وأقرب ما يكون العبد من ربه في جوف الليل.
وبعد أن صلى ثماني ركعات، وختمها بصلاة الوتر، استلقى على فراشه، وأخذ يردد بصوت خافت خاشع .. باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين .. وقبل أن يلفه النوم بين أحضانه، تذكر أين سمع ذلك الهمس، أو اللحن .. سمعه عصر اليوم، عند دكان العطَّار، سمعه من الجارية الفارسية التي ذكرت أن لديها مشكلة تريد أن تعرضها عليه.
وأسرع يسار فصرف هذه الخواطر، وشعر أنها دخيلة عليه، دخيلة على محرابه الآمن الذي تعمره التقوى، إنها ليست من مدد السماء. وانتقل إلى جو الآية التي كان يرددها أثناء الصلاة: {إن لدينا أنكالًا وجحيمًا وطعامًا ذا غصة وعذابًا أليمًا} . كل هذا العذاب ينتظر الإنسان الضال، الإنسان الآبق من رحمة الله! إن الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا. وتدحرجت دمعة كبيرة على خده، وتبعتها دموع، حتى بلَّلت الوسادة، ثم راح في نوم هادئ عميق.
قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي:
في مساء يوم الثلاثاء، في الأسبوع الذي تلا لقاء الجارية يسار في سوق العطَّارين، انعقد المجلس في بيت حكيم بن محمود، كانت غرفة الاستقبال التي أعدت للطرب كبيرة واسعة، مضاءة بعدد من الشموع الطويلة البيضاء، وقد أحالت الليل إلى مثل النهار، وكانت الستائر الشامية موشَّاة بالخيوط اليمانية، وقد رتب الأثاث بشكل بديع، ووقف طير الببغاء على رفٍ مرتفع وراح يردد بعض الأصوات والكلمات التي يسمعها من الحاضرين!