الصفحة 10 من 27

السبب في نزولها فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية لا من جنس النقل لما وقع، وقال السيوطي: (والذي يتحرر في سبب النزول أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه) [1] .

وبالنظر لتعريف السيوطي الذي صار تعريفا مصطلحيا لأسباب النزول مقارنة بصنيع كثير من المفسرين نجد توسعا في استعمال هذه الكلمة لما هو أوسع من ذلك، فقد درجوا على إيراد كثير من المرويات تحت عبارة: (نزلت هذه الآية في: ... ) ، أو (سبب نزولها كذا) وعند التمحيص نجد أن نسبة ما ينطبق عليه المصطلح سواء من حيث الزمان، أو الصحة والضعف قليل. ويرجع هذا -والله أعلم- إلى أن المفسر يوردها لأدنى ملابسة، وبتحليل صنيع المفسر نجد أن إيرادها يؤول إلى أنه من باب التفسير بالمثال، وبهذا صرح ابن عطية في تفسيره المحرر الوجيز -رغم تقدمه- في مواضع متعددة مثل تفسيره لقول الله تعالى: (َقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْر) قال ابن عطية: (أي رؤوسهم وأعيانهم الذين يقودون الناس إليه، وقال قتادة: المراد بهذا أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وغيرهما) ، ثم قال: (قال القاضي أبو محمد: وهذا إن لم يتأول أنه ذكرهم على جهة المثال ضعيف لأن الآية نزلت بعد بدر بكثير، وروي عن حذيفة أنه قال: لم يجئ هؤلاء بعد. قال القاضي أبو محمد: يريد أن ينقرضوا فهم يحيون أبدا ويقتلون، وأصوب ما في هذا أن يقال إنه لا يعنى بها معين، وإنما وقع الأمر بقتال أئمة الناكثين بالعهود من الكفرة إلى يوم القيامة دون تعيين، واقتضت حال كفار العرب ومحاربي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون الإشارة إليهم أولا بقوله أَئِمَّةَ الْكُفْرِ وهم حصلوا حينئذ تحت اللفظة إذ الذي يتولى قتال النبي والدفع في صدر شريعته هو إمام كل من يكفر بذلك الشرع إلى يوم القيامة، ثم تأتي في كل جيل من الكفار أئمة خاصة بجيل جيل) [2] .

وصنيع المفسرين هذا يلفت النظر إلى تنقية باب أسباب النزول بالمعنى الاصطلاحي مما هو موجود في كتب التفسير، لكنه في نفس الوقت يؤصل لباب التفسير بالمثال، ويفتح الآفاق لتطبيقات واسعة للآيات على الوقائع المستجدة قياسا على أسباب النزول، مثال: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (134) آل عمران، جاء في المحرر الوجيز: (( وقال أبو العالية: وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ، يريد المماليك. قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن على جهة المثال، إذ

(1) لباب النقول (ص: 4) .

(2) تفسير ابن عطية (3/ 12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت