فلا يجوز في المطالب الإلهية قياس التمثيل [1] الذي يكون فيه الخالق والمخلوق جزئيان يقاس أحدهما على الآخر، فيكون الخالق إما أصلا يقاس عليه المخلوق أو فرعًا يقاس على المخلوق. كما لا يجوز في حقه تعالى قياس الشمول [2] الذي يجمع فيه الخالق والمخلوق في قضية واحدة كلية هما أفرادها دون نظر لما يختص كل واحد منهما به، فيكون الخالق والمخلوق متساويان بالنسبة لهذه القضية.
فقياس التمثيل يستوي فيه الفرع والأصل، وقياس الشمول تستوي فيه أفراده، فهذا كله من ضرب الأمثال لله ـ تعالى ـ وهو أمر محرم شرعًا. فجميع ما تقدم هو حول حقيقة صفة الكلام وقيامها بذات الرب تبارك وتعالى والقرآن الكريم مشتمل على آيات كثيرة تثبت أن الله تعالى يتكلم وأن الكلام من صفاته وكذلك السنة الصحيحة، قال تعالى [وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا] {النساء:164} وقوله تعالى [تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ] {البقرة:253}
وقال: [وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ] {الأعراف:143} وقال [وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ] {القصص:65} وقال [وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ] {البقرة:75} وقال [يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِنْ] {الفتح:15} .
أما السنة فالأحاديث المثبتة لصفة الكلام كثيرة جدًا وقد اشتمل كتاب التوحيد من صحيح البخاري على الكثير منها فقد تنوعت الأحاديث بين بيان أن الله كلم جيريل أو بعض خلقه يوم القيامة أو أهل الجنة أو كلم آدم أو بعض أنبيائه ورسله وأحاديث متنوعة في موضوعاتها كلاها تثبت صفة الكلام.
وقد أخرجها كذلك أئمة الحديث وحفاظ السنة النبوية في كتبهم واكتفيت هنا بالعزو إلى صحيح البخاري [3] .
أما حقيقة كلام الله تعالى الخارجية، فهي ما يسمع منه، كما سمعه جبريل عليه السلام وكذا من شاء الله من ملائكته وكما سمعه موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام قال تعالى [وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ] {الأعراف:143} ويدخل في هذه الحقيقة كتابته في المصاحف
(1) قياس التمثيل هو: إثبات الحكم للجزئي لثبوته في جزئي آخر لاشتراكهما في العلة، كالبيز محرم قياس على الخمر، لاشتراكها في علة الإسكار. انظر: تحرير القواعد المنطقية، لقطب الدين الرازي (138) والتهذيب شرح الخبيصي وحواشيه (363) .
(2) قياس الشمول هو: قول مؤلف قضايا يا إذ أسلمت لزم عنها قول آخر وهو قياس المناطقة كقولهم: كل غنسان حيوان وكل حيوان حاسي، فالنتيجة إنسان حاسي انظر: المراجع السابقة.
(3) انظر: صحيح البخاري كتاب التوحيد (7481 - 7485 - 7492 - 7493 - 7509 - 7511 - 7513 - 7515 - 7518)