الصفحة 23 من 118

قال أبو العرفان: وكان أبو محمود يروح ويجيء، وهو يلقي بالنكتة اللطيفة، فيقهقه سيعد بن منصور، وتطوق فم حسَّان ابتسامة خفيفة، أما حبيب بن مسعود، فقد جلس كعادته في بدء اللقاء، معتمدًا على المائدة بكوعه، محتضنًا وجهه براحتيه، وقد خيَّم عليه ما يشبه الحزن.

فالتفت إليه حسَّان بن معيقيب وقال له:

-مالك يا ابن مسعود؟ إنك في كل مرة نلتقي بها تبدأ حزينًا كئيبًا كأن هموم الدنيا قد نزلت على رأسك، فإذا بدأنا اللهو والشراب كنت أغرقنا لهوًا وعربدة!

فضحك حبيب بن مسعود ضحكة تشبه النحيب .. وقال وهو يعتدل في جلسته ويطلق زفرة حارة.

-كالطير يرقص مذبوحًا من الألم.

وهمست الجارية:

-من الذي ذبحك يا حبيب؟

فلم يبد عليه أنه سمع سؤالها، ولكنه أشار إلى حسَّان وقال:

-اسمع يا حسَّان .. لقد كنت قبل أن ألتقي بحكيم، قبل أن يعود من رحلته الأخيرة إلى بلاد شارلمان، كنت أسير في الطريق المعبَّد، كنت مع يسار، أتردد على مجالس العلم، وأصلي الأوقات في المسجد .. حتى صلاة الفجر .. وفي مثل هذا البرد، كنت أستيقظ فأتوضأ بالماء البارد وأنا لا أشعر ببرودته، وأذهب إلى المسجد، كنت أحيا حياة أخرى، أقرب إلى حياة الملائكة، فلما التقيت بحكيم ..

ونكس رأسه، وأخذ يعصر يديه بيديه، والجارية وحسَّان وسعيد بن منصور، وحتى الببغاء كانت تصغي إليه! ومضى حديثه فقال:

-انقدت إلى حكيم بلا تفكير .. سلمته الزمام فأوردني المورد الحرام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت