وإن قيل: كيف وقع ذلك من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - مع أن تركها أفضل لمن صبر وتوكل؟
قيل: وقع ذلك منه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - ليبين لأمته جواز الرقية الشرعية، وهذا لا يقدح في توكله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - [1]
3 -قيل إن المقصود طلب الرقية في حال الصح وقبل وقع المرض، أما بعد وقع الداء فلا منافاة بينها وبين التوكل، وممن قال بذلك ابن عبدالبر [2] .
4 -وقيل: إن المقصود بذلك أن يفعلها بنفسه، ولا يطلبها من غيره. وممن ذهب إلى ذلك: الإمام ابن تيمية، وابن القيم [3] .
وحجتهم في ذلك أن الإسترقاء الوارد في الحديث {لا يسترقون} هو طلب الرقية من الغير، فهو سائل لغيره، وراجٍ النفع من ذلك الغير، منصرف عن الله بقلبه إلى ذلك الغير، ففي هذه الحالة يكون منافيًا للتوكل بالنسبة للمسترقى، أما الراقي فهو نافع أخاه ومحسن إليه.
وأما ورود الدليل بأن الأسترقاء هو طلب الرقية من الغير فذلك لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: {استرقوا لها فإن بها النظره} (5)
وعن عائشة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا-: {أنه كان يأمرها أن تسترقي من العين} [4]
واللفظة الواردة في حديث السبعين ألفا {لا يسترقون} : أي لا يطلبون الرقية من الغير.
فيقال: (الراقي استرقيته فرقاني رقية فهو راق) [5] فهذا التعريف منطبق على طالبها من الغير.
(1) انظر الفتح: 10/ 212، والنووي: 14/ 169.
(2) الفتح: 10/ 211 * أعلام الحديث: 3/ 2136، والروضة الندية: 490
* المفهم شرح مسلم 588 * وانظر سُورَة الإنْسَان، آيَة بين السحر والعين والجان: زهير الحموي: 219 ط / 1، 1410 هـ دار التراث.
(3) الفتاوى، ابن تيمية: 1/ 328 * تيسير العزيز 108 * فتح المجيد 52.
(4) مسلم بشرح النووي: 13/ 184 واللفظ له * و صحيح البخاري مع الفتح: 10/ 199 كتاب الطب، باب رقية العين واللفظ له، ح (5738) .
(5) اللسان: 14/ 332 * والصحاح: 6/ 2361.