الصفحة 18 من 34

كان النذر في الأمم السابقة موجودًا وقد حكى لنا القران الكريم موضحًا ذلك في حادثتين منفصلتين وهما نذر أم مريم عليها السلام حين قالت {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} [1] .

وأما الحادثة الثانية فهو قول سيدتنا مريم العذراء حين اتهمها قومها في عيسى عليه السلام فأراد الله منعها عن مجادلة السفهاء والجهلة فأمرها بالصمت عن الكلام فقالت {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [2] وكان من ضروب العبادة عندهم إذا نذر الصوم فكان من ضمنه الانقطاع عن الكلام كما سنبين ذلك في تفسير هذه الآية إن شاء الله.

وقد دل قوله تعالى في خطابه لسيدنا إبراهيم الخليل حين أمره لدعاء الناس إلى الحج فقال: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [3] فهذا دليل آخر على أن النذر كان موجودًا في شريعة إبراهيم الخليل عليه السلام.

وقد عرفت العرب النذر في الجاهلية إذ نذر عبد المطلب حين لقي من قريش ما لقي في حفر زمزم، لان ولد له عشرة أولاد ليذبحن عاشرهم قربانًا للكعبة وحين اكتمل العدد وبلغوا عشرة أصبح من الواجب عليه الوفاء بنذره فجمعهم ثم اخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء فأطاعوه فحكمت القرعة بينهم أن ابنه العاشر وأحبهم إليه عبد الله هو المقصود والحادثة طويلة جدًا ولا يمكننا درجها هنا بالكامل فمنعته قريش من ذبح ولده وقالوا له إن فعلت هذا فستكون سنة من بعدك، فأشاروا عليه أن يذهب إلى الحجاز فان فيها عرافة فيسألها، وقص عليها عبد المطلب القصص فقالت لهم (كم الدية فيكم قالوا عشرة من الإبل قالت فارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم وقربوا عشرًا من الإبل ثم اضربوا عليها وعليه القرعة فان خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم وان خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم) ففعلوا ما قالت وظلوا يضربون عشرًا بعد أخرى والقرعة تخرج قدح عبد الله حتى بلغ مائة ناقة فخرج القدح على الإبل فقالت قريش رضي ربك يا عبد المطلب فنحرت الإبل [4] .

وفي حادثة أخرى أن نفيلة زوج عبد المطلب لما افتقدت ابنها العباس وهو

(1) سورة آل عمران: 35.

(2) سورة مريم: 26.

(3) سورة الحج: 29.

(4) تاريخ الطبري: 1/ 498؛ البداية والنهاية: 2/ 248؛ الكامل في التاريخ: 1/ 544.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت