الصفحة 2 من 118

كان صاحبي يسار بن صادق بن عبد ربه البغدادي، شابًا غلبته نفسه وتمكنت منه شهوته، فانصرف عن أمور آخرته إلى دنياه، وعن التجارة الرابحة إلى التجارة الخاسرة، وعن مدارج السالكين العارفين، إلى مباذل الغافلين الخاسرين .. !!

ولم يكن من قبل هذا حاله، وما كان أحد من أصحابه يظن أنه إلى هذا سيكون مآله، لأنه كان قد نشأ في طاعة الله، واشتهر بورعه وتقاه، حتى عرف بين أقرانه بالراهب، وسمَّاه بعضهم: (( حمامة المسجد ) )هذا ما ذكره لنا الشيخ الثقة أبو العرفان، وبالله تعالى التوفيق.

وسبحان الله، ثم سبحان الله، كيف تتغير النفوس من حال إلى حال، وكيف تصاب الروح المؤمنة القوية بالهزال؟! كنت والله أغبط هذا الفتى على ما أوتي من ورع وتقى، وتوفيق إلى الخير وهو في ريعان الصبا .. فقد قرأ كتب الأولين، ونال حظًا وافرًا من العلم والدين، وتأثر بالحسن البصري ومالك وابن دينار، وطاووس وحبيب العجمي، رحمهم الله أجمعين .. وقرأ كتب أبي حامد الغزالي حتى قال: ليس من الأحياء من لم يقرأ الإحياء! ولقد سمعت صاحبه أبا الحسن يقول:

-سيقوم يسار في الآخرين، مقام عبدالرحمن القس في الأولين.! وكان كثير الصمت، قليل الكلام، فإذا تحدَّث، تحدَّث همسًا أو ما يشبه الهمس، ولكن حديثه ينفذ إلى القلب، فيه الحلاوة والطلاوة، بسحر السامع ويأخذ بلبه، ويستولي عليه، فلا يدري أهو أسير حديثه أم أسير محدثه!

وكان قد أسر بأحاديثه هذه، جارية فارسية يقع بيتها في نهاية سوق الخبازين، قريبًا من بيت أبي الحسن الورَّاق صاحب المصنفات المعروفة .. أسرها بأحاديثه، وأسرته بجمالها ورقتها وعذوبة صوتها .. فأخذ يتردد عليها كثيرًا، حتى ملأت نفسه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت