الصفحة 3 من 118

وملكت قلبه، فشغف بها، وشغفت به، فلم تعد تصبر على فراقه يومًا أو بعض يوم!!

ولكنه على ما ينقل الثقات، قد أمسك بلجام نفسه، وسيطر على دوافع شهوته، فلم يطأ محرمًا قط .. وتحدث إلى غير واحد، أنه كان يذهب إلى بعض مجالس الشباب الخالية، الذين يسهرون الليل على صوت الدف والغناء وكؤوس الخمر، ولكنه لا يشربها.

ووالله إني لفي حيرة، كيف استطاعت هذه الجارية الفارسية أن تسحره، وتستولي عليه، وتسلبه عقله ولبه؟! ولكننا لا نستطيع الآن أن نصب عليه اللوم، ولابد من الرجوع إلى أقوال أهل الخبرة من القوم فقد كان أبو العرفان يصب اللوم الشديد على من صار بها ولهان .. وما إن ترددت الجارية على دكانه عددًا من المرات حتى نظم فيها قصيدة عنوانها (( أوقعتني في الحب ) ).

فإذا كان هذا الرجل، وهو على ما نعلم من علو القدم، يقع في هواها، وينظم قصيدة بمعناها، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ونعوذ بالله من فتنة النساء.

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي:

ولقد علمت بتفاصيل القصة بعد حين، وحدثني بها من لا أتهم في عقل ولا دين، وذكر لي كيف بدأت الحكاية، وكيف سار صاحبنا يسار في طريق الغواية، وسأذكرها كلها من البداية إلى النهاية، وهي والحق يقال، لو اطَّلع عليها البشر، لكانت عبرة لمن اعتبر.

وسنبدأ بذكر الشيوخ الذين روينا عنهم هذه الأخبار، وهم أصحاب الفضل في نقل كل ما جرى ودار .. فأولهم الشيخ أبو الحسن الورَّاق، صاحب المصنفات المعروفة، وهو أشهر من أن يشير إليه بنان، أو يتحدث عنه لسان، ثم الشيخ أبو العرفان بن علي، وقد اشتهر برواية الشعر والأدب والأخبار .. وكان أطول من القصير، بدينًا ليس بإفراط، وكان إذا تحدّث جذب إليه آذان مستمعيه، لما يأتي به من كل جديد وطريف. ثم الشيخ جواد بن جعفر بن حسن، وهو أحد شيوخ الرسامين في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت