-نعم.
قالت .. وهي تحاول أن تجره للحديث:
-هنا في السوق؟
قال: نعم.
وعاد العطَّار وهو يمسح جبينه من العرق وينفخ، وقال متعذرًا:
-لم يبق لديه شيء يا سيدتي.
وتنهَّدت الجارية وقالت:
-سأعود مرة أخرى.
ثم انصرف بعد أن ألقت على يسار نظرة، جعلته يطرق خجلًا.
ثم انتبه إلى صوت العطَّار يقول:
-إن هذه الجارية ليست فارسية.
والتفت يسار، وكأنه يسأله .. فأضاف العطَّار قائلًا:
-إنها ليست فارسية .. علمت ذلك من لهجتها.
قال أبو العرفان: أبو علي العطَّار أعلم بلهجات القوم من غيره.
قال أبو الحسن الورَّاق: لم تنل الجارية من يسار، إلا كما ينال التراب من السحاب، كيف لا .. وهو الفتى الذي لم يترك ثغرة ينفذ منها الشيطان إلى نفسه إلا أغلقها.
وعندما عاد تلك الليلة، بعد صلاة العشاء، وقبل أن يقف للصلاة لقيام الليل، خيل إليه كأنه يسمع همسة، أو لحنًا، أو صوتًا أليفًا .. ! ولم يفكر في ذلك، وإنما انصرف إلى صلاته، لا يشغله عنها شاغل، فالليل مركب الصالحين، ومطيَّة العباد،