349 ط الرياض. بِالثَّمَنِ الأَْصْلِيِّ دُونَ الزِّيَادَةِ، سَدًّا لِبَابِ التَّوَاطُؤِ لِتَضْيِيعِ حَقِّ الشُّفْعَةِ. أَمَّا الْحَطُّ مِنَ الثَّمَنِ فَيُلْتَحَقُ لِعَدَمِ إِضْرَارِهِ بِالشَّفِيعِ، وَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ فِي الْمَبِيعِ. الثَّانِي: إِذَا تَرَتَّبَ عَلَى الاِلْتِحَاقِ بُطْلاَنُ الْبَيْعِ، كَمَا لَوْ شَمِل الْحَطُّ جَمِيعَ الثَّمَنِ، لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الإِْبْرَاءِ الْمُنْفَصِل عَنِ الْعَقْدِ، وَبِذَلِكَ يَخْلُو عَقْدُ الْبَيْعِ مِنَ الثَّمَنِ، فَيَبْطُل. وَمِنْ آثَارِ هَذَا الْمَانِعِ: أَنَّهُ لَوْ حَطَّ الْبَائِعُ كُل الثَّمَنِ فِي الْعَقَارِ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ الأَْصْلِيِّ؛ لأَِنَّ الْحَطَّ إِذَا اعْتُبِرَ إِبْرَاءً مُنْفَصِلاً تَرَتَّبَ عَلَيْهِ خُلُوُّ الْبَيْعِ عَنِ الثَّمَنِ، ثُمَّ بُطْلاَنُهُ، وَبِذَلِكَ يَبْطُل حَقُّ الشَّفِيعِ، وَلِذَا يَبْقَى الْمَبِيعُ مُقَابَلاً بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فِي حَقِّهِ، وَلَكِنْ يَسْقُطُ الثَّمَنُ عَنِ الْمُشْتَرِي بِالْحَطِّ، ضَرُورَةَ صِحَّةِ الإِْبْرَاءِ فِي ذَاتِهِ، وَهَذَا إِنْ حَطَّ الثَّمَنَ بَعْدَ الْقَبْضِ، أَمَّا إِنْ حَطَّ قَبْلَهُ فَيَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِالْقِيمَةِ (1) . خَامِسًا: مَئُونَةُ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ أَوِ الثَّمَنِ 58 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أُجْرَةَ الْكَيَّال لِلْمَبِيعِ، أَوِ الْوَزَّانِ أَوِ الذَّرَاعِ أَوِ الْعَدَّادِ تَكُونُ عَلَى الْبَائِعِ وَكَذَلِكَ مَئُونَةُ إِحْضَارِهِ إِلَى مَحَل الْعَقْدِ إِذَا كَانَ غَائِبًا. إِذْ لاَ تَحْصُل التَّوْفِيَةُ إِلاَّ بِذَلِكَ. __________ (1) شرح المجلة 2 / 190 (المادة 254 فما بعدها) وابن عابدين 4 / 167 - 168، والمغني 5 / 315، وشرح الروض 2 / 366. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أُجْرَةَ كَيْل الثَّمَنِ أَوْ وَزْنِهِ أَوْ عَدِّهِ، وَكَذَلِكَ مَئُونَةُ إِحْضَارِ الثَّمَنِ الْغَائِبِ تَكُونُ عَلَى الْمُشْتَرِي، إِلاَّ فِي الإِْقَالَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالشَّرِكَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي أُجْرَةِ نَقَّادِ الثَّمَنِ (1) فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ رِوَايَتَانِ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ. فَفِي رِوَايَةِ رُسْتُمَ عَنْهُ: تَكُونُ عَلَى الْبَائِعِ؛ لأَِنَّ النَّقْدَ يَكُونُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، وَلأَِنَّ الْبَائِعَ هُوَ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ، لِيُمَيِّزَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ لِيَعْرِفَ الْمَعِيبَ لِيَرُدَّهُ. وَبِهَذَا قَال الشَّافِعِيَّةُ. وَفِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى عَنْ مُحَمَّدٍ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ سَمَاعَةَ عَنْهُ: أَنَّهَا تَكُونُ عَلَى الْمُشْتَرِي، لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَسْلِيمِ الْجَيِّدِ الْمُقَدَّرِ، وَالْجُودَةُ تُعْرَفُ بِالنَّقْدِ، كَمَا يُعْرَفُ الْقَدْرُ بِالْوَزْنِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ. وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ أُجْرَةَ النَّقَّادِ عَلَى الْبَاذِل، سَوَاءٌ أَكَانَ الْبَائِعَ أَمِ الْمُشْتَرِيَ. قَال الشِّرْبِينِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: وَأُجْرَةُ نَقَّادِ الثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ، ثُمَّ قَال: وَقِيَاسُهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَبِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي، لأَِنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ إِظْهَارُ عَيْبٍ إِنْ كَانَ لِيَرُدَّ بِهِ (2) . __________ (1) وهو الذي يرجع إليه في معرفة صحيح النقد من زائفه. (2) الهداية 3 / 27، والشرح الصغير 2 / 70 - 71 ط الحلبي، وجواهر الإكليل 2 / 50، ومغني المحتاج 2 / 73، وشرح منتهى الإرادات 2 / 191 - 192، والمغني 4 / 126. سَادِسًا: هَلاَكُ الْمَبِيعِ أَوِ الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ كُلِّيًّا أَوْ جُزْئِيًّا قَبْل التَّسْلِيمِ: 59 - مِنْ آثَارِ وُجُوبِ الْبَيْعِ: أَنَّ الْبَائِعَ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُشْتَرِي، وَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُ هَذَا الْحَقُّ إِلاَّ بِالأَْدَاءِ، وَيَظَل الْبَائِعُ مَسْئُولاً فِي حَالَةِ هَلاَكِ الْمَبِيعِ، وَتَكُونُ تَبِعَةُ الْهَلاَكِ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْهَلاَكُ بِفِعْل فَاعِلٍ أَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ. وَهَذَا يَنْطَبِقُ عَلَى الثَّمَنِ إِذَا كَانَ مُعَيَّنًا، وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ مُلْتَزَمًا فِي الذِّمَّةِ، لأَِنَّ عَيْنَهُ فِي هَذِهِ الْحَال مَقْصُودَةٌ فِي الْعَقْدِ كَالْمَبِيعِ. أَمَّا الثَّمَنُ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الْبَائِعَ أَخْذُ بَدَلِهِ (1) . وَالْهَلاَكُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلِّيًّا أَوْ جُزْئِيًّا: فَإِذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ كُلُّهُ قَبْل التَّسْلِيمِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، فَإِنَّهُ يَهْلِكُ عَلَى ضَمَانِ الْبَائِعِ، لِحَدِيثِ: نَهَى عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ (2) . وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ يَنْفَسِخُ وَيَسْقُطُ الثَّمَنُ، وَذَلِكَ لاِسْتِحَالَةِ تَنْفِيذِ الْعَقْدِ (3) . وَهَذَا __________ (1) شرح منتهى الإرادات 2 / 189 و 205، وجواهر الإكليل - 1 / 306، ومنح الجليل 2 / 100. (2) حديث: " نهى عن ربح ما لم يضمن " أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وأحمد في مسنده. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح وصححه الشيخ أحمد شاكر (سنن الترمذي 3 / 535 ط الحلبي، وجامع الأصول 1 / 457 ومسند أحمد 10 / 160 ط دار المعارف) . (3) شرح المجلة (المادة 293) ، وشرح منتهى الإرادات 2 / 189، ومغني المحتاج 2 / 65، والقليوبي 2 / 210 - 211. عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ تَلِفَ بِفِعْل الْبَائِعِ. وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ: يَنْفَسِخُ كَالتَّلَفِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، وَالْقَوْل الآْخَرُ: يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ الْفَسْخِ وَاسْتِرْدَادِ الثَّمَنِ، وَبَيْنَ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ وَأَخْذِ قِيمَةِ الْمَبِيعِ. وَفَائِدَةُ انْفِسَاخِ الْبَيْعِ هُنَا أَنَّهُ يَسْقُطُ الثَّمَنُ عَنِ الْمُشْتَرِي إِنْ لَمْ يَكُنْ دَفَعَهُ، وَلَهُ اسْتِرْدَادُهُ إِنْ كَانَ قَدْ دَفَعَهُ، وَلَوْ لَمْ يَنْفَسِخْ لاَلْتَزَمَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، وَالْتَزَمَ الْبَائِعُ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ. وَاعْتَبَرَ الْحَنَابِلَةُ الْهَلاَكَ بِفِعْل الْبَائِعِ كَالْهَلاَكِ بِفِعْل الأَْجْنَبِيِّ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ. وَإِذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ بِفِعْل الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ الْبَيْعَ يَسْتَقِرُّ، وَيَلْتَزِمُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، وَيُعْتَبَرُ إِتْلاَفُ الْمُشْتَرِي لِلْمَبِيعِ بِمَنْزِلَةِ قَبْضٍ لَهُ، وَهَذَا بِالاِتِّفَاقِ (1) . وَإِذَا كَانَ الْهَلاَكُ بِفِعْل أَجْنَبِيٍّ (وَمِثْلُهُ هَلاَكُهُ بِفِعْل الْبَائِعِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ) فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ مُخَيَّرٌ، فَإِمَّا أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ لِتَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ، وَيَسْقُطَ عَنْهُ الثَّمَنُ حِينَئِذٍ، (وَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ عَلَى مِنْ أَتْلَفَ الْمَبِيعَ) وَإِمَّا أَنْ يَتَمَسَّكَ بِالْبَيْعِ، وَيَرْجِعَ عَلَى الأَْجْنَبِيِّ، وَعَلَيْهِ أَدَاءُ الثَّمَنِ لِلْبَائِعِ، وَرُجُوعُهُ عَلَى الأَْجْنَبِيِّ بِالْمِثْل إِنْ كَانَ الْهَالِكُ مِثْلِيًّا، وَبِالْقِيمَةِ إِنْ كَانَ قِيَمِيًّا، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ: انْفِسَاخُ الْبَيْعِ كَالتَّلَفِ بِآفَةٍ. وَإِذَا هَلَكَ بَعْضُ الْمَبِيعِ، فَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ أَيْضًا تَبَعًا لِمَنْ صَدَرَ مِنْهُ الإِْتْلاَفُ. __________ (1) جواهر الإكليل 2 / 53، ومغني المحتاج 2 / 65 - 66، وشرح منتهى الإرادات 2 / 188. فَإِنْ هَلَكَ بَعْضُ الْمَبِيعِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، وَتَرَتَّبَ عَلَى الْهَلاَكِ نُقْصَانُ الْمِقْدَارِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ مِنَ الثَّمَنِ بِحَسَبِ الْقَدْرِ التَّالِفِ، وَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ أَخْذِ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، أَوْ فَسْخِ الْبَيْعِ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ (يُنْظَرُ خِيَارُ تَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ) هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. ثُمَّ قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَ مَا نَشَأَ عَنِ الْهَلاَكِ الْجُزْئِيِّ لَيْسَ نَقْصًا فِي الْمِقْدَارِ، بَل فِي الْوَصْفِ - وَهُوَ مَا يَدْخُل فِي الْمَبِيعِ تَبَعًا بِلاَ ذِكْرٍ - لَمْ يَسْقُطْ مِنَ الثَّمَنِ شَيْءٌ، بَل لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ أَوْ إِمْضَائِهِ؛ لأَِنَّ الأَْوْصَافَ لاَ يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ إِلاَّ بِالْعُدْوَانِ، أَوْ بِتَفْصِيل الثَّمَنِ، وَتَخْصِيصُ جُزْءٍ لِلْوَصْفِ أَوِ التَّابِعِ (1) . - وَإِذَا هَلَكَ الْبَعْضُ بِفِعْل الْبَائِعِ سَقَطَ مَا يُقَابِلُهُ مِنَ الثَّمَنِ مُطْلَقًا، مَعَ تَخْيِيرِ الْمُشْتَرِي بَيْنَ الأَْخْذِ وَالْفَسْخِ، لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ. وَإِذَا هَلَكَ الْبَعْضُ بِفِعْل أَجْنَبِيٍّ، كَانَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَبَيْنَ التَّمَسُّكِ بِالْعَقْدِ وَالرُّجُوعُ عَلَى الأَْجْنَبِيِّ بِضَمَانِ الْجُزْءِ التَّالِفِ (2) . أَمَّا إِنْ هَلَكَ بِفِعْل الْمُشْتَرِي نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ عَلَى ضَمَانِهِ، وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ قَبْضًا (3) . __________ (1) شرح المجلة المادة (234) ، وحاشية ابن عابدين 4 / 36، ومغني المحتاج 2 / 67، وشرح منتهى الإرادات 2 / 188. (2) شرح المجلة المادة (293) ، وحاشية ابن عابدين 4 / 46. (3) المراجع السابقة جواهر الإكليل 2 / 53. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدِ اعْتَبَرُوا هَلاَكَ الْمَبِيعِ بِفِعْل الْبَائِعِ أَوْ بِفِعْل الأَْجْنَبِيِّ يُوجِبُ عِوَضَ الْمُتْلَفِ عَلَى الْبَائِعِ أَوِ الأَْجْنَبِيِّ، وَلاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي، سَوَاءٌ أَكَانَ الْهَلاَكُ كُلِّيًّا أَمْ جُزْئِيًّا. أَمَّا هَلاَكُهُ أَوْ تَعَيُّبُهُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، كُلَّمَا كَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا لاَزِمًا؛ لأَِنَّ الضَّمَانَ يَنْتَقِل بِالْعَقْدِ وَلَوْ لَمْ يَقْبِضِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ (1) . وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ سِتَّ صُوَرٍ هِيَ: أ - مَا لَوْ كَانَ فِي الْمَبِيعِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ لِمُشْتَرِيهِ، وَهُوَ الْمِثْلِيُّ مِنْ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ أَوْ مَعْدُودٍ حَتَّى يُفْرَغَ فِي أَوَانِي الْمُشْتَرِي، فَإِذَا هَلَكَ بِيَدِ الْبَائِعِ عِنْدَ تَفْرِيغِهِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ. ب - السِّلْعَةُ الْمَحْبُوسَةُ عِنْدَ بَائِعِهَا لأَِجْل قَبْضِ الثَّمَنِ. ج - الْمَبِيعُ الْغَائِبُ عَلَى الصِّفَةِ أَوْ عَلَى رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، فَلاَ يَدْخُل ذَلِكَ كُلُّهُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي إِلاَّ بِالْقَبْضِ. د - الْمَبِيعُ بَيْعًا فَاسِدًا. هـ - الثِّمَارُ الْمَبِيعَةُ بَعْدَ بُدُوِّ صَلاَحِهَا، فَلاَ تَدْخُل فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي إِلاَّ بَعْدَ أَمْنِ الْجَائِحَةِ. و الرَّقِيقُ حَتَّى تَنْتَهِيَ عُهْدَةُ الثَّلاَثَةِ الأَْيَّامِ عَقِبَ الْبَيْعِ (2) . __________ (1) الشرح الصغير 2 / 70 ط الحلبي، والفواكه الدواني 2 / 130. (2) الشرح الصغير 2 / 71، والفواكه الدواني 2 / 130. لَكِنَّهُمْ فَصَّلُوا فِي الْهَلاَكِ الْجُزْئِيِّ، فِيمَا إِذَا كَانَ الْبَاقِي أَقَل مِنَ النِّصْفِ، أَوْ كَانَ الْمَبِيعُ مُتَّحِدًا، فَحِينَئِذٍ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْفَائِتُ هُوَ النِّصْفَ فَأَكْثَرَ، وَتَعَدَّدَ الْمَبِيعُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ (1) . الآْثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْبَيْعِ أَوَّلاً: انْتِقَال الْمِلْكِ. 60 - يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ، وَيَمْلِكُ الْبَائِعُ الثَّمَنَ، وَيَكُونُ مِلْكُ الْمُشْتَرِي لِلْمَبِيعِ بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّقَابُضِ، وَإِنْ كَانَ لِلتَّقَابُضِ أَثَرُهُ فِي الضَّمَانِ. أَمَّا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَلاَ يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ إِلاَّ بِالْقَبْضِ (2) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (الْبَيْعُ الْفَاسِدُ) . وَيَتَرَتَّبُ عَلَى انْتِقَال الْمِلْكِ فِي الْبَدَلَيْنِ مَا يَلِي: أ - أَنْ يَثْبُتَ لِلْمُشْتَرِي مِلْكُ مَا يَحْصُل فِي الْمَبِيعِ مِنْ زِيَادَةٍ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْهُ، وَلَوْ لَمْ يَقْبِضِ الْمَبِيعَ. وَلاَ يَمْنَعُ مِنَ انْتِقَال مِلْكِيَّةِ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُشْتَرِي كَوْنُ الثَّمَنِ مُؤَجَّلاً. ب - أَنْ تَنْفُذَ تَصَرُّفَاتُ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ، وَتَصَرُّفَاتُ الْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ، كَمَا لَوْ أَحَال شَخْصًا بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي. هَذَا بَعْدَ الْقَبْضِ، أَمَّا تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي قَبْل الْقَبْضِ فَإِنَّهُ فَاسِدٌ أَوْ بَاطِلٌ (3) عَلَى __________ (1) الشرح الصغير 2 / 72، وحاشية الصاوي عليه. وقد نازع الصاوي في إثبات التخيير. (2) شرح المجلة المادة (369) . (3) شرح المجلة المادة (371) . خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ) . ج - إِذَا قَبَضَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ، وَلَمْ يَقْبِضِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ، حَتَّى لَوْ مَاتَ الْبَائِعُ مُفْلِسًا، فَإِنَّ لِلْمُشْتَرِي حَقَّ التَّقَدُّمِ فِي الْمَبِيعِ عَلَى سَائِرِ الْغُرَمَاءِ. وَيَكُونُ الْمَبِيعُ فِي هَذِهِ الْحَال أَمَانَةً فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَلاَ يَدْخُل فِي التَّرِكَةِ (1) . د - لاَ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ بَقَاءِ الْبَائِعِ مُحْتَفِظًا بِمِلْكِيَّةِ الْمَبِيعِ إِلَى حِينِ أَدَاءِ الثَّمَنِ الْمُؤَجَّل، أَوْ إِلَى أَجَلٍ آخَرَ مُعَيَّنٍ. هَذَا، وَلاَ يَمْنَعُ مِنَ انْتِقَال الْمِلْكِ فِي الْمَبِيعِ أَوِ الثَّمَنِ كَوْنُهُمَا دُيُونًا ثَابِتَةً فِي الذِّمَّةِ إِذَا لَمْ يَكُونَا مِنَ الأَْعْيَانِ؛ لأَِنَّ الدُّيُونَ تُمْلَكُ فِي الذِّمَمِ وَلَوْ لَمْ تَتَعَيَّنْ، فَإِنَّ التَّعْيِينَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَنْ أَصْل الْمِلْكِ، فَقَدْ يَحْصُل مُقَارِنًا لَهُ، وَقَدْ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ إِلَى أَنْ يَتِمَّ التَّسْلِيمُ (2) كَمَا لَوِ اشْتَرَى مِقْدَارًا مَعْلُومًا مِنْ كَمِّيَّةٍ مُعِينَةٍ مِنَ الأُْرْزِ، فَإِنَّ حِصَّتَهُ مِنْ تِلْكَ الْكَمِّيَّةِ لاَ تَتَعَيَّنُ إِلاَّ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، وَكَذَلِكَ الثَّمَنُ إِذَا كَانَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ. ثَانِيًا: أَدَاءُ الثَّمَنِ الْحَال: 61 - الأَْصْل فِي الثَّمَنِ الْحُلُول، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ، قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الثَّمَنُ أَبَدًا حَالٌّ، إِلاَّ أَنْ يَذْكُرَ الْمُتَبَايِعَانِ لَهُ أَجَلاً فَيَكُونُ إِلَى أَجَلِهِ (3) . __________ (1) شرح المجلة المادة (297) . (2) شرح المجلة المادة (201) . (3) الكافي لابن عبد البر 2 / 726، والبهجة شرح التحفة 2 / 88. وَنَقَل الأَْتَاسِيُّ فِي شَرْحِ الْمَجَلَّةِ عَنِ السِّرَاجِ فِي تَعْلِيل ذَلِكَ قَوْلَهُ: لأَِنَّ الْحُلُول مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَمُوجِبُهُ. وَفِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: الْبَيْعُ الْمُطْلَقُ يَنْعَقِدُ مُعَجَّلاً. ثُمَّ اسْتَثْنَتِ الْمَجَلَّةُ مَا لَوْ جَرَى الْعُرْفُ فِي مَحَلٍّ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ الْمُطْلَقُ مُؤَجَّلاً أَوْ مُقَسَّطًا (1) . كَمَا صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ النَّقْدُ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ، لاَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، وَلاَ فِي زَمَنِ عُهْدَةِ الثَّلاَثِ فِي بَيْعِ الرَّقِيقِ، وَيَفْسُدُ الْبَيْعُ بِاشْتِرَاطِ التَّعْجِيل، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ نَقْدُ الثَّمَنِ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ عَلَى اللُّزُومِ، وَيَجُوزُ تَطَوُّعًا (2) . وَقَدْ تَبَيَّنَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الثَّمَنَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَجَّلاً، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلاً. وَالثَّمَنُ الْمُؤَجَّل إِمَّا أَنْ يَكُونَ إِلَى مَوْعِدٍ مُعَيَّنٍ لِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُنَجَّمًا (مُقَسَّطًا) عَلَى مَوَاعِيدَ مَعْلُومَةٍ (3) . وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى: فَإِنَّ الثَّمَنَ إِمَّا عَيْنٌ مُعَيَّنَةٌ، وَإِمَّا دَيْنٌ مُلْتَزَمٌ فِي الذِّمَّةِ. فَفِي الثَّمَنِ: إِذَا كَانَ دَيْنًا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِي أَدَائِهِ بِحَسَبِ كَوْنِهِ مُعَجَّلاً أَوْ مُؤَجَّلاً أَوْ مُنَجَّمًا، فَإِذَا كَانَ مُؤَجَّلاً أَوْ مُنَجَّمًا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الأَْجَل مَعْلُومًا لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي بَحْثِ (أَجَل) . __________ (1) المادة (250) من المجلة وشرحها للأتاسي 2 / 170. (2) جواهر الإكليل 2 / 10. (3) شرح المجلة المادة (245) . وَلَوْ دَفَعَ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الثَّمَنِ لَمْ يَحِقَّ لَهُ تَسَلُّمُ الْمَبِيعِ، وَلاَ تَسَلُّمُ مَا يُعَادِل الْجُزْءَ الْمَدْفُوعَ مِنَ الثَّمَنِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَبِيعُ شَيْئًا وَاحِدًا أَوْ أَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةً، وَسَوَاءٌ فَصَّل. الثَّمَنَ عَلَى تِلْكَ الأَْشْيَاءِ، أَمْ وَقَعَ عَلَيْهَا جُمْلَةً، مَا دَامَ الْبَيْعُ قَدْ تَمَّ بِصَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ (1) . هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَرْطٌ عَلَى خِلاَفِ ذَلِكَ. الْبَدْءُ بِتَسْلِيمِ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ: 62 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يُسَلِّمُ أَوَّلاً: الْبَائِعُ أَمِ الْمُشْتَرِي حَسَبَ نَوْعَيِ الْبَدَلَيْنِ، وَيَنْقَسِمُ ذَلِكَ إِلَى أَحْوَالٍ: الْحَالَةُ الأُْولَى: أَنْ يَكُونَا مُعَيَّنَيْنِ (الْمُقَايَضَةُ) أَوْ ثَمَنَيْنِ (الصَّرْفُ) : 63 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يُسَلِّمَانِ مَعًا تَسْوِيَةً بِدَيْنِهِمَا فِي الْعَيْنِيَّةِ وَالدَّيْنِيَّةِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُمَا يَتْرُكَانِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، فَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ حَاكِمٍ وَكُل مَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ لَهُمَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ: يُجْبَرَانِ عَلَى التَّسْلِيمِ لاِسْتِوَاءِ الْجَانِبَيْنِ، لأَِنَّ الثَّمَنَ الْمُعَيَّنَ كَالْمَبِيعِ فِي تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِالْعَيْنِ. __________ (1) شرح المجلة المادة (278) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يَنْصِبُ الْحَاكِمُ عَدْلاً بَيْنَهُمَا، يَقْبِضُ مِنْهُمَا، ثُمَّ يُسَلِّمُهُ إِلَيْهِمَا قَطْعًا لِلنِّزَاعِ، لاِسْتِوَائِهِمَا فِي تَعَلُّقِ حَقِّهِمَا بِعَيْنِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ، فَيُسَلِّمُ الْعَدْل الْمَبِيعَ أَوَّلاً، لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ. الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُعَيَّنًا وَالآْخَرُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ: 64 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ: إِلَى أَنَّهُ يُطَالَبُ الْمُشْتَرِي بِالتَّسْلِيمِ أَوَّلاً، قَال الصَّاوِيُّ: لأَِنَّ الْمَبِيعَ فِي يَدِ بَائِعِهِ كَالرَّهْنِ عَلَى الثَّمَنِ. وَتَوْجِيهُ ذَلِكَ أَنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي تَعَيَّنَ فِي الْمَبِيعِ، فَيَدْفَعُ الثَّمَنَ لِيَتَعَيَّنَ حَقُّ الْبَائِعِ بِالْقَبْضِ، تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّهُ يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى التَّسْلِيمِ أَوَّلاً؛ لأَِنَّ قَبْضَ الْمَبِيعِ مِنْ تَتِمَّاتِ الْبَيْعِ، وَاسْتِحْقَاقُ الثَّمَنِ مُرَتَّبٌ عَلَى تَمَامِ الْبَيْعِ، وَلِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ (1) . أَمَّا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى إِخْلاَل الْمُشْتَرِي بِأَدَاءِ الثَّمَنِ الْحَال، وَكَذَلِكَ الثَّمَنُ الْمُؤَجَّل إِذَا حَل أَجَلُهُ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ: إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي مُوسِرًا، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى أَدَاءِ الثَّمَنِ الْحَال، كَمَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّ لِلْبَائِعِ حَقَّ الْفَسْخِ إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي مُفْلِسًا، أَوْ __________ (1) الصاوي على الدردير 2 / 71 - 72، وشرح المجلة للأتاسي 2 / 191، وحاشية ابن عابدين - 4 / 49 والدرر شرح الغرر 2 / 152، وفتح القدير 5 / 496، ومغني المحتاج 2 / 74، والمغني 4 / 219 - 220. كَانَ الثَّمَنُ غَائِبًا عَنِ الْبَلَدِ مَسَافَةَ الْقَصْرِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْبَائِعِ حَقُّ الْفَسْخِ، لأَِنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّقَاضِي لِلْحُصُول عَلَى حَقِّهِ، وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ دَائِنٌ، كَغَيْرِهِ مِنَ الدَّائِنِينَ. وَهَذَا عِنْدَهُمْ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ لِنَفْسِهِ خِيَارَ النَّقْدِ، بِأَنْ يَقُول مَثَلاً: إِنْ لَمْ تَدْفَعِ الثَّمَنَ فِي مَوْعِدِ كَذَا فَلاَ بَيْعَ بَيْنَنَا. وَاخْتُلِفَ فِي مُقْتَضَى هَذَا الشَّرْطِ، هَل هُوَ انْفِسَاخُ الْبَيْعِ، أَوِ اسْتِحْقَاقُهُ الْفَسْخَ بِاعْتِبَارِهِ فَاسِدًا؟ وَالْمُرَجَّحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ يَفْسُدُ وَلاَ يَنْفَسِخُ (1) ، وَتَفْصِيلُهُ فِي (خِيَارُ النَّقْدِ) وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ تَفْصِيلٌ - فِي حَال إِخْلاَل الْمُشْتَرِي بِأَدَاءِ الثَّمَنِ الْحَال، لاَ لِلْفَلْسِ، بَل لِغِيَابِ مَالِهِ غَيْبَةً قَرِيبَةً فِي بَلَدِهِ، أَوْ فِي أَقَل مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ - خُلاَصَتُهُ: الْحَجْرُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ وَسَائِرِ أَمْوَالِهِ حَتَّى يُسَلِّمَ الثَّمَنَ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ تَصَرُّفًا يَضُرُّ بِالْبَائِعِ. أَمَّا إِنْ كَانَ الْمَال غَائِبًا مَسَافَةَ الْقَصْرِ فَأَكْثَرَ، فَإِنَّهُ لاَ يُكَلَّفُ الْبَائِعُ الصَّبْرَ إِلَى إِحْضَارِهِ، بَل يُحْجَرُ عَلَى الْمَبِيعِ وَمَال الْمُشْتَرِي كَمَا سَبَقَ. وَيَمْلِكُ الْبَائِعُ الْفَسْخَ فِي الأَْصَحِّ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِلْحَنَابِلَةِ، وَهَذَا فَضْلاً عَنْ حَقِّهِ فِي حَبْسِ مَبِيعِهِ حَتَّى يَقْبِضَ ثَمَنَهُ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَجْهٌ بِأَنَّهُ: لاَ خِيَارَ لِلْبَائِعِ فِي الْفَسْخِ فِيمَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، __________ (1) المغني 4 / 219 - 220، ومغني المحتاج 2 / 75، والشرح الصغير للدردير 2 / 71، وشرح المجلة 2 / 191، وحاشية ابن عابدين 4 / 24. لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَاضِرِ. وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ، بَل يُبَاعُ الْمَبِيعُ، وَيُؤَدَّى حَقُّهُ مِنَ الثَّمَنِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ (1) . اشْتِرَاطُ التَّرَادِّ بِالتَّخَلُّفِ عَنِ الأَْدَاءِ: 65 - مِمَّا يَتَّصِل بِمَا سَبَقَ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ - مِنْ إِثْبَاتِ حَقِّ الْفَسْخِ إِذَا اشْتَرَطَهُ لِعَدَمِ الأَْدَاءِ فِي الْمَوْعِدِ الْمُحَدَّدِ، وَهُوَ مَا يُسَمَّى (خِيَارَ النَّقْدِ) - تَصْرِيحُ الْمَالِكِيَّةِ بِمِثْلِهِ فِيمَا إِذَا قَال الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: بِعْتُكَ لِوَقْتِ كَذَا، أَوْ عَلَى أَنْ تَأْتِيَنِي بِالثَّمَنِ فِي وَقْتِ كَذَا، فَإِنْ لَمْ تَأْتِ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلاَ بَيْعَ بَيْنَنَا، فَقَدْ جَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ تَصْحِيحُ الْبَيْعِ وَبُطْلاَنُ الشَّرْطِ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ قَوْلاَنِ آخَرَانِ: صِحَّةُ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ. وَفَسْخُ الْبَيْعِ (2) . وَتَفْصِيلُهُ فِي (خِيَارُ النَّقْدِ) . هَذَا وَإِذَا كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلاً، فَإِنَّ عَلَى الْبَائِعِ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ، وَلاَ يُطَالِبُ الْمُشْتَرِيَ بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ إِلاَّ عِنْدَ حُلُول الأَْجَل (3) . وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الثَّمَنُ مُنَجَّمًا. وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ فِي الثَّمَنِ الْمُؤَجَّل لَيْسَ لِلْبَائِعِ حَبْسُ الْمَبِيعِ بِهِ، وَإِنْ حَل قَبْل التَّسْلِيمِ لِرِضَاهُ بِتَأْخِيرِهِ (4) . __________ (1) المراجع السابقة. (2) الشرح الصغير 2 / 84، والدسوقي 3 / 175، وفتح العلي المالك 1 / 353. (3) شرح المجلة المادة (283) . (4) مغني المحتاج 2 / 75. أَمَّا إِذَا كَانَ بَعْضُ الثَّمَنِ مُعَجَّلاً وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلاً، فَإِنَّ لِلْبَعْضِ الْمُعَجَّل حُكْمَ تَعْجِيل الثَّمَنِ كُلِّهِ، فَلاَ يُطَالِبُ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، إِلاَّ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْجُزْءِ الْمُعَجَّل مِنَ الثَّمَنِ. وَلاَ بُدَّ فِي جَمِيعِ الأَْحْوَال مِنْ أَنْ يَكُونَ الأَْجَل مَعْلُومًا، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ الْبَيْعُ مَهْمَا طَال وَلَوْ إِلَى عِشْرِينَ سَنَةً. وَتَفْصِيلُهُ فِي (أَجَل) . وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِبَيْعِ أَهْل السُّوقِ عَلَى التَّقَاضِي، وَقَدْ عَرَفُوا قَدْرَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ. وَالتَّقَاضِي: تَأْخِيرُ الْمُطَالَبَةِ بِالدَّيْنِ إِلَى مَدًى مُتَعَارَفٍ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ. وَمِنْ حَقِّ الْمُشْتَرِي إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ مَعِيبًا، أَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ أَدَاءِ الثَّمَنِ، إِلَى أَنْ يَسْتَخْدِمَ حَقَّهُ فِي الْعَيْبِ فَسْخًا أَوْ طَلَبًا لِلأَْرْشِ أَوْ إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ أَمْرُ الاِسْتِحْقَاقِ. وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الدَّيْنِ الْحَال، أَوِ الْمُؤَجَّل بِأَجَلٍ قَرِيبٍ إِلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ، وَأَخْذُ مُسَاوِي الثَّمَنِ أَوْ أَقَل مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ لأَِنَّهُ تَسْلِيفٌ أَوْ تَسْلِيفٌ مَعَ إِسْقَاطِ الْبَعْضِ وَهُوَ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَلَكِنْ لاَ يَجُوزُ. تَأْخِيرُ رَأْسِ مَال السَّلَمِ (1) . وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ تَأْخِيرَ رَأْسِ الْمَال فِي حُدُودِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَلَوْ بِشَرْطٍ (2) . __________ (1) البهجة شرح التحفة 2 / 10، والفواكه الدواني 2 / 120. (2) جواهر الإكليل 2 / 24 و 57 و 66، والشرح الصغير 2 / 33. ثَالِثًا: تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ 66 - قَال ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الأَْعْيَانِ إِلَى أَجَلٍ، وَمِنْ شَرْطِهَا تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُبْتَاعِ بِإِثْرِ عَقْدِ الصَّفْقَةِ (1) . وَقَال التَّسَوُّلِيُّ فِي الْبَهْجَةِ شَرْحِ التُّحْفَةِ: يَجِبُ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ؛ لأَِنَّ وُجُوبَ التَّسْلِيمِ حَقٌّ لِلَّهِ، وَالْعَقْدُ يَفْسُدُ بِالتَّأْخِيرِ (2) . وَأُجْرَةُ الْكَيْل وَالْوَزْنِ أَوِ الْعَدِّ عَلَى الْبَائِعِ، إِذْ لاَ تَحْصُل التَّوْفِيَةُ إِلاَّ بِهِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لأَِنَّ عَلَى الْبَائِعِ تَقْبِيضَ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي، وَالْقَبْضُ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِذَلِكَ. أَمَّا أُجْرَةُ عَدِّ الثَّمَنِ وَكَيْلِهِ وَوَزْنِهِ فَعَلَى الْمُشْتَرِي، وَأُجْرَةُ نَقْل الْمَبِيعِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ فِي تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ الْمَنْقُول عَلَى الْمُشْتَرِي (3) وَتَسْلِيمُ الْمَبِيعِ أَهَمُّ الأُْثَّارِ الَّتِي يَلْتَزِمُ بِهَا الْبَائِعُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، وَهُوَ يَثْبُتُ عِنْدَ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ الْحَال (أَمَّا فِي الثَّمَنِ الْمُؤَجَّل فَلاَ يَتَوَقَّفُ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ عَلَى أَدَائِهِ) وَلاَ يَتَحَقَّقُ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ إِلاَّ إِذَا سُلِّمَ لِلْمُشْتَرِي خَالِيًا مِنْ أَيِّ شَاغِلٍ، أَيْ كَانَتِ الْعَيْنُ قَابِلَةً لِكَمَال الاِنْتِفَاعِ بِهَا. فَإِذَا كَانَ مَشْغُولاً __________ (1) بداية المجتهد 2 / 170. (2) البهجة شرح التحفة 2 / 12، ومغني المحتاج 2 / 74. (3) الشرح الصغير 2 / 71 ط الحلبي، ومغني المحتاج 2 / 73، والمغني 4 / 126 ط الرياض. لَمْ يَصِحَّ التَّسْلِيمُ، وَأُجْبِرَ الْبَائِعُ عَلَى تَفْرِيغِ الْمَبِيعِ (1) . وَمِنْ صُوَرِ شَغْل الْمَبِيعِ: أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِعَقْدِ إِجَارَةٍ أَبْرَمَهُ الْبَائِعُ، فَإِنْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِالاِنْتِظَارِ إِلَى نِهَايَةِ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالتَّسْلِيمِ، وَلَكِنْ يَحِقُّ لَهُ حَبْسُ الثَّمَنِ إِلَى أَنْ تَنْتَهِيَ الإِْجَارَةُ، وَيُصْبِحَ الْمَبِيعُ قَابِلاً لِلتَّسْلِيمِ (2) . وَكَمَا يَجِبُ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ يَجِبُ تَسْلِيمُ تَوَابِعِهِ (3) . يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْقَبْضِ بَيْنَ الْمِثْلِيِّ مِنْ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ أَوْ مَعْدُودٍ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ عَقَارٍ أَوْ حَيَوَانٍ وَنَحْوِهِ. فَفِي قَبْضِ الْعَقَارِ تَكْفِي التَّخْلِيَةُ اتِّفَاقًا بِشَرْطِ فَرَاغِهِ مِنْ أَمْتِعَةِ الْبَائِعِ، فَلَوْ جُمِعَتْ أَمْتِعَةُ الْبَائِعِ فِي غَرْفَةٍ صَحَّ قَبْضُ مَا عَدَاهَا، وَتَوَقَّفَ قَبْضُهَا عَلَى تَفْرِيغِهَا (4) . لَكِنْ لَوْ أَذِنَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي بِقَبْضِ الدَّارِ وَالْمَتَاعِ صَحَّ التَّسْلِيمُ؛ لأَِنَّ الْمَتَاعَ صَارَ وَدِيعَةً عِنْدَ الْمُشْتَرِي (5) . __________ (1) المجلة (المواد 262، 269، 276، وحاشية ابن عابدين 4 / 562. (2) جامع الفصولين الفصل الثاني والثلاثين. (3) المجلة المادة (48) . (4) حاشية ابن عابدين 4 / 88 و 512، والقليوبي 2 / 216. (5) الفتاوى الهندية 3 / 17. وَمِنْ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الْعَقَارَ إِنْ كَانَ أَرْضًا فَقَبْضُهُ بِالتَّخْلِيَةِ، وَإِنْ كَانَ دَارًا لِلسُّكْنَى فَقَبْضُهَا بِالإِْخْلاَءِ (1) . فَإِنْ لَمْ يَحْضُرِ الْعَاقِدَانِ الْعَقَارَ الْمَبِيعَ. فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ (وَنُقِل مِثْلُهُ عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْعَقَارِ الْبَعِيدِ عَنِ الْعَاقِدَيْنِ) إِلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مُرُورُ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ الْمُضِيُّ إِلَى الْعَقَارِ، لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ حُضُورُ الْعَاقِدَيْنِ إِلَى الْعَقَارِ لِلْمَشَقَّةِ، فَلاَ مَشَقَّةَ فِي اعْتِبَارِ مُضِيِّ الزَّمَانِ (2) ، وَيَبْدُو أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ الأَْمْنُ مِنْ تَدَاخُل الضَّمَانَيْنِ. أَمَّا الْمَنْقُول، فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى: أَنَّ قَبْضَ الْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ بِاسْتِيفَاءِ الْكَيْل أَوِ الْوَزْنِ أَوِ الْعَدِّ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنَ النَّقْل. وَهَذَا مَا لَمْ يُبَعْ جُزَافًا، فَيَحْصُل قَبْضُهُ بِالنَّقْل، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ (3) . ر: (بَيْعُ الْجُزَافِ) . وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ، فَإِنَّ قَبْضَهَا بِحَسَبِ الْعُرْفِ، كَتَسْلِيمِ الثَّوْبِ وَزِمَامِ الدَّابَّةِ وَسَوْقِهَا أَوْ عَزْلِهَا عَنْ دَوَابِّ الْبَائِعِ أَوِ انْصِرَافِ الْبَائِعِ عَنْهَا. __________ (1) الشرح الصغير 2 / 71 ط الحلبي. (2) مغني المحتاج 2 / 72، وحاشية ابن عابدين 4 / 563. (3) مغني المحتاج 2 / 73، والمغني 4 / 125 ط الرياض. وَلَمْ يُفَرِّقِ الْحَنَفِيَّةُ - وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ - بَيْنَ الْمَكِيلاَتِ وَالْمَوْزُونَاتِ وَالْمَعْدُودَاتِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا. فَالتَّخْلِيَةُ قَبْضٌ فِي الْجَمِيعِ، حَتَّى لَوْ كَانَتِ التَّخْلِيَةُ فِي بَيْتِ الْبَائِعِ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ. فَإِنْ هَلَكَ الْمَبِيعُ بَعْدَئِذٍ هَلَكَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، لأَِنَّهُ كَالْوَدِيعَةِ عِنْدَهُ (1) . وَيَنُوبُ الْقَبْضُ السَّابِقُ لِلْمَبِيعِ عَنْ تَجْدِيدِ قَبْضِهِ، إِذَا كَانَ قَدْ قُبِضَ عَلَى سَبِيل الضَّمَانِ، بِأَنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ غَصَبَهُ مِنَ الْبَائِعِ قَبْل أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْقَبْضَ يُغْنِي، لأَِنَّهُ قَبْضٌ قَوِيٌّ بِمَنْزِلَةِ قَبْضِ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَاهُ، إِذْ تَبِعَةُ هَلاَكِهِ فِي الْحَالَيْنِ عَلَى الْقَابِضِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْقَبْضُ السَّابِقُ مِنْ قَبِيل قَبْضِ الأَْمَانَةِ، كَقَبْضِ الْمُسْتَعِيرِ وَالْوَدِيعِ - وَهُوَ مَا لاَ ضَمَانُهُ مِمَّنْ هُوَ بِيَدِهِ فِي حَال هَلاَكِهِ دُونَ تَعَدٍّ أَوْ تَقْصِيرٍ - فَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ الْقَبْضُ ضَعِيفًا لاَ يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الضَّمَانِ (2) . انْتِهَاءُ الْبَيْعِ: 67 - بِالإِْضَافَةِ إِلَى مَا سَبَقَ الْكَلاَمُ عَنْهُ مِنَ انْفِسَاخِ الْبَيْعِ بِسَبَبِ بَعْضِ حَالاَتِ الْهَلاَكِ __________ (1) الفتاوى الهندية 3 / 16، والفروع 4 / 142، والمغني 4 / 124 - 125. (2) حاشية ابن عابدين 4 / 512، وشرح المجلة للأتاسي (المادة 846) . الْكُلِّيِّ، فَإِنَّ الْبَيْعَ يَنْتَهِي بِتَمَامِ آثَارِهِ مِنْ تَسْلِيمٍ وَتَسَلُّمٍ. وَيَنْتَهِي الْبَيْعُ أَيْضًا بِالإِْقَالَةِ (1) . وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ عَنْهَا فِي مُصْطَلَحِ (إِقَالَة) . __________ (1) بداية المجتهد 2 / 153. |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الْبَيْعُ لُغَةً مِنَ الأَْضْدَادِ مِثْل الشِّرَاءِ، وَالأَْصْل فِي الْبَيْعِ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ، وَذَلِكَ حَقِيقَةٌ فِي وَصْفِ الأَْعْيَانِ، لَكِنَّهُ أُطْلِقَ عَلَى الْعَقْدِ مَجَازًا، لأَِنَّهُ سَبَبُ التَّمْلِيكِ وَالتَّمَلُّكِ. وَالْبَاطِل مِنْ بَطَل الشَّيْءُ: فَسَدَ أَوْ سَقَطَ حُكْمُهُ فَهُوَ بَاطِلٌ (1) . وَالْبَيْعُ اصْطِلاَحًا: مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ (2) . وَالْبَيْعُ الْبَاطِل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ: مَا لَمْ يُشْرَعْ لاَ بِأَصْلِهِ وَلاَ بِوَصْفِهِ (3) . وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ - وَهُمْ لاَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِل فِي الْجُمْلَةِ - هُوَ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ أَثَرُهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُثْمِرْ وَلَمْ تَحْصُل بِهِ فَائِدَتُهُ مِنْ حُصُول الْمِلْكِ (4) وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْبَيْعُ الصَّحِيحُ: 2 - هُوَ: مَا شُرِعَ بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ، وَيُفِيدُ الْحُكْمَ بِنَفْسِهِ إِذَا خَلاَ مِنَ الْمَوَانِعِ. أَوْ هُوَ: مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَثَرُهُ مِنْ حُصُول الْمِلْكِ وَالاِنْتِفَاعِ بِالْمَبِيعِ (5) . وَعَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مُبَايِنٌ لِلْبَيْعِ الْبَاطِل. ب - الْبَيْعُ الْفَاسِدُ: 3 - الْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْبَيْعِ الْبَاطِل وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ. أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيَجْعَلُونَ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ مَرْتَبَةً بَيْنَ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَالْبَيْعِ الْبَاطِل. وَيُعَرِّفُهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ: مَا شُرِعَ بِأَصْلِهِ دُونَ وَصْفِهِ. أَوْ هُوَ: مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَثَرُهُ، وَلَكِنَّهُ مَطْلُوبُ التَّفَاسُخِ شَرْعًا، وَهُوَ مُبَايِنٌ لِلْبَاطِل كَمَا يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ؛ لأَِنَّ مَا كَانَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ فَقَطْ يُبَايِنُ مَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ أَصْلاً. وَأَيْضًا حُكْمُ الْفَاسِدِ أَنَّهُ يُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ، وَالْبَاطِل لاَ يُفِيدُهُ أَصْلاً، وَتَبَايُنُ الْحُكْمَيْنِ دَلِيل تَبَايُنِهِمَا (6) . ج - الْبَيْعُ الْمَكْرُوهُ: 4 - هُوَ مَا كَانَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ، لَكِنْ نُهِيَ عَنْهُ لِوَصْفٍ مُجَاوِرٍ غَيْرِ لاَزِمٍ، كَالْبَيْعِ عَقِبَ النِّدَاءِ لِلْجُمُعَةِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. خِلاَفًا لِلْحَنَابِلَةِ، إِذْ النَّهْيُ عِنْدَهُمْ يَقْتَضِي الْفَسَادَ مُطْلَقًا، وَهُوَ يَتَّفِقُ مَعَ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ فِي تَرَتُّبِ أَثَرِهِ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ مُبَايِنٌ لَهُ بِاعْتِبَارِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ (7) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: 5 - الإِْقْدَامُ عَلَى الْبَيْعِ الْبَاطِل مَعَ الْعِلْمِ بِالْبُطْلاَنِ حَرَامٌ، وَيَأْثَمُ فَاعِلُهُ، لاِرْتِكَابِهِ الْمَعْصِيَةَ بِمُخَالَفَتِهِ الْمَشْرُوعَ، وَعَدَمِ امْتِثَالِهِ لِمَا نَهَى الشَّارِعُ عَنْهُ؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ الْبَاطِل لَمْ يُشْرَعْ لاَ بِأَصْلِهِ وَلاَ بِوَصْفِهِ (8) . هَذَا مَعَ اسْتِثْنَاءِ حَالَةِ الضَّرُورَةِ، كَالْمُضْطَرِّ يَشْتَرِي الطَّعَامَ بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْل، وَكَالْعَقْدِ الَّذِي يُخْتَبَرُ بِهِ رُشْدُ الصَّبِيِّ (9) . فَقَدْ قِيل: يَشْتَرِي الْوَلِيُّ شَيْئًا ثُمَّ يَدْفَعُهُ إِلَى آخَرَ، ثُمَّ يَأْمُرُ الطِّفْل بِشِرَائِهِ مِنْهُ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْبَيْعِ الْمُتَّفَقِ عَلَى بُطْلاَنِهِ، كَبَيْعِ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لاَ يُمَيِّزُ، وَكَبَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْمَلاَقِيحِ وَالْمَضَامِينِ. أَمَّا الْبَيْعُ الْمُخْتَلَفُ فِي بُطْلاَنِهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ بِأَنْ كَانَ بَاطِلاً فِي مَذْهَبٍ وَغَيْرَ بَاطِلٍ فِي مَذْهَبٍ آخَرَ، كَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ، وَبَيْعِ الْمُعَاطَاةِ، وَبَيْعِ الْكَلْبِ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ، فَإِنَّ الْمُقْدِمَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا قَدْ بَلَغَ رُتْبَةَ الاِجْتِهَادِ فَلاَ يُعْتَبَرُ الْبَيْعُ بَاطِلاً فِي حَقِّهِ، وَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ تَحَرَّى قَصْدَ الشَّارِعِ بِبَذْل الْجُهْدِ، حَتَّى وَصَل إِلَى دَلِيلٍ يُرْشِدُهُ، بِحَيْثُ لَوْ ظَهَرَ لَهُ خِلاَفُ مَا رَآهُ بِدَلِيلٍ أَقْوَى لَرَجَعَ إِلَيْهِ، وَالْمُخْطِئُ فِي اجْتِهَادِهِ لاَ يُعَاقَبُ، بَل يَكُونُ مَعْذُورًا وَمَأْجُورًا (10) . إِلاَّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ مِنَ الْخِلاَفِ، بِمَعْنَى أَنَّ مَنْ يَعْتَقِدُ جَوَازَ الشَّيْءِ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَرْكُهُ إِنْ كَانَ غَيْرُهُ يَعْتَقِدُهُ حَرَامًا (11) . وَالْمُقَلِّدُ كَذَلِكَ يَأْخُذُ حُكْمَ الْمُجْتَهِدِ فِي سُقُوطِ الإِْثْمِ عَنْهُ، مَا دَامَ مُقَلِّدًا لإِِمَامِهِ تَقْلِيدًا سَائِغًا. وَالْعَامِّيُّ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْوَرَعِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ أَخَذَ بِقَوْل أَعْلَمِهِمْ وَأَوْرَعِهِمْ وَأَغْلَبِهِمْ صَوَابًا فِي قَلْبِهِ، وَلاَ يَتَخَيَّرُ مَا يَمِيل إِلَيْهِ هَوَاهُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى تَتَبُّعِ الْمَذَاهِبِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إِلَى دَلِيلٍ، وَقَال قَوْمٌ: لاَ يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْكُل طُرُقٌ إِلَى اللَّهِ (12) . أَسْبَابُ بُطْلاَنِ الْبَيْعِ: 6 - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْبَيْعِ الْبَاطِل، فَهُمَا مُتَرَادِفَانِ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِل وَقَعَ عَلَى خِلاَفِ مَا طَلَبَهُ الشَّارِعُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَعْتَبِرْهُ، وَلَمْ يُرَتِّبْ عَلَيْهِ الأَْثَرَ الَّذِي رَتَّبَهُ عَلَى الْبَيْعِ الصَّحِيحِ مِنْ حُصُول الْمِلْكِ وَحِل الاِنْتِفَاعِ. وَأَسْبَابُ فَسَادِ الْبَيْعِ هِيَ أَسْبَابُ بُطْلاَنِهِ، وَهِيَ تَرْجِعُ إِلَى الْخَلَل الْوَاقِعِ فِي رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْعَقْدِ، أَوْ فِي شَرْطٍ مِنْ شَرَائِطِ الصِّحَّةِ، أَوْ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنِ الْوَصْفِ الْمُلاَزِمِ لِلْفِعْل، أَوْ عَنِ الْوَصْفِ الْمُجَاوِرِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (13) . وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى ذَلِكَ بِمَا يَأْتِي: أ - الْبَيْعُ الْبَاطِل أَوِ الْفَاسِدُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ يَكُونُ حَرَامًا، وَالْحَرَامُ لاَ يَصْلُحُ سَبَبًا لِتَرَتُّبِ الأَْثَرِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّصَرُّفِ إِنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ قَدْ خَرَجَ عَنِ اعْتِبَارِهِ وَشَرْعِيَّتِهِ. ب - قَال النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ (14) وَالْبَيْعُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ، فَيَكُونُ مَرْدُودًا، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ. ج - أَجْمَعَ سَلَفُ الأُْمَّةِ عَلَى الاِسْتِدْلاَل بِالنَّهْيِ عَلَى الْفَسَادِ (15) ، فَفَهِمُوا فَسَادَ الرِّبَا مِنْ قَوْله تَعَالَى: {{وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا}} (16) وَقَوْلَهُ ﷺ: {{ لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ (17) وَنَهَى ﷺ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ (18) . هَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَإِنَّ سَبَبَ بُطْلاَنِ الْبَيْعِ عِنْدَهُمْ يَرْجِعُ إِلَى اخْتِلاَل رُكْنِ الْبَيْعِ أَوْ شَرْطٍ مِنْ شَرَائِطِ الاِنْعِقَادِ، فَإِذَا تَخَلَّفَ الرُّكْنُ أَوْ شَرْطٌ مِنْ شَرَائِطِ الاِنْعِقَادِ كَانَ الْبَيْعُ بَاطِلاً وَلاَ وُجُودَ لَهُ، لأَِنَّهُ لاَ وُجُودَ لِلتَّصَرُّفِ إِلاَّ مِنَ الأَْهْل فِي الْمَحَل حَقِيقَةً، وَيَكُونُ الْعَقْدُ فَائِتَ الْمَعْنَى مِنْ كُل وَجْهٍ، إِمَّا لاِنْعِدَامِ مَعْنَى التَّصَرُّفِ كَبَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، أَوْ لاِنْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ كَبَيْعِ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لاَ يَعْقِل. أَمَّا اخْتِلاَل شَرْطٍ مِنْ شَرَائِطِ الصِّحَّةِ فَلاَ يُجْعَل الْبَيْعُ بَاطِلاً، كَمَا هُوَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، بَل يَكُونُ فَاسِدًا. وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ مَشْرُوعٌ فَيُفِيدُ الْمِلْكَ فِي الْجُمْلَةِ، وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ مَشْرُوعٌ بِأَصَلِهِ: النُّصُوصُ الْعَامَّةُ الْمُطْلَقَةُ فِي بَابِ الْبَيْعِ مِنْ نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: {وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ}} (19) وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ مِنَ النُّصُوصِ الْعَامَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ (20) . وَيُلْحَظُ هُنَا أَنَّ بَعْضَ الشَّافِعِيَّةِ يُسَايِرُونَ الْمَذْهَبَ الْحَنَفِيَّ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْبَيْعِ الْبَاطِل وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، رَغْمَ أَنَّ الْقَوَاعِدَ الْعَامَّةَ عِنْدَهُمْ تُخَالِفُ ذَلِكَ. جَاءَ فِي أَسْنَى الْمَطَالِبِ: فَرَّقَ الأَْصْحَابُ بَيْنَ الْبَاطِل وَالْفَاسِدِ، فَقَالُوا: إِنْ رَجَعَ الْخَلَل إِلَى رُكْنِ الْعَقْدِ كَبَيْعِ الصَّبِيِّ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ رَجَعَ إِلَى شَرْطِهِ أَوْ صِفَتِهِ فَهُوَ فَاسِدٌ (21) . 7 - بَعْدَ هَذَا التَّفْرِيقِ بَيْنَ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْجُمْهُورِ، هُنَاكَ مِنَ الْبُيُوعِ الْبَاطِلَةِ مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى بُطْلاَنِهَا بَيْنَ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، كَالْبَيْعِ الَّذِي حَدَثَ خَلَلٌ فِي رُكْنِهِ، أَوْ فِي شَرْطٍ مِنْ شَرَائِطِ انْعِقَادِهِ، كَبَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْمَلاَقِيحِ وَالْمَضَامِينِ فَهَذِهِ مُتَّفَقٌ عَلَى بُطْلاَنِهَا. وَهُنَاكَ مِنَ الْبُيُوعِ مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِي بُطْلاَنِهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، وَهُوَ مَا رَجَعَ الْخَلَل فِيهَا لِغَيْرِ مَا سَبَقَ. فَبَيْعُ الْفُضُولِيِّ مَثَلاً صَحِيحٌ، وَلَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الإِْجَازَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَالْبَيْعُ عِنْدَ النِّدَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَاطِلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَمِثْل ذَلِكَ يُقَال فِي بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ، وَبَيْعِ الْكَلْبِ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ، وَبَيْعِ النَّجْشِ، وَهَكَذَا. وَيَرْجِعُ سَبَبُ الاِخْتِلاَفِ فِي الْحُكْمِ عَلَى مِثْل هَذِهِ الْبُيُوعِ بِالْبُطْلاَنِ أَوْ عَدَمِهِ إِلَى الاِخْتِلاَفِ فِي الدَّلِيل (22) . مَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَيْعِ الْبَاطِل مِنْ أَحْكَامٍ: 8 - الْبَيْعُ الْبَاطِل لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرٌ، لأَِنَّهُ لاَ وُجُودَ لَهُ إِلاَّ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ، وَهُوَ مَنْقُوضٌ مِنْ أَسَاسِهِ، وَلاَ يَحْتَاجُ لِحُكْمِ حَاكِمٍ لِنَقْضِهِ (23) . وَلاَ تَلْحَقُهُ الإِْجَازَةُ لأَِنَّهُ مَعْدُومٌ، وَالإِْجَازَةُ لاَ تَلْحَقُ الْمَعْدُومَ. وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ فِي الْبَيْعِ الْمُجْمَعِ عَلَى بُطْلاَنِهِ، وَأَمَّا الْبَيْعُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ كَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ، فَإِنَّهُ إِذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ صَحَّ الْعَقْدُ قَضَاءً، حَتَّى عِنْدَ مَنْ يَقُول بِبُطْلاَنِهِ وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ؛ لأَِنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ. وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ تَلْحَقُهُ الإِْجَازَةُ (24) . وَإِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ الْبَاطِل، فَإِنَّ وُجُودَهُ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ يَتَعَلَّقُ بِهِ بَعْضُ الأَْحْكَامِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي: أ - التَّرَادُّ: 9 - إِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ الْبَاطِل وَحَدَثَ فِيهِ تَسْلِيمُ شَيْءٍ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ وَجَبَ رَدُّهُ؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ الْبَاطِل لاَ يُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ، وَيَجِبُ عَلَى كُلٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ رَدُّ مَا أَخَذَهُ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ (25) . يَقُول ابْنُ رُشْدٍ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْبُيُوعَ الْفَاسِدَةَ إِذَا وَقَعَتْ وَلَمْ تَفُتْ، حُكْمُهَا الرَّدُّ، أَيْ أَنْ يَرُدَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ، وَيَرُدَّ الْمُشْتَرِي الْمَثْمُونَ (26) وَرَدُّ الْمَبِيعِ يَكُونُ مَعَ نَمَائِهِ الْمُتَّصِل وَالْمُنْفَصِل وَأُجْرَةُ مِثْلِهِ مُدَّةَ بَقَائِهِ فِي يَدِهِ، وَإِنْ نَقَصَ ضَمِنَ نَقْصَهُ، لأَِنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، فَأَجْزَاؤُهَا تَكُونُ مَضْمُونَةً أَيْضًا. صَرَّحَ بِهَذَا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ مَا تُفِيدُهُ قَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ. أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّ تَغَيُّرَ الذَّاتِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ يُعْتَبَرُ فَوْتًا يَنْتَقِل الْحَقُّ فِيهِ إِلَى الضَّمَانِ (27) ب - التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ: 10 - إِذَا تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ بَيْعًا بَاطِلاً بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلاَ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ، لأَِنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ، فَيَكُونُ قَدْ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِدُونِ إِذْنِهِ، وَتَكُونُ تَصَرُّفَاتُهُ كَتَصَرُّفَاتِ الْغَاصِبِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ لاَ يَمْنَعُ الرَّدَّ لِعَدَمِ نُفُوذِهِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْمَبِيعِ يُعْتَبَرُ مُفَوِّتًا، وَيَنْتَقِل الْحَقُّ فِيهِ إِلَى الضَّمَانِ (28) . ج - الضَّمَانُ: 11 - إِذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، فَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ بِالْمِثْل فِي الْمِثْلِيِّ وَالْقِيمَةِ فِي الْمُتَقَوَّمِ. وَالْقِيمَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تُقَدَّرُ بِأَقْصَى الْقِيَمِ فِي الْمُتَقَوَّمِ مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ إِلَى وَقْتِ التَّلَفِ، وَفِي وَجْهٍ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ التَّلَفِ، وَفِي وَجْهٍ يَوْمَ الْقَبْضِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ تَلِفَ بِبَلَدِ قَبْضِهِ فِيهِ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَيْهِ فِي الْغَصْبِ، وَلأَِنَّهُ قَبَضَهُ بِإِذْنِ مَالِكِهِ فَأَشْبَهَ الْعَارِيَّةُ، وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ فِي الْغَصْبِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مَا كَانَتْ، فَيَخْرُجُ هَاهُنَا كَذَلِكَ، وَهُوَ أَوْلَى، لأَِنَّ الْعَيْنَ كَانَتْ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا فِي حَال زِيَادَتِهَا، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِهَا مَعَ زِيَادَتِهَا، فَكَذَلِكَ فِي حَال تَلَفِهَا. وَلِلْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيلٌ فِي ذَلِكَ، يَقُولُونَ: إِنْ فَاتَ الْمَبِيعُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي مَضَى الْمُخْتَلَفُ فِيهِ - وَلَوْ كَانَ الْخِلاَفُ خَارِجَ الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ - بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَلَفًا فِيهِ - بَل مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ - ضَمِنَ الْمُشْتَرِي قِيمَتَهُ إِنْ كَانَ مُقَوَّمًا حِينَ الْقَبْضِ، وَضَمِنَ مِثْل الْمِثْلِيِّ إِذَا بِيعَ كَيْلاً أَوْ وَزْنًا، وَعُلِمَ كَيْلُهُ أَوْ وَزْنُهُ، وَلَمْ يَتَعَذَّرْ وُجُودُهُ، وَإِلاَّ ضَمِنَ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِالرَّدِّ (29) . وَلِلْحَنَفِيَّةِ رَأْيٌ آخَرُ، وَهُوَ: أَنَّ الْمَبِيعَ يَكُونُ أَمَانَةً عِنْدَ الْمُشْتَرِي، لاَ يَضْمَنُ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي أَوِ التَّفْرِيطِ فِي الْحِفْظِ، لأَِنَّهُ مَالٌ قَبَضَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ فِي عَقْدٍ وُجِدَ صُورَةً لاَ مَعْنًى، فَالْتَحَقَ بِالْعَدَمِ وَبَقِيَ إِذْنُهُ بِالْقَبْضِ (30) . د - تَجَزُّؤُ الْبَيْعِ الْبَاطِل: 12 - الْمُرَادُ بِتَجَزُّؤِ الْبَيْعِ الْبَاطِل: أَنْ يَشْتَمِل الْبَيْعُ عَلَى مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَيَكُونُ فِي شِقٍّ مِنْهُ صَحِيحًا وَفِي الشِّقِّ الآْخَرِ بَاطِلاً، وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: إِذَا اجْتَمَعَ الْحَلاَل وَالْحَرَامُ غُلِّبَ الْحَرَامُ. وَأَدْخَل الْفُقَهَاءُ تَحْتَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَا يُسَمَّى بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا يَجُوزُ وَمَا لاَ يَجُوزُ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ. وَعَقْدُ الْبَيْعِ إِذَا كَانَ فِي شِقٍّ مِنْهُ صَحِيحًا، وَفِي الشِّقِّ الآْخَرِ بَاطِلاً، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْعَصِيرِ وَالْخَمْرِ، أَوْ بَيْنَ الْمُذَكَّاةِ وَالْمَيْتَةِ، وَبِيعَ ذَلِكَ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَالصَّفْقَةُ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ - عَدَا ابْنَ الْقَصَّارِ مِنْهُمْ - وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيَّةِ (وَادَّعَى الإِْسْنَوِيُّ فِي كِتَابِ الْمُهِمَّاتِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ مَتَى بَطَل الْعَقْدُ فِي الْبَعْضِ بَطَل فِي الْكُل؛ لأَِنَّ الصَّفْقَةَ غَيْرُ مُتَجَزِّئَةٍ، أَوْ لِتَغْلِيبِ الْحَرَامِ عَلَى الْحَلاَل عِنْدَ اجْتِمَاعِهَا، أَوْ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ. وَالْقَوْل الأَْظْهَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْقَصَّارِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ يَجُوزُ تَجْزِئَةُ الصَّفْقَةِ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِيمَا يَجُوزُ، وَيَبْطُل فِيمَا لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ الإِْبْطَال فِي الْكُل لِبُطْلاَنِ أَحَدِهِمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ تَصْحِيحِ الْكُل لِصِحَّةِ أَحَدِهِمَا، فَيَبْقَيَانِ عَلَى حُكْمِهِمَا، وَيَصِحُّ فِيمَا يَجُوزُ، وَيَبْطُل فِيمَا لاَ يَجُوزُ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إِنْ عَيَّنَ ابْتِدَاءً لِكُل شِقٍّ حِصَّتَهُ مِنَ الثَّمَنِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تُعْتَبَرُ الصَّفْقَةُ صَفْقَتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ تَجُوزُ فِيهِمَا التَّجْزِئَةُ، فَتَصِحُّ وَاحِدَةٌ وَتَبْطُل الأُْخْرَى. وَهَذِهِ إِحْدَى صُوَرِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ فِي شِقٍّ مِنْهُ صَحِيحًا، وَفِي الشِّقِّ الآْخَرِ مَوْقُوفًا، كَالْجَمْعِ بَيْنَ دَارِهِ وَدَارِ غَيْرِهِ، وَبَيْعِهِمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَإِنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ فِيهِمَا، وَيَلْزَمُ فِي مِلْكِهِ، وَيُوقَفُ اللُّزُومُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ عَلَى إِجَازَتِهِ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ عَدَا زُفَرَ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَاعِدَةِ عَدَمِ جَوَازِ الْبَيْعِ بِالْحِصَّةِ ابْتِدَاءً، وَجَوَازُ ذَلِكَ بَقَاءً. وَعِنْدَ زُفَرَ: يَبْطُل الْجَمِيعُ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى الْمَجْمُوعِ، وَالْمَجْمُوعُ لاَ يَتَجَزَّأُ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَجْرِي الْخِلاَفُ السَّابِقُ فِي الصُّورَةِ الأُْولَى؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ الْمَوْقُوفَ عِنْدَهُمْ بَاطِلٌ فِي الأَْصْل. وَالصُّورَةُ الثَّالِثَةُ ذَكَرَهَا ابْنُ قُدَامَةَ، وَهِيَ: أَنْ يَبِيعَ مَعْلُومًا وَمَجْهُولاً، كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ هَذِهِ الْفَرَسَ وَمَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الْفَرَسِ الأُْخْرَى بِأَلْفٍ، فَهَذَا الْبَيْعُ بَاطِلٌ بِكُل حَالٍ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ أَعْلَمُ فِي بُطْلاَنِهِ خِلاَفًا (31) . هـ - تَصْحِيحُ الْبَيْعِ الْبَاطِل: 13 - تَصْحِيحُ الْبَيْعِ الْبَاطِل يُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِصُورَتَيْنِ. الأُْولَى: إِذَا ارْتَفَعَ مَا يَبْطُل الْعَقْدَ، فَهَل يَنْقَلِبُ الْبَيْعُ صَحِيحًا؟ الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَتْ صِيغَةُ الْبَيْعِ الْبَاطِل تُؤَدِّي إِلَى مَعْنَى عَقْدٍ آخَرَ صَحِيحٍ، فَهَل يَتَحَوَّل الْبَيْعُ الْبَاطِل إِلَى عَقْدٍ آخَرَ صَحِيحٍ؟ وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي: أَمَّا الصُّورَةُ الأُْولَى: فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْبَيْعِ الْبَاطِل وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، فَيَصِحُّ عِنْدَهُمْ فِي الْجُمْلَةِ تَصْحِيحُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بِارْتِفَاعِ الْمُفْسِدِ دُونَ الْبَاطِل، وَيُعَلِّلُونَ ذَلِكَ بِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْمُفْسِدِ فِي الْفَاسِدِ يَرُدُّهُ صَحِيحًا؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ قَائِمٌ مَعَ الْفَسَادِ، وَمَعَ الْبُطْلاَنِ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا بِصِفَةِ الْبُطْلاَنِ، بَل مَعْدُومًا. وَعَلَى ذَلِكَ لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الدَّقِيقِ فِي الْحِنْطَةِ، وَالزَّيْتِ فِي الزَّيْتُونِ، وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَالْبِزْرِ فِي الْبِطِّيخِ، وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ، لأَِنَّهُ مَعْدُومٌ حَتَّى لَوْ سَلَّمَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي اللَّبَنَ، أَوِ الدَّقِيقَ، أَوِ الْعَصِيرَ، لاَ يَنْقَلِبُ صَحِيحًا؛ لأَِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَعْدُومٌ حَالَةَ الْعَقْدِ، وَلاَ يُتَصَوَّرُ انْعِقَادُ الْعَقْدِ بِدُونِهِ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ أَصْلاً، فَلاَ يَحْتَمِل النَّفَاذَ (32) . 14 - أَمَّا الْجُمْهُورُ (وَهُمْ لاَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِل) فَالْحُكْمُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْبَيْعَ الْبَاطِل لاَ يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بِرَفْعِ الْمُفْسِدِ. فَفِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ حَذَفَ الْعَاقِدَانِ الْمُفْسِدَ لِلْعَقْدِ، وَلَوْ فِي مَجْلِسِ الْخِيَارِ، لَمْ يَنْقَلِبِ الْعَقْدُ صَحِيحًا، إِذْ لاَ عِبْرَةَ بِالْفَاسِدِ (33) . وَفِي الْمُغْنِي لاِبْنِ قُدَامَةَ: لَوْ بَاعَهُ بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِّفَهُ أَوْ يُقْرِضَهُ، أَوْ شَرَطَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ يَحِل سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلاَ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلاَ رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلاَ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ (34) . وَلأَِنَّهُ اشْتَرَطَ عَقْدًا فِي عَقْدٍ فَفَسَدَ، كَبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَلأَِنَّهُ إِذَا اشْتَرَطَ الْقَرْضَ زَادَ فِي الثَّمَنِ لأَِجَلِهِ، فَتَصِيرُ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ عِوَضًا عَنِ الْقَرْضِ وَرِبْحًا لَهُ، وَذَلِكَ رِبًا مُحَرَّمٌ، فَفَسَدَ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ، وَلأَِنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ فَلاَ يَعُودُ صَحِيحًا، كَمَا لَوْ بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ ثُمَّ تَرَكَ أَحَدَهُمَا (35) . وَفِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: مَنْ بَاعَ بِشَرْطِ ضَمَانِ دَرْكِهِ إِلاَّ مِنْ زَيْدٍ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ لَهُ؛ لأَِنَّ اسْتِثْنَاءَ زَيْدٍ مِنْ ضَمَانِ دَرْكِهِ يَدُل عَلَى حَقٍّ لَهُ فِي الْمَبِيعِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي بَيْعِهِ فَيَكُونُ بَاطِلاً، ثُمَّ إِنْ ضَمِنَ دَرْكَهُ مِنْهُ أَيْضًا لَمْ يُعَدَّ الْبَيْعُ صَحِيحًا؛ لأَِنَّ الْفَاسِدَ لاَ يَنْقَلِبُ صَحِيحًا (36) . وَالأَْصْل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ كُل شَرْطٍ يُنَاقِضُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ كَبَيْعِ الثُّنْيَا (بَيْعُ الْوَفَاءِ) - وَهُوَ أَنْ يَبْتَاعَ السِّلْعَةَ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ مَتَى رَدَّ الثَّمَنَ فَالسِّلْعَةُ لَهُ - وَكَذَا كُل شَرْطٍ يُخِل بِقَدْرِ الثَّمَنِ كَبَيْعٍ وَشَرْطٍ سَلَفًا، فَإِنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ فَاسِدًا. لَكِنْ يَصِحُّ الْبَيْعُ إِنْ حُذِفَ شَرْطُ السَّلَفِ، وَكَذَا كُل شَرْطٍ يُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ، إِلاَّ بَعْضَ الشُّرُوطِ فَلاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ مَعَهَا، وَلَوْ حُذِفَ الشَّرْطُ وَهِيَ: (37) مَنِ ابْتَاعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ عَلَى أَنَّهُ إِنْ مَاتَ فَالثَّمَنُ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُفْسَخُ الْبَيْعُ وَلَوْ أَسْقَطَ هَذَا الشَّرْطَ، لأَِنَّهُ غَرَرٌ، وَكَذَا لَوْ شَرَطَ: إِنْ مَاتَ فَلاَ يُطَالِبُ الْبَائِعُ وَرَثَتَهُ بِالثَّمَنِ. (38) شَرْطُ الثُّنْيَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ وَلَوْ أَسْقَطَ الشَّرْطَ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ (39) . (40) شَرْطُ النَّقْدِ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ: قَال ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ أَسْقَطَ شَرْطَ النَّقْدِ فَلاَ يَصِحُّ. أَمَّا الشَّرْطُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الإِْخْلاَل بِشَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ فَهَذَا يُوجِبُ الْفَسْخَ، وَلَيْسَ لِلْعَاقِدَيْنِ إِمْضَاؤُهُ (41) . 15 - وَمَنَاطُ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِيمَا سَبَقَ كَمَا قَال ابْنُ رُشْدٍ هُوَ: هَل إِذَا لَحِقَ الْفَسَادُ بِالْبَيْعِ مِنْ قِبَل الشَّرْطِ يَرْتَفِعُ الْفَسَادُ إِذَا ارْتَفَعَ الشَّرْطُ أَمْ لاَ يَرْتَفِعُ الْفَسَادُ؟ كَمَا لاَ يَرْتَفِعُ الْفَسَادُ اللاَّحِقُ لِلْبَيْعِ الْحَلاَل مِنْ أَجْل اقْتِرَانِ الْمُحَرَّمِ الْعَيْنِ بِهِ؟ كَمَنْ بَاعَ فَرَسًا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَزِقَّ خَمْرٍ، فَلَمَّا عَقَدَ الْبَيْعَ قَال: أَدَعُ الزِّقَّ، وَهَذَا الْبَيْعُ مَفْسُوخٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِإِجْمَاعٍ. وَهَذَا أَيْضًا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ آخَرَ. وَهُوَ: هَل هَذَا الْفَسَادُ حُكْمِيٌّ (تَعَبُّدِيٌّ) أَوْ مَعْقُولٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: حُكْمِيٌّ، لَمْ يَرْتَفِعْ بِارْتِفَاعِ الشَّرْطِ. وَإِنْ قُلْنَا: مَعْقُولٌ، ارْتَفَعَ بِارْتِفَاعِ الشَّرْطِ. فَمَالِكٌ رَآهُ مَعْقُولاً، وَالْجُمْهُورُ رَأَوْهُ غَيْرَ مَعْقُولٍ. وَالْفَسَادُ الَّذِي يُوجَدُ فِي بُيُوعِ الرِّبَا وَالْغَرَرِ أَكْثَرُهُ حُكْمِيٌّ، وَلِذَلِكَ لاَ يَنْعَقِدُ عِنْدَهُمْ أَصْلاً، وَإِنْ تُرِكَ الرِّبَا بَعْدَ الْبَيْعِ أَوِ ارْتَفَعَ الْغَرَرُ (42) . 16 - أَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ تَحَوُّل الْبَيْعِ الْبَاطِل إِلَى عَقْدٍ آخَرَ صَحِيحٍ، فَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي قَاعِدَةِ (الْعِبْرَةُ بِصِيَغِ الْعُقُودِ أَوْ مَعَانِيهَا) . يَقُول السُّيُوطِيُّ: هَل الْعِبْرَةُ بِصِيَغِ الْعُقُودِ أَوْ مَعَانِيهَا؟ خِلاَفٌ، وَالتَّرْجِيحُ مُخْتَلِفٌ فِي الْفُرُوعِ. وَمِنْ ذَلِكَ: لَوْ بَاعَ الْمَبِيعَ لِلْبَائِعِ قَبْل قَبْضِهِ بِمِثْل الثَّمَنِ الأَْوَّل، فَهُوَ إِقَالَةٌ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، وَخَرَّجَهُ السُّبْكِيُّ عَلَى الْقَاعِدَةِ، وَالتَّخْرِيجُ لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ. قَال: إِنِ اعْتَبَرْنَا اللَّفْظَ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا الْمَعْنَى فَإِقَالَةٌ (43) ، وَهُوَ بَيْعٌ فَاسِدٌ لأَِنَّهُ وَقَعَ عَلَى الْمَبِيعِ قَبْل أَنْ يُقْبَضَ، وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَتَحَوَّل إِلَى إِقَالَةٍ صَحِيحَةٍ، إِذْ يَشْتَمِل الْعَقْدُ عَلَى جَمِيعِ عَنَاصِرِ الإِْقَالَةِ. وَفِي الأَْشْبَاهِ لاِبْنِ نُجَيْمٍ: الاِعْتِبَارُ لِلْمَعْنَى لاَ لِلأَْلْفَاظِ، صَرَّحُوا بِهِ فِي مَوَاضِعَ (44) . وَفِي دُرَرِ الْحُكَّامِ: الْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ لِلْمَقَاصِدِ وَالْمَعَانِي لاَ لِلأَْلْفَاظِ وَالْمَبَانِي، وَلِذَا يَجْرِي حُكْمُ الرَّهْنِ فِي بَيْعِ الْوَفَاءِ (45) . وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ: أَنَّ مَنْ بَاعَ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ وَشَرَطَ عَلَى الْمُبْتَاعِ أَنْ لاَ يَبِيعَهُ وَلاَ يَهَبَهُ حَتَّى يُعْطِيَهُ الثَّمَنَ فَلاَ بَأْسَ بِهَذَا، لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ إِذَا كَانَ إِعْطَاءُ الثَّمَنِ لأَِجَلٍ مُسَمًّى (46) . وَهَكَذَا يَجْرِي حُكْمُ تَحَوُّل الْبَيْعِ الْبَاطِل إِلَى عَقْدٍ آخَرَ صَحِيحٍ ضِمْنَ الْقَاعِدَةِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا. __________ (1) المصباح المنير ولسان العرب مادة: " بيع - بطل ". (2) مجلة الأحكام العدلية المادة / 105، ونهاية المحتاج 3 / 361، وابن عابدين 4 / 3، 4، والمغني 3 / 560، وحاشية الدسوقي 3 / 2. (3) ابن عابدين 4 / 100، وفتح القدير 6 / 42 نشر دار إحياء التراث العربي، والزيلعي 4 / 43. (4) منح الجليل 2 / 550، والموافقات للشاطبي 1 / 292، وروضة الناظر / 31، والقواعد والفوائد الأصولية / 110، وأشباه السيوطي / 310، 312 ط عيسى الحلبي. (5) الزيلعي 4 / 43، والموافقات للشاطبي 1 / 292، ومنح الجليل 2 / 550، وجمع الجوامع 1 / 101، وروضة الناظر / 31. (6) ابن عابدين 2 / 297، 4 / 100، والزيلعي 4 / 43، وأشباه ابن نجيم / 337. (7) ابن عابدين 1 / 117، ونهاية المحتاج 3 / 430، ومنتهى الإرادات 2 / 154، 155. (8) كشف الأسرار 1 / 257 - 261، وابن عابدين 4 / 5، 99، 100، وبدائع الصنائع 5 / 305، والموافقات للشاطبي 2 / 333 - 337، والدسوقي 3 / 54، ونهاية المحتاج 3 / 429، والمغني 4 / 229 - 252، والتبصرة بهامش فتح العلي 1 / 199 وما بعدها نشر دار المعرفة ببيروت. (9) المنثور في القواعد 1 / 354، 355، وابن عابدين 4 / 5 ومنتهى الإرادات 2 / 155. (10) التلويح على التوضيح 2 / 118 - 121، وفتح العلي المالك 1 / 60، والموافقات للشاطبي 4 / 220، والمنثور في القواعد 2 / 140. (11) المنثور في القواعد 2 / 127، 128. (12) الذخيرة / 139 - 141 نشر وزارة الأوقاف بالكويت، وفتح العلي المالك 1 / 60 - 65، والتقرير والتحبير في شرح التحرير 3 / 349 ط بولاق، وإرشاد الفحول / 271، والموافقات للشاطبي 4 / 133، 140، 147. (13) حاشية الدسوقي 3 / 54، والقوانين الفقهية لابن جزي / 170، ونهاية المحتاج 3 / 429، وأشباه السيوطي / 312 ط عيسى الحلبي، وروضة الناظر / 113، والمغني 4 / 229 وما بعدها، وشرح منتهى الإرادات 2 / 154، 156، 157، والبدائع 5 / 299، 300، وبداية المجتهد 2 / 125 - 167 - 169. (14) حديث: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " أخرجه البخاري (الفتح 5 / 31 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1342 ط الحلبي) . (15) ينظر كتاب تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد، لصلاح الدين بن كيكلدي العلائي، رسالة دكتوراه، تحقيق د. محمد إبراهيم السلقيني، من مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق. (16) سورة البقرة / 278. (17) حديث: " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل. . . " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 379 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1208 ط الحلبي) . (18) جمع الجوامع 1 / 105، وروضة الناظر / 113، والمستصفى للغزالي 2 / 26، 27، وحاشية الدسوقي 3 / 54، وبداية المجتهد 2 / 167 - 169، والفروق للقرافي 2 / 82، 84، ونهاية المحتاج 3 / 429، والمنثور في القواعد 3 / 7، 313، والمغني 4 / 229 - 258، ومنتهى الإرادات 2 / 154 - 157. وحديث: " نهى عن بيع وشرط. . . ". أخرجه الطبراني في الأوسط كما في نصب الراية، ونقل الزيلعي عن ابن القطان أنه ضعيف (نصب الراية 4 / 18 - ط المجلس العلمي) . (19) سورة البقرة / 275. (20) البدائع 5 / 299، 300، والزيلعي 4 / 63، والتلويح على التوضيح 2 / 123، وجمع الجوامع 1 / 105 - 107. (21) أسنى المطالب شرح روض الطالب مع حاشية الرملي 2 / 171. (22) الفروق للقرافي 2 / 82، 83، والفرق: 70، ومنح الجليل 2 / 550، وبداية المجتهد 2 / 193 وينظر ص 167. (23) البدائع 5 / 305، وابن عابدين 4 / 105، وحاشية الدسوقي 3 / 54، ومنتهى الإرادات 2 / 190 (24) ابن عابدين 4 / 7، ومنح الجليل 2 / 572، وكشاف القناع 3 / 157، ونهاية المحتاج 3 / 389، 390، وقليوبي وعميرة 2 / 160، وحاشية الدسوقي 3 / 71. (25) البدائع 5 / 305، وابن عابدين 4 / 105 والدسوقي 3 / 71، والقوانين الفقهية ص 172، 173، ونهاية المحتاج 3 / 364، 435، وكشاف القناع 3 / 150، المغني 4 / 252، 253. (26) بداية المجتهد 2 / 193 ط عيسى الحلبي. (27) روضة الطالبين 3 / 408، وحاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 84، والمغني 4 / 253، والقوانين الفقهية / 172، وبداية المجتهد 2 / 193. (28) الفتاوى الخانية بهامش الهندية 2 / 133، والدسوقي 3 / 71، 74، وحاشية الجمل على المنهج 3 / 84، 85، والمغني 4 / 255. (29) ابن عابدين 4 / 105، والبدائع 5 / 305، والدسوقي 3 / 71، ومنح الجليل 2 / 577، 578، وروضة الطالبين 3 / 408، وحاشية الجمل على المنهج 3 / 84، وأشباه السيوطي ص 373، وكشاف القناع 3 / 197، 198، والمغني 4 / 253. (30) البدائع 5 / 305، وابن عابدين 4 / 105، ودرر الحكام المادة (31) 1 / 334. (32) الأشباه لابن نجيم 113، 114، والبدائع 5 / 145، وابن عابدين 4 / 104، والاختيار 2 / 23، وجواهر الإكليل 2 / 6، والقوانين الفقهية ص 172، والدسوقي 2 / 266، والأشباه للسيوطي ص 120 - 122، والمنثور في القواعد 1 / 382، ونهاية المحتاج 3 / 461، وروضة الطالبين 3 / 420، والمغني 4 / 261، 262. (33) ابن عابدين 4 / 108، 113، والزيلعي 4 / 47 - 50 وفتح القدير 6 / 52 نشر دار إحياء التراث، والبدائع 5 / 139. (34) نهاية المحتاج 3 / 434، 435، وروضة الطالبين 3 / 410، ومغني المحتاج 2 / 40، وحاشية الجمل 3 / 84، 85. (35) حديث: " لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك ". أخرجه أبو داود (3 / 769 ط عزت عبيد دعاس) ، والترمذي (3 / 535 ط الحلبي) ، والحاكم (2 / 17 ط المعارف العثمانية) وصححه. (36) المغني 4 / 259، 260 ط الرياض. (37) شرح منتهى الإرادات 2 / 250. (38) منح الجليل 2 / 570، 571، وينظر الموافقات للشاطبي 1 / 294، 295. (39) منح الجليل 2 / 572. (40) بداية المجتهد 2 / 162 ط عيسى الحلبي. (41) الأشباه للسيوطي / 183، 184، 185. (42) الأشباه لابن نجيم / 207. (43) درر الحكام شرح مجلة الأحكام المادة (44) 1 / 18، 19. (45) منح الجليل 2 / 568. |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الْبَيْعُ: مُبَادَلَةُ الْمَال بِالْمَال، وَالْفَسَادُ: ضِدُّ الصَّلاَحِ. وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ فِي الاِصْطِلاَحِ: مَا يَكُونُ مَشْرُوعًا أَصْلاً لاَ وَصْفًا. وَالْمُرَادُ بِالأَْصْل: الصِّيغَةُ، وَالْعَاقِدَانِ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ. وَبِالْوَصْفِ: مَا عَدَا ذَلِكَ (1) . وَهَذَا اصْطِلاَحُ الْحَنَفِيَّةِ الَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِل. فَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ عِنْدَهُمْ مَرْتَبَةٌ بَيْنَ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَالْبَيْعِ الْبَاطِل. وَلِهَذَا يُفِيدُ الْحُكْمَ، إِذَا اتَّصَل بِهِ الْقَبْضُ، لَكِنَّهُ مَطْلُوبُ التَّفَاسُخِ شَرْعًا (2) . أَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فَالْفَاسِدُ وَالْبَاطِل عِنْدَهُمْ سِيَّانِ، فَكَمَا أَنَّ الْبَيْعَ الْبَاطِل لاَ يُفِيدُ الْحُكْمَ __________ (1) المصباح المنير ومجلة الأحكام العدلية م 105، 109، وتبيين الحقائق 4 / 44، وفتح القدير 6 / 43 (2) تبيين الحقائق للزيلعي 4 / 44، وابن عابدين 4 / 100، والبدائع 5 / 299، وفتح القدير مع الهداية 6 / 42 فَكَذَلِكَ الْفَاسِدُ لاَ أَثَرَ لَهُ عِنْدَهُمْ (1) . وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ. إِلاَّ أَنَّ بَعْضَ الشَّافِعِيَّةِ وَافَقُوا الْحَنَفِيَّةَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِل حَيْثُ قَالُوا: إِنْ رَجَعَ الْخَلَل إِلَى رُكْنِ الْعَقْدِ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَإِنْ رَجَعَ إِلَى شَرْطِهِ فَفَاسِدٌ (2) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْبَيْعُ الصَّحِيحُ: 2 - الْبَيْعُ الصَّحِيحُ هُوَ: الْبَيْعُ الْمَشْرُوعُ بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ، وَيُفِيدُ الْحُكْمَ بِنَفْسِهِ إِذَا خَلاَ عَنِ الْمَوَانِعِ. فَالْبَيْعُ الصَّحِيحُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ، مِنْ حُصُول الْمِلْكِ وَالاِنْتِفَاعِ بِالْمَبِيعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَبْضِ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ (3) . ب - (الْبَيْعُ الْبَاطِل: 3 - الْبَيْعُ الْبَاطِل: مَا لاَ يَكُونُ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ وَلاَ بِوَصْفِهِ، فَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرٌ، وَلاَ تَحْصُل بِهِ فَائِدَةٌ، وَلاَ يُعْتَبَرُ مُنْعَقِدًا، فَلاَ حُكْمَ لَهُ أَصْلاً؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ لِلْمَوْجُودِ، وَلاَ وُجُودَ لِهَذَا الْبَيْعِ شَرْعًا، وَإِنْ وُجِدَ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ، كَالْبَيْعِ __________ (1) الدسوقي 3 / 54، والأشباه للسيوطي ص 312، والمنثور للزركشي 3 / 7، والقواعد والفوائد الأصولية ص 110 (2) أسنى المطالب 2 / 171 (3) الزيلعي 4 / 44، وابن عابدين 4 / 100، ومنح الجليل 2 / 551، وروضة الناظر ص 31 الْوَاقِعِ مِنَ الطِّفْل وَالْمَجْنُونِ، وَكَبَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالْحُرِّ، وَكُل مَا لاَ يُعْتَبَرُ مَالاً (1) . (ر: بُطْلاَنُ، الْبَيْعِ الْبَاطِل) . ج - الْبَيْعُ الْمَكْرُوهُ: 4 - الْمَكْرُوهُ لُغَةً: خِلاَفُ الْمَحْبُوبِ. وَالْبَيْعُ الْمَكْرُوهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: مَا كَانَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ، لَكِنْ نُهِيَ عَنْهُ لِوَصْفٍ مُجَاوِرٍ غَيْرِ لاَزِمٍ (2) . كَالْبَيْعِ عِنْدَ أَذَانِ الْجُمُعَةِ، وَبَيْعِ الْمُسْلِمِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَنَحْوِهِمَا. وَالْبَيْعُ الْمَكْرُوهُ بَيْعٌ مُنْعَقِدٌ صَحِيحٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ) فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ، كَثُبُوتِ الْمِلْكِيَّةِ فِي الْبَدَلَيْنِ، لَكِنْ فِيهِ إِثْمٌ إِنْ كَانَ مَكْرُوهًا تَحْرِيمًا عَلَى اصْطِلاَحِ الْحَنَفِيَّةِ، لِوُرُودِ النَّهْيِ فِيهِ لِوَصْفٍ عَارِضٍ، وَهُوَ اقْتِرَانُهُ بِوَقْتِ النِّدَاءِ لِصَلاَةِ الْجُمُعَةِ مَثَلاً (3) . أَمَّا الْمَكْرُوهُ تَنْزِيهًا فَلاَ إِثْمَ فِيهِ كَبَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَصِحُّ بَيْعٌ بَعْدَ أَذَانِ الْجُمُعَةِ __________ (1) البدائع 5 / 305، وابن عابدين 4 / 100، وبداية المجتهد 2 / 193، والأشباه للسيوطي ص 310، وروضة الناظر ص 31، والدسوقي 3 / 54 (2) ابن عابدين 4 / 100، وبداية المجتهد لابن رشد 2 / 193، ونهاية المحتاج 3 / 430، ومنتهى الإرادات 3 / 154 (3) المراجع السابقة عَقِبَ جُلُوسِ الإِْمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} (1) وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ (2) . (ر: بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) . د - الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ: 5 - الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ هُوَ: مَا يَكُونُ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ، وَيُفِيدُ الْحُكْمَ عَلَى سَبِيل التَّوَقُّفِ وَامْتَنَعَ تَمَامُهُ لأَِجْل غَيْرِهِ، كَبَيْعِ مَال الْغَيْرِ. وَيُسَمَّى الْبَائِعُ حِينَئِذٍ فُضُولِيًّا، لِتَصَرُّفِهِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ شَرْعِيٍّ. فَمَنْ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ يَكُونُ الْبَيْعُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ، إِنْ شَاءَ رَدَّهُ، وَإِنْ شَاءَ أَجَازَ، إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ وَالْمُتَبَايِعَانِ بِحَالِهِمْ (3) . وَالْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ بَيْعٌ صَحِيحٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (4) ، لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ. وَبَاطِلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ __________ (1) سورة الجمعة / 9 (2) منتهى الإرادات 3 / 154، وكشاف القناع 3 / 180 (3) مجلة الأحكام العدلية م 111، وتبيين الحقائق للزيلعي 4 / 44، وابن عابدين 4 / 139 - 142، والاختيار 2 / 17، والقوانين لابن جزي ص 163، ومغني المحتاج 2 / 15، والمغني مع الشرح 4 / 274 (4) المراجع السابقة، وانظر المجموع 9 / 258 فِي الصَّحِيحِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ وَالْوِلاَيَةِ. (ر: الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: 6 - يَحْرُمُ الإِْقْدَامُ عَلَى الْبَيْعِ الْفَاسِدِ إِذَا كَانَ الْمُتَصَرِّفُ عَالِمًا بِفَسَادِهِ؛ لأَِنَّ فِيهِ مُخَالَفَةً شَرْعِيَّةً وَلَوْ فِي وَصْفِ الْعَقْدِ، وَالْفَاسِدُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَدُل عَلَى كَوْنِهِ غَيْرَ مُبَاحٍ (1) . أَسْبَابُ الْفَسَادِ: 7 - مَا يَلِي مِنَ الأَْسْبَابِ تُفْسِدُ الْعَقْدَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلاَ تُبْطِلُهُ، وَالْبَيْعُ فِي هَذِهِ الأَْحْوَال يُفِيدُ الْحُكْمَ بِشَرْطِ الْقَبْضِ، وَيُطَبَّقُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْفَاسِدِ الآْتِي ذِكْرُهَا، وَهَذِهِ الأَْسْبَابُ تُعْتَبَرُ مِنْ أَسْبَابِ بُطْلاَنِ الْعَقْدِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهِ أَصْلاً عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَحَيْثُ إِنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ هُوَ مُصْطَلَحُ الْحَنَفِيَّةِ فَقَطْ فَيُقْتَصَرُ عَلَى ذِكْرِ أَسْبَابِ الْفَسَادِ عِنْدَهُمْ: أ - عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ إِلاَّ بِتَحَمُّل الضَّرَرِ: 8 - مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ: أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ الْبَائِعَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَسْلِيمُهُ إِلاَّ بِضَرَرٍ يَلْزَمُهُ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لأَِنَّ الضَّرَرَ لاَ يُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ، وَلاَ يَلْزَمُ بِالْتِزَامِ __________ (1) التوضيح والتنقيح 1 / 217، وتبيين الحقائق 4 / 44 الْعَاقِدِ إِلاَّ تَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَأَمَّا مَا وَرَاءَهُ فَلاَ. وَعَلَى ذَلِكَ إِذَا بَاعَ جِذْعًا فِي سَقْفٍ، أَوْ آجُرًّا فِي حَائِطٍ، أَوْ ذِرَاعًا فِي دِيبَاجٍ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُهُ إِلاَّ بِالنَّزْعِ وَالْقَطْعِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ بِالْبَائِعِ، وَالضَّرَرُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ بِالْعَقْدِ. فَكَانَ بَيْعُ مَا لاَ يَجِبُ تَسْلِيمُهُ شَرْعًا، فَيَكُونُ فَاسِدًا (1) . فَإِنْ نَزَعَهُ الْبَائِعُ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْمُشْتَرِي قَبْل أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ جَازَ الْبَيْعُ، حَتَّى يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى الأَْخْذِ؛ لأَِنَّ الْمَانِعَ مِنَ الْجَوَازِ ضَرَرُ الْبَائِعِ بِالتَّسْلِيمِ، فَإِذَا سَلَّمَ بِاخْتِيَارِهِ وَرِضَاهُ فَقَدْ زَال الْمَانِعُ (2) . وَلَوْ بَاعَ حِلْيَةَ سَيْفِهِ، فَإِنْ كَانَ يَتَخَلَّصُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَتَخَلَّصُ إِلاَّ بِضَرَرٍ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ، إِلاَّ إِذَا فَصَل وَسَلَّمَ (3) . وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي بَيْعِ ذِرَاعٍ مِنْ ثَوْبٍ يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ، وَبَيْعُ فَصِّ خَاتَمٍ مُرَكَّبٍ فِيهِ، وَكَذَا بَيْعُ نَصِيبِهِ مِنْ ثَوْبٍ مُشْتَرَكٍ مِنْ غَيْرِ شَرِيكِهِ، لِلضَّرَرِ فِي تَسْلِيمِ ذَلِكَ كُلِّهِ (4) . ب - جَهَالَةُ الْمَبِيعِ أَوِ الثَّمَنِ أَوِ الأَْجَل: 9 - مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ وَالثَّمَنُ مَعْلُومَيْنِ عِلْمًا يَمْنَعُ مِنَ الْمُنَازَعَةِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَجْهُولاً جَهَالَةً مُفْضِيَةً إِلَى الْمُنَازَعَةِ فَسَدَ __________ (1) البدائع للكاساني 5 / 168، وابن عابدين 4 / 108 - 109 (2) نفس المراجع (3) البدائع 5 / 168 (4) البدائع 5 / 168، وابن عابدين 4 / 109 الْبَيْعُ. فَإِذَا قَال: بِعْتُكَ شَاةً مِنْ هَذَا الْقَطِيعِ، أَوْ ثَوْبًا مِنْ هَذَا الْعِدْل فَسَدَ الْبَيْعُ؛ لأَِنَّ الشَّاةَ مِنَ الْقَطِيعِ أَوِ الثَّوْبَ مِنَ الْعِدْل مَجْهُولٌ جَهَالَةً مُفْضِيَةً إِلَى الْمُنَازَعَةِ، لِفُحْشِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ شَاةٍ وَشَاةٍ، وَثَوْبٍ وَثَوْبٍ فَيُوجِبُ الْفَسَادَ. لَكِنْ إِذَا عَيَّنَ الْبَائِعُ شَاةً أَوْ ثَوْبًا وَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ، وَرَضِيَ بِهِ جَازَ، وَيَكُونُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً بَيْعًا بِالْمُرَاضَاةِ (1) . وَلَوْ بَاعَ شَيْئًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَفِي الْبَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةٌ، انْصَرَفَ إِلَى النَّقْدِ الْغَالِبِ، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ، لَكِنَّهُ إِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ عِدَّةُ نُقُودٍ غَالِبَةٍ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لأَِنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ إِذِ الْبَعْضُ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ (2) . 10 - وَإِذَا كَانَ الْبَيْعُ فِيهِ أَجَلٌ، يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ أَنْ يَكُونَ الأَْجَل مَعْلُومًا، فَإِنْ كَانَ مَجْهُولاً يَفْسُدُ الْبَيْعُ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ جَهَالَةُ الأَْجَل فَاحِشَةً، كَهُبُوبِ الرِّيحِ وَنُزُول الْمَطَرِ وَقُدُومِ فُلاَنٍ وَمَوْتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَمْ مُتَقَارِبَةً كَالْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ وَالنَّيْرُوزِ وَالْمَهْرَجَانِ وَقُدُومِ الْحَاجِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الأَْوَّل فِيهِ غَرَرُ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِمَّا يَتَقَدَّمُ وَيَتَأَخَّرُ فَيُؤَدِّي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، فَيُوجِبُ فَسَادَ الْبَيْعِ (3) . ج - الْبَيْعُ بِالإِْكْرَاهِ: 11 - الإِْكْرَاهُ إِذَا كَانَ مُلْجِئًا، أَيْ بِالتَّهْدِيدِ __________ (1) البدائع 5 / 156، 158، والفتاوى الهندية 3 / 3 (2) المراجع السابقة (3) البدائع 5 / 178، والاختيار 2 / 26، وابن عابدين 4 / 106 بِإِتْلاَفِ النَّفْسِ أَوِ الْعُضْوِ مَثَلاً، يُعْدِمُ الرِّضَا وَيُفْسِدُ الاِخْتِيَارَ، فَيَبْطُل عَقْدُ الْبَيْعِ وَسَائِرُ الْعُقُودِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ. أَمَّا الإِْكْرَاهُ غَيْرُ الْمُلْجِئِ، كَالتَّهْدِيدِ بِالْحَبْسِ وَالضَّرَرِ الْيَسِيرِ، فَيُفْسِدُ الْبَيْعَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلاَ يُبْطِلُهُ، فَيَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ عِنْدَ الْقَبْضِ، وَيَنْقَلِبُ صَحِيحًا لاَزِمًا بِإِجَازَةِ الْمُكْرَهِ؛ لأَِنَّ الإِْكْرَاهَ غَيْرَ الْمُلْجِئِ لاَ يُعْدِمُ الاِخْتِيَارَ (الَّذِي هُوَ: تَرْجِيحُ فِعْل الشَّيْءِ عَلَى تَرْكِهِ) ، وَإِنَّمَا يُعْدِمُ الرِّضَا (الاِرْتِيَاحُ إِلَى الشَّيْءِ) وَالرِّضَا لَيْسَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الْبَيْعِ، بَل هُوَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهِ (1) . كَمَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي بَحْثِ (إِكْرَاه) . وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْمُضْطَرِّ فَاسِدٌ، كَمَا إِذَا اضْطُرَّ شَخْصٌ إِلَى بَيْعِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ وَلَمْ يَرْضَ الْمُشْتَرِي إِلاَّ بِشِرَائِهِ بِأَقَل مِنْ ثَمَنِ الْمِثْل بِغَبْنٍ فَاحِشٍ (2) . د - الشَّرْطُ الْمُفْسِدُ: 12 - مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ خَالِيًا عَنِ الشُّرُوطِ الْمُفْسِدَةِ، وَهِيَ أَنْوَاعٌ. مِنْهَا مَا فِي وُجُودِهِ غَرَرٌ، نَحْوُ مَا إِذَا اشْتَرَى نَاقَةً عَلَى أَنَّهَا حَامِلٌ؛ لأَِنَّ الشَّرْطَ يَحْتَمِل الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ وَلاَ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ لِلْحَال؛ لأَِنَّ عِظَمَ الْبَطْنِ وَالتَّحَرُّكَ يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ لِعَارِضٍ، فَكَانَ فِي الْبَيْعِ بِهَذَا الشَّرْطِ غَرَرٌ يُوجِبُ فَسَادَهُ، لِمَا __________ (1) ابن عابدين 4 / 4، 5 (2) ابن عابدين 4 / 106 رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ {نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ} (1) . وَيَرْوِي الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الْبَيْعَ بِهَذَا الشَّرْطِ جَائِزٌ، لأَِنَّ كَوْنَهَا حَامِلاً بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ كَوْنِ الْعَبْدِ كَاتِبًا أَوْ خَيَّاطًا وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَذَا جَائِزٌ، فَكَذَا هَذَا. وَقَدْ أَلْحَقَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِهَذَا الْمِثَال شِرَاءَ بَقَرَةٍ عَلَى أَنَّهَا حَلُوبٌ، أَوْ قُمْرِيَّةً عَلَى أَنَّهَا تُصَوِّتُ، أَوْ كَبْشًا عَلَى أَنَّهُ نِطَاحٌ، أَوْ دِيكًا عَلَى أَنَّهُ مُقَاتِلٌ، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مُحَمَّدٍ، لأَِنَّهُ شَرْطٌ فِيهِ غَرَرٌ (2) . وَفِي الْمَوْضُوعِ أَمْثِلَةٌ خِلاَفِيَّةٌ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مَظَانِّهَا. وَمِنَ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي تُفْسِدُ الْعَقْدَ: كُل شَرْطٍ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي، وَلَيْسَ بِمُلاَئِمٍ وَلاَ مِمَّا جَرَى بِهِ التَّعَامُل بَيْنَ النَّاسِ. نَحْوُ: إِذَا بَاعَ دَارًا عَلَى أَنْ يَسْكُنَهَا الْبَائِعُ شَهْرًا ثُمَّ يُسَلِّمَهَا إِلَيْهِ، أَوْ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا سَنَةً، أَوْ دَابَّةً عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا شَهْرًا، أَوْ ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَلْبَسَهُ أُسْبُوعًا، فَالْبَيْعُ فِي كُل هَذِهِ الصُّوَرِ فَاسِدٌ؛ لأَِنَّ زِيَادَةَ الْمَنْفَعَةِ الْمَشْرُوطَةِ فِي الْبَيْعِ تَكُونُ رِبًا، لأَِنَّهَا زِيَادَةٌ __________ (1) حديث: " نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر ". أخرجه مسلم 3 / 1153 ط الحلبي (2) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع لعلاء الدين الكاساني 5 / 169، 170 لاَ يُقَابِلُهَا عِوَضٌ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، وَالْبَيْعُ الَّذِي فِيهِ رِبًا فَاسِدٌ. وَكَذَا مَا فِيهِ شُبْهَةُ الرِّبَا، فَإِنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِلْبَيْعِ. (ر: ربا) . وَمِنَ الشُّرُوطِ الْمُفْسِدَةِ: شَرْطُ خِيَارٍ مُؤَبَّدٍ فِي الْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ شَرْطُ خِيَارٍ مُؤَقَّتٍ بِأَجَلٍ مَجْهُولٍ جَهَالَةً فَاحِشَةً، كَهُبُوبِ الرِّيحِ وَمَجِيءِ الْمَطَرِ مَثَلاً، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (شَرْط) (1) . هـ - اشْتِمَال الْعَقْدِ عَلَى التَّوْقِيتِ: 13 - مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْبَيْعِ: أَلاَ يَكُونَ الْعَقْدُ مُؤَقَّتًا، فَإِنْ أَقَّتَهُ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لأَِنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ عَقْدُ تَمْلِيكِ الْعَيْنِ، وَعُقُودُ تَمْلِيكِ الأَْعْيَانِ لاَ تَصِحُّ مُؤَقَّتَةً، وَلِهَذَا عَرَّفَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْبَيْعَ بِأَنَّهُ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مَالِيَّةٍ يُفِيدُ مِلْكَ عَيْنٍ عَلَى التَّأْبِيدِ (2) . وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (أَجَل، تَأْقِيت) . و اشْتِمَال الْعَقْدِ عَلَى الرِّبَا: 14 - مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْبَيْعِ: الْخُلُوُّ عَنِ الرِّبَا؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ الَّذِي فِيهِ رِبًا فَاسِدٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ الرِّبَا حَرَامٌ بِنَصِّ الْكِتَابِ الْكَرِيمِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (3) . __________ (1) البدائع 5 / 168، 169، 170، 174 (2) الفتاوى الهندية 3 / 3، والبدائع 6 / 118، ومغني المحتاج 2 / 3 (3) سورة البقرة / 275 وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ خَالِيًا عَنْ شُبْهَةِ الرِّبَا، وَاحْتِمَال الرِّبَا. قَال الْكَاسَانِيُّ: حَقِيقَةُ الرِّبَا كَمَا هِيَ مُفْسِدَةٌ لِلْبَيْعِ، فَاحْتِمَال الرِّبَا مُفْسِدٌ لَهُ أَيْضًا، وَلأَِنَّ الشُّبْهَةَ مُلْحَقَةٌ بِالْحَقِيقَةِ فِي بَابِ الْحُرُمَاتِ احْتِيَاطًا، وَأَصْلُهُ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الْحَلاَل بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، فَدَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ} (1) . ز - الْبَيْعُ بِغَرَرٍ: 15 - الْغَرَرُ هُوَ خَطَرُ حُصُول الشَّيْءِ أَوْ عَدَمُ حُصُولِهِ، فَإِذَا كَانَ الْغَرَرُ فِي أَصْل الْمَبِيعِ، بِأَنْ يَكُونَ مُحْتَمِلاً لِلْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، كَبَيْعِ الثِّمَارِ قَبْل أَنْ تُخْلَقَ، وَبَيْعِ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ قَبْل أَنْ يُصْطَادَ، فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ فِي أَوْصَافِهِ كَبَيْعِ الرُّطَبِ عَلَى النَّخْل بِتَمْرٍ مَقْطُوعٍ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِجَهَالَةِ قَدْرِ الْمَبِيعِ (2) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (غَرَر) ح - بَيْعُ الْمَنْقُول قَبْل قَبْضِهِ: 16 - مَنِ اشْتَرَى عَيْنًا مَنْقُولَةً لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ لَهَا قَبْل قَبْضِهَا مِنَ الْبَائِعِ الأَْوَّل، لِمَا رُوِيَ {أَنَّ __________ (1) بدائع الصنائع 5 / 183، 193، 198. وحديث: " الحلال بين والحرام بين، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك " أخرجه الطبراني في الأوسط وحسنه الهيثمي في المجمع 4 / 74 ط القدسي (2) الاختيار 2 / 24، وابن عابدين 4 / 107 النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُقْبَضَ} (1) . وَلأَِنَّهُ بَيْعٌ فِيهِ غَرَرُ الاِنْفِسَاخِ بِهَلاَكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ إِذَا هَلَكَ قَبْل الْقَبْضِ يَبْطُل الْبَيْعُ الأَْوَّل، فَيَنْفَسِخُ الثَّانِي، لأَِنَّهُ بِنَاءً عَلَى الأَْوَّل، وَسَوَاءٌ أَبَاعَهُ مِنْ بَائِعِهِ الأَْوَّل أَوْ مِنْ غَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَبَضَ نِصْفَ الْمَبِيعِ الْمَنْقُول الَّذِي اشْتَرَاهُ، فَأَشْرَكَ رَجُلاً فِيمَا اشْتَرَاهُ جَازَ فِيمَا قَبَضَ، وَلَمْ يَجُزْ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ؛ لأَِنَّ الإِْشْرَاكَ نَوْعُ بَيْعٍ وَالْمَبِيعُ مَنْقُولٌ، فَلَمْ يَكُنْ غَيْرَ الْمَقْبُوضِ مَحَلًّا لَهُ شَرْعًا، فَلَمْ يَصِحَّ فِي غَيْرِ الْمَقْبُوضِ، وَصَحَّ فِي قَدْرِ الْمَقْبُوضِ (2) . (ر: قَبْض) . تَجَزُّؤُ الْفَسَادِ: 17 - الأَْصْل اقْتِصَارُ الْفَسَادِ عَلَى قَدْرِ الْمُفْسِدِ، فَالصَّفْقَةُ إِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ يَقْتَصِرُ الْفَسَادُ فِيهِ عَلَى قَدْرِ الْمُفْسِدِ، وَيَصِحُّ فِي الْبَاقِي، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ إِذَا كَانَ الْفَسَادُ طَارِئًا. وَقَدْ وَرَدَ فِي صُوَرِ بَيْعِ الْعِينَةِ: مَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا بِعَشَرَةٍ وَلَمْ يَقْبِضِ الثَّمَنَ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِخَمْسَةٍ لَمْ يَجُزْ، أَمَّا إِذَا اشْتَرَى ذَلِكَ الشَّيْءَ مَضْمُومًا إِلَيْهِ غَيْرُهُ فَيَصِحُّ. __________ (1) حديث: " نهى عن بيع الطعام حتى يقبض. . . " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 349 ط السلفية) (2) البدائع 5 / 180، 181، والفتاوى الهندية 3 / 3 جَاءَ فِي الْهِدَايَةِ: أَنَّ مَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِخَمْسِمِائَةٍ، ثُمَّ بَاعَهَا وَأُخْرَى مَعَهَا بِخَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْبَائِعِ قَبْل نَقْدِ الثَّمَنِ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ فِي الَّتِي لَمْ يَشْتَرِهَا مِنَ الْبَائِعِ، وَلاَ يَجُوزُ فِي الأُْخْرَى لأَِنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَجْعَل الثَّمَنَ بِمُقَابَلَةِ الَّتِي لَمْ يَشْتَرِهَا، فَيَكُونَ مُشْتَرِيًا لِلأُْخْرَى بِأَقَل مِمَّا بَاعَ قَبْل نَقْدِ الثَّمَنِ، وَهُوَ فَاسِدٌ بِشُبْهَةِ الرِّبَا (1) . أَمَّا إِذَا كَانَ الْفَسَادُ مُقَارِنًا لِلْعَقْدِ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، لأَِنَّهُمَا لاَ يُفَرِّقَانِ بَيْنَ الْفَسَادِ الطَّارِئِ وَالْفَسَادِ الْمُقَارِنِ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: مَتَى فَسَدَ الْعَقْدُ فِي الْبَعْضِ بِمُفْسِدٍ مُقَارِنٍ يَفْسُدُ فِي الْكُل (2) لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ الْفَسَادُ مُقَارِنًا يَصِيرُ قَبُول الْعَقْدِ فِي الْفَاسِدِ شَرْطَ قَبُول الْعَقْدِ فِي الآْخَرِ، وَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ، فَيُؤَثِّرُ فِي الْكُل، وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْفَسَادِ الطَّارِئِ، فَاقْتَصَرَ الْفَسَادُ فِيهِ عَلَى قَدْرِ الْمُفْسِدِ. وَعَلَى ذَلِكَ إِذَا اشْتَرَى دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ نَسِيئَةً، ثُمَّ نَقَدَ بَعْضَ الْعَشَرَةِ دُونَ الْبَعْضِ فِي الْمَجْلِسِ فَسَدَ الْكُل عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لأَِنَّ الْفَسَادَ مُقَارِنٌ لِلْعَقْدِ، فَيُؤَثِّرُ فِي فَسَادِ الْكُل. وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ بِقَدْرِ مَا قَبَضَ وَيَفْسُدُ فِي الْبَاقِي، بِنَاءً عَلَى اقْتِصَارِ الْفَسَادِ عَلَى قَدْرِ الْمُفْسِدِ (3) . __________ (1) الفتح مع الهداية / 71 - 73، وابن عابدين 4 / 116 (2) ابن عابدين 5 / 6 (3) البدائع 5 / 217، 250، 251، والفتح والعناية على الهداية 6 / 73 أَمْثِلَةٌ لِلْبَيْعِ الْفَاسِدِ: 18 - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ فِي كُتُبِهِمْ - بَعْدَ بَيَانِ الْبَيْعِ الْبَاطِل - أَمْثِلَةً عَنِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا، وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ: بَيْعُ مَا سُكِتَ فِيهِ عَنِ الثَّمَنِ، كَبَيْعِهِ بِقِيمَتِهِ، وَذِرَاعٍ مِنْ ثَوْبٍ يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ، وَبَيْعِ الْمُلاَمَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ (1) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: {نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُلاَمَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ} (2) وَبَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَالصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ، وَاللَّحْمِ فِي الشَّاةِ، وَجِذْعٍ فِي سَقْفٍ، وَثَوْبٍ مِنْ ثَوْبَيْنِ إِذَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ خِيَارُ التَّعْيِينِ. أَمَّا اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ فَلِلْجَهَالَةِ وَاخْتِلاَطِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ، وَكَذَا الصُّوفُ عَلَى الظَّهْرِ، وَلاِحْتِمَال وُقُوعِ التَّنَازُعِ، وَقَدْ {نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ لَبَنٍ فِي ضَرْعٍ، وَسَمْنٍ فِي لَبَنٍ} (3) . __________ (1) الملامسة: أن يلمس كل منهما ثوب صاحبه بغير تأمل ليلزم الملامس البيع من غير خيار له عند الرؤية. والمنابذة: أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر ولا ينظر إلى ثوب صاحبه على أن يجعل النبذ بيعا، وهذه كانت بيوعا يتعارفونها في الجاهلية (ابن عابدين 4 / 109) (2) حديث: " نهى عن الملامسة والمنابذة ". أخرجه مسلم (3 / 1151 ط الحلبي) ، والبخاري (الفتح 4 / 359 ط السلفية) (3) حديث: " نهى عن بيع لبن في ضرع وسمن في لبن " أخرجه الدارقطني (3 / 14 ط دار المحاسن) ، والبيهقي (5 / 340 ط دائرة المعارف العثمانية) . وقال البيهقي: تفرد برفعه عمر بن فروخ وليس بالقوي، ورواه موقوفا. وكذا صوب الدارقطني وقفه على ابن عباس وَأَمَّا اللَّحْمُ فِي الشَّاةِ وَالْجِذْعُ فِي السَّقْفِ فَلاَ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ إِلاَّ بِضَرَرٍ لاَ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ ذِرَاعٌ مِنْ ثَوْبٍ وَحِلْيَةٌ فِي سَيْفٍ، وَإِنْ قَلَعَهُ وَسَلَّمَهُ قَبْل نَقْضِ الْبَيْعِ جَازَ (1) . وَلَوْ بَاعَ عَيْنًا عَلَى أَنْ يُسَلِّمَهَا إِلَى رَأْسِ الشَّهْرِ فَهُوَ فَاسِدٌ؛ لأَِنَّ تَأْجِيل الأَْعْيَانِ بَاطِلٌ، إِذْ لاَ فَائِدَةَ فِيهِ؛ لأَِنَّ التَّأْجِيل شُرِعَ فِي الأَْثْمَانِ تَيْسِيرًا عَلَى الْمُشْتَرِي، لِيَتَمَكَّنَ مِنْ تَحْصِيل الثَّمَنِ، وَأَنَّهُ مَعْدُومٌ فِي الأَْعْيَانِ فَكَانَ شَرْطًا فَاسِدًا. وَمِنَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ: بَيْعُ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ (2) ، لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمَا (3) ، وَلِشُبْهَةِ الرِّبَا فِيهِمَا. وَلَوْ بَاعَ عَلَى أَنْ يُقْرِضَ الْمُشْتَرِيَ دَرَاهِمَ أَوْ ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَخِيطَهُ الْبَائِعُ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ، {لأَِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ} ، وَهَذَا شَرْطٌ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَلاَ يُلاَئِمُهُ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لأَِحَدِ الْعَاقِدَيْنِ فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ. __________ (1) الاختيار 2 / 23، 24، وابن عابدين 4 / 106 - 110 (2) المزابنة: بيع الثمر على النخل بتمر على الأرض كيلا حزرا. والمحاقلة: بيع الحنطة في سنبلها بمثلها من الحنطة كيلا حزرا (ابن عابدين 4 / 119 (3) حديث: " نهى عن المزابنة والمحاقلة. . . . " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 384 ط السلفية) وَالْبَيْعُ إِلَى النَّيْرُوزِ وَالْمَهْرَجَانِ وَصَوْمِ النَّصَارَى وَفِطْرِ الْيَهُودِ إِذَا جَهِل الْمُتَبَايِعَانِ ذَلِكَ فَاسِدٌ، وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ إِلَى الْحَصَادِ وَالْقِطَافِ وَالدِّيَاسِ وَقُدُومِ الْحَاجِّ لِجَهَالَةِ الأَْجَل، وَهِيَ تَقْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، وَإِنْ أَسْقَطَ الأَْجَل قَبْل حُلُولِهِ جَازَ الْبَيْعُ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ، خِلاَفًا لِزُفَرَ حَيْثُ قَال: الْفَاسِدُ لاَ يَنْقَلِبُ صَحِيحًا (1) . 19 - هَذَا، وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْحَنَفِيَّةُ: الْبَيْعُ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، أَوْ بَيْعُهُمَا مُقَايَضَةً بِالْعَيْنِ، فَإِذَا قُوبِلاَ بِالْعَيْنِ كَمَا إِذَا اشْتَرَى الثَّوْبَ بِالْخَمْرِ، أَوْ بَاعَ الْخَمْرَ بِالثَّوْبِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ، أَمَّا إِنْ قُوبِلاَ بِالدَّيْنِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ. وَوَجْهُ الْفَرْقِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَرْغِينَانِيُّ: أَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مَالٌ عِنْدَ أَهْل الذِّمَّةِ، إِلاَّ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَقَوَّمٍ؛ لأَِنَّ الشَّرْعَ أَمَرَ بِإِهَانَتِهِ وَتَرْكِ إِعْزَازِهِ، وَفِي تَمَلُّكِهِ بِالْعَقْدِ إِعْزَازٌ لَهُ، وَهَذَا لأَِنَّهُ مَتَى اشْتَرَاهَا بِالدَّرَاهِمِ فَالدَّرَاهِمُ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، لِكَوْنِهَا وَسِيلَةً لِمَا أَنَّهَا تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْخَمْرُ، فَسَقَطَ التَّقَوُّمُ أَصْلاً فَبَطَل الْعَقْدُ، بِخِلاَفِ مُشْتَرِي الثَّوْبِ بِالْخَمْرِ لأَِنَّ فِيهِ إِعْزَازًا لِلثَّوْبِ دُونَ الْخَمْرِ. وَكَذَا إِذَا بَاعَ الْخَمْرَ بِالثَّوْبِ فَيَكُونُ الْعَقْدُ __________ (1) ابن عابدين 4 / 106، 109، 110، 119، 122 فَاسِدًا، لأَِنَّهُ يُعْتَبَرُ شِرَاءَ الثَّوْبِ بِالْخَمْرِ، لِكَوْنِهِ مُقَايَضَةً (1) . 20 - وَهُنَاكَ صُوَرٌ أُخْرَى اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي اعْتِبَارِهَا بَيْعًا فَاسِدًا أَوْ بَيْعِهَا بَاطِلاً، كَبَيْعِ الْحَمْل، وَبَيْعِ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَالسَّمَكِ فِي الْبَحْرِ قَبْل اصْطِيَادِهِمَا لَوْ قُوبِلاَ بِالْعَرْضِ، وَبَيْعِ ضَرْبَةِ الْقَانِصِ وَالْغَائِصِ (2) . وَبَيْعِ لُؤْلُؤٍ فِي صَدَفٍ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الآْبِقِ، وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ (3) . آثَارُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ: 21 - تَقَدَّمَ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ بَيْعِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْبَيْعِ الْبَاطِل عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) فِي الْجُمْلَةِ، فَكِلاَهُمَا غَيْرُ مُنْعَقِدٍ، فَلاَ اعْتِبَارَ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ شَرْعًا، كَمَا أَنَّهُ لاَ اعْتِبَارَ بِالْبَيْعِ الْبَاطِل عِنْدَهُمْ (4) . وَلَمَّا قَال خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَفَسَدَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَسَّرَهُ الدَّرْدِيرُ بِقَوْلِهِ: أَيْ بَطَل، أَيْ لَمْ يَنْعَقِدْ، __________ (1) الهداية مع الفتح 6 / 45، 46، وابن عابدين 4 / 104، 106 (2) القانص أن يقول: بعتك ما يخرج من إلقاء هذه الشبكة مرة بكذا. والغائص أن يقول: أغوص غوصة فما أخرجته من اللآلي فلك بكذا. (ابن عابدين 4 / 109) (3) ابن عابدين 4 / 107، 109، 112 والاختيار 2 / 24 (4) حاشية الدسوقي 3 / 54، وحاشية الجمل 3 / 85، والمنثور للزركشي 3 / 7 سَوَاءٌ أَكَانَ عِبَادَةً، كَصَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ، أَمْ عَقْدًا، كَنِكَاحِ الْمَرِيضِ وَالْمُحْرِمِ، وَكَبَيْعِ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، أَوْ مَجْهُولٍ؛ لأَِنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ (1) . وَكَتَبَ عَلَى نَصِّ خَلِيلٍ الدُّسُوقِيِّ قَوْلَهُ: أَيْ مَنْهِيٌّ عَنْ تَعَاطِيهِ. وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ شَامِلَةٌ لِلْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلاَتِ، وَهِيَ الْعُقُودُ (2) . وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ حَذَفَ الْمُتَعَاقِدَانِ الْمُفْسِدَ لِلْعَقْدِ، وَلَوْ فِي مَجْلِسِ الْخِيَارِ، لَمْ يَنْقَلِبْ صَحِيحًا، إِذْ لاَ عِبْرَةَ بِالْفَاسِدِ (3) . وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الْفَاسِدَ عِنْدَهُمْ لاَ تَلْحَقُهُ الإِْجَازَةُ، كَالْبَاطِل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (4) . وَقَدْ أَخَذَ الْقَلْيُوبِيُّ وَالْجَمَل وَغَيْرُهُمَا عَلَى الإِْمَامِ النَّوَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ أَهْمَل هُنَا فَصْلاً فِي حُكْمِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْمَقْبُوضِ بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ، وَذَكَرُوا أَحْكَامَهُ مُخْتَصَرَةً (5) . أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْبَيْعِ الْبَاطِل، وَيَعْتَبِرُونَ الْفَاسِدَ مُنْعَقِدًا خِلاَفًا لِلْبَاطِل فَإِنَّهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ، وَلَهُ أَحْكَامٌ سَبَقَتْ فِي مُصْطَلَحِهِ. __________ (1) الشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي عليه 3 / 54 (2) حاشية الدسوقي في الموضع نفسه (3) حاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 85 (4) رد المحتار 4 / 124 (5) حاشية القليوبي 2 / 181، وحاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 84 أَمَّا الْبَيْعُ الْفَاسِدُ فَلَهُ أَحْكَامٌ نُجْمِلُهَا فِيمَا يَلِي: أَوَّلاً - انْتِقَال الْمِلْكِ بِالْقَبْضِ: 22 - الْبَيْعُ الْفَاسِدُ يُفِيدُ الْمِلْكَ بِقَبْضِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِإِذْنِ الْبَائِعِ صَرِيحًا أَوْ دَلاَلَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، كَمَا إِذَا قَبَضَهُ فِي الْمَجْلِسِ وَسَكَتَ الْبَائِعُ، فَيَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ، بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ إِجَارَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، إِلاَّ الاِنْتِفَاعَ (1) . قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِذَا مَلَكَهُ تَثْبُتُ لَهُ كُل أَحْكَامِ الْمِلْكِ إِلاَّ خَمْسَةً: لاَ يَحِل لَهُ أَكْلُهُ، وَلاَ لُبْسُهُ، وَلاَ وَطْؤُهَا - إِنْ كَانَ الْمَبِيعُ أَمَةً - وَلاَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مِنْهُ الْبَائِعُ، وَلاَ شُفْعَةَ لِجَارِهِ لَوْ عَقَارًا (2) . وَدَلِيل جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ فَاسِدًا حَدِيثُ {عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، حَيْثُ ذَكَرَتْ لِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ، فَأَبَى مَوَالِيهَا أَنْ يَبِيعُوهَا إِلاَّ بِشَرْطِ: أَنْ يَكُونَ الْوَلاَءُ لَهُمْ، فَقَال لَهَا: خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاَءَ، فَإِنَّ - الْوَلاَءَ لِمَنْ أَعْتَقَ، فَاشْتَرَتْهَا مَعَ شَرْطِ الْوَلاَءِ لَهُمْ} (3) . فَأَجَازَ الْعِتْقَ مَعَ فَسَادِ الْبَيْعِ بِالشَّرْطِ. __________ (1) البدائع 5 / 304، والزيلعي 4 / 64، 65، وابن عابدين 4 / 124 (2) ابن عابدين 4 / 124 (3) حديث عائشة " إنما الولاء. . . ". أخرجه البخاري. (الفتح 4 / 376 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1145 ط الحلبي) وَلأَِنَّ رُكْنَ التَّمْلِيكِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: بِعْتُ وَاشْتَرَيْتُ، صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ، وَهُوَ الْمُكَلَّفُ الْمُخَاطَبُ مُضَافًا إِلَى مَحَلِّهِ وَهُوَ الْمَال عَنْ وِلاَيَةٍ، إِذِ الْكَلاَمُ فِيهِمَا، فَيَنْعَقِدُ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى الْمَصَالِحِ، وَالْفَسَادُ لِمَعْنًى يُجَاوِرُهُ، كَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ، وَالنَّهْيُ لاَ يَنْفِي الاِنْعِقَادَ بَل يُقَرِّرُهُ، لأَِنَّهُ يَقْتَضِي تَصَوُّرَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ النَّهْيَ عَمَّا لاَ يُتَصَوَّرُ، وَعَنْ غَيْرِ الْمَقْدُورِ قَبِيحٌ، إِلاَّ أَنَّهُ يُفِيدُ مِلْكًا خَبِيثًا لِمَكَانِ النَّهْيِ (1) . وَاشْتَرَطُوا لإِِفَادَةِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ الْمِلْكَ شَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْقَبْضُ، فَلاَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ قَبْل الْقَبْضِ، لأَِنَّهُ وَاجِبُ الْفَسْخِ رَفْعًا لِلْفَسَادِ، وَفِي وُجُوبِ الْمِلْكِ قَبْل الْقَبْضِ تَقَرَّرَ الْفَسَادُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْقَبْضُ بِإِذْنِ الْبَائِعِ، فَإِنْ قَبَضَ بِغَيْرِ إِذْنٍ لاَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ (2) . 23 - هَذَا، وَاخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي كَيْفِيَّةِ حُصُول الْمِلْكِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا. قَال بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِاعْتِبَارِ تَسْلِيطِ الْبَائِعِ لَهُ، لاَ بِاعْتِبَارِ تَمَلُّكِ الْعَيْنِ، وَلِهَذَا لاَ يَجُوزُ أَكْل طَعَامٍ اشْتَرَاهُ شِرَاءً فَاسِدًا. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ جَوَازَ التَّصَرُّفِ بِنَاءً عَلَى مِلْكِ الْعَيْنِ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا إِذَا اشْتَرَى دَارًا بِشِرَاءٍ __________ (1) الاختيار لتعليل المختار للموصلي 2 / 22 ( x662 ;) البدائع 5 / 304 فَاسِدٍ وَقَبَضَهَا، فَبِيعَتْ بِجَنْبِهَا دَارٌ، لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالشُّفْعَةِ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَمْلِكْهَا لَمَّا اسْتَحَقَّ الشُّفْعَةَ. لَكِنْ لاَ تَجِبُ فِيهِ شُفْعَةٌ لِلشَّفِيعِ وَإِنْ كَانَ يُفِيدُ الْمِلْكَ؛ لأَِنَّ حَقَّ الْبَائِعِ لَمْ يَنْقَطِعْ (1) . أَيْ لأَِنَّ لِكُلٍّ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي الْفَسْخَ. انْتِقَال الْمِلْكِ بِالْقِيمَةِ لاَ بِالْمُسَمَّى: 24 - اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ حُصُول الْمِلْكِ بِالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فِي مُقَابِل قِيمَةِ الْمَبِيعِ، لاَ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الطَّرَفَانِ. وَذَلِكَ لأَِنَّ الْعَقْدَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالتَّسْمِيَةُ فَاسِدَةٌ فَلاَ يَجِبُ الْمُسَمَّى، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقِيمَةِ يَوْمُ الْقَبْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَيَوْمُ الإِْتْلاَفِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ (2) . ثَانِيًا: اسْتِحْقَاقُ الْفَسْخِ: 25 - الْبَيْعُ الْفَاسِدُ، مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ بِوَصْفِهِ، فَالْفَسَادُ مُقْتَرِنٌ بِهِ، وَدَفْعُ الْفَسَادِ __________ (1) البناية على الهداية 6 / 377، والزيلعي 4 / 62، والبدائع 5 / 304، وابن عابدين 4 / 124 (2) الفرق بين الثمن والقيمة: أن الثمن ما تراضى عليه العاقدون، سواء زاد على القيمة أو نقص. والقيمة: ما قوم به الشيء بمنزلة المعيار من غير زيادة ولا نقصان. (ابن عابدين 4 / 51، 52، والاختيار 2 / 23، والزيلعي 4 / 62، وجواهر الإكليل 2 / 27، والجمل 3 / 85، والشرح الكبير مع المغني 4 / 56، وكشاف القناع 3 / 197) وَاجِبٌ فَيَسْتَحِقُّ فَسْخَهُ، وَلأَِنَّ الْفَاسِدَ يُفِيدُ مِلْكًا خَبِيثًا لِمَكَانِ النَّهْيِ، فَكَانَ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقُّ الْفَسْخِ، إِزَالَةً لِلْخَبَثِ وَدَفْعًا لِلْفَسَادِ. وَلأَِنَّ مِنْ أَسْبَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ اشْتِرَاطَ الرِّبَا وَإِدْخَال الآْجَال الْمَجْهُولَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَهَذِهِ مَعْصِيَةٌ وَالزَّجْرُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَاجِبٌ، وَاسْتِحْقَاقُ الْفَسْخِ يَصْلُحُ زَاجِرًا عَنِ الْمَعْصِيَةِ، لأَِنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَفْسَخُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ كَمَا عَلَّلَهُ الْفُقَهَاءُ (1) . وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي فَسْخِهِ قَضَاءُ قَاضٍ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ شَرْعًا لاَ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَضَاءِ (2) . وَلَكِنْ لَوْ أَصَرَّا عَلَى إِمْسَاكِ الْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا وَعَلِمَ بِذَلِكَ الْقَاضِي فَلَهُ فَسْخُهُ جَبْرًا عَلَيْهِمَا، حَقًّا لِلشَّرْعِ (3) . شُرُوطُ الْفَسْخِ: 26 - الْفَسْخُ مَشْرُوطٌ بِمَا يَلِي: أ - أَنْ يَكُونَ بِعِلْمِ الْمُتَعَاقِدِ الآْخَرِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ رِضَاهُ، وَنَقَل الْكَاسَانِيُّ عَنِ الْكَرْخِيِّ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ: ثُمَّ نَقَل عَنِ الأَْسْبِيجَابِيِّ أَنَّهُ شَرْطٌ عِنْدَهُمَا خِلاَفًا __________ (1) الاختيار لتعليل المختار للموصلي 2 / 22، وابن عابدين 4 / 125، والبدائع للكاساني 5 / 300 (2) الدر المختار بهامش رد المحتار 4 / 125 (3) الدر المختار 4 / 125 لأَِبِي يُوسُفَ، وَأَنَّ الْخِلاَفَ فِيهِ كَالْخِلاَفِ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ وَالرُّؤْيَةِ. ب - أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ قَائِمًا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا. ج - أَنْ لاَ يَعْرِضَ لَهُ مَا يَتَعَذَّرُ بِهِ الرَّدُّ (1) . مَنْ يَمْلِكُ الْفَسْخَ: 27 - الْفَسْخُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْل الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ: أ - فَإِنْ كَانَ الْفَسْخُ قَبْل الْقَبْضِ، فَلِكُلٍّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الْفَسْخُ بِعِلْمِ صَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ قَبْل الْقَبْضِ لاَ يُفِيدُ الْمِلْكَ، فَكَانَ الْفَسْخُ قَبْل الْقَبْضِ بِمَنْزِلَةِ الاِمْتِنَاعِ مِنَ الْقَبُول وَالإِْيجَابِ، فَيَمْلِكُهُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَكِنَّهُ - كَمَا يَقُول الزَّيْلَعِيُّ - يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِهِ؛ لأَِنَّ فِيهِ إِلْزَامَ الْفَسْخِ لَهُ، فَلاَ يَلْزَمُهُ بِدُونِ عِلْمِهِ (2) . ب - وَإِنْ كَانَ الْفَسْخُ بَعْدَ الْقَبْضِ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْفَسَادُ رَاجِعًا إِلَى الْبَدَلَيْنِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِمَا: (1) فَإِنْ كَانَ الْفَسَادُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، بِأَنْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى الْبَدَلَيْنِ: الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ، كَبَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ، وَكَالْبَيْعِ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ، يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالْفَسْخِ؛ لأَِنَّ الْفَسَادَ الرَّاجِعَ إِلَى الْبَدَل رَاجِعٌ إِلَى صُلْبِ الْعَقْدِ، فَلاَ يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ، لأَِنَّهُ لاَ قِوَامَ لِلْعَقْدِ إِلاَّ بِالْبَدَلَيْنِ، فَكَانَ الْفَسَادُ قَوِيًّا، فَيُؤَثِّرُ فِي صُلْبِ __________ (1) بدائع الصنائع 5 / 300، وابن عابدين 4 / 152، وحاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 84، وكشاف القناع 3 / 198 (2) تبيين الحقائق 4 / 64 الْعَقْدِ، بِعَدَمِ لُزُومِهِ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ جَمِيعًا. (2) وَإِنْ كَانَ الْفَسَادُ غَيْرَ رَاجِعٍ إِلَى الْبَدَلَيْنِ، كَالْبَيْعِ بِشَرْطٍ زَائِدٍ، كَالْبَيْعِ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ، أَوْ بِشَرْطٍ فِيهِ نَفْعٌ لأَِحَدِهِمَا: - فَالأَْسْبِيجَابِيُّ قَرَّرَ أَنَّ وِلاَيَةَ الْفَسْخِ لِصَاحِبِ الشَّرْطِ، بِلاَ خِلاَفٍ؛ لأَِنَّ الْفَسَادَ الَّذِي لاَ يَرْجِعُ إِلَى الْبَدَل، لاَ يَكُونُ قَوِيًّا فَيَحْتَمِل السُّقُوطَ، فَيَظْهَرُ فِي حَقِّ صَاحِبِ الشَّرْطِ، فَلاَ يَلْزَمُهُ - وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ خِلاَفًا فِي الْمَسْأَلَةِ: فَفِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْفَسْخُ، لِعَدَمِ اللُّزُومِ، بِسَبَبِ الْفَسَادِ. وَفِي قَوْل مُحَمَّدٍ: الْفَسْخُ لِمَنْ لَهُ مَنْفَعَةُ الشَّرْطِ، لأَِنَّهُ الْقَادِرُ عَلَى تَصْحِيحِ الْعَقْدِ بِإِسْقَاطِ الْمُفْسِدِ، فَلَوْ فَسَخَهُ الآْخَرُ، لأََبْطَل حَقَّهُ عَلَيْهِ، هَذَا لاَ يَجُوزُ (1) . طَرِيقُ فَسْخِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ: 28 - يُفْسَخُ الْعَقْدُ الْفَاسِدُ بِطَرِيقِينَ: الأَْوَّل: بِالْقَوْل، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُول مَنْ يَمْلِكُ الْفَسْخَ: فَسَخْتُ الْعَقْدَ، أَوْ رَدَدْتُهُ، أَوْ نَقَضْتُهُ، فَيَنْفَسِخُ بِذَلِكَ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى قَضَاءٍ وَلاَ رِضَا الْبَائِعِ، سَوَاءٌ أَكَانَ قَبْل الْقَبْضِ أَمْ بَعْدَهُ؛ لأَِنَّ اسْتِحْقَاقَ الْفَسْخِ ثَبَتَ رَفْعًا لِلْفَسَادِ، __________ (1) رد المحتار 4 / 125، والبدائع 5 / 300، وتبيين الحقائق 4 / 64 وَرَفْعُ الْفَسَادِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَيَظْهَرُ فِي حَقِّ الْكَافَّةِ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى قَضَاءٍ وَلاَ رِضَاءٍ (1) . الثَّانِي: بِالْفِعْل، وَذَلِكَ بِأَنْ يُرَدَّ الْمَبِيعُ عَلَى بَائِعِهِ بِأَيِّ وَجْهٍ، بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ إِعَارَةٍ، أَوْ بَيْعٍ أَوْ إِجَارَةٍ، فَإِذَا فَعَل ذَلِكَ، وَوَقَعَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ بَائِعِهِ - حَقِيقَةً، أَوْ حُكْمًا كَالتَّخْلِيَةِ - فَهُوَ مُتَارَكَةٌ لِلْبَيْعِ، وَبَرِئَ الْمُشْتَرِي مِنْ ضَمَانِهِ (2) . مَا يَبْطُل بِهِ حَقُّ الْفَسْخِ: 29 - لاَ يَسْقُطُ حَقُّ الْفَسْخِ بِصَرِيحِ الإِْبْطَال وَالإِْسْقَاطِ، بِأَنْ يَقُول: أَسْقَطْتُ، أَوْ: أَبْطَلْتُ، أَوْ: أَوْجَبْتُ الْبَيْعَ، أَوْ أَلْزَمْتُهُ؛ لأَِنَّ وُجُوبَ الْفَسْخِ ثَبَتَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، دَفْعًا لِلْفَسَادِ، وَمَا ثَبَتَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا، لاَ يَقْدِرُ الْعَبْدُ عَلَى إِسْقَاطِهِ مَقْصُودًا، كَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ. لَكِنْ قَدْ يَسْقُطُ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ، بِأَنْ يَتَصَرَّفَ الْعَبْدُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ مَقْصُودًا، فَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ سُقُوطَ حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَل، بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ. وَإِذَا بَطَل حَقُّ الْفَسْخِ لَزِمَ الْبَيْعُ، وَتَقَرَّرَ الضَّمَانُ، وَإِذَا لَمْ يَبْطُل لاَ يَلْزَمُ الْبَيْعُ، وَلاَ يَتَقَرَّرُ الضَّمَانُ. وَفِيمَا يَلِي أَهَمُّ صُوَرِ ذَلِكَ. __________ (1) البدائع 5 / 300 (2) بدائع الصنائع 5 / 300، والدر المختار ورد المحتار 4 / 125. الصُّورَةُ الأُْولَى: التَّصَرُّفُ الْقَوْلِيُّ فِي الْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا. 30 - أَطْلَقَ الْحَنَفِيَّةُ الْقَوْل بِأَنَّهُ يَبْطُل حَقُّ الْفَسْخِ بِكُل تَصَرُّفٍ يُخْرِجُ الْمَبِيعَ عَنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي (1) لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْعَبْدِ بِهِ (2) . وَهَذَا التَّعْلِيل هُوَ الَّذِي أَصَّلَهُ الْمَالِكِيَّةُ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ جَعَل الْمَبِيعَ مَهْرًا، أَوْ بَدَل صُلْحٍ، أَوْ بَدَل إِجَارَةٍ، وَعَلَّلُوهُ قَائِلِينَ: لِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ بِذَلِكَ (3) . أَوْ وَهَبَهُ وَسَلَّمَهُ؛ لأَِنَّ الْهِبَةَ لاَ تُفِيدُ الْمِلْكَ إِلاَّ بِالتَّسْلِيمِ بِخِلاَفِ الْبَيْعِ. أَوْ رَهَنَهُ وَسَلَّمَهُ؛ لأَِنَّ الرَّهْنَ لاَ يَلْزَمُ بِدُونِ التَّسْلِيمِ. أَوْ وَقَفَهُ وَقْفًا صَحِيحًا، لأَِنَّهُ اسْتَهْلَكَهُ حِينَ وَقَفَهُ وَأَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ (4) . أَوْ أَوْصَى بِهِ ثُمَّ مَاتَ، لأَِنَّهُ يَنْتَقِل مِنْ مِلْكِهِ إِلَى مِلْكِ الْمُوصَى لَهُ، وَهُوَ مِلْكٌ مُبْتَدَأٌ، فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ. أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ وَسَلَّمَهُ أَيْضًا، لأَِنَّهُ لاَ يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ الْمُتَصَدِّقِ بِدُونِ تَسْلِيمٍ (5) . وَكَذَا الْعِتْقُ، فَقَدِ اسْتَثْنَوْهُ لِقُوَّتِهِ وَسِرَايَتِهِ وَتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إِلَيْهِ (6) . __________ (1) رد المحتار 4 / 126 نقلا عن الوقاية. (2) الدر المختار 4 / 127، والشرح الكبير 3 / 74. (3) تبيين الحقائق 4 / 64، والدسوقي 3 / 74. (4) الاختيار 2 / 22، 23، وابن عابدين 4 / 126. (5) الدر المختار ورد المحتار عليه 4 / 126، 127. (6) الاختيار 2 / 22، 23، وابن عابدين 4 / 126. 31 - فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا، يَنْفُذُ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ، وَيَمْتَنِعُ فَسْخُهُ وَذَلِكَ: أ - لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ مَلَكَهُ، فَمَلَكَ التَّصَرُّفَ فِيهِ. ب - وَلأَِنَّهُ تَعَلُّقُ حَقِّ الْعَبْدِ بِالْعَقْدِ الثَّانِي، وَنَقْضُ الْعَقْدِ الأَْوَّل مَا كَانَ إِلاَّ لِحَقِّ الشَّرْعِ، وَحَقُّ الْعَبْدِ عِنْدَ مُعَارَضَةِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى يُقَدَّمُ بِإِذْنِهِ تَعَالَى، لِغِنَاهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَسَعَةِ عَفْوِهِ، وَفَقْرِ الْعَبْدِ دَائِمًا إِلَى رَبِّهِ. ج - وَلأَِنَّ الْعَقْدَ الأَْوَّل مَشْرُوعٌ بِأَصْلِهِ لاَ بِوَصْفِهِ، وَالثَّانِي مَشْرُوعٌ بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ، فَلاَ يُعَارِضُهُ مُجَرَّدُ الْوَصْفِ. د - وَلأَِنَّ الْبَيْعَ الثَّانِيَ حَصَل بِتَسْلِيطٍ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ الأَْوَّل؛ لأَِنَّ التَّمْلِيكَ مِنْهُ - مَعَ الإِْذْنِ فِي الْقَبْضِ - تَسْلِيطٌ عَلَى التَّصَرُّفِ، فَلاَ يَتَمَكَّنُ مِنَ الاِسْتِرْدَادِ مِنَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي، وَإِلاَّ كَانَ سَاعِيًا فِي نَقْضِ مَا تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ، وَيُؤَدِّي إِلَى الْمُنَاقَضَةِ (1) . 32 - اسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ: الإِْجَارَةَ. فَقَرَّرُوا أَنَّهَا لاَ تَمْنَعُ مِنْ فَسْخِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ؛ لأَِنَّ الإِْجَارَةَ تُفْسَخُ بِالأَْعْذَارِ، وَرَفْعُ الْفَسَادِ مِنَ الأَْعْذَارِ، بَل لاَ عُذْرَ أَقْوَى مِنَ الْفَسَادِ، كَمَا يَقُول الْكَاسَانِيُّ (2) . __________ (1) الهداية وفتح القدير 6 / 98، و 99، وانظر تبيين الحقائق 4 / 64، 65. (2) بدائع الصنائع 5 / 301، وانظر: الدر المختار ورد المحتار عليه 4 / 127. وَلأَِنَّهَا - كَمَا يَقُول الْمَرْغِينَانِيُّ - تَنْعَقِدُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَيَكُونُ الرَّدُّ امْتِنَاعًا (1) . وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا زَال الْمَانِعُ مِنْ مُمَارَسَةِ حَقِّ الْفَسْخِ - كَمَا لَوْ رَجَعَ الْوَاهِبُ بِهِبَتِهِ، أَوْ أَفْتَكَ الرَّاهِنُ رَهْنَهُ - عَادَ الْحَقُّ فِي الْفَسْخِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ لَمْ تُوجِبِ الْفَسْخَ مِنْ كُل وَجْهٍ فِي حَقِّ الْكُل. لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْل الْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ أَوِ الْمِثْل، لاَ بَعْدَهُ؛ لأَِنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي بِذَلِكَ يُبْطِل حَقَّ الْبَائِعِ فِي الْعَيْنِ، وَيَنْقُلُهُ إِلَى الْقِيمَةِ أَوِ الْمِثْل بِإِذْنِ الشَّرْعِ، فَلاَ يَعُودُ حَقُّهُ إِلَى1 الْعَيْنِ وَإِنِ ارْتَفَعَ السَّبَبُ، كَمَا لَوْ قَضَى عَلَى الْغَائِبِ بِقِيمَةِ الْمَغْصُوبِ بِسَبَبِ فَقْدِهِ مَثَلاً، ثُمَّ وُجِدَ الْمَغْصُوبُ (2) . الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: الأَْفْعَال الَّتِي تَرِدُ عَلَى الْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا: 33 - وَمِنْهَا الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ، فَلَوْ بَنَى الْمُشْتَرِي فِي الأَْرْضِ الَّتِي اشْتَرَاهَا شِرَاءً فَاسِدًا بِنَاءً أَوْ غَرَسَ شَجَرًا: فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ يَمْتَنِعُ الْفَسْخُ بِالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُمَا اسْتِهْلاَكٌ عِنْدَهُ، لأَِنَّهُ يُقْصَدُ بِهِمَا الدَّوَامُ، وَقَدْ حَصَلاَ بِتَسْلِيطٍ مِنَ الْبَائِعِ، فَيَنْقَطِعُ بِهِمَا حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ، كَالْبَيْعِ. __________ (1) الهداية وشروحها 5 / 100. (2) الدر المختار ورد المحتار 4 / 127، 128. وَذَهَبَ الصَّاحِبَانِ إِلَى أَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ لاَ يَمْنَعَانِ مِنَ الْفَسْخِ، وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَنْقُضَهُمَا وَيَسْتَرِدَّ الْمَبِيعَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ - مَعَ ضَعْفِهِ - لاَ يَبْطُل بِالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ، فَهَذَا أَوْلَى (1) . 34 - وَمِمَّا يَمْنَعُ الْفَسْخَ الزِّيَادَةُ فِي الْمَبِيعِ أَوِ النَّقْصُ مِنْهُ. أ - أَمَّا الزِّيَادَةُ: فَقَدْ قَرَّرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ كُل زِيَادَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِالْمَبِيعِ، غَيْرِ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْهُ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ قُمَاشًا فَخَاطَهُ، أَوْ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، أَوْ قَمْحًا فَطَحَنَهُ، أَوْ قُطْنًا فَغَزَلَهُ، فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا وَأَمْثَالِهَا يَمْتَنِعُ الْفَسْخُ، وَتَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ قِيمَةُ الْمَبِيعِ. وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ الْمُتَوَلِّدَةُ كَسَمْنِ الْمَبِيعِ، وَالزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ الْمُتَوَلِّدَةُ كَالْوَلَدِ، وَالزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ غَيْرُ الْمُتَوَلِّدَةِ كَالْكَسْبِ وَالْهِبَةِ، فَإِنَّهَا لاَ تَمْنَعُ الْفَسْخَ (2) . ب - وَأَمَّا نَقْصُ الْمَبِيعِ، فَقَدْ قَرَّرُوا أَنَّهُ إِذَا نَقَصَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، لاَ يَبْطُل حَقُّهُ فِي الرَّدِّ، وَلاَ يَمْتَنِعُ الْفَسْخُ. لَكِنْ إِنْ نَقَصَ وَهُوَ فِي يَدِهِ بِفِعْلِهِ، أَوْ بِفِعْل الْمَبِيعِ نَفْسِهِ، أَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ يَأْخُذُهُ الْبَائِعُ مِنْهُ، وَيُضَمِّنُهُ أَرْشَ النُّقْصَانِ. وَلَوْ __________ (1) الدر المختار ورد المحتار 4 / 131، وتبيين الحقائق مع حاشية الشلبي 4 / 65. (2) الدر المختار ورد المحتار 4 / 131. نَقَصَ وَهُوَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بِفِعْل الْبَائِعِ، اعْتُبِرَ الْبَائِعُ بِذَلِكَ مُسْتَرِدًّا لَهُ. وَلَوْ نَقَصَ بِفِعْل أَجْنَبِيٍّ، خُيِّرَ الْبَائِعُ بِأَخْذِهِ مِنَ الْمُشْتَرِي أَوْ مِنَ الْجَانِي (1) . 35 - وَقَدْ وَضَعَ الزَّيْلَعِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ ضَابِطًا لِمَا يَمْتَنِعُ بِهِ مِنَ الأَْفْعَال حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ وَالْفَسْخِ، فَقَال: إِنَّ الْمُشْتَرِيَ مَتَى فَعَل بِالْمَبِيعِ فِعْلاً، يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ الْمَالِكِ فِي الْغَصْبِ، يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ الْمَالِكِ فِي الاِسْتِرْدَادِ، كَمَا إِذَا كَانَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا (2) . ثَالِثًا (مِنْ أَحْكَامِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ) : حُكْمُ الرِّبْحِ فِي الْبَدَلَيْنِ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ: 36 - صَرَّحَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهُ يَطِيبُ لِلْبَائِعِ مَا رَبِحَ فِي الثَّمَنِ، وَلاَ يَطِيبُ لِلْمُشْتَرِي مَا رَبِحَ فِي الْمَبِيعِ، فَلَوِ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ عَيْنًا بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مَثَلاً وَتَقَابَضَا، وَرَبِحَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا قَبَضَ، يَتَصَدَّقُ الَّذِي قَبَضَ الْعَيْنَ بِالرِّبْحِ، لأَِنَّهَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، فَتَمَكَّنَ الْخَبَثُ فِيهَا، وَيَطِيبُ الرِّبْحُ لِلَّذِي قَبَضَ الدَّرَاهِمَ؛ لأَِنَّ النَّقْدَ لاَ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ (3) . __________ (1) المرجع السابق. (2) تبيين الحقائق 4 / 65. (3) تنبيه: في تعيين النقد في البيع الفاسد عند الحنفية روايتان، لكن لو اتجر من قبض الدراهم في البيع الفاسد، وربح في العقد الثاني، يطيب له الربح رواية واحدة لعدم تعين النقد في العقد الثاني. (انظر ابن عابدين 4 / 129) . وَمُفَادُ هَذَا الْفَرْقِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْعَ مُقَايَضَةٍ (أَيْ بَيْعَ عَيْنٍ بِعَيْنٍ) لاَ يَطِيبُ الرِّبْحُ لَهُمَا؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنَ الْبَدَلَيْنِ مَبِيعٌ مِنْ وَجْهٍ، فَتَمَكَّنَ الْخَبَثُ فِيهِمَا مَعًا (1) . رَابِعًا: قَبُول الْبَيْعِ الْفَاسِدِ لِلتَّصْحِيحِ: 37 - الْبَيْعُ الْفَاسِدُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْفَسَادُ فِيهِ ضَعِيفًا أَوْ قَوِيًّا: أ - فَإِذَا كَانَ الْفَسَادُ ضَعِيفًا، وَهُوَ مَا لَمْ يَدْخُل فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ كَمَا فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ خِيَارٍ لَمْ يُوَقَّتْ، أَوْ وُقِّتَ إِلَى وَقْتٍ مَجْهُولٍ كَالْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ، وَكَمَا فِي الْبَيْعِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ مَثَلاً، فَإِذَا أَسْقَطَ الأَْجَل مَنْ لَهُ الْحَقُّ فِيهِ قَبْل حُلُولِهِ، وَقَبْل فَسْخِهِ، جَازَ الْبَيْعُ لِزَوَال الْمُفْسِدِ، وَلَوْ كَانَ إِسْقَاطُ الأَْجَل بَعْدَ الاِفْتِرَاقِ عَلَى مَا حَرَّرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ كَذَلِكَ سَائِرُ الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ تَنْقَلِبُ جَائِزَةً بِحَذْفِ الْمُفْسِدِ، فَبَيْعُ جِذْعٍ فِي سَقْفٍ فَاسِدٍ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ ذِرَاعٍ مِنْ ثَوْبٍ وَحِلْيَةٍ فِي سَيْفٍ، لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ إِلاَّ بِضَرَرٍ لاَ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ إِنْ قَلَعَهُ وَسَلَّمَهُ قَبْل نَقْضِ الْبَيْعِ جَازَ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي الاِمْتِنَاعُ. وَبَيْعُ ثَوْبٍ مِنْ ثَوْبَيْنِ فَاسِدٌ لِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ، لَكِنَّهُ لَوْ قَال: عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ جَازَ لِعَدَمِ الْمُنَازَعَةِ (2) . وَإِنْ بَاعَ بِشَرْطِ أَنْ يُعْطِيَهُ __________ (1) ابن عابدين 4 / 129. (2) البدائع 5 / 178، وابن عابدين 4 / 119، والاختيار 2 / 25، 26. الْمُشْتَرِي رَهْنًا، وَلَمْ يَكُنِ الرَّهْنُ مُعَيَّنًا وَلاَ مُسَمًّى، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ، لَكِنْ إِذَا تَرَاضَيَا عَلَى تَعْيِينِ الرَّهْنِ فِي الْمَجْلِسِ، وَرَفَعَهُ الْمُشْتَرِي إِلَيْهِ قَبْل أَنْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ عَجَّل الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ يَبْطُل الأَْجَل، فَيَجُوزُ الْبَيْعُ اسْتِحْسَانًا لِزَوَال الْفَسَادِ (1) . هَذَا كُلُّهُ عِنْدَ أَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ، خِلاَفًا لِزُفَرَ حَيْثُ قَال: الْبَيْعُ إِذَا انْعَقَدَ عَلَى الْفَسَادِ لاَ يَحْتَمِل الْجَوَازَ بَعْدَ ذَلِكَ بِرَفْعِ الْمُفْسِدِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الاِسْتِحَالَةِ. ب - أَمَّا إِذَا كَانَ الْفَسَادُ قَوِيًّا، بِأَنْ يَكُونَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، وَهُوَ الْبَدَل أَوِ الْمُبْدَل، فَلاَ يَحْتَمِل الْجَوَازَ بِرَفْعِ الْمُفْسِدِ اتِّفَاقًا، كَمَا إِذَا بَاعَ عَيْنًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَرِطْلٍ مِنْ خَمْرٍ، فَحَطَّ الْخَمْرَ عَنِ الْمُشْتَرِي، فَهَذَا الْبَيْعُ فَاسِدٌ وَلاَ يَنْقَلِبُ صَحِيحًا (2) . خَامِسًا: الضَّمَانُ إِذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ: 38 - لاَ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ الْمَبِيعَ بَيْعًا فَاسِدًا، إِذَا هَلَكَ وَهُوَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، ثَبَتَ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بِرَدِّ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا - مَكِيلاً أَوْ مَوْزُونًا أَوْ مَعْدُودًا - وَرَدِّ قِيمَتِهِ إِنْ كَانَ قِيَمِيًّا، بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ أَمْ أَقَل مِنْهُ أَمْ مِثْلَهُ. __________ (1) الفتاوى الهندية 3 / 133. (2) البدائع 5 / 178. وَتَجِبُ الْقِيمَةُ فِي الْقِيَمِيِّ، عِنْدَ جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ يَوْمَ الْقَبْضِ، لأَِنَّهُ بِهِ يَدْخُل فِي ضَمَانِهِ، فَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي انْعَقَدَ بِهِ سَبَبُ الضَّمَانِ (1) . وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الإِْتْلاَفِ (الْهَلاَكُ) ، لأَِنَّهُ بِالإِْتْلاَفِ يَتَقَرَّرُ الْمِثْل أَوِ الْقِيمَةُ (2) 39 - أَمَّا لَوْ نَقَصَ الْمَبِيعُ بَيْعًا فَاسِدًا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، فَالنَّقْصُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: أ - لَوْ نَقَصَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بِفِعْل الْمُشْتَرِي، أَوِ الْمَبِيعِ نَفْسِهِ، أَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، أَخَذَهُ الْبَائِعُ مَعَ تَضْمِينِ الْمُشْتَرِي أَرْشَ النُّقْصَانِ. ب - وَلَوْ نَقَصَ بِفِعْل الْبَائِعِ، صَارَ بِذَلِكَ مُسْتَرِدًّا لِلْمَبِيعِ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ حَبْسٌ عَنِ الْبَائِعِ، هَلَكَ عَلَى الْبَائِعِ. ج - وَلَوْ نَقَصَ بِفِعْل أَجْنَبِيٍّ، خُيِّرَ الْبَائِعُ: - فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْجَانِي. - وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ الْجَانِيَ، وَهُوَ لاَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي (3) . سَادِسًا: ثُبُوتُ الْخِيَارِ فِيهِ: 40 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ يَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، كَمَا يَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ الْجَائِزِ حَتَّى لَوْ __________ (1) الدر المختار 4 / 125، وكفاية الطالب 2 / 148. (2) رد المحتار 4 / 125. (3) رد المحتار. بَاعَ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَرِطْلٍ مِنْ خَمْرٍ، عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ، فَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِ الْبَائِعِ، وَأَعْتَقَهُ فِي الأَْيَّامِ الثَّلاَثَةِ لاَ يَنْفُذُ إِعْتَاقُهُ، وَلَوْلاَ خِيَارُ الشَّرْطِ لِلْبَائِعِ لَنَفَذَ إِعْتَاقُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَبْضِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَمُفَادُهُ صِحَّةُ إِعْتَاقِهِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، لِزَوَال الْخِيَارِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَكَمَا يَثْبُتُ خِيَارُ الشَّرْطِ فِي الْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا، يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْعَيْبِ، وَلِلْمُشْتَرِي بَعْدَ قَبْضِهِ أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ بِقَضَاءٍ وَبِغَيْرِ قَضَاءٍ (1) . __________ (1) الفتاوى الهندية 3 / 39، ورد المحتار 4 / 124، 126. |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الْبَيْعُ: مُبَادَلَةُ الْمَال بِالْمَال. (1) وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ فَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ " وَقَفَ " يُقَال: وَقَفَتِ الدَّابَّةُ وُقُوفًا سَكَنَتْ، وَوَقَفْتُهَا أَنَا وَقْفًا: جَعَلْتُهَا تَقِفُ. وَوَقَفْتُ الدَّارَ وَقْفًا حَبَسْتُهَا فِي سَبِيل اللَّهِ، وَوَقَفْتُ الأَْمْرَ عَلَى حُضُورِ زَيْدٍ: عَلَّقْتُ الْحُكْمَ عَلَى حُضُورِهِ، وَوَقَفْتُ قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ إِلَى الْوَضْعِ: أَخَّرْتُهَا حَتَّى تَضَعَ الْحُبْلَى. (2) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ مَعَانِيهِ اللُّغَوِيَّةِ. وَأَمَّا الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ، فَقَدْ عَرَّفَهُ الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ أَجَازُوهُ بِأَنَّهُ: الْبَيْعُ الْمَشْرُوعُ بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ، وَيُفِيدُ الْمِلْكَ عَلَى وَجْهِ التَّوَقُّفِ، وَلاَ يُفِيدُ تَمَامَهُ __________ (1) القاموس المحيط ولسان العرب مادة: " بيع "، ومجلة الأحكام مادة: (105) ، والبحر الرائق 5 / 277. (2) المصباح المنير مادة: " وقف ". لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ، وَهُوَ مِنَ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ. (1) وَيُقَابِلُهُ الْبَيْعُ النَّافِذُ، وَهُوَ: الْبَيْعُ الصَّحِيحُ الَّذِي لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ. وَيُفِيدُ الْحُكْمَ فِي الْحَال. فَالنَّافِذُ هُوَ ضِدُّ الْمَوْقُوفِ، فَمَتَى قِيل: بَيْعٌ نَافِذٌ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ بَيْعٌ غَيْرُ مَوْقُوفٍ (2) . مَشْرُوعِيَّةُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ: 2 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَذْهَبِ الْقَدِيمِ - كَمَا حُكِيَ عَنِ الْجَدِيدِ أَيْضًا - مَشْرُوعِيَّةَ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ وَاعْتِبَارَهُ قِسْمًا مِنْ أَقْسَامِ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ، لِعُمُومَاتِ الْبَيْعِ نَحْوِ قَوْله تَعَالَى {وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ} (3) وَقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (4) وَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذِهِ الآْيَاتِ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى شَرَعَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَالتِّجَارَةَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، بَيْنَ مَا إِذَا وُجِدَ مِنَ الْمَالِكِ بِطَرِيقِ الأَْصَالَةِ، وَبَيْنَ مَا إِذَا وُجِدَ مِنَ الْوَكِيل فِي الاِبْتِدَاءِ، أَوْ بَيْنَ مَا إِذَا وُجِدَتِ الإِْجَازَةُ مِنَ __________ (1) مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر 2 / 47، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام 1 / 94، وحاشية ابن عابدين 4 / 100 ط بولاق. (2) درر الحكام 1 / 95، 340. (3) سورة البقرة / 275. (4) سورة النساء / 29. الْمَالِكِ فِي الاِنْتِهَاءِ وَبَيْنَ وُجُودِ الرِّضَا فِي التِّجَارَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ، فَيَجِبُ الْعَمَل بِعُمُومِهَا إِلاَّ مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ. وَلِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ دَفَعَ دِينَارًا إِلَى عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ أُضْحِيَّةً، فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ، ثُمَّ بَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَقَال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: بَارَكَ اللَّهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِكَ (1) وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِبَيْعِ الشَّاةِ، فَلَوْ لَمْ يَنْعَقِدِ الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ، لَمَا بَاعَ وَلَمَا دَعَا لَهُ بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ عَلَى مَا فَعَل، وَلأََنْكَرَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْبَاطِل يُنْكَرُ. كَمَا أَنَّ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ تَصَرُّفٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ فَلاَ يَلْغُو، كَمَا لَوْ حَصَل مِنَ الْمَالِكِ، وَكَالْوَصِيَّةِ بِالْمَال مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَالْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ مِمَّنْ لاَ دَيْنَ عَلَيْهِ. وَالتَّصَرُّفُ إِذَا صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ تَحَقَّقَ بِهِ وُجُودُهُ، ثُمَّ قَدْ يَمْتَنِعُ نَفَاذُهُ شَرْعًا لِمَانِعٍ، فَيَتَوَقَّفُ عَلَى زَوَال ذَلِكَ الْمَانِعِ، وَبِالإِْجَازَةِ يَزُول الْمَانِعُ، وَهُوَ عَدَمُ رِضَا الْمَالِكِ بِهِ. وَلأَِنَّ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ يُفِيدُ الْمِلْكِيَّةَ بِدُونِ قَبْضٍ تَمَامًا، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ، فَالْبَيْعُ __________ (1) حديث: " بارك الله في صفقة يمينك. . . " أخرجه الترمذي (3 / 550 ط الحلبي) وأعله ابن حجر بجهالة أحد رواته. (التلخيص 3 / 5 ط شركة الطباعة الفنية) . الْمَوْقُوفُ هُوَ بَيْعٌ صَحِيحٌ لِصِدْقِ تَعْرِيفِهِ وَحُكْمِهِ عَلَيْهِ. وَانْعِقَادُ هَذَا الْبَيْعِ مَوْقُوفًا عَلَى الإِْجَازَةِ لاَ يُنَافِي كَوْنَهُ صَحِيحًا. (1) 3 - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ إِلَى بُطْلاَنِ الْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَأْتِينِي الرَّجُل يَسْأَلُنِي مِنَ الْبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدِي، أَأَبْتَاعُ لَهُ مِنَ السُّوقِ ثُمَّ أَبِيعُهُ مِنْهُ؟ قَال: لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ. (2) كَمَا احْتَجُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ بَيْعَ وَلاَ طَلاَقَ وَلاَ عَتَاقَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ (3) __________ (1) بدائع الصنائع 5 / 148 - 149 ط الجمالية، والمبسوط للسرخسي 13 / 154، ومجمع الأنهر 2 / 47، ودرر الحكام 1 / 94 - 95 نشر مكتبة النهضة، وحاشية ابن عابدين 4 / 100 ط بولاق، والقوانين الفقهية لابن جزي ص 162 ط دار القلم، وحاشية الدسوقي 3 / 10 - 11 نشر دار الفكر، ومواهب الجليل 4 / 346 ط مكتبة النجاح - ليبيا، ومغني المحتاج 2 / 15 نشر دار إحياء التراث العربي، والمجموع 9 / 259 ط مطبعة التضامن الأخوي بمصر، والمغني مع الشرح الكبير 4 / 274، والإنصاف 4 / 267، 283 ط دار إحياء التراث العربي. (2) حديث: " لا تبع ما ليس عندك. . . " أخرجه أبو داود (3 / 769 ط عزت عبيد دعاس) ، والترمذي (3 / 525 ط الحلبي) ، وقال: حديث حسن. (3) حديث: " لا بيع ولا طلاق ولا عتاق. . . " أخرجه أبو داود (2 / 640 ط عزت عبيد دعاس) ، والترمذي (3 / 477 ط الحلبي) . وقال: حديث حسن. واللفظ لأبي داود. وَلأَِنَّ وُجُودَ السَّبَبِ بِكَمَالِهِ بِدُونِ آثَارِهِ يَدُل عَلَى فَسَادِهِ. وَيَقِيسُونَ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ عَلَى الطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ (1) أَنْوَاعُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ: 4 - عَقْدُ الْبَيْعِ يَكُونُ مَوْقُوفًا إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِلْكَ الْغَيْرِ أَوْ يَكُونَ لِغَيْرِ الْمَالِكِ حَقٌّ فِي الْمَبِيعِ. (2) وَقَدْ حَصَرَ صَاحِبُ " الْخُلاَصَةِ " أَنْوَاعَ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ نَوْعًا، وَأَوْصَلَهَا صَاحِبُ " النَّهْرِ " إِلَى ثَمَانِيَةٍ وَثَلاَثِينَ نَوْعًا، وَذَكَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي " الْبَحْرِ الرَّائِقِ " تِسْعًا وَعِشْرِينَ صُورَةً لِلْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ أَهَمُّهَا: - بَيْعُ الصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الأَْبِ أَوِ الْوَصِيِّ. - بَيْعُ غَيْرِ الرَّشِيدِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْقَاضِي. - بَيْعُ الْمَرْهُونِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ. - بَيْعُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمُسْتَأْجِرِ. __________ (1) تهذيب الفروق والقواعد السنية 3 / 241 ط دار المعرفة، والمجموع 9 / 155، 258 ط مطبعة التضامن الأخوي، والمغني مع الشرح الكبير 4 / 274، والإنصاف 4 / 267، 283 ط دار إحياء التراث العربي. (2) البحر الرائق 6 / 75. - بَيْعُ مَا فِي مُزَارَعَةِ الْغَيْرِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمَزَارِعِ. - بَيْعُ الْبَائِعِ لِلشَّيْءِ الْمَبِيعِ بَعْدَ الْقَبْضِ مِنْ غَيْرِ الْمُشْتَرِي مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمُشْتَرِي الأَْوَّل. - بَيْعُ الْمُرْتَدِّ عِنْدَ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ مَوْقُوفٌ عَلَى تَوْبَتِهِ مِنَ الرِّدَّةِ. - بَيْعُ الشَّيْءِ بِرَقْمِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى تَبَيُّنِ الثَّمَنِ. - الْبَيْعُ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلاَنٌ وَالْمُشْتَرِي لاَ يَعْلَمُ، فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ فِي الْمَجْلِسِ. - الْبَيْعُ بِمِثْل مَا يَبِيعُ النَّاسُ مَوْقُوفٌ عَلَى تَبَيُّنِ الثَّمَنِ. - الْبَيْعُ بِمِثْل مَا أَخَذَ بِهِ فُلاَنٌ مَوْقُوفٌ عَلَى تَبَيُّنِ الثَّمَنِ. - بَيْعُ الْمَالِكِ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ مَوْقُوفٌ عَلَى إِقْرَارِ الْغَاصِبِ، أَوِ الْبُرْهَانِ بَعْدَ إِنْكَارِهِ. - بَيْعُ مَال الْغَيْرِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَتِهِ (وَهُوَ بَيْعُ الْفُضُولِيِّ) . - بَيْعُ الشَّرِيكِ نَصِيبَهُ مِنْ مُشْتَرَكٍ بِالْخَلْطِ الاِخْتِيَارِيِّ، أَوِ الاِخْتِلاَطِ بِغَيْرِ فِعْل الْمَالِكِينَ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ شَرِيكِهِ. - بَيْعُ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ، مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ وَلَوْ كَانَ بِمِثْل الْقِيمَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. - بَيْعُ الْوَارِثِ التَّرِكَةَ الْمُسْتَغْرَقَةَ بِالدَّيْنِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْغُرَمَاءِ. - أَحَدُ الْوَكِيلِينَ أَوِ الْوَصِيِّينَ أَوِ النَّاظِرِينَ إِذَا بَاعَ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَتِهِ (إِذَا كَانَ مَشْرُوطًا اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى التَّصَرُّفِ) . - بَيْعُ الْمَعْتُوهِ مَوْقُوفٌ. (1) حُكْمُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ: 5 - حُكْمُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ هُوَ أَنَّهُ يَقْبَل الإِْجَازَةَ عِنْدَ تَوَافُرِ الشُّرُوطِ الآْتِيَةِ: أ - وُجُودُ الْبَائِعِ حَيًّا، لأَِنَّهُ يَلْزَمُهُ حُقُوقُ الْعَقْدِ بِالإِْجَازَةِ، وَلاَ تَلْزَمُ إِلاَّ حَيًّا. ب - وُجُودُ الْمُشْتَرِي حَيًّا لِيَلْزَمَهُ الثَّمَنُ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ لاَ يَلْزَمُهُ، مَا لَمْ يَكُنْ لَزِمَهُ حَال أَهْلِيَّتِهِ. ج - وُجُودُ الْمَبِيعِ؛ لأَِنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَنْتَقِل فِيهِ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِل بَعْدَ الإِْجَازَةِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَقِل بَعْدَ الْهَلاَكِ. وَالْمُرَادُ بِكَوْنِ الْمَبِيعِ قَائِمًا، أَنْ لاَ يَكُونَ مُتَغَيِّرًا بِحَيْثُ يُعَدُّ شَيْئًا آخَرَ، فَإِنَّهُ لَوْ بَاعَ ثَوْبَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَصَبَغَهُ الْمُشْتَرِي، فَأَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ __________ (1) البحر الرائق 6 / 75، 76، وانظر: حاشية ابن عابدين 4 / 139 ط بولاق، وحاشية الطحطاوي على الدر 3 / 63، وحاشية أبي السعود على شرح الكنز لمنلا مسكين 2 / 565، ودرر الحكام في شرح غرر الأحكام 2 / 176، 177 ط مطبعة أحمد كامل 1330 هـ، والفتاوى الخانية بهامش الهندية 2 / 172 وما بعدها، وحاشية الدسوقي 3 / 11، 12 ط الحلبي، والخرشي 5 / 17، 18، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 285، 286 ط دار الكتب العلمية. جَازَ، وَلَوْ قَطَعَهُ وَخَاطَهُ ثُمَّ أَجَازَ الْبَيْعَ لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ. د - وُجُودُ الثَّمَنِ فِي يَدِ الْبَائِعِ إِذَا كَانَ عَيْنًا كَالْعُرُوضِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْفُلُوسِ فَوُجُودُ الثَّمَنِ فِي يَدِ الْبَائِعِ لَيْسَ بِشَرْطٍ. هـ - وُجُودُ الْمَالِكِ؛ لأَِنَّ الإِْجَازَةَ تَكُونُ مِنْهُ، حَتَّى لَوْ مَاتَ الْمَالِكُ قَبْل إِجَازَتِهِ الْبَيْعَ لاَ يَجُوزُ بِإِجَازَةِ وَرَثَتِهِ كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ. وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ انْتِقَال حَقِّ إِجَازَةِ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ إِلَى الْوَارِثِ. (1) هَذَا، وَلِلتَّوَسُّعِ فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الإِْجَازَةُ وَسَائِرُ الْمَسَائِل الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا (ر: إِجَازَة) وَإِذَا أُجِيزَ الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ يَسْتَنِدُ أَثَرُهُ (أَيْ يَسْرِي مُنْذُ الْعَقْدِ) عَلَى مَا سَيَأْتِي. أَثَرُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ: 6 - الْبَيْعُ النَّافِذُ يُفِيدُ الْحُكْمَ فِي الْحَال، وَهُوَ مَلَكِيَّةُ الْبَائِعِ لِلثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِي لِلْمَبِيعِ، وَتَصَرُّفُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِيمَا فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فِي ذَلِكَ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، سَوَاءٌ أَذُكِرَ فِي الْعَقْدِ تَمَلُّكُ الْبَائِعِ لِلثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِي لِلْمَبِيعِ أَمْ لَمْ يُذْكَرْ؛ لأَِنَّ النَّصَّ __________ (1) درر الحكام في شرح غرر الأحكام 2 / 177 ط مطبعة أحمد كامل، وانظر: فتح القدير 6 / 191 ط دار إحياء التراث العربي، وبدائع الصنائع 5 / 151، 152، والخرشي 5 / 17. عَلَى الْمُقْتَضَى بَعْدَ حُصُول الْمُوجِبِ لَيْسَ بِشَرْطٍ. (1) وَيُشْتَرَطُ لِنَفَاذِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ مَالِكًا لِلْمَبِيعِ، أَوْ وَكِيلاً لِمَالِكِهِ أَوْ وَصِيِّهِ، وَأَنْ لاَ يَكُونَ فِي الْمَبِيعِ حَقٌّ آخَرُ. وَإِذَا تَخَلَّفَ شَرْطٌ مِنْهَا فَإِنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ مَوْقُوفًا فَلاَ يُفِيدُ الْحُكْمَ إِلاَّ عِنْدَ إِجَازَةِ صَاحِبِ الشَّأْنِ، فَإِنْ أَجَازَ نَفَذَ وَإِلاَّ بَطَل. (2) فَقَبْل أَنْ تَصْدُرَ الإِْجَازَةُ مِمَّنْ يَمْلِكُهَا لاَ يَظْهَرُ أَثَرُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ، وَيَكُونُ ظُهُورُ أَثَرِهِ مَوْقُوفًا عَلَى الإِْجَازَةِ، فَبَيْعُ الْفُضُولِيِّ مَثَلاً لاَ يَنْفُذُ ابْتِدَاءً لاِنْعِدَامِ الْمِلْكِ وَالْوِلاَيَةِ، لَكِنَّهُ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ، فَإِنْ أَجَازَ يَنْفُذْ وَإِلاَّ يَبْطُل. (3) (ر: بَيْعُ الْفُضُولِيِّ) وَكَذَلِكَ إِذَا بَاعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ بِلاَ إِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، فَالْبَيْعُ مَوْقُوفٌ - فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَتِهِ، إِنْ أَجَازَ الْمُرْتَهِنُ أَوْ قَضَى الرَّاهِنُ دَيْنَهُ نَفَذَ، وَإِذَا نَفَذَ الْبَيْعُ بِإِجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ انْتَقَل حَقُّهُ إِلَى بَدَلِهِ. (4) وَلِلتَّفْصِيل (ر: رَهْن) . __________ (1) فتح القدير 6 / 191 ط دار إحياء التراث العربي، وجامع الفصولين 1 / 231 ط بولاق 1300 هـ. (2) الفتاوى الهندية 3 / 112. (3) الجوهرة النيرة 1 / 196 ط المطبعة الخيرية 1322 هـ. (4) الكفاية شرح الهداية 6 / 191 ط دار إحياء التراث العربي. هَذَا، وَيَنْبَغِي التَّنْوِيهُ إِلَى أَنَّ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ لاَ يَتَوَقَّفُ دَائِمًا نَفَاذُهُ، وَظُهُورُ أَثَرِهِ عَلَى إِجَازَةِ شَخْصٍ غَيْرِ الْعَاقِدِ، بَل هَذَا هُوَ الأَْغْلَبُ، فَقَدْ يَكُونُ مُتَوَقِّفَ النَّفَاذِ لاَ عَلَى إِجَازَةِ أَحَدٍ، بَل عَلَى زَوَال حَالَةٍ أَوْجَبَتْ عَدَمَ النَّفَاذِ، كَمَا فِي بَيْعِ الْمُرْتَدِّ عَنِ الإِْسْلاَمِ، فَإِنَّ نَفَاذَ بَيْعِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى عَوْدَتِهِ إِلَى الإِْسْلاَمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (1) . التَّصَرُّفَاتُ الْوَاقِعَةُ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَثْنَاءَ التَّوَقُّفِ: 7 - التَّصَرُّفَاتُ الْوَاقِعَةُ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ أَثْنَاءَ التَّوَقُّفِ مِنْهَا مَا يَسْتَنِدُ أَثَرُهُ إِلَى وَقْتِ إِنْشَاءِ الْعَقْدِ، وَمِنْهَا مَا يَبْدَأُ أَثَرُهُ مِنْ حِينِ الإِْجَازَةِ. فَالإِْجَازَةُ تَارَةً تَكُونُ إِنْشَاءً، وَتَارَةً تَكُونُ إِظْهَارًا. وَفِيمَا يَلِي أَمْثِلَةٌ لِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ. أَوَّلاً: التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي تَسْتَنِدُ إِلَى وَقْتِ إِنْشَاءِ الْعَقْدِ: أ - إِذَا أُجِيزَ بَيْعُ الْفُضُولِيِّ لِمَال الْغَيْرِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ نَافِذًا مُسْتَنِدًا حُكْمُهُ إِلَى وَقْتِ إِنْشَاءِ الْعَقْدِ، فَيَصِيرُ الْمَبِيعُ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي، وَالثَّمَنُ مِلْكًا لِلْمَالِكِ أَمَانَةً فِي يَدِ الْفُضُولِيِّ، لأَِنَّ الإِْجَازَةَ اللاَّحِقَةَ بِمَنْزِلَةِ الْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ. فَإِذَا هَلَكَ الثَّمَنُ فِي يَدِ الْفُضُولِيِّ قَبْل الإِْجَازَةِ، ثُمَّ أُجِيزَ __________ (1) الفتاوى الخانية بهامش الهندية 2 / 185. الْعَقْدُ لَمْ يَضْمَنْهُ كَالْوَكِيل، وَكَذَلِكَ إِذَا حَطَّ الْبَائِعُ الْفُضُولِيَّ مِنَ الثَّمَنِ ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ يَثْبُتُ الْبَيْعُ وَالْحَطُّ، سَوَاءٌ أَعَلِمَ الْبَائِعُ بِالْحَطِّ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ، إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ بِالْحَطِّ بَعْدَ الإِْجَازَةِ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْفُضُولِيَّ يَصِيرُ بِالإِْجَازَةِ كَوَكِيلٍ، وَلَوْ حَطَّهُ الْوَكِيل لاَ يَتَمَكَّنُ الْمُوَكِّل مِنْ مُطَالَبَةِ الْمُشْتَرِي بِهِ، كَذَا هَذَا. (1) ب - إِذَا أَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ، فَإِنْ مَلَكَ الْمَبِيعَ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ، وَيَثْبُتُ لَهُ بِالتَّالِي الْحَقُّ فِي كُل مَا يَحْدُثُ بِالْمَبِيعِ قَبْل الإِْجَازَةِ مِنْ نَمَاءٍ أَوْ زِيَادَةٍ، كَالْكَسْبِ وَالْوَلَدِ وَالأَْرْشِ وَمَا إِلَى ذَلِكَ. (2) ثَانِيًا: التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي يَقْتَصِرُ حُكْمُهَا عَلَى وَقْتِ صُدُورِ الإِْجَازَةِ: أ - لاَ يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي مِنَ الْفُضُولِيِّ التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ قَبْل صُدُورِ الإِْجَازَةِ، سَوَاءٌ أَقَبَضَهُ أَمْ لَمْ يَقْبِضْهُ. (3) فَإِذَا بَاعَ الْمُشْتَرِي مِنَ الْفُضُولِيِّ الْمَبِيعَ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ لاَ يَنْفُذُ بَيْعُ الْمُشْتَرِي مِنَ الْفُضُولِيِّ، كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ، (4) لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنَ الْفُضُولِيِّ لَمْ يَمْلِكْ __________ (1) درر الحكام شرح مجلة الأحكام 1 / 333، 340. (2) درر الحكام شرح مجلة الأحكام 1 / 328، 341، ومنحة الخالق بهامش البحر الرائق 5 / 281. (3) بدائع الصنائع 5 / 148، والخرشي 5 / 18. (4) درر الحكام في شرح غرر الأحكام 2 / 256، والفتاوى الخانية بهامش الهندية 2 / 177. مَا اشْتَرَاهُ إِلاَّ بَعْدَ الإِْجَازَةِ، فَبَيْعُهُ وَقَعَ عَلَى مَا لَمْ يَمْلِكْ. ب - إِذَا بَاعَ الْفُضُولِيُّ شَيْئًا مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ طَلَبَ الشُّفْعَةِ فِي الشَّيْءِ الَّذِي بَاعَهُ يَكُونُ وَقْتَ الإِْجَازَةِ. (1) __________ (1) حاشية الطحطاوي على الدر 2 / 486، وحاشية ابن عابدين 3 / 300. بَيْعٌ وَشَرْطٌ 1 - وَرَدَتْ فِي الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ نُصُوصٌ شَرْعِيَّةٌ تُقَرِّرُ لِلْعُقُودِ آثَارَهَا، وَوَرَدَتْ فِيهَا نُصُوصٌ أُخْرَى، بَعْضُهَا عَامٌّ، وَبَعْضُهَا خَاصٌّ، فِيمَا يَتَّصِل بِمَبْلَغِ حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي تَعْدِيل آثَارِ الْعُقُودِ، بِالإِْضَافَةِ عَلَيْهَا، أَوِ النَّقْصِ مِنْهَا، وَذَلِكَ بِشُرُوطٍ يَشْتَرِطَانِهَا فِي عُقُودِهِمَا. فَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَرَدَ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (1) ، وقَوْله تَعَالَى: {لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} . (2) وَفِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَرَدَ حَدِيثُ:. . . الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلاَّ شَرْطًا حَرَّمَ حَلاَلاً وَفِي رِوَايَةٍ: عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، (3) __________ (1) سورة المائدة / 1. (2) سورة النساء / 29. (3) حديث: " المسلمون على شروطهم، إلا شرطا حرم حلالا. . . " وفي رواية: " عند شروطهم " أخرجه الترمذي (3 / 625 ط عيسى الحلبي) ، وهو صحيح لطرقه. (التلخيص الحبير لابن حجر 3 / 23 ط شركة الطباعة الفنية) . وَحَدِيثُ: مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ، (1) وَحَدِيثُ: مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ (2) أَيْ لَيْسَ فِيمَا كَتَبَهُ اللَّهُ وَأَوْجَبَهُ فِي شَرِيعَتِهِ الَّتِي شَرَعَهَا. وَحَدِيثُ: عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ: نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ. (3) فَهَذِهِ النُّصُوصُ - فِي مَجْمُوعِهَا - تُشِيرُ إِلَى أَنَّ هُنَاكَ: شُرُوطًا مُبَاحَةً لِلْمُتَعَاقِدِينَ، يَتَخَيَّرُونَ مِنْهَا مَا يَشَاءُونَ لِلاِلْتِزَامِ بِهَا فِي عُقُودِهِمَا، وَشُرُوطًا مَحْظُورَةً، لاَ حَقَّ لأَِحَدٍ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي اشْتِرَاطِهَا فِي عُقُودِهِمَا، لِمَا أَنَّهَا تُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ، أَوْ تُخَالِفُ الْقَوَاعِدَ الْعَامَّةَ الشَّرْعِيَّةَ، أَوْ تُصَادِمُ مَقْصِدًا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ. وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ فِي الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ، كُل مَذْهَبٍ عَلَى حِدَةٍ لِلاِخْتِلاَفِ الشَّدِيدِ بَيْنَهَا فِي ذَلِكَ. __________ (1) حديث: " مقاطع الحقوق عند الشروط. . . " هذا من قول عمر. علقه البخاري (فتح الباري 90 / 217 ط السلفية) ووصله سعيد بن منصور في سننه (3 / 662) وإسناده صحيح. (تغليق التعليق لابن حجر 4 / 419 ط المكتب الإسلامي) . (2) حديث: " ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل. . . . " أخرجه البخاري (5 / 326 فتح الباري ط السلفية) . (3) حديث: " نهى عن بيع وشرط. . . " أخرجه الطبراني في الأوسط، ونقل الزيلعي عن ابن القطان أنه ضعفه (نصب الراية 4 / 18 ط المجلس العلمي) وانظر العناية 6 / 78، وبدائع الصنائع 5 / 175، وفتح القدير 6 / 76، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 177. أَوَّلاً: مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: 2 - وَضَعَ الْحَنَفِيَّةُ هَذَا الضَّابِطَ لِلشَّرْطِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، الَّذِي يُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَهُوَ: كُل شَرْطٍ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَلاَ يُلاَئِمُهُ وَفِيهِ نَفْعٌ لأَِحَدِهِمَا، أَوْ لأَِجْنَبِيٍّ، أَوْ لِمَبِيعٍ هُوَ مِنْ أَهْل الاِسْتِحْقَاقِ، وَلَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ بِهِ. وَلَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِجَوَازِهِ (1) . 3 - أَمَّا إِذَا كَانَ الشَّرْطُ مِمَّا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، أَيْ يَجِبُ بِالْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَإِنَّهُ يَقَعُ صَحِيحًا، وَلاَ يُوجِبُ فَسَادَ الْبَيْعِ. (2) كَمَا إِذَا اشْتَرَى بِشَرْطِ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْمَبِيعَ، أَوْ بَاعَ بِشَرْطِ أَنْ يَتَمَلَّكَ الثَّمَنَ، أَوْ بَاعَ بِشَرْطِ أَنْ يَحْبِسَ الْمَبِيعَ لاِسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ، أَوِ اشْتَرَى عَلَى أَنْ يُسَلَّمَ إِلَيْهِ الْمَبِيعُ، أَوِ اشْتَرَى دَابَّةً عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا، أَوْ ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَلْبَسَهُ، أَوْ حِنْطَةً فِي سُنْبُلِهَا وَشَرَطَ الْحَصَادَ عَلَى الْبَائِعِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ لأَِنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَكَانَ ذِكْرُهَا فِي مَعْرِضِ الشَّرْطِ تَقْرِيرًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَلاَ تُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ. (3) __________ (1) رد المحتار 4 / 121، وانظر بدائع الصنائع 5 / 169، والهداية وشروحها 6 / 77، وتبيين الحقائق 4 / 57. (2) رد المحتار 4 / 21 نقلا عن البحر، وانظر الهداية بشروحها 6 / 77. (3) بدائع الصنائع 5 / 171، وانظر في بعض هذه الأمثلة أيضا الهداية بشروحها 6 / 77، وتبيين الحقائق 4 / 57، والدر المختار 4 / 122. 4 - وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الشَّرْطُ مُلاَئِمًا لِلْعَقْدِ، بِأَنْ يُؤَكِّدَ مُوجَبَهُ، فَإِنَّهُ لاَ يُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَلَوْ كَانَ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، لأَِنَّهُ يُقَرِّرُ حُكْمَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَيُؤَكِّدُهُ، فَيُلْتَحَقُ بِالشَّرْطِ الَّذِي هُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ، كَشَرْطِ رَهْنٍ مَعْلُومٍ بِالإِْشَارَةِ أَوِ التَّسْمِيَةِ، وَشَرْطِ كَفِيلٍ حَاضِرٍ قَبْل الْكَفَالَةِ، أَوْ غَائِبٍ فَحَضَرَ وَقَبِلَهَا قَبْل التَّفَرُّقِ. (1) وَاشْتِرَاطُ الْحَوَالَةِ كَالْكَفَالَةِ، فَلَوْ بَاعَ عَلَى أَنْ يُحِيل الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ عَلَى غَيْرِهِ بِالثَّمَنِ، قَالُوا: فَسَدَ قِيَاسًا، وَجَازَ اسْتِحْسَانًا (2) . لَكِنَّ الْكَاسَانِيَّ اعْتَبَرَ شَرْطَ الْحَوَالَةِ مُفْسِدًا، لأَِنَّهُ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَلاَ يُقَرِّرُ مُوجَبَهُ؛ لأَِنَّ الْحَوَالَةَ إِبْرَاءٌ عَنِ الثَّمَنِ وَإِسْقَاطٌ لَهُ، فَلَمْ يَكُنْ مُلاَئِمًا لِلْعَقْدِ، بِخِلاَفِ الْكَفَالَةِ وَالرَّهْنِ (3) . 5 - وَيَشْمَل شَرْطُ الْمَنْفَعَةِ عِنْدَهُمْ مَا يَأْتِي: أ - أَنْ يَكُونَ شَرْطُ الْمَنْفَعَةِ لأَِحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ: كَمَا إِذَا بَاعَ دَارًا عَلَى أَنْ يَسْكُنَهَا الْبَائِعُ شَهْرًا، ثُمَّ يُسَلِّمَهَا إِلَيْهِ، أَوْ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا سَنَةً، أَوْ دَابَّةً عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا شَهْرًا، أَوْ ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَلْبَسَهُ أُسْبُوعًا، أَوْ عَلَى أَنْ يُقْرِضَهُ الْمُشْتَرِي قَرْضًا، أَوْ عَلَى أَنْ يَهَبَهُ هِبَةً، أَوْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ، أَوْ يَبِيعَ مِنْهُ كَذَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَوِ اشْتَرَى ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَخِيطَهُ __________ (1) رد المحتار 4 / 121، 122، وبدائع الصنائع 5 / 171، 172، وانظر تبيين الحقائق 4 / 57. (2) رد المحتار 4 / 122، 123. (3) بدائع الصنائع 5 / 172. الْبَائِعُ قَمِيصًا، أَوْ حِنْطَةً عَلَى أَنْ يَطْحَنَهَا، أَوْ ثَمَرَةً عَلَى أَنْ يَجُذَّهَا، أَوْ شَيْئًا لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ عَلَى أَنْ يَحْمِلَهُ الْبَائِعُ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. فَالْبَيْعُ فِي هَذَا كُلِّهِ فَاسِدٌ؛ لأَِنَّ زِيَادَةَ مَنْفَعَةٍ مَشْرُوطَةٍ فِي الْبَيْعِ تَكُونُ رِبًا، لأَِنَّهَا زِيَادَةٌ لاَ يُقَابِلُهَا عِوَضٌ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، وَهُوَ تَفْسِيرُ الرِّبَا، وَالْبَيْعُ الَّذِي فِيهِ الرِّبَا فَاسِدٌ، أَوْ فِيهِ شُبْهَةُ الرِّبَا، وَإِنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِلْبَيْعِ، كَحَقِيقَةِ الرِّبَا (1) . (2) ب - وَيَشْمَل مَا إِذَا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ لأَِجْنَبِيٍّ، كَمَا إِذَا بَاعَ سَاحَةً عَلَى أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا مَسْجِدًا، أَوْ طَعَامًا عَلَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، فَهُوَ فَاسِدٌ، وَإِنْ يَكُنْ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ قَوْلاَنِ فِي اشْتِرَاطِ الْقَرْضِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ لأَِجْنَبِيٍّ (3) . ج - وَيَشْمَل مَا إِذَا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ بَاعَ جَارِيَةً عَلَى أَنْ يُوصِيَ الْمُشْتَرِي بِعِتْقِهَا، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ، لأَِنَّهُ شَرَطَ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلْمَبِيعِ، وَإِنَّهُ مُفْسِدٌ. وَكَذَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَكَذَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَبِيعَهَا أَوْ لاَ يَهَبَهَا، لأَِنَّ الْمَمْلُوكَ يَسُرُّهُ أَنْ لاَ تَتَدَاوَلَهُ الأَْيْدِي (4) . وَرَوَى الْحَسَنُ عَنِ الإِْمَامِ __________ (1) بدائع الصنائع 5 / 169، 170 وانظر أيضا الهداية وشروحها 6 / 78 وما بعدها والدر المختار 4 / 121،122. (2) الدر المختار ورد المحتار 4 / 122. (3) الدر المختار ورد المحتار 4 / 122. (4) بدائع الصنائع 5 / 170، وانظر فيه توجيه رواية الحسن المذكورة عن الإمام أبي حنيفة. أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازَ اشْتِرَاطِ الإِْعْتَاقِ عَلَى الْمُشْتَرِي. أَمَّا مَا لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لأَِحَدٍ فَلاَ يَتَنَاوَلُهُ الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ، وَلاَ يُوجِبُ الْفَسَادَ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ ثَوْبًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَبِيعَهُ، أَوْ لاَ يَهَبَهُ، أَوْ بَاعَهُ دَابَّةً عَلَى أَنْ لاَ يَبِيعَهَا، أَوْ طَعَامًا عَلَى أَنْ يَأْكُلَهُ وَلاَ يَبِيعَهُ، فَهَذَا شَرْطٌ لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لأَِحَدٍ، فَلاَ يُوجِبُ فِي الصَّحِيحِ الْفَسَادَ؛ لأَِنَّ الْفَسَادَ فِي مِثْل هَذِهِ الشُّرُوطِ - كَمَا يَقُول الْكَاسَانِيُّ - لِتَضَمُّنِهَا الرِّبَا بِزِيَادَةِ مَنْفَعَةٍ مَشْرُوطَةٍ لاَ يُقَابِلُهَا عِوَضٌ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي هَذَا الشَّرْطِ، لأَِنَّهُ لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لأَِحَدٍ، وَلاَ مَطَالِبَ لَهُ بِهِ، فَلاَ يُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا، وَلاَ إِلَى الْمُنَازَعَةِ، فَالْعَقْدُ جَائِزٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ (1) . 6 - أَمَّا مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ لأَِحَدِهِمَا، كَمَا لَوْ بَاعَ الثَّوْبَ بِشَرْطِ أَنْ يَخْرِقَهُ الْمُشْتَرِي، أَوِ الدَّارَ عَلَى أَنْ يُخَرِّبَهَا، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ؛ لأَِنَّ شَرْطَ الْمَضَرَّةِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي الْبَيْعِ. وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ مُحَمَّدٍ. وَمَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ هُوَ فَسَادُ الْبَيْعِ (2) . __________ (1) بدائع الصنائع 5 / 170، والعناية شرح الهداية 6 / 78. وقارن بما نقله ابن عابدين في رد المحتار (4 / 122) أن البيع بمثل هذا الشرط - عدم البيع والهبة - فيه مضرة لأحدهما، والبيع بمثله جائز عند الطرفين، خلافا لأبي يوسف. (2) بدائع الصنائع 5 / 170، ورد المحتار 4 / 122 نقلا عن الجوهرة. وَمَا لاَ مَضَرَّةَ وَلاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لأَِحَدٍ، فَهُوَ جَائِزٌ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى طَعَامًا بِشَرْطِ أَكْلِهِ، أَوْ ثَوْبًا بِشَرْطِ لُبْسِهِ. 7 - وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ شَرْطِ الْمَنْفَعَةِ الْمُفْسِدِ، مَا جَرَى بِهِ الْعُرْفُ، وَتَعَامَل بِهِ النَّاسُ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ، وَمَثَّلُوا لَهُ بِشِرَاءِ حِذَاءٍ بِشَرْطِ أَنْ يَضَعَ لَهُ الْبَائِعُ نَعْلاً (أَوْ كَعْبًا) أَوِ الْقَبْقَابَ بِشَرْطِ أَنْ يُسَمِّرَ لَهُ الْبَائِعُ سَيْرًا، أَوْ صُوفًا مَنْسُوجًا لِيَجْعَلَهُ لَهُ الْبَائِعُ قَلَنْسُوَةً (أَوْ مِعْطَفًا) أَوِ اشْتَرَى قَلَنْسُوَةً بِشَرْطِ أَنْ يَجْعَل لَهَا الْبَائِعُ بِطَانَةً مِنْ عِنْدِهِ، أَوْ خُفًّا أَوْ ثَوْبًا خَلَقًا عَلَى أَنْ يُرَقِّعَهُ أَوْ يَرْفُوَهُ لَهُ الْبَائِعُ. فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِنَ الشُّرُوطِ الْجَائِزَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ بِهَا، وَيَلْزَمُ الشَّرْطُ اسْتِحْسَانًا، لِلتَّعَامُل الَّذِي جَرَى بِهِ عُرْفُ النَّاسِ. وَالْقِيَاسُ فَسَادُهُ - كَمَا يَقُول زُفَرُ - لأَِنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ لاَ يَقْتَضِيهَا الْعَقْدُ، وَفِيهَا نَفْعٌ لأَِحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَهُوَ الْمُشْتَرِي هُنَا، لَكِنَّ النَّاسَ تَعَامَلُوهَا، وَبِمِثْلِهِ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ (1) . 8 - وَنَصَّ ابْنُ عَابِدِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى اعْتِبَارِ الْعُرْفِ الْحَادِثِ. فَلَوْ حَدَثَ عُرْفٌ فِي غَيْرِ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ فِي بَيْعِ الثَّوْبِ بِشَرْطِ رَفْوِهِ، وَالنَّعْل بِشَرْطِ حَذْوِهِ، يَكُونُ مُعْتَبَرًا، إِذَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى الْمُنَازَعَةِ. وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنِ الْمِنَحِ، أَنَّهُ __________ (1) نفس المراجع السابقة. لاَ يَلْزَمُ مِنَ اعْتِبَارِ الْعُرْفِ فِي هَذِهِ الْحَال أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا عَلَى حَدِيثِ: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ لأَِنَّ الْحَدِيثَ مُعَلَّلٌ بِوُقُوعِ النِّزَاعِ الْمُخْرِجِ لِلْعَقْدِ عَنِ الْمَقْصُودِ بِهِ، وَهُوَ قَطْعُ الْمُنَازَعَةِ، وَالْعُرْفُ يَنْفِي النِّزَاعَ، فَكَانَ مُوَافِقًا لِمَعْنَى الْحَدِيثِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنَ الْمَوَانِعِ إِلاَّ الْقِيَاسُ، وَالْعُرْفُ قَاضٍ عَلَيْهِ (1) . 9 - كَمَا يُسْتَثْنَى مِنْ شَرْطِ مُخَالَفَةِ اقْتِضَاءِ الْعَقْدِ، مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، وَهَذَا كَشَرْطِ الأَْجَل فِي دَفْعِ الثَّمَنِ، لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَى ذَلِكَ، لَكِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لِئَلاَّ يُفْضِيَ إِلَى النِّزَاعِ (2) . وَكَذَا شَرْطُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ، لأَِنَّهُ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمَعْرُوفِ: إِذَا بَايَعْتَ فَقُل لاَ خِلاَبَةَ (3) ثُمَّ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي كُل سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا ثَلاَثَ لَيَالٍ، فَإِنْ رَضِيتَ فَأَمْسِكْ، وَإِنْ سَخِطْتَ فَارْدُدْ. وَقَدْ عَدَّدَ الْحَنَفِيَّةُ اثْنَيْنِ وَثَلاَثِينَ مَوْضِعًا لاَ يَفْسُدُ فِيهَا الْبَيْعُ بِالشَّرْطِ. (4) __________ (1) رد المحتار 4 / 123. (2) الدر المختار 4 / 22. (3) حديث: " إذا بايعت فقل لا خلابة. . . " أخرجه بهذا اللفظ البيهقي (5 / 273 ط دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد) . وأصله في البخاري (فتح الباري 4 / 337 ط السلفية) . (4) تبيين الحقائق 4 / 57، والدر المختار 4 / 121، ورد المحتار 4 / 62. 10 - وَهَل يُشْتَرَطُ اقْتِرَانُ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ بِالْعَقْدِ؟ وَمَا حُكْمُ التَّنْصِيصِ عَلَى الشَّرْطِ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَمَا حُكْمُ ابْتِنَاءِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ؟ أ - أَمَّا الْتِحَاقُهُ بِالْعَقْدِ بَعْدَ الاِفْتِرَاقِ عَنِ الْمَجْلِسِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ مُصَحَّحَتَانِ فِي الْمَذْهَبِ: إِحْدَاهُمَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يُلْتَحَقُ بِأَصْل الْعَقْدِ، وَالأُْخْرَى عَنِ الصَّاحِبِينَ - وَهِيَ الأَْصَحُّ - أَنَّهُ لاَ يُلْتَحَقُ. وَأُيِّدَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ: بِمَا لَوْ بَاعَ مُطْلَقًا، ثُمَّ أَجَّل الثَّمَنَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ التَّأْجِيل، لأَِنَّهُ فِي حُكْمِ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ، وَبِمَا لَوْ بَاعَا بِلاَ شَرْطٍ، ثُمَّ ذَكَرَا الشَّرْطَ عَلَى وَجْهِ الْوَعْدِ، جَازَ الْبَيْعُ، وَلَزِمَ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ، إِذِ الْمَوَاعِيدُ قَدْ تَكُونُ لاَزِمَةً، فَيُجْعَل لاَزِمًا لِحَاجَةِ النَّاسِ. وَبِمَا لَوْ تَبَايَعَا بِلاَ ذِكْرِ شَرْطِ (الْوَفَاءِ) ثُمَّ شَرَطَاهُ، يَكُونُ مِنْ قَبِيل بَيْعِ الْوَفَاءِ، إِذِ الشَّرْطُ اللاَّحِقُ يُلْتَحَقُ بِأَصْل الْعَقْدِ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لاَ عِنْدَ صَاحِبَيْهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ لاِلْتِحَاقِهِ مَجْلِسَ الْعَقْدِ. ب - وَأَمَّا ابْتِنَاءُ الْعَقْدِ عَلَى الشَّرْطِ الْفَاسِدِ، كَمَا لَوْ شَرَطَا شَرْطًا فَاسِدًا قَبْل الْعَقْدِ، ثُمَّ عَقَدَا الْعَقْدَ، فَقَدْ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ عَدَمَ فَسَادِ الْعَقْدِ، لَكِنَّهُ حَقَّقَ ابْتِنَاءَ الْفَسَادِ لَوِ اتَّفَقَا عَلَى بِنَاءِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ: بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي بَيْعِ الْهَزْل. وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ الرَّمْلِيُّ - نَقْلاً عَنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ - فِي رَجُلَيْنِ تَوَاضَعَا عَلَى بَيْعِ الْوَفَاءِ قَبْل عَقْدِهِ، وَعَقَدَا الْبَيْعَ خَالِيًا عَنْ الشَّرْطِ: بِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى مَا تَوَاضَعَا عَلَيْهِ. (1) ثَانِيًا: مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: 11 - فَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فِي الشَّرْطِ الَّذِي يُتَصَوَّرُ حُصُولُهُ عِنْدَ الْبَيْعِ، فَقَالُوا: إِنَّهُ إِمَّا أَنْ لاَ يَقْتَضِيَهُ الْعَقْدُ وَيُنَافِيَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ. وَإِمَّا أَنْ يُخِل بِالثَّمَنِ. وَإِمَّا أَنْ يَقْتَضِيَهُ الْعَقْدُ، وَإِمَّا أَنْ لاَ يَقْتَضِيَهُ وَلاَ يُنَافِيَهُ. فَالَّذِي يَضُرُّ بِالْعَقْدِ وَيُبْطِلُهُ هُوَ الشَّرْطُ الَّذِي فِيهِ مُنَاقَضَةُ الْمَقْصُودِ مِنَ الْبَيْعِ، أَوْ إِخْلاَلٌ بِالثَّمَنِ، وَهَذَا عِنْدَهُمْ مَحْمَل حَدِيثِ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، دُونَ الأَْخِيرَيْنِ (2) . فَمِثَال الأَْوَّل، وَهُوَ الَّذِي لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَيُنَافِي الْمَقْصُودَ مِنْهُ - وَوَصَفَهُ ابْنُ جُزَيٍّ: بِاَلَّذِي يَقْتَضِي التَّحْجِيرَ عَلَى الْمُشْتَرِي - أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ لاَ يَبِيعَ السِّلْعَةَ لأَِحَدٍ أَصْلاً، أَوْ إِلاَّ مِنْ نَفَرٍ قَلِيلٍ، أَوْ لاَ يَهَبَهَا، أَوْ لاَ يَرْكَبَهَا، أَوْ لاَ يَلْبَسَهَا، أَوْ لاَ يَسْكُنَهَا، أَوْ لاَ يُؤَاجِرَهَا، أَوْ عَلَى أَنَّهُ إِنْ بَاعَهَا مِنْ أَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِالثَّمَنِ. أَوْ يَشْتَرِطَ الْخِيَارَ إِلَى أَمَدٍ بَعِيدٍ. __________ (1) رد المحتار 4 / 121 بتصرف. (2) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3 / 65، وشرح الخرشي 5 / 80. فَفِي هَذِهِ الأَْحْوَل كُلِّهَا يَبْطُل الشَّرْطُ وَالْبَيْعُ. (1) 12 - وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ مُنَافَاةِ الشَّرْطِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ بَعْضَ الصُّوَرِ: الأُْولَى: أَنَّهُ لَوْ طَلَبَ الْبَائِعُ مِنَ الْمُشْتَرِي الإِْقَالَةَ، فَقَال لَهُ الْمُشْتَرِي: عَلَى شَرْطٍ إِنْ بِعْتَهَا غَيْرِي فَأَنَا أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ. فَهَذِهِ الصُّورَةُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ عَدَمِ الْبَيْعِ مِنْ أَحَدٍ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ جَائِزَةٌ عِنْدَهُمْ، لأَِنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الإِْقَالَةِ مَا لاَ يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهَا (2) الثَّانِيَةُ: أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَقِفَ الْمَبِيعَ، أَوْ أَنْ يَهَبَهُ، أَوْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَهَذِهِ مِنَ الْجَائِزَاتِ، لأَِنَّهَا مِنْ أَلْوَانِ الْبِرِّ الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ الشَّرْعُ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يَبِيعَ أَمَةً بِشَرْطِ تَنْجِيزِ عِتْقِهَا، فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ مُنَافِيًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَهَذَا لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إِلَى الْحُرِّيَّةِ، بِخِلاَفِ اشْتِرَاطِ التَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ، وَاتِّخَاذِ الأَْمَةِ أُمَّ وَلَدٍ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّضْيِيقِ عَلَى الْمُشْتَرِي. 13 - أَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي، وَهُوَ الإِْخْلاَل بِالثَّمَنِ، فَهُوَ مُصَوَّرٌ بِأَمْرَيْنِ: الأَْوَّل: الْجَهْل بِالثَّمَنِ، وَهَذَا يَتَمَثَّل بِالْبَيْعِ __________ (1) القوانين الفقهية (171) ، والشرح الكبير وحاشية الدردير عليه 3 / 66، وشرح الخرشي 5 / 80. (2) الشرح الكبير 3 / 66. بِشَرْطِ السَّلَفِ، أَيِ الْقَرْضِ مِنْ أَحَدِهِمَا لِلآْخَرِ. فَإِنْ كَانَ شَرْطُ السَّلَفِ صَادِرًا مِنَ الْمُشْتَرِي، أَخَل ذَلِكَ بِالثَّمَنِ، لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى جَهْلٍ فِي الثَّمَنِ، بِسَبَبِ الزِّيَادَةِ؛ لأَِنَّ انْتِفَاعَهُ بِالسَّلَفِ مِنْ جُمْلَةِ الثَّمَنِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ. وَإِنْ كَانَ شَرْطُ السَّلَفِ صَادِرًا مِنَ الْبَائِعِ، أَخَل ذَلِكَ بِالثَّمَنِ، لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى جَهْلٍ فِي الثَّمَنِ، بِسَبَبِ النَّقْصِ؛ لأَِنَّ انْتِفَاعَهُ بِالسَّلَفِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُثَمَّنِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ. (1) الآْخَرُ: شُبْهَةُ الرِّبَا؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ بِشَرْطِ السَّلَفِ، يُعْتَبَرُ قَرْضًا جَرَّ نَفْعًا: فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الْمُقْتَرِضَ، صَارَ الْمُقْرِضُ لَهُ هُوَ الْبَائِعَ، فَيَنْتَفِعُ الْبَائِعُ بِزِيَادَةِ الثَّمَنِ - وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْمُقْتَرِضَ، صَارَ الْمُقْرِضُ لَهُ هُوَ الْمُشْتَرِيَ، فَيَنْتَفِعُ الْمُشْتَرِي بِنَقْصِ الثَّمَنِ. (2) وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ جُزَيٍّ فِي هَذَا الصَّدَدِ بِأَنَّ اشْتِرَاطَ السَّلَفِ مِنْ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ لاَ يَجُوزُ بِإِجْمَاعٍ (3) . 14 - أَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، فَهُوَ كَشَرْطِ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُشْتَرِي، __________ (1) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 66 بتصرف، وانظر أيضا شرح الخرشي 5 / 81. (2) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 67. (3) القوانين الفقهية (172) . وَالْقِيَامِ بِالْعَيْبِ، وَرَدِّ الْعِوَضِ عِنْدَ انْتِقَاضِ الْبَيْعِ، فَهَذِهِ الأُْمُورُ لاَزِمَةٌ دُونَ شَرْطٍ، لاِقْتِضَاءِ الْعَقْدِ إِيَّاهَا، فَشَرْطُهَا تَأْكِيدٌ - كَمَا يَقُول الدُّسُوقِيُّ (1) . 15 - وَأَمَّا الرَّابِعُ مِنَ الشُّرُوطِ، فَهُوَ كَشَرْطِ الأَْجَل الْمَعْلُومِ، وَالرَّهْنِ، وَالْخِيَارِ، وَالْحَمِيل (أَيِ الْكَفِيل) فَهَذِهِ الشُّرُوطُ لاَ تُنَافِي الْعَقْدَ، وَلاَ يَقْتَضِيهَا، بَل هِيَ مِمَّا تَعُودُ عَلَيْهِ بِمَصْلَحَةٍ، فَإِنْ شُرِطَتْ عُمِل بِهَا، وَإِلاَّ فَلاَ. وَصَحَّحُوا اشْتِرَاطَ الرَّهْنِ، وَلَوْ كَانَ غَائِبًا، وَتَوَقُّفَ السِّلْعَةِ حَتَّى يُقْبَضَ الرَّهْنُ الْغَائِبُ. أَمَّا اشْتِرَاطُ الْكَفِيل الْغَائِبِ فَجَائِزٌ إِنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ، لاَ إِنْ بَعُدَتْ، لأَِنَّهُ قَدْ يَرْضَى وَقَدْ يَأْبَى، فَاشْتُرِطَ فِيهِ الْقُرْبُ. 16 - وَقَدْ عَرَضَ ابْنُ جُزَيٍّ لِصُوَرٍ مِنَ الشَّرْطِ، تُعْتَبَرُ اسْتِثْنَاءً، أَوْ ذَاتَ حُكْمٍ خَاصٍّ، مِنْهَا هَذِهِ الصُّورَةُ، وَهِيَ: مَا إِذَا شَرَطَ الْبَائِعُ مَنْفَعَةً لِنَفْسِهِ، كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ أَوْ سُكْنَى الدَّارِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فَإِنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ، وَالشَّرْطَ صَحِيحٌ. (2) فَيَبْدُو أَنَّ هَذَا كَالاِسْتِثْنَاءِ مِنَ التَّفْصِيل الرُّبَاعِيِّ الْمُتَقَدِّمِ. (3) وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ __________ (1) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3 / 65. (2) الشرح الكبير 3 / 67، وحاشية الدسوقي عليه 3 / 65، والقوانين الفقهية (172) . (3) راجع (ف 11) من هذا البحث. الْمَعْرُوفُ وَهُوَ: أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ، قَدْ أَعْيَا، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ. قَال: وَلَحِقَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا لِي، وَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، فَقَال: بِعْنِيهِ، فَقُلْتُ: لاَ. ثُمَّ قَال: بِعْنِيهِ، فَبِعْتُهُ، وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلاَنَهُ إِلَى أَهْلِي وَفِي رِوَايَةٍ: وَشَرَطْتُ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ. (1) وَيَبْدُو أَنَّ هَذَا شَرْطٌ جَائِزٌ عِنْدَ كَثِيرِينَ، فَقَدْ عَلَّقَ الشَّوْكَانِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: وَهُوَ يَدُل عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ الرُّكُوبِ، وَبِهِ قَال الْجُمْهُورُ، وَجَوَّزَهُ مَالِكٌ إِذَا كَانَتْ مَسَافَةُ السَّفَرِ قَرِيبَةً، وَحَدَّهَا بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ. وَقَال الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ: لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ أَقَلَّتِ الْمَسَافَةُ أَمْ كَثُرَتْ (2) . وَالْحَدِيثُ - وَإِنْ كَانَ فِي الاِنْتِفَاعِ الْيَسِيرِ بِالْمَبِيعِ إِذَا كَانَ مِمَّا يُرْكَبُ مِنَ الْحَيَوَانِ - لَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَاسُوا عَلَيْهِ الاِنْتِفَاعَ الْيَسِيرَ بِكُل مَبِيعٍ بَعْدَ بَيْعِهِ، عَلَى سَبِيل الاِسْتِمْرَارِ، تَيْسِيرًا، نَظَرًا لِحَاجَةِ الْبَائِعِينَ. 17 - وَالْجَدِيرُ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، هُوَ أَنَّهُ: إِنْ أُسْقِطَ الشَّرْطُ الْمُخِل بِالْعَقْدِ، سَوَاءٌ أَكَانَ شَرْطًا يُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ مِنَ الْبَيْعِ كَاشْتِرَاطِ عَدَمِ بَيْعِ الْمَبِيعِ، أَمْ كَانَ شَرْطًا يُخِل بِالثَّمَنِ كَاشْتِرَاطِ __________ (1) حديث جابر " في اشتراطه الحمل على الجمل. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 314 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 221 ط عيسى الحلبي) . (2) نيل الأوطار 5 / 178، 179. السَّلَفِ مِنْ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ. وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْحَال سِوَى أَنْ يَكُونَ الإِْسْقَاطُ مَعَ قِيَامِ السِّلْعَةِ. فَقَدْ عَلَّل الْخَرَشِيُّ صِحَّةَ الْبَيْعِ هُنَا، بِحَذْفِ شَرْطِ السَّلَفِ، بِقَوْلِهِ: لِزَوَال الْمَانِعِ. (1) 18 - وَهَل يَسْتَوِي الْحُكْمُ فِي الإِْسْقَاطِ، فِي مِثْل شَرْطِ الْقَرْضِ، بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَبْل التَّمَكُّنِ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ؟ قَوْلاَنِ لَهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ: أ - فَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ، أَنَّهُ: إِذَا رُدَّ الْقَرْضُ عَلَى الْمُقْرِضِ، وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ، صَحَّ الْبَيْعُ، وَلَوْ بَعْدَ غَيْبَةِ الْمُقْتَرِضِ عَلَى الْقَرْضِ غَيْبَةً يُمْكِنُهُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ. ب - وَقَوْل سَحْنُونٍ وَابْنِ حَبِيبٍ، هُوَ: أَنَّ الْبَيْعَ يُنْقَضُ مَعَ الْغَيْبَةِ عَلَى الْقَرْضِ، وَلَوْ أُسْقِطَ شَرْطُ الْقَرْضِ، لِوُجُودِ مُوجِبِ الرِّبَا بَيْنَهُمَا، أَوْ لِتَمَامِ الرِّبَا بَيْنَهُمَا - كَمَا عَبَّرَ الشَّيْخُ الدَّرْدِيرُ - فَلاَ يَنْفَعُ الإِْسْقَاطُ. وَالْمُعْتَمَدُ الأَْوَّل عِنْدَ الدَّرْدِيرِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ، وَمَال الدُّسُوقِيُّ إِلَى الآْخَرِ، كَمَا يَبْدُو مِنْ كَلاَمِهِ __________ (1) انظر في هذا القوانين الفقهية (172) فقد صرح ابن جزي هنا بقوله: خلافا لهم، وانظر الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 67، وشرح الخرشي 5 / 81. وَنَقَلَهُ الآْخَرُ، فَقَدْ حَكَى تَشْهِيرَهُ، وَكَذَا الَّذِي يَبْدُو مِنْ كَلاَمِ الْعَدَوِيِّ (1) . وَهُنَا سُؤَالاَنِ يُطْرَحَانِ: 19 - السُّؤَال الأَْوَّل: مَا الَّذِي يَلْزَمُ لَوْ وَقَعَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْقَرْضِ، وَهُوَ الشَّرْطُ الْمُخِل بِالثَّمَنِ، وَفَاتَتِ السِّلْعَةُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، بِمُفَوِّتِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ (كَمَا لَوْ هَلَكَتْ) سَوَاءٌ أَسْقَطَ مُشْتَرِطُ الشَّرْطِ شَرْطَهُ، أَمْ لَمْ يُسْقِطْهُ؟ وَفِي الْجَوَابِ أَقْوَالٌ: الأَْوَّل: وَهَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ - إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُقْرِضُ هُوَ الْمُشْتَرِيَ أَوِ الْبَائِعَ: أ - فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي أَقْرَضَ الْبَائِعَ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَلْزَمُهُ الأَْكْثَرُ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ، وَمِنَ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ. فَإِذَا اشْتَرَاهَا بِعِشْرِينَ وَالْقِيمَةُ ثَلاَثُونَ، لَزِمَهُ ثَلاَثُونَ. ب - وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الَّذِي أَقْرَضَ الْمُشْتَرِيَ، فَعَلَى الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ الأَْقَل مِنَ الثَّمَنِ وَمِنَ الْقِيمَةِ، فَيَلْزَمُهُ فِي الْمِثَال الْمَذْكُورِ عِشْرُونَ، لأَِنَّهُ أَقْرَضَ لِيَزْدَادَ، فَعُومِل بِنَقِيضِ قَصْدِهِ. الثَّانِي: يُقَابِل الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ لُزُومُ __________ (1) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 67 مع بعض التصرف. وحاشية العدوي على شرح الخرشي 5 / 82. الْقِيمَةِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُسَلِّفُ هُوَ الْبَائِعَ أَمِ الْمُشْتَرِيَ. الثَّالِثُ: أَنَّ تَغْرِيمَ الْمُشْتَرِي الأَْقَل، إِذَا اقْتَرَضَ مِنَ الْبَائِعِ مَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَغِبْ عَلَى مَا اقْتَرَضَهُ، وَإِلاَّ لَزِمَهُ الْقِيمَةُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ. (1) وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ قِيَمِيًّا، فَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، فَإِنَّمَا يَجِبُ فِيهِ الْمِثْل، لأَِنَّهُ كَعَيْنِهِ، فَلاَ كَلاَمَ لِوَاحِدٍ، فَهُوَ بِمَثَابَةِ مَا لَوْ كَانَ قَائِمًا، وَرُدَّ. بِعَيْنِهِ. (2) السُّؤَال الثَّانِي: 20 - مَا الَّذِي يَلْزَمُ، لَوْ وَقَعَ الْبَيْعُ بِشَرْطٍ مُنَاقِضٍ لِلْمَقْصُودِ، وَفَاتَتِ السِّلْعَةُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، سَوَاءٌ أَأُسْقِطَ ذَلِكَ الشَّرْطُ، أَمْ لَمْ يُسْقَطْ؟ قَالُوا: الْحُكْمُ هُوَ: أَنَّ لِلْبَائِعِ الأَْكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ الْقَبْضِ وَمِنَ الثَّمَنِ، لِوُقُوعِ الْبَيْعِ بِأَنْقَصَ مِنَ الثَّمَنِ الْمُعْتَادِ، لأَِجْل الشَّرْطِ. (3) ثَالِثًا: مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ: 21 - الْتَزَمَ الشَّافِعِيَّةُ نَهْيَ الشَّارِعِ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ. وَالْتَزَمُوا حَدِيثَ ابْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ يَحِل سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلاَ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلاَ رِبْحُ مَا لَمْ __________ (1) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 67. (2) حاشية الدسوقي في الموضع نفسه. (3) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 67. يُضْمَنْ، وَلاَ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ (1) وَلَمْ يَسْتَثْنُوا إِلاَّ مَا ثَبَتَ اسْتِثْنَاؤُهُ بِالشَّرْعِ، وَقَلِيلاً مِمَّا رَأَوْا أَنَّهُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ أَوْ مَصَالِحِهِ، فَكَانَ مَذْهَبُهُمْ بِذَلِكَ أَضْيَقَ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَقَدْ قَسَّمَ بَعْضُهُمُ الشَّرْطَ، فَقَال: الشَّرْطُ إِمَّا أَنْ يَقْتَضِيَهُ مُطْلَقُ الْعَقْدِ، كَالْقَبْضِ وَالاِنْتِفَاعِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، أَوْ لاَ. فَالأَْوَّل: لاَ يَضُرُّ بِالْعَقْدِ. وَالثَّانِي - وَهُوَ الَّذِي لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ - إِمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ، كَشَرْطِ الرَّهْنِ، وَالإِْشْهَادِ وَالأَْوْصَافِ الْمَقْصُودَةِ - مِنَ الْكِتَابَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَالْخِيَارِ (2) وَنَحْوِ ذَلِكَ - أَوْ لاَ. فَالأَْوَّل: لاَ يُفْسِدُهُ، وَيَصِحُّ الشَّرْطُ نَفْسُهُ. وَالثَّانِي: - وَهُوَ الَّذِي لاَ يَتَعَلَّقُ بِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ - إِمَّا أَنْ لاَ يَكُونَ فِيهِ غَرَضٌ يُورِثُ تَنَازُعًا، كَشَرْطِ أَنْ لاَ تَأْكُل الدَّابَّةُ الْمَبِيعَةُ إِلاَّ كَذَا، فَهُوَ لاَغٍ، وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ غَرَضٌ يُورِثُ تَنَازُعًا، فَهَذَا هُوَ الْفَاسِدُ الْمُفْسِدُ، كَالأُْمُورِ الَّتِي تُنَافِي مُقْتَضَاهُ، نَحْوِ عَدَمِ الْقَبْضِ، وَعَدَمِ __________ (1) حديث: " لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع. . . ". أخرجه الترمذي (3 / 535 ط مصطفى الحلبي) . وقال: حسن صحيح. (2) هكذا في الأصل، وهل الصواب: والخبازة؟ . التَّصَرُّفِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. (1) وَخُلاَصَةُ هَذَا التَّقْسِيمِ: (1) أَنَّ اشْتِرَاطَ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، أَوْ يَتَعَلَّقُ بِمَصْلَحَتِهِ أَوْ بِصِحَّتِهِ، صَحِيحٌ. (2) وَأَنَّ اشْتِرَاطَ مَا لاَ غَرَضَ فِيهِ لاَغٍ، وَلاَ يُفْسِدُ الْعَقْدَ. (3) وَأَمَّا اشْتِرَاطُ مَا فِيهِ غَرَضٌ يُورِثُ تَنَازُعًا، فَهُوَ الشَّرْطُ الْمُفْسِدُ، وَذَلِكَ كَاشْتِرَاطِ مَا يُخَالِفُ مُقْتَضَاهُ. (2) 22 - وَمِنْ أَهَمِّ مَا نَصُّوا عَلَيْهِ تَطْبِيقًا لِلْحَدِيثَيْنِ وَلِهَذَا التَّقْسِيمِ: (1) الْبَيْعُ بِشَرْطِ بَيْعٍ، كَأَنْ يَقُول: بِعْتُكَ هَذِهِ الأَْرْضَ بِأَلْفٍ، عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي دَارَكَ بِكَذَا، أَوْ تَشْتَرِيَ مِنِّي دَارِي بِكَذَا، فَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ مُفْسِدٌ، لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ. (2) الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْقَرْضِ، كَأَنْ يَبِيعَهُ أَرْضَهُ بِأَلْفٍ، بِشَرْطِ أَنْ يُقْرِضَهُ مِائَةً، وَمِثْل الْقَرْضِ الإِْجَارَةُ، وَالتَّزْوِيجُ، وَالإِْعَارَةُ. (3) (3) شِرَاءُ زَرْعٍ بِشَرْطِ أَنْ يَحْصُدَهُ الْبَائِعُ، أَوْ ثَوْبٍ بِشَرْطِ أَنْ يَخِيطَهُ، وَمِنْهُ كَمَا يَقُول عَمِيرَةُ الْبُرُلُّسِيُّ: شِرَاءُ حَطَبٍ بِشَرْطِ أَنْ يَحْمِلَهُ إِلَى بَيْتِهِ، فَالْمَذْهَبُ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ بُطْلاَنُ الشِّرَاءِ، __________ (1) حاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 74، 75. (2) حاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 75 بتصرف. (3) تحفة المحتاج بشرح المنهاج، بحاشيتي الشرواني والعبادي 4 / 294، 295، وشرح المحلي بحاشيتي القليوبي وعميرة، وحاشية الجمل 3 / 74. لاِشْتِمَالِهِ عَلَى شَرْطِ عَمَلٍ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْهُ بَعْدُ، وَذَلِكَ فَاسِدٌ، وَلأَِنَّهُ - كَمَا قَال الإِْسْنَوِيُّ - شَرْطٌ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَيَبْطُل الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ فِي الأَْصَحِّ. وَإِنْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ قَوْلاَنِ آخَرَانِ فِي هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَيَلْزَمُ الشَّرْطُ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ، وَيُوَزَّعُ الْمُسَمَّى عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ. وَثَانِيهِمَا: يَبْطُل الشَّرْطُ، وَيَصِحُّ الْبَيْعُ بِمَا يُقَابِل الْمَبِيعَ مِنَ الْمُسَمَّى. (1) 23 - وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مَسَائِل مَعْدُودَةً مِنَ النَّهْيِ (2) صَحَّحُوهَا مَعَ الشَّرْطِ وَهِيَ: أ - الْبَيْعُ بِشَرْطِ الأَْجَل الْمُعَيَّنِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} (3) ب - الْبَيْعُ بِشَرْطِ الرَّهْنِ، وَقَيَّدُوهُ بِالْمَعْلُومِيَّةِ. ج - الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْكَفِيل الْمَعْلُومِ أَيْضًا، لِعِوَضٍ مَا، مِنْ مَبِيعٍ أَوْ ثَمَنٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ، وَذَلِكَ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِمَا فِي مُعَامَلَةِ مَنْ لاَ يَرْضَى إِلاَّ بِهِمَا. د - الإِْشْهَادُ عَلَى جَرَيَانِ الْبَيْعِ، لِلأَْمْرِ بِهِ فِي __________ (1) حاشية عميرة على شرح المحلي على المنهاج 2 / 177، وشرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 74، 75. (2) حاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 75، 76 نقلها الشيخ الجمل عن شرح القسطلاني على البخاري نصا. (3) سورة البقرة 282. الآْيَةِ قَال تَعَالَى: {وَأُشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} . (1) هـ - الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، لِثُبُوتِهِ بِحَدِيثِ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ، الْمَعْرُوفِ (2) . 24 - الْبَيْعُ بِشَرْطِ عِتْقِ الْمَبِيعِ، وَفِيهِ أَقْوَالٌ عِنْدَ هُمْ: الْقَوْل الأَْوَّل: وَهُوَ أَصَحُّهَا، أَنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ، وَالْبَيْعَ صَحِيحٌ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ، فَاشْتَرَطُوا وَلاَءَهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ (3) وَلَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ شَرْطَ الْوَلاَءِ لَهُمْ، إِذْ قَال: مَا بَال أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ (4) وَلأَِنَّ اسْتِعْقَابَ الْبَيْعِ الْعِتْقَ عَهْدٌ فِي شِرَاءِ الْقَرِيبِ، فَاحْتُمِل شَرْطُهُ. وَلِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْعِتْقِ. عَلَى أَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلْمُشْتَرِي، دُنْيَا بِالْوَلاَءِ، __________ (1) سورة البقرة / 282. (2) الحديث (سبق تخريجه ف 9) . (3) حديث: " إنما الولاء لمن أعتق. . . " أخرجه البخاري. (فتح الباري 4 / 376 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1145 ط عيسى الحلبي) . (4) حديث: " من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل. . . " سبق تخريجه (ف 1) . وَأُخْرَى بِالثَّوَابِ، وَلِلْبَائِعِ بِالتَّسَبُّبِ فِيهِ. (1) الْقَوْل الثَّانِي: أَنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ وَالْبَيْعَ بَاطِلٌ، كَمَا لَوْ شَرَطَ بَيْعَهُ أَوْ هِبَتَهُ. وَالْقَوْل الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَيَبْطُل الشَّرْطُ. (2) 25 - وَمِمَّا اسْتَثْنَاهُ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا مِنَ النَّهْيِ: شَرْطُ الْوَلاَءِ لِغَيْرِ الْمُشْتَرِي مَعَ الْعِتْقِ، فِي أَضْعَفِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَهُمْ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَبْطُل الشَّرْطُ، لِظَاهِرِ حَدِيثِ بَرِيرَةَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاَءَ. (3) لَكِنَّ الأَْصَحَّ بُطْلاَنُ الشَّرْطِ وَالْبَيْعِ فِي هَذِهِ الْحَال، لِمَا تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ، مِنْ أَنَّ الْوَلاَءَ لِمَنْ أَعْتَقَ. فَأَجَابَ هَؤُلاَءِ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاَءَ بِأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يَقَعْ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، وَبِأَنَّهُ خَاصٌّ بِقَضِيَّةِ عَائِشَةَ، وَبِأَنَّ قَوْلَهُ: لَهُمْ بِمَعْنَى: عَلَيْهِمْ (4) 26 - وَمِمَّا اسْتَثْنَوْهُ أَيْضًا: شَرْطُ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعُيُوبِ فِي الْمَبِيعِ، لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ الْبَائِعُ فِيهِ إِلَى __________ (1) تحفة المحتاج 4 / 300. (2) حاشية الجمل 3 / 75، 76 وانظر أيضا شرح المنهج فيه 3 / 76. (3) حديث: " الولاء لمن أعتق. . . " سبق تخريجه (ف 24) . (4) حاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 76، وانظر شرح المحلي على المنهاج 2 / 180. شَرْطِ الْبَرَاءَةِ، لِيَثِقَ بِلُزُومِ الْبَيْعِ فِيمَا لاَ يَعْلَمُهُ مِنَ الْخَفِيِّ، دُونَ مَا يَعْلَمُهُ، مُطْلَقًا فِي حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَالْبَيْعُ مَعَ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ صَحِيحٌ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَصَحَّ الشَّرْطُ أَمْ لَمْ يَصِحَّ، لأَِنَّهُ شَرْطٌ يُؤَكِّدُ الْعَقْدَ، وَيُوَافِقُ ظَاهِرَ الْحَال، وَهُوَ السَّلاَمَةُ مِنَ الْعُيُوبِ. (1) وَتَأَيَّدَ هَذَا بِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: بَاعَ عَبْدًا لَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، بِالْبَرَاءَةِ فَقَال لَهُ الْمُشْتَرِي: بِهِ دَاءٌ لَمْ تُسَمِّهِ لِي. فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَضَى عَلَى ابْنِ عُمَرَ أَنْ يَحْلِفَ: لَقَدْ بَاعَهُ الْعَبْدَ وَمَا بِهِ دَاءٌ يَعْلَمُهُ، فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ، وَارْتَجَعَ الْعَبْدَ، فَبَاعَهُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ. (2) قَالُوا: فَدَل قَضَاءُ عُثْمَانَ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ عَلَى جَوَازِ اشْتِرَاطِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعَيْبِ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، فَصَارَ مِنَ الإِْجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ. (3) 27 - وَمِمَّا اسْتَثْنَوْهُ أَيْضًا: أ - شَرْطُ نَقْل الْمَبِيعِ مِنْ مَكَانِ الْبَائِعِ، قَالُوا: __________ (1) شرح المنهج 3 / 132، 133. (2) أثر ابن عمر " أنه باع عبدا. . . إلخ " ذكره شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في شرح المنهج (3 / 132 ط الميمنية) ، وعزاه إلى البيهقي، ونقل عنه أنه صححه، ولم نجده في كتاب السنن للبيهقي، فلعله في أحد كتبه الأخرى. (3) انظر شرح المنهج، وحاشية الجمل عليه 3 / 132، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 178. لأَِنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ. (1) ب - شَرْطُ قَطْعِ الثِّمَارِ أَوْ تَبْقِيَتِهَا بَعْدَ صَلاَحِهَا وَنُضْجِهَا، فَهُوَ جَائِزٌ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، كَمَا أَنَّهُ جَائِزٌ بَيْعُهَا بَعْدَ النُّضْجِ مُطْلَقًا مِنَ الشَّرْطِ. لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا. (2) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تَتَبَايَعُوا الثِّمَارَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا (3) فَالْحَدِيثُ يَدُل عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الثَّمَرِ بَعْدَ بَدْوِ صَلاَحِهِ، وَهُوَ صَادِقٌ بِكُل الأَْحْوَال الثَّلاَثَةِ: بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَبِشَرْطِ قَطْعِهِ، وَبِشَرْطِ إِبْقَائِهِ. (4) ج - شَرْطُ أَنْ يَعْمَل الْبَائِعُ عَمَلاً مَعْلُومًا فِي الْمَبِيعِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِشَرْطِ أَنْ يَخِيطَهُ الْبَائِعُ، فِي أَضْعَفِ أَقْوَالٍ ثَلاَثَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ. (5) د - اشْتِرَاطُ وَصْفٍ مَقْصُودٍ فِي الْمَبِيعِ عُرْفًا، كَكَوْنِ الدَّابَّةِ حَامِلاً أَوْ ذَاتَ لَبَنٍ، فَالشَّرْطُ __________ (1) حاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 76. (2) حديث: " نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 394 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1167 ط الحلبي) ، واللفظ للبخاري. (3) حديث: " لا تتبايعوا الثمار حتى يبدو صلاحها. . . " أخرجه مسلم (3 / 1167 ط الحلبي) . (4) شرح المحلي على المنهاج 2 / 233. (5) راجع (ف 22) من هذا البحث. صَحِيحٌ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إِنْ تَخَلَّفَ الشَّرْطُ. قَالُوا: وَوَجْهُ الصِّحَّةِ: أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يَتَعَلَّقُ بِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ. (1) وَلأَِنَّهُ الْتِزَامٌ مَوْجُودٌ عِنْدَ الْعَقْدِ وَلاَ يَتَوَقَّفُ الْتِزَامُهُ عَلَى إِنْشَاءِ أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، ذَاكَ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ الشَّرْطِ، فَلَمْ يَشْمَلْهُ النَّهْيُ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ. (2) هـ - اشْتِرَاطُ أَنْ لاَ يُسَلِّمَ الْمَبِيعَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ. و شَرْطُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، لأَِنَّهُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ. (3) ز - خِيَارُ الرُّؤْيَةِ فِيمَا إِذَا بَاعَ مَا لَمْ يَرَهُ، عَلَى الْقَوْل بِصِحَّتِهِ، لِلْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ. (4) رَابِعًا: مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: 28 - قَسَّمَ الْحَنَابِلَةُ الشُّرُوطَ فِي الْبَيْعِ إِلَى قِسْمَيْنِ: الأَْوَّل: صَحِيحٌ لاَزِمٌ، لَيْسَ لِمَنِ اشْتُرِطَ عَلَيْهِ فَكُّهُ. الآْخَرُ: فَاسِدٌ يَحْرُمُ اشْتِرَاطُهُ. (1) فَالأَْوَّل: وَهُوَ الشَّرْطُ الصَّحِيحُ اللاَّزِمُ، ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ: __________ (1) شرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 78 - 80، وشرح المحلي وحاشية القليوبي عليه 2 / 180، 181. (2) تحفة المحتاج 4 / 305، والواو الزائدة في النص من حاشية الشرواني عليها. (3) شرح المحلي على المنهاج 2 / 180. (4) حاشية الجمل 3 / 76. أَحَدُهَا: مَا هُوَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، كَالتَّقَابُضِ، وَحُلُول الثَّمَنِ، وَتَصَرُّفِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ، وَخِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَالرَّدِّ بِعَيْبٍ قَدِيمٍ. فَهَذَا الشَّرْطُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، لاَ يُفِيدُ حُكْمًا، وَلاَ يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْدِ، لأَِنَّهُ بَيَانٌ وَتَأْكِيدٌ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ. (1) الثَّانِي: شَرْطٌ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ، أَيْ تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةٌ تَعُودُ عَلَى الْمُشْتَرِطِ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ: الْخِيَارُ، وَالشَّهَادَةُ، أَوِ اشْتِرَاطُ صِفَةٍ فِي الثَّمَنِ، كَتَأْجِيلِهِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ، أَوْ رَهْنِ مُعَيَّنٍ بِهِ، أَوْ كَفِيلٍ مُعَيَّنٍ بِهِ، أَوِ اشْتِرَاطِ صِفَةٍ مَقْصُودَةٍ فِي الْمَبِيعِ، كَالصِّنَاعَةِ وَالْكِتَابَةِ، أَوِ اشْتِرَاطِ كَوْنِ الدَّابَّةِ ذَاتَ لَبَنٍ، أَوْ غَزِيرَةَ اللَّبَنِ، أَوِ الْفَهْدِ صَيُودًا، أَوِ الطَّيْرِ مُصَوِّتًا، أَوْ يَبِيضُ، أَوْ يَجِيءُ مِنْ مَسَافَةٍ مَعْلُومَةٍ، أَوْ كَوْنِ خَرَاجِ الأَْرْضِ كَذَا. . فَيَصِحُّ الشَّرْطُ فِي كُل مَا ذُكِرَ، وَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، (2) وَذَلِكَ لِحَدِيثِ: الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ إِلاَّ شَرْطًا أَحَل حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً، (3) وَلأَِنَّ الرَّغَبَاتِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ ذَلِكَ، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ لَفَاتَتِ الْحِكْمَةُ الَّتِي لأَِجْلِهَا شُرِعَ الْبَيْعُ. __________ (1) كشاف القناع 3 / 189، والمغني 4 / 285. (2) كشاف القناع 3 / 189، 190، والمغني 4 / 285، 286. (3) حديث: " المسلمون على شروطهم. . . " سبق تخريجه (ف 1) . فَهَذَا الشَّرْطُ إِنْ وَفَّى بِهِ لَزِمَ، وَإِلاَّ فَلِلْمُشْتَرَطِ لَهُ الْفَسْخُ لِفَوَاتِهِ، أَوْ أَرْشُ فَقْدِ الصِّفَةِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الرَّدُّ تَعَيَّنَ أَرْشُ فَقْدِ الصِّفَةِ، كَالْمَعِيبِ إِذَا تَلِفَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي. (1) الثَّالِثُ: شَرْطٌ لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَلاَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، وَلاَ يُنَافِي مُقْتَضَاهُ، لَكِنْ فِيهِ نَفْعًا مَعْلُومًا لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي. أ - كَمَا لَوْ شَرَطَ الْبَائِعُ سُكْنَى الدَّارِ الْمَبِيعَةِ شَهْرًا، أَوْ أَنْ تَحْمِلَهُ الدَّابَّةُ (أَوِ السَّيَّارَةُ) إِلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِحَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ بَاعَ جَمَلَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ قَال فَبِعْتُهُ وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلاَنَهُ إِلَى أَهْلِي (2) وَحَدِيثِ: جَابِرٍ أَيْضًا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ، وَالثُّنْيَا إِلاَّ أَنْ تُعْلَمَ (3) وَالْمُرَادُ بِالثُّنْيَا الاِسْتِثْنَاءُ. وَقِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ بَاعَهُ دَارًا مُؤَجَّرَةً. وَمِثْل مَا تَقَدَّمَ أَيْضًا: اشْتِرَاطُ الْبَائِعِ أَنْ يَحْبِسَ الْمَبِيعَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ ثَمَنَهُ، وَكَذَا اشْتِرَاطُهُ __________ (1) كشاف القناع 3 / 189، 190. (2) حديث جابر: أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 314 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1221 ط عيسى الحلبي) . (3) حديث: " نهى عن المحاقلة والمزابنة والثنيا إلا أن تعلم. . . " أخرجه مسلم (3 / 1175 ط عيسى الحلبي) ، والبخاري (فتح الباري 5 / 50 ط السلفية) ، دون قوله " والثنيا إلا أن تعلم " وأخرج الترمذي (3 / 85 ط الحلبي) الشطر المذكور " والثنيا إلا أن تعلم ". الْمَنْفَعَةَ لِغَيْرِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فَلَوْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ الْمُشْتَرَطِ اسْتِثْنَاءُ نَفْعِهَا، قَبْل اسْتِيفَاءِ الْبَائِعِ النَّفْعَ: فَإِنْ كَانَ التَّلَفُ بِفِعْل الْمُشْتَرِي وَتَفْرِيطِهِ، لَزِمَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، لِتَفْوِيتِهِ الْمَنْفَعَةَ الْمُسْتَحَقَّةَ عَلَى مُسْتَحِقِّهَا. وَإِنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْعِوَضُ. (1) ب - وَكَمَا لَوْ شَرَطَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ حَمْل الْحَطَبِ، أَوْ تَكْسِيرَهُ، أَوْ خِيَاطَةَ ثَوْبٍ، أَوْ تَفْصِيلَهُ، أَوْ حَصَادَ زَرْعٍ، أَوْ جَزَّ رُطَبِهِ، فَيَصِحُّ إِنْ كَانَ النَّفْعُ مَعْلُومًا، وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ فِعْلُهُ. وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِل مَتَاعَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَالْبَائِعُ لاَ يَعْرِفُهُ، فَلَهُمْ فِيهِ وَجْهَانِ. (2) ثُمَّ إِنْ تَعَذَّرَ الْعَمَل الْمَشْرُوطُ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ، أَوِ اسْتَحَقَّ النَّفْعَ بِالإِْجَارَةِ الْخَاصَّةِ، أَوْ تَعَذَّرَ بِمَوْتِ الْبَائِعِ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِعِوَضِ ذَلِكَ النَّفْعِ، كَمَا لَوِ انْفَسَخَتِ الإِْجَارَةُ بَعْدَ قَبْضِ عِوَضِهَا، رَجَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِعِوَضِ الْمَنْفَعَةِ. وَإِنْ تَعَذَّرَ الْعَمَل عَلَى الْبَائِعِ بِمَرَضٍ، أُقِيمَ مَقَامَهُ مَنْ يَعْمَل، وَالأُْجْرَةُ عَلَى الْبَائِعِ، كَمَا فِي الإِْجَارَةِ. (3) 29 - اسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ مِنْ جَوَازِ اشْتِرَاطِ النَّفْعِ __________ (1) كشاف القناع 3 / 191. (2) نفس المرجع. (3) كشاف القناع 3 / 192. الْمَعْلُومِ، مَا لَوْ جَمَعَ فِي الاِسْتِثْنَاءِ بَيْنَ شَرْطَيْنِ، وَكَانَا صَحِيحَيْنِ: كَحَمْل الْحَطَبِ وَتَكْسِيرِهِ، أَوْ خِيَاطَةِ الثَّوْبِ وَتَفْصِيلِهِ، فَإِنَّ الْبَيْعَ لاَ يَصِحُّ، لِحَدِيثِ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ يَحِل سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلاَ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلاَ رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلاَ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ. (1) أَمَّا إِنْ كَانَ الشَّرْطَانِ الْمَجْمُوعَانِ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، كَاشْتِرَاطِ حُلُول الثَّمَنِ مَعَ تَصَرُّفِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِيمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِلاَ خِلاَفٍ. أَوْ يَكُونَا مِنْ مَصْلَحَةِ الْبَيْعِ، كَاشْتِرَاطِ رَهْنٍ وَكَفِيلٍ مُعَيَّنَيْنِ بِالثَّمَنِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ، كَمَا لَوْ كَانَا مِنْ مُقْتَضَاهُ. (2) (2) وَالآْخَرُ: وَهُوَ الشَّرْطُ الْفَاسِدُ الْمُحَرَّمُ، تَحْتَهُ أَيْضًا ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ: النَّوْعُ الأَْوَّل: 30 - أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ عَقْدًا آخَرَ: كَعَقْدِ سَلَمٍ، أَوْ قَرْضٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ إِجَارَةٍ، أَوْ شَرِكَةٍ، فَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ، يَفْسُدُ بِهِ الْبَيْعُ، سَوَاءٌ اشْتَرَطَهُ الْبَائِعُ أَمِ الْمُشْتَرِي. وَهَذَا مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ، وَإِنْ كَانَ بُطْلاَنُ __________ (1) حديث: " لا يحل سلف وبيع. . . . " سبق تخريجه (ف 21) . (2) كشاف القناع 3 / 191، 192. وانظر أيضا المغني 4 / 285، والشرح الكبير في ذيله 4 / 52، 53. الشَّرْطِ وَحْدَهُ احْتِمَالاً عِنْدَهُمْ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ. (1) وَدَلِيل الْمَشْهُورِ: أ - أَنَّهُ بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ، وَأَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ. (2) وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ. ب - وَقَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: صَفْقَتَانِ فِي صَفْقَةٍ رِبًا. ج - وَلأَِنَّهُ شَرَطَ عَقْدًا فِي آخَرَ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَنِكَاحِ الشِّغَارِ. وَكَذَلِكَ كُل مَا كَانَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، مِثْل أَنْ يَقُول: بِعْتُكَ دَارِي بِكَذَا عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَكَ، أَوْ عَلَى أَنْ تُنْفِقَ عَلَى دَابَّتِي، أَوْ عَلَى حِصَّتِي مِنْ ذَلِكَ، قَرْضًا أَوْ مَجَّانًا. (3) النَّوْعُ الثَّانِي: 31 - أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهُ. مِثْل: أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ لاَ يَبِيعَ الْمَبِيعَ، وَلاَ يَهَبَهُ، وَلاَ يُعْتِقَهُ، أَوْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ، أَوْ يَقِفَهُ، أَوْ أَنَّهُ مَتَى نَفَقَ (هَلَكَ) الْمَبِيعُ فَبِهَا، وَإِلاَّ رَدَّهُ، أَوْ إِنْ غَصَبَهُ غَاصِبٌ رَجَعَ __________ (1) راجع الإنصاف 4 / 349، 350. (2) حديث: " نهى عن بيعتين. . . " أخرجه أحمد (2 / 432 ط الميمنية) ، والترمذي (3 / 533 ط مصطفى الحلبي) . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (3) كشاف القناع 3 / 193، وانظر أيضا المغني 4 / 286، والشرح الكبير في ذيله 4 / 53. عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ فَالْوَلاَءُ لَهُ، فَهَذِهِ وَمَا أَشْبَهَهَا شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ. وَفِي فَسَادِ الْبَيْعِ بِهَا رِوَايَتَانِ فِي الْمَذْهَبِ. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ، وَلاَ يُبْطِلُهُ الشَّرْطُ، بَل يَبْطُل الشَّرْطُ فَقَطْ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْطَل الشَّرْطَ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ الْمَعْرُوفِ، وَلَمْ يُبْطِل الْعَقْدَ. (1) 32 - وَقَدِ اسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ الْبَاطِل الْعِتْقَ، فَيَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي، لِحَدِيثِ بَرِيرَةَ الْمَذْكُورِ، وَيُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعِتْقِ إِنْ أَبَاهُ، لأَِنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى كَالنَّذْرِ، فَإِنِ امْتَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ عِتْقِهِ أَعْتَقَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ عِتْقٌ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، لِكَوْنِهِ قُرْبَةً الْتَزَمَهَا، كَالنَّذْرِ. (2) 33 - وَبِنَاءً عَلَى الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَبِفَسَادِ الشَّرْطِ فَقَطْ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِمْ - فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلَّذِي فَاتَ غَرَضُهُ بِفَسَادِ الشَّرْطِ، مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، سَوَاءٌ أَعَلِمَ بِفَسَادِ الشَّرْطِ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ - مَا يَلِي: أ - فَسْخُ الْبَيْعِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ مَا دَخَل عَلَيْهِ مِنَ الشَّرْطِ. ب - لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ بِمَا نَقَصَهُ الشَّرْطُ مِنَ الثَّمَنِ بِإِلْغَاءِ الشَّرْطِ، لأَِنَّهُ إِنَّمَا بَاعَ بِنَقْصٍ، لِمَا __________ (1) حديث بريرة سبق تخريجه (ف 24) . (2) كشاف القناع 3 / 194. يَحْصُل لَهُ مِنَ الْغَرَضِ الَّذِي اشْتَرَطَهُ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُل لَهُ غَرَضُهُ رَجَعَ بِالنَّقْصِ. ج - وَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ بِزِيَادَةِ الثَّمَنِ بِإِلْغَاءِ الشَّرْطِ، لأَِنَّهُ إِنَّمَا اشْتَرَى بِزِيَادَةِ الثَّمَنِ، لِمَا يَحْصُل لَهُ مِنَ الْغَرَضِ الَّذِي اشْتَرَطَهُ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُل لَهُ غَرَضُهُ رَجَعَ بِالزِّيَادَةِ الَّتِي سَمَحَ بِهَا، كَمَا لَوْ وَجَدَهُ مَعِيبًا. فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَبَيْنَ أَخْذِ أَرْشِ النَّقْصِ. وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَبَيْنَ أَخْذِ مَا زَادَهُ عَلَى الثَّمَنِ. (1) وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا احْتِمَال ثُبُوتِ الْخِيَارِ، بِدُونِ الرُّجُوعِ بِشَيْءٍ، وَذَلِكَ: قِيَاسًا عَلَى مَنْ شَرَطَ رَهْنًا أَوْ ضَمِينًا، فَامْتَنَعَ الرَّاهِنُ وَالضَّمِينُ. وَلأَِنَّهُ مَا يَنْقُصُهُ الشَّرْطُ مِنَ الثَّمَنِ مَجْهُولٌ، فَيَصِيرُ الثَّمَنُ مَجْهُولاً. وَلأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحْكُمْ لأَِرْبَابِ بَرِيرَةَ بِشَيْءٍ، مَعَ فَسَادِ الشَّرْطِ، وَصِحَّةِ الْبَيْعِ. (2) النَّوْعُ الثَّالِثُ: 34 - أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ أَوِ الْمُشْتَرِي شَرْطًا يُعَلِّقُ عَلَيْهِ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، كَقَوْل الْبَائِعِ: بِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِي بِكَذَا، أَوْ بِعْتُكَ إِنْ رَضِيَ فُلاَنٌ، وَكَقَوْل __________ (1) المرجع نفسه، وانظر المغني 4 / 287، والشرح الكبير في ذيله 4 / 54. (2) الشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 54، 55. الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ إِنْ جَاءَ زَيْدٌ، فَلاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَذَلِكَ لأَِنَّ مُقْتَضَى الْبَيْعِ نَقْل الْمِلْكِ حَال التَّبَايُعِ، وَالشَّرْطُ هُنَا يَمْنَعُهُ. وَلأَِنَّهُ عَلَّقَ الْبَيْعَ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا إِذَا قَال: بِعْتُكَ إِذَا جَاءَ آخِرُ الشَّهْرِ. وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ قَوْل الْبَائِعِ: بِعْتُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَقَوْل الْمُشْتَرِي: قَبِلْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبَيْعَ الْعُرْبُونِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ، لأَِنَّ نَافِعَ بْنَ الْحَارِثِ اشْتَرَى لِعُمَرَ دَارَ السِّجْنِ مِنْ صَفْوَانَ، فَإِنْ رَضِيَ عُمَرُ، وَإِلاَّ لَهُ كَذَا وَكَذَا. (1) (ر: مُصْطَلَحُ عُرْبُون) بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ: 35 - وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ. (2) وَوَرَدَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَال: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ. (3) وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: جَمْعُ بَيْعَتَيْنِ فِي عَقْدٍ __________ (1) كشاف القناع 3 / 195، والشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 58. (2) سبق تخريجه. (3) حديث: " نهى عن صفقتين. . . " أخرجه أحمد (1 / 398 ط الميمنية) ، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند (2 / 295 ط دار المعارف) . وَاحِدٍ. وَتَسْمِيَةُ ذَلِكَ الْعَقْدِ بَيْعَتَيْنِ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الثَّمَنِ. (1) وَأَشَارَ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى تَوَهُّمِ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَل حَدِيثُ الْبَيْعَتَيْنِ أَخَصُّ مِنْ حَدِيثِ الصَّفْقَتَيْنِ؛ لأَِنَّ الأَْوَّل خُصُوصُ صَفْقَةٍ مِنَ الصَّفَقَاتِ، وَهِيَ الْبَيْعُ، (2) وَأَمَّا حَدِيثُ الصَّفْقَتَيْنِ فَهُوَ أَعَمُّ لِشُمُولِهِ الْبَيْعَ وَغَيْرَهُ، كَالإِْجَارَةِ. وَاخْتَلَفَتِ الصُّوَرُ الَّتِي أَلْقَاهَا الْفُقَهَاءُ لِتَصَوُّرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ) . |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
1 - البيع
• * أقسام العقود ثلاثة:. • * حكمة مشروعية البيع:. • * شروط صحة البيع:. • * ينعقد البيع بإحدى صفتين:. • * فضل الورع في المعاملات:. • * فضل الكسب الحلال:. • * فضل السماحة في البيع والشراء:. • * خطر كثرة الحلف في البيع:. • مفاتيح الرزق وأسبابه:. • * التبكير في طلب الرزق:. • * تقوى الله عز وجل:. • * اجتناب المعاصي:. • * التوكل على الله عز وجل:. • * التفرغ لعبادة الله عز وجل:. • * المتابعة بين الحج والعمرة:. • * الإنفاق في سبيل الله تعالى:. • * الإنفاق على من تفرغ لطلب العلم الشرعي:. • * صلة الرحم:. • * إكرام الضعفاء والإحسان إليهم:. • * الهجرة في سبيل الله:. • * المحرمات في الشرع نوعان:. • * صور من البيوع المحرمة:. • * حكم التأمين التجاري:. • * حكم بيع التقسيط:. • * حكم المحاقلة:. • * حكم المزابنة:. • * بيوع الغرر تجر مفسدتين كبيرتين:. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* حكمة مشروعية البيع:
لما كانت النقود والسلع والعروض موزعة بين الناس كلهم، وحاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه وهو لا يبذله بغير عوض. وفي إباحة البيع قضاء لحاجته ووصول إلى غرضه، وإلا لجأ الناس إلى النهب والسرقة والحيل والمقاتلة. لذا أحل الله البيع لتحقيق تلك المصالح وإطفاء تلك الشرور، وهو جائز بالإجماع، قال الله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة/275). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* شروط صحة البيع:
1 - التراضي من البائع والمشتري إلا من أكره بحق. 2 - أن يكون العاقد جائز التصرف بأن يكون كل منهما حراً مكلفاً رشيداً. 3 - أن يكون المبيع مما يباح الانتفاع به مطلقاً، فلا يجوز بيع ما لا نفع فيه كالبعوض والصراصير، ولا ما نفعه محرم كالخمر والخنزير، ولا ما فيه منفعة لا تباح إلا حال الحاجة والاضطرار كالكلب، والميتة، إلا السمك والجراد. 4 - أن يكون المبيع مملوكاً للبائع، أو مأذوناً له في بيعه وقت العقد. 5 - أن يكون المبيع معلوماً للمتعاقدين برؤية أو صفة. 6 - أن يكون الثمن معلوماً. 7 - أن يكون المبيع مقدوراً على تسليمه، فلا يصح بيع السمك في البحر، أو الطير في الهواء ونحوهما؛ لوجود الغرر، وهذه الشروط لدفع الظلم والغرر والربا عن الطرفين. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* ينعقد البيع بإحدى صفتين:
1 - قولية: بأن يقول البائع: بعتك أو ملكتك أو نحوهما، ويقول المشتري: اشتريت، أو قبلت، ونحوهما مما جرى به العرف. 2 - فعلية: وهي المعاطاة كأن يقول: أعطني بعشرة ريالات لحماً فيعطيه بلا قول، ونحو ذلك مما جرى به العرف إذا حصل التراضي. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* فضل السماحة في البيع والشراء:
ينبغي أن يكون الإنسان في معاملته سهلاً سمحاً حتى ينال رحمة الله. عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى)). أخرجه البخاري (¬1). ¬_________ (¬1) أخرجه البخاري برقم (2076). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* خطر كثرة الحلف في البيع:
الحلف في البيع منفقة للسلعة، ممحقة للربح، وقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ((إياكم وكثرة الحلف في البيع، فإنه ينفق ثم يمحق)). أخرجه مسلم (¬1). * الصدق في البيع والشراء سبب لحصول البركة، والكذب سبب لمحق البركة. ¬_________ (¬1) أخرجه مسلم برقم (1607). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* مسائل تتعلق بالبيع والشراء:
1 - التسعير: هو وضع ثمن محدد للسلع، بحيث لا يظلم المالك ولا يرهق المشتري. * يحرم التسعير إذا تضمن ظلم الناس، أو إكراههم بغير حق بشيء لا يرضونه، أو منعهم مما أباح الله لهم. * يجوز التسعير إذا كانت لا تتم مصلحة الناس إلا به كأن يمتنع أصحاب السلع من بيعها إلا بزيادة مع حاجة الناس إليها، فتسعر بقيمة المثل لا ضرر ولا ضرار. 2 - الاحتكار: هو شراء السلع وحبسها لتقل بين الناس فيرتفع سعرها. * الاحتكار حرام؛ لما فيه من الجشع والطمع والتضييق على الناس، ومن احتكر فهو خاطئ. 3 - التورق: إذا احتاج الإنسان إلى نقد ولم يجد من يقرضه فيجوز أن يشتري سلعة إلى أجل ثم يبيعها على غير الأول وينتفع بثمنها. |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
1 - كتاب البيع
- البيع: هو مبادلة مال بمال على سبيل التراضي. - فقه المعاملات: امتثال أوامر الله عز وجل كله عبادة، فالمسلم كما يعبد الله في مسجده، كذلك يعبده في سوقه، وفي بيعه وشرائه، وفي أخذه وعطائه، فأحكام الله عز وجل على الإنسان كاملة تستغرق جميع أوقاته وأحواله. والمسلم يعمل في أي عمل كسبي مشروع لتنفيذ أمر الله في ذلك العمل .. وإرضاء ربه بامتثال أوامره .. وإحياء سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ذلك العمل .. وفعل الأسباب المأمور بها شرعاً .. والتوكل على الله وحده في جلب الرزق .. ثم الله بعد ذلك يرزقه رزقاً حسناً .. ويوفقه لأن يصرفه في مصرف حسن. ومعرفة أحكام الحلال والحرام، والبيع والشراء، والأخذ والعطاء، تبصِّر الناس بمعرفة أحكام الله التي شرعها لعباده. فيأخذون الحلال الطيب الذي أحله الله ورسوله، ويجتنبون المعاملات والأشياء المحرمة الخبيثة. وفي ذلك نفع للمسلمين .. وتكميل لعبوديتهم لربهم .. وسلامة لهم من الوقوع في المحرمات والمشتبهات والعقوبات. 1 - قال الله تعالى: {{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}} [المائدة:3]. 2 - وقال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
أركان البيع
- أركان البيع: أركان البيع ثلاثة: 1 - العاقد: وهو البائع والمشتري. 2 - المعقود عليه: وهو السلعة والثمن. 3 - الصيغة: وهي الإيجاب والقبول حسب العرف. - صور البيع: للبيع ثلاث صور: الأولى: بيع الثمن بالثمن، سواء كان مع اتحادهما كبيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، أو مع اختلافهما كبيع الذهب بالفضة أو العكس. الثانية: بيع المثمن بالمثمن، كبيع الأرض بالأرض، والسيارة بالسيارة ونحو ذلك من العروض والسلع. الثالثة: بيع المثمن بالثمن، وهو البيع الشائع المعروف، تدفع الذهب أو الفضة أو ما في حكمهما من الأوراق النقدية في مقابل السلعة سواء كانت عقاراً، أو منقولاً، أو غيرهما. فالأول يسمى بيع الصرف، والثاني يسمى بيع المقايضة، والثالث هو البيع الشائع بين الناس تدفع النقد، وتأخذ السلعة، وكل ذلك جائز بشروطه الشرعية. |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
شروط البيع
- أنواع الشروط: يجب أن يتوفر في عقد البيع أربعة أنواع من الشروط، حتى يكون العقد صحيحاً لازماً نافذاً. شروط عقد البيع .. شروط صحة البيع .. شروط نفاذ البيع .. شروط لزوم البيع. وهذه الشروط لازمة لمنع وقوع المنازعات بين الناس، وحماية لمصالح المتعاقدين، ونفي الغرر والضرر، والبعد عن المخاطر بسبب الظلم والجهالة. - شروط عقد البيع: يشترط لصحة عقد البيع ما يلي: 1 - الشروط المتعلقة بالمتعاقدين ثلاثة: 1 - أن يكون كل من المتعاقدين جائز التصرف، وهو من جمع أربع صفات: الحرية .. والبلوغ .. والعقل .. والرشد. 1 - قال الله تعالى: {{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}} [النساء:6]. 2 - وَعَنْ ابن عُمَر رَضيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلا أنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ، وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْداً وَلَهُ |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
أحكام البيع
- حكم التسعير: التسعير: هو وضع ثمن محدد للسلع. والتسعير نوعان: الأول: تسعير جائز: وهو أن يسعِّر التاجر معروضاته؛ ليسهل على المشتري معرفة القيمة بسهولة. فهذا جائز إذا سعَّرها بربح يسير ينفع البائع، ولا يرهق المشتري. الثاني: التسعير من الحاكم، وهذا له حكمان: 1 - تسعير محرم: وهو الذي يتضمن ظلم الناس، وإكراههم بغير حق، ومنعهم مما أباح الله لهم. وهذا التسعير محرم؛ لأنه يؤدي إلى اختفاء السلع، وذلك يؤدي إلى ارتفاع أسعارها، وارتفاع الأسعار يضر بالأغنياء والفقراء، ويسبب الضيق والجرائم. 2 - تسعير جائز: وهو الذي لا يُظلم فيه البائع، ولا يُرهَق فيه المشتري، فيرخَّص فيه عند الحاجة فقط كأن يمتنع أصحاب السلع من بيعها إلا بزيادة فاحشة، مع حاجة الناس إليها، أو عند الكوارث والنكبات، فتضطرب الأسعار، ويتضرر الناس. فهنا يجب على الحاكم التسعير بالمثل، صيانة لحقوق الناس، ومنعاً للاحتكار، ودفعاً لجشع التجار. |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
5 - البيعة
- البيعة: هي إعطاء العهد من المبايع للخليفة على السمع والطاعة في غير معصية الله. والخلافة تنعقد بأحد أمرين: الاختيار .. أو الاستخلاف لمن بعده. وكلٌّ منهما لا بد فيه من البيعة من قِبَل أهل الحل والعقد، ثم من قِبَل عموم المسلمين الذين يتيسر حضورهم. - صفة البيعة: أهم الأمور التي بايع النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه عليها خمسة: الأول: البيعة على الإسلام: وهي آكد أنواع البيعة وأوجبها وأعظمها. 1 - قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)}} ... [الممتحنة: 12]. 2 - وَعَنْ جَرِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى شَهَادَةِ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. متفق عليه (¬1). ¬_________ (¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (2157)، واللفظ له, ومسلم برقم (56). |
موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
|
38 - البيع
لغة: البيع هو مطلق المبادلة مالية كانت أو غيرمالية ومن ثم جاء قول الحق تبارك وتعالى: {{فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به}} التوبة:111. فقد أطلق الله سبحانه وتعالى البيع على بذلهم أنفسهم وأموالهم فى سبيل الله ليظفروا بجنات النعيم. وهو مصدر الفعل (باع) ويطلق على الشىء وضده كالقرء: للطهروالحيض، فيقال باع كذا إذا أخرجه عن ملكه أو أدخله فيه. والبيع اسم المبيع، والبيعة المبايعة التى هى عبارة عن المعاقدة والمعاهدة. فقد جاء فى الحديث النبوى الكريم قول المعصوم صلى الله عليه السلام: (ألا تبايعونى على الإسلام) (1) واصطلاحا: البيع فى اصطلاح الفقهاء عبارة عن مبادلة المال المتقوم بمثله على وجه مخصوص، وبذا يكون اصطلاح الفقهاء جاريا على استعمال البيع بمعنى الإدخال فى الملك، ومن ثم قالوا:"البيع سالب والشراء جالب". وحكمة مشروعية البيع أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وجعله بطبعه محتاجا للتعامل مع بنى جنسه، رغبة منه فى الحصول على ما يسد رمقه، وتبقى به حياته إذ هو وحده لا يستطيع القيام بمهام شئونه المختلفة التى يتطلبها أمرمعاشه. من هنا شرع الحكيم الخبير البيع، نظرا لما يترتب عليه من تبادل المنافع بين الناس وتحقق التعاون بين أفرادهم وجماعاتهم، وبذا تنتظم حياتهم وينطلق كل واحد منهم إلى ما يمكنه الحصول عليه من وسائل العيش فالزارع يغرس الأرض ليبيع ثمارها وحاصلاتها لمن لا يستطيع الزراعة إلا أنه يستطيع الحصول على الثمن من طريق آخر هيأه الله له. وكذا التاجر يحضر السلعة من جهات بعيدة نائية كى يبيعها لمن هم فى حاجة إليها. فالبيع والشراء من أهم الوسائل التى تبعث على النهوض وترقى بأسباب الحضارة والعمران، فلو لم يشرع الله سبحانه وتعالى البيع؛ لاحتاج الإنسان إلى أخذ ما بيد غيره، إما بالغلبة والقهر، وإما بالسؤال والاستجداء وإلا تذرع بالصبر حتى الهلاك. ولا شك أن هذا حال لا يقوم معه نظام الأمم لما فيه من الفساد والذل والصغار والهلاك. ودليل مشروعية البيع: القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، والاجماع أما القرآن الكريم، فهناك آيات كثيرة منها قول الحق تبارك وتعالى: {{وأحل الله البيع وحرم الربا}} البقرة:275. وقوله: {{وأشهدوا إذا تبايعتم}} البقرة:282. ومنها قوله جل وعلا: {{يها أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم}} النساء:29. فهذه الآيات الكريمة صريحة فى حل البيع ومشروعيته وإن سيقت لأغراض أخرى كأفادة الآية الثانية للأمر بالاستشهاد عند التبايع، دفعا للخصوصية، وحسما للنزاع حتى لا يقع الجحود أو الإنكار بينما سيقت الآية الثالثة للنهى عن أكل أموال الناس بالباطل إلا بطرق البيع ونحوه من كل تجارة مشروعة. أما الآية الأولى فقد سيقت للتفرقة بين البيع والربا ردا على من سوى بينهما، بل جعل الربا أدخل فى الحل من البيع. واًما السنة النبوية المطهرة فقد روى أن المعصوم صلى الله عليه وسلم سئل عن أطيب الكسب فقال: (عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور) (رواه الإمام أحمد والطبرانى) (2). والمبرور من البيع ما لا غش فيه. وجاء فى الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطى فيه سواء) (3) وقال المعصوم صلى الله عليه وسلم: (التاجر الصدوق يحشريوم القيامة مع الصديقين والشهداء) (رواه الترمذى) (4). والأحاديث فى هذا المجال مستفيضة تبلغ حد التواتر المعنوى، وقد بعث صلى الله عليه وسلم والناس يتبايعون فأقرهم على ما لم يخالف الشريعة الغراء. وأما الإجماع فإن الأمة الإسلامية بجميع طبقاتها، وخلال كل عصورها توافقت على جواز البيع، وأجمعت على أنه أحد أسباب الملك وقد تعامل به المسلمون من لدن الصدر الأول حتى يومنا هذا دون نكير، فكان ذلك إجماعا قطعيا على مشروعية البيع. من الأدلة السابقة (قرآنا وسهنة وإجماعا) نقف على أن الأصل فى البيع الإباحة إلا أنه قد يطرأ من الأحوال والملابسات ما يخرجه عن هذا الأصل إلى أحد طرفى الطلب وهو الحظر أى الكراهة، أو التحريم، أو الفعل وهو الندب أو الإيجاب، أو الافتراض إذ البيع قد يكون مفروضا، وذلك للمضطر اضطرارا شديدا بحيث إذا لم يحصل على الشئ المبيع فورا فإنه يهلك أو يتلف عضو من أعضائه، والبائع إذا امتنع عن البيع والحالة هذه فإنه يكون آثما ومن ثم قال فقهاؤنا:"إن القاضى له أن يجبره على البيع إنقاذا للمضطر" وقد يكون واجبا وذلك كالبيع للمضطر الذى لم يبلغ به الاضطرار حدا يودى به إلى الهلاك، بل يوجد عنده حرجا ومشقة لا يزولان إلا بالحصول على المبيع بحيث، إذا لم يحصل عليه من صاحبه لا يصل إليه من غيره. وقد يكون مندوبا وذلك كبيع الشى ممن يحلف أن يشتريه منه وليس للبائع حاجة إليه. وقد يكون حراما وذلك كبيع المسلم الخمر والخنزيرأو غيرهما من كل ما نهى عن بيعه لذاته أو لصفة فيه كالبيع مع الشروط الفاسدة غير أنه قد يكون باطلا كالخمر وما ماثله. وقد يكون فاسدا كالبيع المقترن بالشرط الفاسد. وأخيرا قد يكون البيع مكروها، ومثال ذلك كل ما نهى عنه لأمر مجاور لا لخلل فى الأركان أو الشروط، وذلك كالبيع عند الآذان الأول لصلاة الجمعة الوارد فى قول الحق تبارك وتعالى: {{ياأيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكرالله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}} الجمعة 9. وإذا ما تم عقد البيع مستكملا أركانه مستوفيا شروطه، يكون قد حاز درجة الاعتبار شرعا، وعندئذ يترتب عليه انتقال ملك كل من الطرفين عما بذله، وثبوت ملكه فيما أخذه ليثبت ملك البائع فى الثمن، وملك المشترى فى المبيع، وعندها يحل لكل منهما التصرف فيما انتقل ملكة إليه هو أهل له من التصرفات الشرعية ويصبح البيع -كما شرعه الله- واسطة السعادة بين الناس أفرادا وجماعات فتنتظم حياتهم ويتفرغ كل منهم لما يسره الله له من سبل العيش فى أمن وأمان وهدوء واستقرار وسعادة واطمئنان. أ. د/محمد عبد اللطيف جمال الدين __________ الهامش: 1 - فتح البارى بشرح صحيح البخارى حديث رقم 4894 - 8/ 637 - 1/ 638 وسنن الدرامى 2/ 220. 2 - مستد الإمام أحمد حديث رقم 16252. 3 - سننن الترمذى حديث رقم 1240 - 3/ 531، ابن ماجة حديث رقم 2255 - 2/ 758. 4 - سنن الترمذى حديث 1209 - 3/ 506، سنن الدار قطنى حديث رقم 17 3/ 7 |
موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
|
39 - البيعة
لغة: التَّوْلَية، وعَقدها (كما فى اللسان). واصطلاحاً: البيعة عقد بين ولى الأمر وجمهور المسلمين يتضمن اختياره للقيام بمهام الخلافة، أى رياسة الدولة الإسلامية فى الشئون الدينية والشئون الدنيوية. وقد تمت فى المجتمع الإسلامى قبل أن يتحول إلى دولة بين الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ونفر من الأنصار على ما رأينا فى بيعة العقبة الأولى، وبيعة العقبة الثانية، وكان موضوع البيعة الأولى هو إقناع طائفة من الأنصار بالإسلام ودخولهم فيه، وكان موضوع البيعة الثانية هو مناصرة الأنصار للنبى- - صلى الله عليه وسلم - - وتأييدهم لدعوته، ومنع أى اعتداء يقع عليه. لذا فإن مفهوم العقد الاجتماعى كان واضحا فى هاتين البيعتين، إذ كانتا تعتمدان لبناء الدولة فى المدينة، ومناصرة نبى الإسلام فيها. ومع ذلك فإن عقد البيعة صار بعد ذلك الأساس الضرورى لشرعية الحكم الإسلامى. حيث يختار أهل الحل والعقد من يرونه صالحا من المسلمين لتولى أمورهم، ثم يبايعونه على الإمارة، وبعد ذلك يقوم المسلمون جميعًا بالمبايعة، ولا يمكن أن تكون التولية صحيحة إلا بالبيعة لذلك كان كل الحكام فى تاريخ الدولة الإسلامية، يحرصون على الحصول على البيعة، حتى لو كانت إمارتهم قد تمت بالاستيلاء والمغالبة، فقد اعتبرت البيعة السند الشرعى لأى حاكم يختار من المسلمين لحكم الدولة الإسلامية. ونلاحظ أن عقد البيعة يتضمن دائما الشروط التى قبل المسلمون بمقتضاها تولية الحاكم، فقد كان الخليفة أو الإمام يعلن عن هذه الشروط، وإن اعتبرت معلنة ضمنًا بعد عصر الخلافة الراشدة. يقول أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - بعد أن بايعه المسلمون على الخلافة: "أما بعد: أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينونى، وإن أسأت فقومونى، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوى عندى حتى آخذ الحق له، والقوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه .. أطيعونى ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم ". ويمكن أن نستخرج من هذا الخطاب شروط البيعة، فهذه لا تعطى الحاكم سلطة مطلقة كما يعتقد البعض، وإنما سلطات مقيدة. فالخليفة أولاً ملتزم بتنفيذ أحكام الشريعة "أطيعونى ما أطعت الله ورسوله"، والمسلمون لهم حق المراقبة لأعمال الحاكم "فإن أسأت فقومونى" بل لهم أن يعزلوه إن أساء وخالف أحكام الإسلام. فهناك إعلان آخر هام بالمساواة بين عناصر الأمة، وتطبيق العدل بين كل الناس بصرف النظر عن قوة أو ضعف المحكوم. والبيعة هى الأسلوب الذى يمارس به الأفراد حقهم فى اختيار من يحكمهم، وبالتالى فهى نظام بديل عن أنظمة الانتخاب التى تعرفها الديمقراطيات الحديثة، أسلوب كان يتناسب مع ظروف الدولة الإسلامية فى عصر نشأتها، وبالتالى فالعلماء والفقهاء لا يمانعون بين تطبيق البيعة- وتعنى حرية الاختيار التعاقدى- بأى أسلوب آخر. أ. د/ جعفر عبد السلام __________ المراجع 1 - تاريخ الإسلام للذهبى. 2 - البداية والنهاية لابن كثير ط. دار الغد العربى. 3 - سيرة ابن هشام- دار التراث العربى- تحقيق أحمد حجازى السقا. 4 - الرحيق المختوم، للمباركفورى ط. دار إحياء التراث. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
تجديد البيعة للمنصور ثم ولده المهدي.
151 - 768 م جدد المنصور البيعة لنفسه ثم لولده المهدي من بعده، ولعيسى بن موسى من بعدهما، وجاء الأمراء والخواص فبايعوا وجعلوا يقبلون يد المنصور ويد ابنه ويلمسون يد عيسى بن موسى ولا يقبلونها. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
أخذ المهدي البيعة لولده هارون من بعد موسى الهادي.
166 - 782 م في هذه السنة أخذ المهدي البيعة لابنه هارون ولقب بالرشيد من بعد موسى الهادي |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
هارون الرشيد يكتب كتابا يوصي فيه لابنه الأمين بالبيعة ومن بعده لابنه المأمون ويعلق الكتاب في جوف الكعبة.
175 - 791 م أخذ الرشيد بولاية العهد من بعده لولده محمد بن زبيدة وسماه الأمين، وعمره إذ ذاك خمس سنين وقد كان الرشيد يتوسم النجابة والرجاحة في عبد الله المأمون، ويقول: والله إن فيه حزم المنصور، ونسك المهدي، وعزة نفس الهادي ولو شئت أن أقول الرابعة مني لقلت، وإني لأقدم محمد بن زبيدة وإني لأعلم أنه متبع هواه ولكن لا أستطيع غير ذلك، ثم لما حج علق هذا الكتاب في جوف الكعبة كنوع من التثبيت لهذا العهد فلا يستجرئ أحد على نقضه. |