أتدري يا حسَّان .. إننا نسير في طريق مسدود، ليس له إلا منفذ واحد، وهتفت الجارية بهمس أيضًا:
-إلى أين؟
فتنهد حبيب وهو يدفع ظهره إلى الخلف وقال:
-إلى النار ..
ثم شبك بين أصابع يديه وأضاف:
-هذا إذا لم يتداركنا الله برحمته.
وسكت حبيب، وكانت عيون الجارية قد تعلَّقت به تسأله المزيد، وكان يبدوا كالأسير الذي لا يستطيع الفرار من أسره. ورفع رأسه، فرأى الجارية تنظر إليه كأنها ترثي لحاله، فسرَّه ذلك ومضى يقول:
-لقد كنت أعيش في جو مملوء بالرياحين، كنت في جنة وارفة والظلال أما الآن .. فأنى توجهت تطالعني هوة سحيقة فاغرة فاها تريد أن تبتلعني، هذه هي المعيشة الضنك التي ذكرها القرآن الكريم {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا} .
وأقبل أبو محمود، فأخذ الببغاء إلى غرفة أخرى ثم قال:
-إذا انتهيت من وعظك فآذني ..
فضحك الجميع ضحكة اهتزت لها جنبات الغرفة، وأراد ابن مسعود أن يجيب، ولكنه سمع طرقًا خفيفًا على الباب .. فصاح أبو محمود ينادي العبد:
-انظر من الباب ..
وأقبل هذا بعد قليل، وكان كبير السن تجاوز الخمسين من العمر يرتدي ملابس بيضاء ويضع على رأسه قلنسوة من صنع الأعاجم. وأخذ العبد يشير بيديه وعينيه، ويتكلم بصوت لا يسمعه أحد من الحاضرين، حتى خيَّم على الجميع صمت مبعثه