المطلب الأول: حديث الراوي بين الكتابة والرواية
الكتابة قيد العلم، والمحدثون - رحمهم الله - عُنوا بتقييد العلم عن أهله، وكتابته عن حملته، ولم يكونوا حُطَّاب ليل يكتبون كل غثٍّ وسمين، ولا طُلَّاب شهرة يرقمون استكثارًا وافتخارًا، بل كانوا ينقِّبون أشدَّ التنقيب عن الرجل قبل الأخذ عنه.
ولذا لم يحتجوا إلاَّ بحديث الثقات، مع أنهم كتبوا عن الثقة ومن دونه.
قال ابن الصلاح في شروط من تقبل روايته:"أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على: أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلًا، ضابطا لما يرويه، وتفصيله: أنْ يكون مسلمًا، بالغًا، عاقلًا، سالمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظًا غير مغفل، حافظًا إن حدَّث من حفظه، ضابطًا لكتابه إن حدَّث من كتابه" [1] .
وكان الأئمة يكتبون عن الرجل وإن لم يرووا عنه، فليس عندهم تلازم بين الكتابة والرواية، فضلًا عن الاحتجاج والقبول [2] ؛ ولذا اشتهر في اصطلاحهم - لا سيما أبو حاتم الرازي - المقولة المشهورة (يكتب حديثه ولا يحتج به) ، بل يصرِّح الواحد منهم بأنه كتب عن فلان وترك حديثه فلم يحدِّث عنه به.
(1) مقدمة ابن الصلاح ص (288) ، وينظر: تدريب الراوي (1/ 505) .
(2) وهذا في الغالب، وما وجد من نصوص يفهم منها الملازمة؛ كقول أيوب عن عكرمة مولى ابن عباس:"لو لم يكن عندي ثقة لم أكتب عنه" (الجرح والتعديل 7/ 8) فحمولة على كتابة الاحتجاج والقبول لا مطلق كتابة حديث الراوي.