الصفحة 11 من 28

وقال:"أبشر بنورين أوتيتها لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته" [1] .

وأما الصوت فقد دلت الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة على إثباته لله، فهو كما تقدم صفة من صفاته يجري مجراها والقول فيه كالقول فيها، فقد قال تعالى لموسى عليه السلام [فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى] {طه:13} ولا يسمع إلا ما كان صوتا، وقال تعالى [وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا] {مريم:52} وقال: [وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ القَوْمَ الظَّالِمِينَ] {الشعراء:10} وقال [وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ] {القصص:74} وقال [وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى] {طه:9} [إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى] {النَّازعات:16}

وقال - صلى الله عليه وسلم:"إن الله ينادي بصوت يا آدم أخرج بعث النار من ذريتك ... الحديث [2] ."

والقول بأن الحرف والصوت تحتاج إلى أدوات، ولما في ذلك من التعاقب وسبق بعضها بعضًا، وكل هذا تشبيه وتجسيم على حد زعم المخالفين، فكل ذلك من الأقيسة الفاسدة التي سبق ذكرها وأنه لا يجوز أن يستدل في العلم الإلهي بهذه الأقيسة التي فيها ضرب الأمثال لله ـ تعالى ـ فأهل الكلام اجتالتهم الشياطين وغيرت فطرتهم فلم يعرفوا من صفات الله إلا ما عرفوه من صفات أنفسهم ـ تعالى الله وتقدس ـ فظنوا أن هذه النصوص فيها تمثيل وتشبيه فأولوها وجحدوا حقائقها.

وقد دلت نصوص الوحيين على أن الكلام صفة معناها في الأصل معلوم، وحقيقتها وكما لها بحسب من تقوم به ويتصف بها، أي أن المعنى الأصلي لا يدل إلا على القدر الذي يحصل به الفهم والتمييز بين المعاني والذوات فقط، ثم هو مع ذلك أمر كلي ذهني علمي لا يوجد في الأعيان وفي الشاهد إلا مختصًا ومقيدًا ومضافًا إلى من يقوم به، فلا سبيل إلى التشبيه أو التمثيل، وهذا حكم سائر الصفات والأفعال بل وحكم الذات الإلهية المقدسة.

وكتاب الله لا يمكن أن يكون فيه تناقض، ولا يتحقق وصف الإيمان به إلا بحمل نصوصه على قانونه العربي المبين، وهي طريقة الصحابة والتابعين وإجماعهم القطعي منعقد عليها كما تقدم، وماعدا ذلك فهو هدم لخطاب الشارع وفتح لأبواب التلاعب بدين الله وهذا ما فعلته الباطنية وسائر فرق الزنادقة على اختلاف مشاربهم.

وقد أخبرنا الله ـ تعالى ـ أن هناك أشياء تتكلم كلامًا حقيقيًا ولا تتطلب هذه الأمور ولا يماثل كلامها كلام بني آدم من جهة أدوات الكلام، قال تعالى عن نبيه سليمان [يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا

(1) أخرجه مسلم في صحيحه (806) والنسائي (39 - 40) والحاكم (1/ 558) وصححه ووافقه الذهبي، وانظر كذلك حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عند ابن أبي شيبه (10/ 61) وسنده صحيح

(2) أخرجه البخاري (8473) ومسلم (222)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت