وانتبه العطَّار .. إن الجارية لم تكن تنظر إليه، ولا تستمع لحديثه، كانت تنظر خِلْسة إلى يسار .. إلى الفتى الذي ضاق بحديث العطار، والذي سمعه منه مرات ومرات .. هذا هو الفتى الذي حدَّثها عنه حبيب بن مسعود، إنه لم يتجاوز في وصفه، بل لم يبلغ في وصفه ..
وتنحنح العطَّار وهو يرفع يده يعدل عمامته .. وقال:
-انتظري لحظه ..
ثم خرج من دكانه وهو يقول:
-سأجلب لك من آخر السوق.
وهمَّ يسار بالانصراف، فلم يكن يرغب في البقاء طويلًا في مثل هذا السوق، ولم يكن يلبث إلا بمقدار ما يتناول حاجته من العطر ثم يعود سريعًا ..
قال أبو العرفان: فالتفتت إليه الجارية وقالت بصوت ناعم:
-إنني متأسفة يا سيدي.
والتفت إليها، ولم يكن قد وقع عليها نظره حتى هذه الساعة، فلما التقت العينان، أسبلت جفونها في خفر العذارى، وقالت بصوت هامس:
-إنني متأسفة يا سيدي .. لم أستطع أن أكتب مشكلتي .. ليتك تسمعها. فغض بصره، وقد تذكر الرقعة التي حملها إليه مريد، وقال:
-تكلَّمي:
قالت .. وبصوت كأنين الوتر الحزين:
-الآن يا سيدي؟
قال، ودون أن يلتفت إليها، أو يرفع نظره مرة أخرى: