الصفحة 47 من 118

قال محمد بن إسحاق الموصلي:

لم يكن أما يسار إلا أن يغير طريق ذهابه إلى محل أبيه، لكي يتجنب رؤية الجارية، سيسلك الطريق المعاكس، وإن كان طويلًا، ولم يتعود على سلوكه من قبل.

ولكن .. ما العمل ..

ومضى في الطريق المعاكس، فرأى كثيرًا من الأشخاص الذين يعرفهم، ومر بأبي الفداء، حاملًا طفله فداء الدين وقفًا أمام بيته. وكان طفله قد تماثل للشفاء، فأخذ يبتسم للمارة وهو يحرك يده ويتلفت برأسه الصغير ووجهه المتورد المتفتح كزهرة القداح .. وكانت بعض الأشجار قد خلعت أرديتها وأخذت تتهيأ لاستقبال الربيع.

ومضى يسار، وحمد الله على السلامة، فد مر اليوم الأول والثاني والثالث دون أن يراها. ولكن صورتها لم تغادر خياله .. وصوتها يهمس في أذنه، ونظرتها .. وفي كل يوم يزداد شوقًا وتلهفًا .. والمكان الذي احتلته في قلبه بدأ يتسع. ولكنه كان يقاوم ويحاول أن يأسو جراح قلبه.

قال أبو الحسن الورَّاق: في مساء اليوم الرابع، ذهب يسار بعد صلاة العشاء، إلى بيت القاضي الشيخ محمد صالح، وكان مجلس الشيخ عامرًا بالمسائل الفقهية الجلية، والحكم الثاقبة، والنوادر اللطيفة، وأقباس من جنائن الحديث والتاريخ والأدب. وكان الشيخ المفوه، يدير الحديث ويأتي بكل طريف وحديث.

وقد تأخر ذلك المساء في بيت القاضي، فلما خرج، كانت السماء قد ادلهمت بالغيوم، وأخذت ترسل رذاذًا، فأسرع يسار إلى منزله، خشية أن يدركه المطر. وقبل أن يصل إلى البيت بخطوات، برز من زاوية مظلمة، رجل متوسط القامة، أسود، وقال بصوت هادئ:

-هل تسمح يا سيدي؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت