وحفظه في الصدور وتبليغه من الرسول - صلى الله عليه وسلم - للأمة وتلقي الأمة لذلك وتبليغه كل جيل لمن بعده إلى أن يرفع في آخر الزمان، فالقرآن في كل هذه المواضع لا يخرج عن كونه كلامًا لله، وهو حقيقة في كل هذه الوجوه دلَّ على هذا الشرع والعقل واللغة، كما قال تعالى [وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ] {التوبة:6} .
ومما لا شك فيه أنه لا يسمع كلام الله من الله، وإنما من مبلغه عن الله ـ تعالى ـ، والعقل واللغة لا تمنعان ذلك بل تؤيده وتنصره، فمن سمع قائلا يقول: قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل، قال: هذا شعر أمري القيس.
ومن سمعه يقول: [قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ] ، قال هذا كلام الله [1] .
وكلام الله تعالى بحرف وصوت يسمعه من شاء الله أن يسمعه كما سمعه موسى عليه السلام وغيره مما صحت به الأخبار [2] ، وصوته صفة من صفات ذاته، لا يشبه صوت غيره، إذ ليس له تعالى شبيه ولا مثيل في ذلك.
وقد أجمع السلف على أن القرآن الكريم كلام الله تكلم به بحرف وصوت سمعه منه جبريل عليه السلام ثم أداه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو كلام الله حروفه ومعانيه.
قال تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ] {إبراهيم:4} ، وقال تعالى [وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ] {النحل:103} ، أي بلغة العرب فكون القرآن مؤلف من حروف وكلمات وجمل أمر ظاهر لا يحتاج إلى استدلال، ولذلك نفي الله عنه أن يكون شعرًا عندما زعمت قريش ذلك ولم ينفِ كونه لغة بلسان عربي مبين: [وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ] {يس:69} فما لا يجوز أن يكون لغة لا يجوز أن يكون شعرا عند أحد فلما نفى كونه شعرًا عُلم ضرورة أنه لغة قريش ولسانها [3] .
وأخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: بينما جبريل قاعد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه فقال:"هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلّم"
(1) انظر: الحجة في بيان المحجة لابي القاسم الاصبهاني (1/ 329) ومنهاج السنة لابن تيمية (2/ 98) ودرء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية (2/ 79) وشرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (1/ 185)
(2) انظر: فتح الباري، للحافظ ابن حجر (13/ 469 - 485) .
(3) انظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت، للسجزي (108) .