ودلالات الآيات كما وجد في كتب التفسير كافية في عمومها لفهم كلام الله عز وجل ولكن لحاجتنا لضبط عملية التجديد يجدر بنا تفكيك المعلومات التفسيرية من كتب التفسير، ومما يجدر ذكره أنه ليس كل ما ذكر في كتب التفسير من المادة العلمية تحت الآية الواحدة هو من قبيل التفسير المباشر، بل يمكن وصف هذه المادة بعد تحليلها بأنها عبارة عن دوائر متعددة تحيط بالآية ثم تبتعد شيئا فشيئًا، فالدائرة الأولى منها هي التفسير المباشر السياقي للآية والذي يعتمد أولا على المكون اللغوي لأنه قرآن عربي مبين، وهذه الدائرة هي التي ينبغي أن يعظم الاحتراز فيها وهي التي ورد فيها أقوال السلف التي تنبئنا عن تورعهم عن القول على الله بغير علم، وأحسب أن هذه الدائرة لا يسعنا التجديد فيها إلا من قبيل الوسائل والمناهج، ثم ننتقل للدوائر الأبعد فيأتي فيها الحكم والفوائد مما يدخل إجمالا في دائرة الاستنباط، ثم الأبعد وهو ما يمكن أن يكون من قبيل الملح واللطائف ثم العلوم التخصصية التي يكون المفسر قد برع فيها ويكون لها تعلق بعموم الآية. وهذه الدوائر يسع المفسر فيها مالا يسعه في الدائرة الأولى، بحيث يجوز منها ماله أدنى ملابسة بالآية إذا كان المعنى صحيحا في نفسه. قال ابن القيم في (إعلام الموقعين عن رب العالمين(1/ 172) : (قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الِاسْتِنْبَاطُ كَالِاسْتِخْرَاجِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ فَهْمِ اللَّفْظِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ طَرِيقَةَ الِاسْتِنْبَاطِ؛ إذْ مَوْضُوعَاتُ الْأَلْفَاظِ لَا تُنَالُ بِالِاسْتِنْبَاطِ، وَإِنَّمَا تُنَالُ بِهِ الْعِلَلُ وَالْمَعَانِي وَالْأَشْبَاهُ وَالنَّظَائِرُ وَمَقَاصِدُ الْمُتَكَلِّمِ، وَاَللَّهُ -سُبْحَانَهُ- ذَمَّ مَنْ سَمِعَ ظَاهِرًا مُجَرَّدًا فَأَذَاعَهُ وَأَفْشَاهُ، وَحَمِدَ مَنْ اسْتَنْبَطَ مِنْ أَوَّلِ الْعِلْمِ حَقِيقَتَهُ وَمَعْنَاهُ. وَيُوَضِّحُهُ أَنَّ الِاسْتِنْبَاطَ اسْتِخْرَاجُ الْأَمْرِ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَخْفَى عَلَى غَيْرِ مُسْتَنْبِطِهِ، وَمِنْهُ اسْتِنْبَاطُ الْمَاءِ مِنْ أَرْضِ الْبِئْرِ وَالْعَيْنِ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَقَدْ سُئِلَ: هَلْ خَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِشَيْءٍ دُونَ النَّاسِ؟ فَقَالَ:(لَا، وَاَلَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إلَّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا فِي كِتَابِهِ) .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْفَهْمَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَعْرِفَةِ مَوْضُوعِ اللَّفْظِ وَعُمُومِهِ أَوْ خُصُوصِهِ، فَإِنَّ هَذَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ سَائِرِ مَنْ يَعْرِفُ لُغَةَ الْعَرَبِ، وَإِنَّمَا هَذَا فَهْمُ لَوَازِمِ الْمَعْنَى وَنَظَائِرِهِ وَمُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ بِكَلَامِهِ وَمَعْرِفَةِ حُدُودِ كَلَامِهِ، بِحَيْثُ لَا يَدْخُلُ فِيهَا غَيْرُ الْمُرَادِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ الْمُرَادِ) [1] .
(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/ 172)